الأسد يثني على دعم إيران وروسيا والصين و«أوفياء المقاومة اللبنانية»

أدى اليمين الدستورية في قصر الشعب لسبع سنوات جديدة في الرئاسة

يد بشار الأسد على المصحف أثناء ادائه اليمين الدستورية في القصر الرئاسي بدمشق أمس (رويترز)
يد بشار الأسد على المصحف أثناء ادائه اليمين الدستورية في القصر الرئاسي بدمشق أمس (رويترز)
TT

الأسد يثني على دعم إيران وروسيا والصين و«أوفياء المقاومة اللبنانية»

يد بشار الأسد على المصحف أثناء ادائه اليمين الدستورية في القصر الرئاسي بدمشق أمس (رويترز)
يد بشار الأسد على المصحف أثناء ادائه اليمين الدستورية في القصر الرئاسي بدمشق أمس (رويترز)

وصف الرئيس السوري بشار الأسد الحرب التي تخاض ضد بلاده بأنها «حرب قذرة»، محذرا الدول التي «تدعم الإرهاب» بأنها «ستدفع ثمنا غاليا». وعد أن نتائج الانتخابات الرئاسية كانت «استفتاء ضد الإرهاب»، متعهدا السير بـ«ضرب الإرهاب من دون هوادة والقيام بمصالحات محلية لمن يريد العودة عن الطريق الخاطئ».
وأعلن الأسد، الذي أدى أمس اليمين الدستورية في قصر الشعب محددا في خطاب القسم الخطوط العريضة لولايته الرئاسية الثالثة، إن مكافحة الفساد وإعادة الأعمار ستكونان أولوية عمله في المرحلة المقبلة، مثنيا على دعم إيران وروسيا والصين وكذلك من وصفهم بـ«أوفياء المقاومة اللبنانية»، في إشارة إلى حزب الله. كما شن هجوما عنيفا على تنظيم «الإخوان المسلمين»، واصفا إياهم بـ«الشياطين»، لافتا إلى أن «استغلال الدين والإرهاب وجهان لعملة واحدة».
وكان الأسد وصل قرابة الساعة الثانية عشرة والنصف من ظهر أمس إلى الباحة الخارجية لقصر الشعب الواقع على تلة مشرفة على العاصمة في شمال غربي دمشق، على متن سيارة «بي إم دبليو» سوداء اللون، قبل أن يستعرض حرس الشرف على سجادة حمراء، ويدخل القصر ليؤدي اليمين أمام نحو ألف مدعو بينهم نواب ووزراء وضباط.
ولم يأت خطاب الأسد مغايرا لما توقعه محللون في وقت سابق، لناحية تقديم نفسه «خشبة الخلاص» من الإرهابيين واعتزازه بنتائج الانتخابات الرئاسية، في وقت سارع فيه الائتلاف السوري المعارض على لسان أمينه العام نصر الحريري إلى التأكيد على أن «محاربة الإرهاب وضربه وإعادة الاستقرار إلى سوريا يعني في المقام الأول العودة إلى ثوابت الثورة ومبادئها وإلى ما أراده السوريون عندما انطلقوا في ثورة الحرية والكرامة».
وقال الحريري، ردا على ما أورده الأسد في خطابه، إنه «لا مكان لإعادة الأمان إلا انطلاقا من إسقاط النظام ورموزه ومحاكمة المجرمين»، لافتا إلى أن «جميع السوريين يعرفون أن الأسد الذي يتشدق بالحوار في خطابه كان أول من صنع مشاهدا تمثيلية للحوار في دمشق كمحاولة للتغطية على جرائمه، ثم شارك في مؤتمر جنيف ولم يكن جديا فماطل وسوّف ولعب على عنصر الوقت فيما يحمل خلف ظهره خنجر الإرهاب ويروج له ويدعمه ليطعن به السوريين والمنطقة برمتها». وشدد على أن «العامل الداخلي الذي يتحدث عنه الأسد لا يمكن التركيز عليه إلا في دولة المواطنة التي ننشدها جميعا، أما الحديث عن المصالحات في الداخل تحت أزيز الطائرات وهدير الدبابات فما هو إلا حديث مكشوف وفاشل للتصدير الإعلامي ولكن لم يعد يقع في مصيدته أحد».
وكان الرئيس السوري استهل خطاب القسم بتهنئة سوريا على شعبها الذي عده «تحدي كل أشكال الهيمنة والعدوان بكل الوسائل التي يملكها»، مشيرا إلى أن «المشاركة الكبيرة في الانتخابات كانت استفتاء لصالح السيادة ضد الإرهاب بكل أشكاله». وقال: إن «الانتخابات الرئاسية كانت لكثير من السوريين كالرصاصة التي يوجهونها إلى صدور الإرهابيين ومن وراءهم».
ووصف الأسد ما تتعرض له بلاده منذ أكثر من 3 سنوات بأنه «عدوان من الخارج بأدوات داخلية»، حاملا على استخدام «مصطلح الحرب الأهلية لوصف ما يحصل في سوريا». ورأى أن ذلك «ليس إلا محاولة لإعطاء الإرهابيين غطاء شرعيا كطرف في خلاف بين السوريين أنفسهم وليس كأداة خسيسة بيد الخارج».
وقال الأسد، الذي قاطع الحاضرون خطابه بالتصفيق مرارا: «إننا منذ بداية الأحداث حذرنا بأن ما يحصل هو مخطط لن يقف عند حدود سوريا بل سيتجاوزها منتشرا عبر انتشار الإرهاب الذي لا يعرف حدودا». وتابع: «حينها قال البعض الرئيس السوري يهدد العالم. حينها تحدثت عن خط الزلازل الذي يمر في سوريا وقلت إن المساس بهذا الخط سيؤدي لزلازل لن تتوقف ارتداداتها في سوريا ولا عند الجوار بل ستذهب لمناطق بعيدة عدوا أن الرئيس السوري يهدد لمجرد التهديد».
وفي موازاة تحذيره من أن «الدول العربية والإقليمية والغربية التي دعمت الإرهاب ستدفع هي الأخرى ثمنا غاليا»، سأل الرئيس السوري: «أليس ما نراه في العراق اليوم وفي سوريا ولبنان وفي كل الدول التي أصابها داء الربيع المزيف من دون استثناء، هو الدليل الحسي الملموس على مصداقية ما حذرنا منه مرارا وتكرارا؟».
ووجه الأسد انتقادات لاذعة إلى تنظيم «الإخوان المسلمين»، الذي كان والده الرئيس الراحل حافظ الأسد قضى على حراكه السياسي في الثمانينات، وسأل: «هل كان علينا انتظار ثلاثين عاما حتى يأتي قاطعو الرؤوس وآكلو القلوب والأكباد لكي نكتشف أن استغلال الدين والإرهاب وجهان لعملة واحدة». وأضاف: «ألم تكن تجربة إخوان الشياطين الإجرامية في الثمانينات كافية لنتعلم الدروس». وذكر الأسد بما قاله في بداية الأزمة لدى حديثه عن «إخوان الشياطين» قائلا: «قام البعض بالتعليق بأنه لم يترك شعرة، ربما نحاورهم، لماذا يقول عنهم شياطين وهم حزب؟ يجب أن يقول عنهم الرئيس (إخوان مسلمين)». وأضاف: «نحن نعتذر من هؤلاء. لا يجوز أن نسميهم الإخوان الشياطين يجب أن نسميهم الشياطين لأن القتل والإرهاب والفساد والفتنة وكل الموبقات هي من وساوس الشيطان».
وعلى خط المصالحات، كرر الأسد دعوته «لمن غرر بهم إلى أن يلقوا السلاح، لأننا لن نتوقف عن محاربة الإرهاب وضربه أينما كان حتى نعيد الأمان إلى كل بقعة في سوريا»، موضحا أنه «لا يهمنا من خرج خائنا أو عميلا أو فاسدا، فقد نظفت البلاد نفسها من هؤلاء، ولم يعد لهم مكان ولا مكانة لدى السوريين». ووصف «من ينتظر انتهاء الحرب من الخارج بأنه واهم»، لافتا إلى أن «الحل السياسي» كما يسمى اصطلاحا يبنى على المصالحات الداخلية التي أثبتت فاعليتها في أكثر من مكان. وأكد «الاستمرار بهذا المسار لما يعنيه ذلك من حقن لدماء السوريين وعودة الأمان والمهجرين وعودة الإعمار وقطع الطريق على أي مخططات خارجية تؤسس على ثغرات داخلية».
وشدد الأسد على أن «المصالحات الوطنية لا تتعارض ولا تحل محل الحوار الوطني الذي بدأته الدولة مع مختلف القوى السياسية والحزبية والفعاليات الاجتماعية وستستمر به بانفتاح تجاه كل الأفكار»، لكنه جزم بأنه «إن كانت الدولة قد مدت يدها للحوار مع الجميع منذ بداية الأزمة، فاليوم وبعد هذا الاختبار الوطني القاسي والغالي الثمن، فإن هذا الحوار لا يشمل القوى التي أثبتت لا وطنيتها، فتهربت من الحوار في البدايات، وراهنت على تغير الموازين، وعندما خسرت الرهان قررت تغيير دفة الاتجاه كي لا يفوتها القطار». وقال: إن «تلك القوى ادعت الوطنية والخوف على البلاد في الوقت الذي حاولت بمواقفها إعطاء الغطاء للإرهابيين مقابل وعود أو أموال أتتهم من الخارج»، موضحا في الوقت ذاته أن «القوى العميلة علنا فلا نحاورهم كسوريين بل كممثلين للدول التي يدينون بالولاء لها وينطقون بلسانها».
وفي موازاة إشارته إلى «إنجازات كبيرة جدا حققناها في الفترة الماضية في حربنا على الإرهاب»، في إشارة إلى التقدم الميداني في بعض المناطق، لم ينكر الأسد خروج محافظتي الرقة وحلب عن سيطرة قواته. وقال في هذا السياق: «لم ولن ننسى الرقة الحبيبة»، في إشارة إلى معقل تنظيم «الدولة الإسلامية» شمال سوريا، التي تعهد بـ«أننا سنخلصها من الإرهابيين». وأضاف: «وأما حلب الصامدة (كبرى مدن الشمال) وأهلها الأبطال، فلن يهدأ بالنا حتى تعود آمنة مطمئنة».
ووجه الأسد شكرا إلى الدول والقوى الداعمة له، وفي مقدمها حزب الله اللبناني، بقوله: «لا ننسى الأوفياء من أبناء المقاومة اللبنانية الأبطال الذين وقفوا جنبا إلى جنب مع أبطال جيشنا وخاضوا المعارك المشرفة سوية على طرفي الحدود، وقدموا الشهداء دفاعا عن محور المقاومة». وتابع: «تحية لهم ولكل عائلة شهيد منهم بادلتنا الوفاء بالوفاء واعتبرت واجب الوقوف مع سوريا كواجب الدفاع عن جنوب لبنان». كما وجه «الشكر لإيران وروسيا والصين»، بوصفها «دولا احترمت قرار الشعب السوري وإرادته طوال ثلاث سنين ودافعت بحق عن مواثيق الأمم المتحدة في احترام سيادة الدول وعدم التدخل بشؤونها الداخلية».
من جهة أخرى، أكد الأسد «أولوية مكافحة الفساد»، وأشار إلى أن «إعادة الإعمار عنوان اقتصاد المرحلة المقبلة»، لافتا إلى «أننا سنركز جميعا جهودنا على هذا الجانب مع العمل بشكل متواز على ترميم كل القطاعات الأخرى التي ستكون مكملة وداعمة لإعادة الإعمار».



ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.