الوقود الحيوي ومصادر الطاقة البديلة

ينتج من محاصيل زراعية وطحالب وبكتيريا

الوقود الحيوي ومصادر الطاقة البديلة
TT

الوقود الحيوي ومصادر الطاقة البديلة

الوقود الحيوي ومصادر الطاقة البديلة

دفع تناقص موارد الطاقة المتوقع حدوثه، الكثير من الدول إلى البحث عن مصادر بديلة للوقود وإيجاد الحلول لتجاوز مشكلة عدم الوفرة المتوقعة في الوقود الأحفوري، لذلك قد يكون الوقود الحيوي هو البديل الأمثل.
ويعرف الوقود الحيوي بأنه الطاقة المستدامة من الكائنات الحية سواءً الحيوانية منها أو النباتية. وهو يعتبر من أهم مصادر الطاقة المتجددة على خلاف غيره من الموارد الطبيعية، مثل النفط والوقود النووي، لذلك سعت الكثير من الدول لزراعة أنواع معينة من النباتات خصيصاً لاستخدامها في مجال الوقود الحيوي، ومنها الذرة وفول الصويا في الولايات المتحدة الأميركية، وقصب السكر في البرازيل، وزيت النخيل في شرق آسيا.

الوقود الحيوي
ويتم إنتاج الوقود الحيوي من عدد من المحاصيل النباتية والطحالب والبكتيريا:
- محاصيل الجيل الأول حيث استخدمت بذور وحبوب النباتات لإنتاج الوقود الحيوي، ومنها الذرة والقمح وفول الصويا وقصب السكر واللفت والشعير وغيرها.
- الجيل الثاني يعتمد على المخلفات النباتية، كسيقان القمح والذرة ونشارة الخشب والتبن وغيرها، حيث يتم الحصول على الوقود السليلوزي والإيثانول والميثانول الحيوي والهيدروجين الحيوي.
- الجيل الثالث يستخدم الطحالب لإنتاج الوقود الحيوي، لاحتوائها على نسبة جيدة من الزيوت تصل إلى 60 في المائة من وزنها.
- الجيل الرابع يعدُ هذا الجيل أحدث اتجاه عالمي لإنتاج الوقود الحيوي، ويعتمد على إجراء تغيير في جينوم أحد الكائنات الدقيقة، وهي بكتيريا تسمى Mycoplasma Laboratorium، بحيث تصبح قادرة على إنتاج الوقود من غاز ثاني أكسيد الكربون.
وتتميز الطحالب عن بقية المواد المستخدمة في إنتاج الوقود الحيوي بأنها تنمو في المياه ولذا فإنها تتغلب على واحدة من المشكلات الأساسية التي تواجهها المواد الأخرى، وهي التنافس على الأرض مع المحاصيل الزراعية الأخرى. وبعض الأشكال الشائعة من الطحالب هي الأعشاب البحرية، والتي لا تعتبر نباتات حقيقية ولكنها تقوم بعملية التمثيل الضوئي، حيث يمكن للطحالب تخزين ما يصل إلى 50 في المائة من وزن أجسامها من الدهون، وبالتالي تنتظر تحويلها إلى الغاز لإنتاج الإيثانول.

مؤشرات مهمة
إن صعود الوقود الحيوي لا يمثل سوى مرحلة جديدة ممتدة في الحضارة الإنسانية التي شهدت التحول من وقود الفحم التقليدي إلى البترول، ومنه إلى مصادر متجددة من الطاقة التي تحمل في طياتها من الفرص والتحديات والتداعيات الاقتصادية والاجتماعية والبيئة والإنسانية، ويبقى إنتاج الوقود الحيوي رهن تجاذبات دولية بين مؤيد لعملية الإنتاج وبين معارض لها بدوافع أخلاقية.
أهم مميزات الوقود الحيوي: تتمثل في كونه وقودا بيئيا:
- بحلول عام 2050 يمكن للوقود الحيوي أن يختزل انبعاثات الغازات الدفيئة بنحو 1.7 مليار طن في العام أي ما يعادل أكثر من 80 في المائة من الانبعاثات الحالية الناجمة عن وسائل النقل. تعمل دورة إنتاج واستخدام هذا الوقود في المُجمل على اختزال ما يقارب 80 في المائة من انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون، وتقريباً 100 في المائة من انبعاثات ثاني أكسيد الكبريت. كما يؤدّي أيضاً لاختزالاتٍ مهمة في نسبة انبعاث غاز أول أكسيد الكربون السام بالمُقارنة مع ما يُنتجه البترول المُستخدم، وأيضاً تصل نسبة تقليله لمخاطر الإصابة بالسرطان بالنسبة لأنواع الوقود الأخرى لـ90 في المائة.
- يحتوي الديزل الحيوي على نسبة 11 في المائة من الأكسجين، ولا يحوي أي نسبة من الكبريت.
- يمكن أن يؤدّي استخدامه إلى إطالة عمر محركات الديزل، حيث إنه يحوي نسبة تشحيم أكثر مما يحويه البترول.
- يُعد الديزل الحيوي آمناً من جهة التحكّم به ونقله، إذ إن التحلُّل البيولوجي له مشابه للسكر، كما أن درجة سُمّيته تُعتبر أقل بـ10 مرات من ملح الطعام.
- أُثبِت نجاح هذه التقنيّة بالتجربة، حيث تمّ استخدامه لتسيير مركباتٍ لـ30 مليون ميل في الولايات المتّحدة الأميركيّة وحدها.
- لا يُنتج احتراقه روائح كريهة كالتي تنتج عن حرق الوقود الأحفوري، وهو بذلك يقضي على شكلٍ من أشكال التلّوث.

إنتاج متزايد
في 2010 وصل الإنتاج العالمي من الوقود الحيوي إلى 105 مليارات لتر أكثر من 17 في المائة عن 2009 ويساهم الوقود الحيوي بنسبة 2.7 في المائة من الوقود في العالم المستخدم في النقل البري، وخاصة وقود الإيثانول والديزل الحيوي. ووصل الإنتاج العالمي من وقود الإيثانول إلى 86 مليار لتر في 2010. وكانت الولايات المتحدة والبرازيل على قمة المنتجين، حيث ساهمت معاً بنسبة 90 في المائة من الإنتاج العالمي. وأكبر منتج في العالم للديزل الحيوي هو الاتحاد الأوروبي، وساهم بنسبة 53 في المائة من إجمالي إنتاج الديزل الحيوي في 2010.
يتمّ سنويّاً إنتاج ما يقرب من مليار غالون من الديزل الحيوي، أما الإيثانول الحيوي فيبلغ الإنتاج السنوي منه نحو 22 مليار غالون، ولكن مع تزايد إنتاج الآليات الثقيلة والمتوسطة، وزيادة حاجة الإنسان لها والمترافقة مع تناقص كميات الوقود الأحفوري، فإننا نحتاج إلى زيادة إنتاج الوقود الحيوي والعمل على إيجاد أنواع أخرى من الوقود الاقتصادي والنظيف.
وكانت الولايات المتحدة قد أعلنت بداية هذا القرن خطة تمتد 15 عاما لإنتاج 150 مليار لتر الإيثانول باستخدام القمح وبعض النباتات والأخشاب، بعد أن اعتمدت في إنتاجها من الإيثانول على الذرة وهي تنتج 45 في المائة من الإنتاج العالمي.
ومع استثناء الإيثانول الذي تنتجه البرازيل من قصب السكر الذي تعتبر تكاليف إنتاجه هي الأدنى بين بلدان العالم المنتجة للوقود الحيوي، فإن هذا النوع من الوقود حالياً لا يستطيع أن ينافس الوقود الأحفوري من دون الحصول على إعانات حكومية وتسهيلات خاصة، وحوافز ضريبية مكنته من الصمود التجاري في كثير من الحالات. تليها البرازيل التي تعتمد على قصب السكر وتنتج 36 في المائة من إجمالي الإنتاج العالمي، بينما تعتمد فرنسا وإسبانيا وألمانيا في إنتاج الإيثانول على القمح، أما إنتاج الديزل الحيوي، فإن أميركا والبرازيل تنتجانه من فول الصويا، ودول الاتحاد الأوروبي من بذور اللفت.

قيود بيئية وأخلاقية
إن استغلال الأراضي لزراعة محاصيل الطاقة، وتحويل الحقول الزراعية المنتجة للمحاصيل الغذائية المخصصة للاستهلاك البشري أو الحيواني إلى حقول لإنتاج الوقود الحيوي، يتسبب في خلل في التنوع الزراعي العالمي، واجتثاث كثير من الغابات والمحميات الطبيعية، وزيادة في معدلات انجراف التربة، واستهلاك كميات هائلة من المياه العذبة، وتقدر بعض الدراسات أن إنتاج لتر واحد من الوقود الحيوي يحتاج إلى 5000 لتر ماء، وأن إنتاج 13 لتراً من الإيثانول يحتاج - مثلاً - إلى 231 كيلوغراماً من الذرة.
ويتسبب الوقود الحيوي في ارتفاع مستوى تلوث المياه والهواء الناجم عن الكميات الكبيرة من المبيدات الزراعية والأسمدة التي تتطلبها زراعة محاصيل الطاقة، كما سيؤثِر على جودة التربة وينهكها
وتعتبر القيود الأخلاقية أهم القيود في ضوء إعلان بعض الدول النامية غير المنخرطة في إنتاج الوقود إدانتها في محافل دولية لإنتاجها من المنتجات الزراعية، لما يتضمنه من تحويل غذاء الإنسان إلى غذاء للآلة في الوقت الذي تعاني فيه الكثير من الدول أزمات غذائية وصلت إلى حد المجاعات.
وتشمل القيود الأخرى الاكتشافات البترولية في مناطق مختلفة من العالم وخاصة في الشرق الأوسط التي تلعب دوراً مهماً في إعادة ترتيب منظومة الطاقة الحالية المستقبلية، وصياغتها في اتجاه إعادة النظر في سياسات التوسع أو الإسراع في إنتاج الوقود الحيوي وبدائل الطاقة عامة.
إضافة إلى استقرار أسعار النفط، ما سيقلل من تنافسية الوقود الحيوي وتضعف اتجاهات الإسراع والتوسع في إنتاجه.


مقالات ذات صلة

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

علوم النموذج تم تطويره باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

أنتجت مجموعة من العلماء هيكلاً يشبه إلى حد كبير الجنين البشري، وذلك في المختبر، دون استخدام حيوانات منوية أو بويضات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم الهياكل الشبيهة بالأجنة البشرية تم إنشاؤها في المختبر باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء يطورون «نماذج أجنة بشرية» في المختبر

قال فريق من الباحثين في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة إنهم ابتكروا أول هياكل صناعية في العالم شبيهة بالأجنة البشرية باستخدام الخلايا الجذعية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

تمكنت مجموعة من العلماء من جمع وتحليل الحمض النووي البشري من الهواء في غرفة مزدحمة ومن آثار الأقدام على رمال الشواطئ ومياه المحيطات والأنهار.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
علوم صورة لنموذج يمثل إنسان «نياندرتال» معروضاً في «المتحف الوطني لعصور ما قبل التاريخ» بفرنسا (أ.ف.ب)

دراسة: شكل أنف البشر حالياً تأثر بجينات إنسان «نياندرتال»

أظهرت دراسة جديدة أن شكل أنف الإنسان الحديث قد يكون تأثر جزئياً بالجينات الموروثة من إنسان «نياندرتال».

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

توصلت دراسة جديدة إلى نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات على كوكب الأرض مشيرة إلى أن نظرية «تبلور العقيق المعدني» الشهيرة تعتبر تفسيراً بعيد الاحتمال للغاية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

بكتيريا معدّلة وراثياً تفتح باباً جديداً للقاحات السرطان الفموية

اللقاحات الفموية قد تعوض حقن مكافحة السرطان
اللقاحات الفموية قد تعوض حقن مكافحة السرطان
TT

بكتيريا معدّلة وراثياً تفتح باباً جديداً للقاحات السرطان الفموية

اللقاحات الفموية قد تعوض حقن مكافحة السرطان
اللقاحات الفموية قد تعوض حقن مكافحة السرطان

قد يصبح تعزيز مناعة الجسم ضد السرطان ممكناً يوماً ما عبر لقاح يُتناول عن طريق الفم بدلاً من الحقن؛ فقد أظهرت دراسة سريرية استكشافية مبكرة أن بكتيريا معدّلة وراثياً يمكن استخدامها لنقل مستضد سرطاني إلى الجهاز المناعي، مع نتائج أولية تشير إلى إمكانية تعزيز الاستجابة المناعية المضادة للأورام لدى بعض المرضى.

وفي تجربة سريرية من المرحلة الأولى، كان اللقاح التجريبي «B440» جيد التحمل عموماً، وأظهر مؤشرات مناعية وسريرية تستحق مزيداً من البحث. كما كشفت النتائج عن احتمال وجود مؤشر حيوي يمكن أن يساعد مستقبلاً في تحديد المرضى الأكثر احتمالاً للاستفادة من هذا النهج.

بكتيريا لتحفيز المناعة

• بكتيريا «معوية». يمتلك الجهاز المناعي قدرة طبيعية على مهاجمة الخلايا السرطانية، لكن الأورام تستطيع تطوير آليات للهروب من هذه المراقبة؛ من بينها استغلال ما يُعرف بـ«نقاط التفتيش المناعية» (immune checkpoints)، وهي آليات تعمل بوصفها فرامل تمنع الجهاز المناعي من مهاجمة الخلايا بصورة مفرطة.

وتعمل أدوية مثبطات نقاط التفتيش المناعية، مثل بعض العلاجات الحديثة للسرطان، على تعطيل هذه الفرامل لإعادة تنشيط المناعة ضد الورم. لكن بعض السرطانات تتمكن من تطوير وسائل أخرى للهروب، كما أن عدداً من المرضى لا يستجيبون لهذه العلاجات.

ومن هنا بحث فريق بقيادة الباحث توشيرو شيراكاوا من قسم المسالك البولية، كلية الدراسات العليا للطب بجامعة كوبي اليابان، عن طريقة جديدة لتعزيز المناعة بالاستعانة ببكتيريا «Bifidobacterium longum»، وهي بكتيريا معروفة باستخدامها في بعض منتجات البروبيوتيك (probiotic)، وقدرتها على التفاعل مع الجهاز المناعي في الأمعاء.

وعدّل الباحثون البكتيريا وراثياً، بحيث تقدم جزءاً كبيراً من بروتين معدل يُعرف باسم بروتين ورم ويلمز 1 (WT1) Wilms tumor 1 protein، وهو مستضد مرتبط بعدد من الأورام. والهدف هو إيصال هذا المستضد عبر الجهاز الهضمي إلى الأنسجة اللمفاوية المرتبطة بالأمعاء، حيث يمكن أن يتفاعل مع الجهاز المناعي.

• تجربة على مرضى استنفدوا خيارات العلاج. اختبر الباحثون اللقاح الفموي التجريبي، وذلك في تجربة سريرية من المرحلة الأولى شملت 12 مريضاً مصابين بسرطان المسالك البولية المنتشر كانوا قد استنفدوا خيارات العلاج القياسية.

ونُشرت نتائج الدراسة بدورية «JCO Oncology Advances» في 7 يوليو (تموز) 2026، وأظهرت أن العلاج كان جيد التحمل. وكان الأثر الجانبي الوحيد المرتبط بالعلاج هو ارتفاع مؤقت في مستويات الإنترلوكين-6 «(IL-6) interleukin-6»، وهو جزيء يشارك في تنظيم الاستجابة الالتهابية، وقد ظهر لدى 3 مرضى فقط، وكانت جميع الحالات خفيفة وغير خطيرة.

لكن الجانب الأكثر إثارة للاهتمام ظهر في الاستجابة المناعية؛ فقد تمكن الباحثون من رصد استجابة مناعية خلوية موجهة ضد بروتين «ورم ويلمز» لدى ستة من المرضى الاثني عشر. والمفاجأة أن هؤلاء المرضى كانوا جميعاً يمتلكون بالفعل استجابة ضعيفة للمستضد قبل تلقي اللقاح، كما بقوا لفترة أطول من دون تقدم للمرض مقارنة بالمرضى الآخرين.

أما المرضى الستة الذين لم تكن لديهم استجابة مناعية قابلة للكشف ضد بروتين ورم ويلمز قبل العلاج، فلم يُظهر اللقاح قدرة واضحة على تكوين استجابة جديدة لديهم.

رصد مؤشر حيوي يساعد في تحديد المرضى الأكثر احتمالاً للاستفادة منها

تعزيز المناعة

• لقاح يعزز المناعة أكثر مما يبدأها. تشير هذه النتائج إلى احتمال أن يعمل اللقاح التجريبي بوصفه مُعزّزاً للاستجابة المناعية الموجودة مسبقاً، بدلاً من كونه لقاحاً قادراً على إطلاق استجابة جديدة من الصفر.

وإذا تأكد هذا الأمر في دراسات أكبر، فقد تصبح الاستجابة المناعية الضعيفة الموجودة مسبقاً ضد بروتين ورم ويلمز مؤشراً حيوياً يساعد الأطباء في تحديد المرضى الأكثر احتمالاً للاستفادة من هذا النوع من العلاج.

وبعد انتهاء التجربة تلقى 7 مرضى علاجاً إضافياً بدواء «بيمبروليزوماب» (Pembrolizumab)، وهو أحد مثبطات نقاط التفتيش المناعية وفقاً لتقدير أطبائهم. ولوحظ انكماش الأورام لدى 3 منهم، وجميعهم كانوا من المرضى الذين ظهرت لديهم استجابة مناعية ضد بروتين ورم ويلمز بعد تلقي اللقاح التجريبي. لكنّ الباحثين يؤكدون أن هذه النتائج لا تثبت فاعلية اللقاح، نظراً للعدد الصغير من المشاركين وطبيعة المتابعة غير العشوائية بعد انتهاء التجربة.

وقال شيراكاوا إن الدراسة لم تُصمم لإثبات فاعلية العلاج؛ بل لتوليد فرضيات يمكن اختبارها في دراسات لاحقة.

• نحو جيل جديد من لقاحات السرطان. يرى الباحثون أن النتائج تبرر مواصلة دراسة اللقاح التجريبي (B440)، خصوصاً بالاشتراك مع مثبطات نقاط التفتيش المناعية، أو استخدامها قبل هذه العلاجات.

ويجري الفريق حالياً تجربة سريرية من المرحلتين الأولى والثانية تختبر اللقاح التجريبي بالاشتراك مع دوائي «نيفولوماب» (Nivolumab) و«إبيليموماب» (Ipilimumab) لدى المرضى المصابين بورم الظهارة المتوسطة الخبيث الجنبي غير القابل للاستئصال (nonremovable malignant pleural mesothelioma).

ورغم أن الطريق لا يزال طويلاً قبل معرفة ما إذا كان هذا النهج سيصبح علاجاً فعلياً، فإن الدراسة تفتح اتجاهاً جديداً في علاج السرطان هو استخدام بكتيريا معوية معدّلة وراثياً وسيلة فموية لإيصال مستضدات السرطان وتحفيز الجهاز المناعي من الداخل، وربما دمجها مستقبلاً مع العلاجات المناعية القائمة.


تقنية مبتكرة بالذكاء الاصطناعي لتقدير إنتاج الغذاء في أفريقيا

الأداة الجديدة ترسم خرائط أكثر دقة للمحاصيل في المزارع الصغيرة باستخدام صور الأقمار الاصطناعية (جامعة كمبردج)
الأداة الجديدة ترسم خرائط أكثر دقة للمحاصيل في المزارع الصغيرة باستخدام صور الأقمار الاصطناعية (جامعة كمبردج)
TT

تقنية مبتكرة بالذكاء الاصطناعي لتقدير إنتاج الغذاء في أفريقيا

الأداة الجديدة ترسم خرائط أكثر دقة للمحاصيل في المزارع الصغيرة باستخدام صور الأقمار الاصطناعية (جامعة كمبردج)
الأداة الجديدة ترسم خرائط أكثر دقة للمحاصيل في المزارع الصغيرة باستخدام صور الأقمار الاصطناعية (جامعة كمبردج)

مع تزايد تأثير التغيرات المناخية في الزراعة، أصبحت معرفة ما يُزرع وأين، وحجم المساحات المزروعة، عاملاً مهماً في تقدير إنتاج الغذاء، والاستعداد لنقصه. لكن الحصول على هذه البيانات يظل تحدياً في كثير من الدول، خصوصاً تلك التي تعتمد على مزارع صغيرة يصعب مسحها ميدانياً بصورة منتظمة.

وفي هذا السياق، يفتح الذكاء الاصطناعي، بالاستعانة بصور الأقمار الاصطناعية، مجالاً جديداً لمراقبة المحاصيل، ورسم خرائطها بسرعة، وبتكلفة أقل. وأظهرت دراسة لباحثين في جامعة كمبردج البريطانية أن أداة للذكاء الاصطناعي طوّرها الفريق يمكن أن تساعد الحكومات والمنظمات المعنية بالأمن الغذائي على رسم خرائط أكثر دقة للمحاصيل في المزارع الصغيرة، باستخدام صور الأقمار الاصطناعية، وبتكلفة حاسوبية أقل، ما يتيح تقدير الإنتاج، ورصد التغيرات الزراعية، والاستعداد بصورة أفضل لنقص الغذاء المحتمل.

أداة ذكاء اصطناعي

واختبر الباحثون أداة «تيسيرا» (Tessera) -وهي نموذج مفتوح المصدر للذكاء الاصطناعي مدرّب على صور الأقمار الاصطناعية- لرسم خريطة للمحاصيل في حوض الفول السوداني بالسنغال، وهي منطقة زراعية تعتمد بدرجة كبيرة على عمل صغار المزارعين، والزراعة البعلية.

وأظهرت الاختبارات أن «تيسيرا» تمكنت من تحديد نوع المحصول الصحيح في نحو 84 في المائة من الحالات. وتأتي الدراسة في وقت تزداد فيه الحاجة إلى بيانات زراعية دقيقة لمراقبة تأثير التقلبات المناخية في إنتاج الغذاء، خصوصاً في المناطق التي يعتمد فيها جزء كبير من الإنتاج على مزارع صغيرة، ومياه الأمطار. وفي غرب أفريقيا، يمثل تغير أنماط هطول الأمطار والجفاف أحد المخاطر التي قد تؤثر في إنتاج المحاصيل، والأمن الغذائي.

كيف تعمل «تيسيرا»؟ تعتمد الأداة على تحليل صور الأقمار الاصطناعية على مدار عام كامل، وتحويل كل بقعة أرضية تبلغ مساحتها 10 أمتار مربعة إلى سلسلة من الأرقام تُعرف باسم «التضمين» (Embedding). ويحمل هذا التمثيل الرقمي معلومات عن كيفية تغير الأرض، والمحاصيل التي تنمو فيها بمرور الوقت.

بعد ذلك يمكن استخدام خوارزمية بسيطة وعدد محدود من نقاط البيانات الميدانية لتحديد أنواع المحاصيل، وإنشاء خريطة واسعة النطاق لها. وتقلل هذه الطريقة الحاجة إلى جمع كميات كبيرة من البيانات الميدانية، أو إجراء عمليات حسابية مكلفة لتحليل صور الأقمار الاصطناعية، ما قد يجعل مراقبة المحاصيل أكثر إتاحة للحكومات، والمنظمات التي تفتقر إلى الموارد اللازمة لاستخدام الطرق التقليدية.

وقارن الباحثون أداء «تيسيرا» مع طريقتين مستخدمتين على نطاق واسع لرسم خرائط المحاصيل من الأقمار الاصطناعية، إضافة إلى «ألفا إيرث» (AlphaEarth)، وهو نموذج مشابه طوّره مختبر «غوغل ديب مايند»، لكن بنيته الأساسية ليست متاحة للجمهور. واختُبرت النماذج في رسم خرائط المحاصيل خلال أعوام 2018 و2019 و2021، مع تقييم دقتها، وموثوقيتها، وإمكانية إعادة استخدامها، والتكلفة الحاسوبية اللازمة لتشغيلها.

رصد التوقعات المستقبلية

وأظهرت النتائج أن «تيسيرا» حافظت على أداء أفضل عندما جرى تدريبها باستخدام بيانات سنة واحدة، ثم تطبيقها على سنة أخرى، ما يشير إلى إمكانية الاستفادة منها في السنوات اللاحقة دون الحاجة إلى إجراء مسوحات ميدانية جديدة كل عام.

وقالت الدكتورة ماديلين ليسايوس، الباحثة الرئيسة للدراسة بقسم علوم وتكنولوجيا الحاسوب بجامعة كمبردج، لـ«الشرق الأوسط» إن من أبرز فوائد «تيسيرا» في التطبيقات الزراعية تمتعها باستقرار زمني أكبر للبيانات مقارنة بأساليب التعلم الآلي التقليدية.

وأوضحت أن البيانات التي جُمعت قبل 5 أو 10 سنوات يمكن أن تظل قابلة للاستخدام مع النماذج الحالية، وهو ما كان من الصعب تحقيقه بالأساليب التقليدية، بما يتيح الاستفادة من البيانات الموجودة، وتقليل الاعتماد على حملات جمع جديدة بصورة مستمرة.

وأضافت أن الأداة تقلل أيضاً من الخبرات التقنية اللازمة للاستفادة من صور الأقمار الاصطناعية، خصوصاً بالنسبة إلى صغار المزارعين، مشيرة إلى أن تكاليف تخزين البيانات وتشغيل النماذج يمكن أن تنخفض بمقدار يتراوح بين 10 و20 مرة مقارنة بالأساليب التقليدية، مع الاستغناء عن حساب سمات أو مؤشرات معقدة، ومخصصة، ما يجعل استخدام صور الأقمار الاصطناعية في تطبيقات الأمن الغذائي أكثر سهولة.

وأوضحت ليسايوس أن «تيسيرا» توفر بنية تكنولوجية تسمح بتشغيل التحليلات الزراعية حتى على الهاتف الجوال، مع قدر محدود من المدخلات التقنية، ما يجعل المعلومات المستخلصة من الأقمار الاصطناعية أكثر إتاحة للمزارعين المحليين لتحليل مناطقهم بأنفسهم. وقالت إن هذه الإتاحة يمكن أن تسهم في تقليص الفجوة الرقمية في القطاع الزراعي، كما توفر بيانات تساعد على فهم الاتجاهات الزراعية، ودعم اتخاذ القرار.

وعلى نطاق أوسع، يمكن للحكومات والجهات الداعمة لصغار المزارعين استخدام هذه المعلومات في تخطيط برامج الإرشاد الزراعي، وورش العمل، وتوزيع المدخلات، فضلاً عن رصد انتشار أمراض المحاصيل، وتأثيرات المناخ، وأنماط إدارة الأراضي، بما يساعد على توجيه الدعم إلى المناطق والمزارعين الأكثر احتياجاً.

وفيما يتعلق بتوسيع استخدام «تيسيرا» إلى دول أفريقية أخرى، قالت ليسايوس إن النهج يمكن تطبيقه في مختلف المناطق الزراعية بالقارة الأفريقية. ويتطلب تكييفه مع محاصيل ومناخات ونظم زراعية مختلفة توفير ما لا يقل عن 12 عينة أو وسم عالي الجودة لكل محصول مستهدف في المنطقة، وبعد ذلك يمكن استخدام الأداة كمنتج جاهز لاستخراج معلومات تدعم تطبيقات الزراعة، والأمن الغذائي.


حين تصبح الخوارزمية أكثر إقناعاً من المريض

تجربة المريض جزء من المعرفة الطبية
تجربة المريض جزء من المعرفة الطبية
TT

حين تصبح الخوارزمية أكثر إقناعاً من المريض

تجربة المريض جزء من المعرفة الطبية
تجربة المريض جزء من المعرفة الطبية

تخيّل مريضاً يدخل عيادة طبيبه مثقلاً بألم مستمر وإرهاق يعطّل حياته اليومية، ويروي معاناته بتفاصيل يعرفها وحده. غير أن نظام الذكاء الاصطناعي الذي يستعين به الطبيب يشير إلى أن احتمال إصابته بمرض خطير ما... ضئيل للغاية.

هنا تبدأ معضلة تتجاوز دقة التشخيص: ماذا لو وثَّق الطبيب بحسابات الخوارزمية أكثر من شهادة المريض؟ وهل يمكن أن تتحول الأرقام إلى مرجع للحقيقة، بينما تتراجع التجربة الإنسانية إلى مجرد معلومة لا يُعتد بها؟

هذه المفارقة تفتح الباب أمام مفهوم فلسفي يكتسب أهمية متزايدة في الطب المدعوم بالذكاء الاصطناعي: «الظلم المعرفي» (Epistemic Injustice)، حين لا يُمنح الإنسان ما تستحقه شهادته من مصداقية.

التقنية في خدمة الحكم السريري

مصداقية المريض

وضعت الفيلسوفة البريطانية ميراندا فريكر (Miranda Fricker) عام 2007 إطاراً فلسفياً لفهم الظلم المعرفي، وميّزت بين صورتين له: الأولى عندما تُنتقص مصداقية شهادة الإنسان بسبب أحكام مسبقة، والثانية عندما يفتقر الإنسان إلى المفاهيم التي تمكّنه من فهم تجربته والتعبير عنها. وقد يتجلى ذلك في الطب حين لا تؤخذ شكوى المريض بالجدية التي تستحقها، أو عندما تعجز التصنيفات الطبية المعروفة عن تفسير أعراضه.

ومع دخول الذكاء الاصطناعي، يظهر طرف ثالث في العلاقة بين الطبيب والمريض: طرف يحلل كميات هائلة من البيانات ويقدم تقديرات تبدو دقيقة وموضوعية، لكنه لا يختبر الألم ولا يدرك التجربة الإنسانية كما يعيشها صاحبها.

وهنا يكمن الخطر الحقيقي الذي لا يتمثل فقط في احتمال خطأ الخوارزمية، بل في أن تتحول نتائجها إلى سلطة معرفية تطغى على صوت المريض، ويصعب على الطبيب نفسه التشكيك فيها.من يملك الكلمة الأخيرة... المريض أم الطبيب أم الخوارزمية؟ في دراسة نُشرت في فبراير (شباط) 2026 بمجلة «Minds and Machines»، بحثت جورجيا بوتسي وفيليبو سانتوني دي سيو العلاقة بين العدالة المعرفية وقدرة الإنسان على التحكم الفعلي في الذكاء الاصطناعي الطبي، وطرحت سؤالاً جوهرياً: هل تكفي مسؤولية الطبيب الرسمية عن القرار إذا كانت الخوارزمية تؤثر بصورة متزايدة في المعلومات التي يعتمد عليها وطريقة تفسيرها؟

داخل غرفة الفحص، تتقاطع اليوم ثلاثة مصادر للمعرفة: المريض الذي يعرف ألمه وأعراضه من تجربته الشخصية، والطبيب الذي يستند إلى خبرته السريرية وفحصه وتقديره للأدلة، والخوارزمية التي تحلل البيانات وتستخلص الأنماط والاحتمالات.

لكن هذه المصادر ليست متساوية في طبيعتها أو مسؤولياتها. فالمريض أدرى بتجربته المعيشة، والطبيب مسؤول عن التشخيص والقرار العلاجي، بينما تقدم الخوارزمية تقديرات مساعدة لا تمتلك سلطة سريرية مستقلة أو مسؤولية أخلاقية.

والتحدي ليس في اختيار أحد هذه الأصوات وإسكات الآخرين، بل في الجمع بينها دون أن تتحول قوة الحساب إلى سلطة تطغى على الحكم السريري أو تُهمّش رواية المريض.

الحوار أساس الشراكة العلاجية

«التشكيك الخوارزمي»

في دراسة نُشرت مطلع أكتوبر (تشرين الأول) 2026 بمجلة «Philosophy, Ethics, and Humanities in Medicine»، تناول الباحث أورهان أوندر، من جامعة مرمرة والمرتبط أيضاً بجامعة فيينا، ظاهرة مقلقة أطلق عليها «التشكيك الخوارزمي» (Algorithmic Gaslighting)، حين تدفع الهيمنة المتكررة للتقديرات الآلية المريض إلى التشكيك في تجربته الصحية.

ويستمد المصطلح جذوره من مسرحية «ضوء الغاز» (Gas Light) للكاتب باتريك هاملتون عام 1938، التي ارتبط اسمها لاحقاً بوصف ممارسات تجعل الإنسان يشك في إدراكه للواقع.

وفي الطب، لا يعني ذلك أن الخوارزمية تتعمد تضليل المريض، بل إن نتائجها قد تُمنح سلطة تفوق شهادته، حتى تصبح معاناته أقل إقناعاً من الأرقام التي تظهر على الشاشة.

وقد يواصل مريض الشكوى من أعراض مستمرة، بينما تصنفه الأنظمة الذكية مراراً ضمن فئة منخفضة الخطورة. وإذا تعامل الطبيب مع تلك التقديرات باعتبارها حكماً نهائياً، فقد يبدأ المريض بالتساؤل: هل أبالغ في وصف ألمي؟ هل أتخيل ما أشعر به؟ وهل تعرف الخوارزمية جسدي أكثر مني؟

ويحذر أوندر من أن هذه الظاهرة قد تتفاقم عندما لا تمثل البيانات جميع الفئات السكانية، أو تغيب الشفافية عن قرارات الخوارزمية، أو يبالغ العاملون الصحيون في الثقة بمخرجاتها.

وهكذا يتجاوز الضرر احتمال الخطأ التشخيصي إلى ما هو أعمق: أن يفقد المريض ثقته في تجربته الشخصية، وربما يتردد مستقبلاً في التعبير عن معاناته.

هل كل اختلاف مع الخوارزمية ظلم؟ لكن هل يعني اختلاف التقدير الخوارزمي مع رواية المريض وقوع ظلم معرفي بالضرورة؟ ففي دراسة نُشرت في أغسطس (آب) 2026 بمجلة «Philosophy of Medicine»، دعا الباحث باتريك هومل إلى الحذر من التوسع في استخدام هذا المفهوم دون أدلة تثبت وقوع الظلم وتأثيره الفعلي في الرعاية الصحية. فقد تكشف الخوارزمية مؤشرات مرضية تغيب عن التقييم الأولي، وقد تكون تقديراتها أكثر دقة في بعض الحالات. وفي المقابل، فإن احترام تجربة المريض لا يعني اعتبار تفسيره الشخصي لأعراضه تشخيصاً طبياً نهائياً.

وهنا يكمن التوازن المطلوب: فالعدالة المعرفية لا تعني منح المريض سلطة تشخيصية مطلقة، ولا تعني تجاهل الأدلة التي تقدمها الخوارزمية، بل تعني تقييم كل مصدر للمعرفة وفق قيمته وحدوده، وتفسير الاختلاف بينها بدلاً من إسكات أحد أطرافها.

من دقة الخوارزمية إلى عدالة القرار

لا تكفي الدقة الإحصائية وحدها لضمان عدالة القرارات الطبية المدعومة بالذكاء الاصطناعي. فالسؤال ليس فقط: هل أصابت الخوارزمية في تقديرها؟ بل أيضاً: هل يستطيع الطبيب مراجعة نتائجها والاعتراض عليها؟ وهل يجد المريض مساحة للتعبير عن أعراض لا تعكسها البيانات المسجلة؟

هنا تتحول العدالة المعرفية إلى مسؤولية مؤسسية. فالحوكمة الفعالة تتطلب اختبار الأنظمة على السكان المحليين، ومراقبة الانحياز، وتدريب العاملين الصحيين على إدراك حدود الخوارزميات، وتوثيق الحالات التي تتعارض فيها توصياتها مع التقييم السريري.

والأهم ألا تتحول التوصية الحسابية إلى حكم نهائي لا يقبل المراجعة. فالقرار الطبي الرشيد لا يقوم على ترجيح الأرقام وحدها، بل على الجمع بين الدليل العلمي والخبرة السريرية وتجربة المريض، ضمن علاقة علاجية تحفظ حقه في أن يُسمع ويُؤخذ على محمل الجد.

إن الذكاء الاصطناعي يفتح آفاقاً واسعة لتحسين التشخيص والتنبؤ بالأمراض وتخصيص العلاج. لكن قيمة هذا التقدم لا تُقاس بما نستخرجه من البيانات وحدها، بل بقدرتنا على توظيفه دون تهميش الإنسان أو الانتقاص من صوته داخل الرعاية الصحية. فالخوارزمية قد تكشف نمطاً يغيب عن الطبيب، والطبيب قد يفهم سياقاً تعجز الخوارزمية عن إدراكه، والمريض قد يشعر بتغير لم ترصده الفحوص بعد.

وليست الغاية أن تتنافس هذه الأطراف على امتلاك الحقيقة، بل أن تتكامل معارفها للوصول إلى قرار أكثر دقة وإنصافاً، يحفظ للمريض حقه في أن يكون شريكاً مسموعاً في رعايته.

ولعل الخطر الأكبر في عصر الطب الخوارزمي ليس أن تصبح الآلة أذكى من الإنسان، بل أن نختزل الحقيقة الإنسانية فيما تستطيع الآلة قياسه.