جائزة «مان بوكر»... الانكفاء إلى الجزيرة البريطانية أم الانفتاح على العالم؟

خيارات عيدها الذهبي أغضبت الكثيرين

أغلفة بعض الروايات المرشحة للجائزة في دورات سابقة
أغلفة بعض الروايات المرشحة للجائزة في دورات سابقة
TT

جائزة «مان بوكر»... الانكفاء إلى الجزيرة البريطانية أم الانفتاح على العالم؟

أغلفة بعض الروايات المرشحة للجائزة في دورات سابقة
أغلفة بعض الروايات المرشحة للجائزة في دورات سابقة

احتفلت جائزة مان بوكر البريطانيّة للرّواية هذا العام بمرور نصف قرن على إطلاقها في الفضاء الأدبي الأنغلوفوني. لكن عيدها الذهبي الذي تزامن مع إعلانها لقائمتها الطويلة من الأعمال المرشحة لدورة 2018 غرق في لجة جدلٍ غير مسبوق حول فشلها المزمن الخروج من دائرة الخضوع لقيم المؤسسة الثقافيّة البريطانيّة التقليديّة المنحازة في لا وعيها للذكوريّة والعنصرية وسلطان كبار تجار الكتب.
بقيت الجائزة منذ تأسيسها عام 1968 وإلى وقت قريب قلعة محكمة الإغلاق لا يحظى بشرف دخولها غالبا إلا روائيون إنجليز رجال رغم أنها نظرياً مفتوحة لأي أعمال روائيّة من بريطانيا وأيرلندا ودول مجموعة الكومنولث – أي الفولكلور السياسي والثقافي الموروث من أيّام الإمبراطوريّة التي تقاعدت - حتى ضاقت نساء بريطانيا الأديبات بعنصريتها الظاهرة وانحيازها وأطلقن لمواجهتها جائزة مستقلة للرواية النسائيّة المكتوبة باللغة الإنجليزيّة دون النظر إلى جنسيّة كاتبتها وهي مستمرة إلى اليوم في عامها الثاني والعشرين (منحت لأول مرّة 1996). ومع ذلك فإن بوكر بقيت جائزة بريطانيا الأهم فيما خص مجال الرواية وحظيت بقيمة عالميّة بالنظر إلى المكانة المتزايدة للغة الإنجليزيّة سواء في الاتحاد الأوروبي أو دول العالم الثالث، واستمرت الكتب الفائزة بها وحتى تلك المرشحة لقوائمها الطويلة والقصيرة تضمن للروائيين الفائزين ثروة صغيرة على الأقل من وراء انفجار أرقام المبيعات، إن لم يكن تقاعدا مبكراً مريحا.
تغيّرت المناخات الثقافيّة في الغرب مع انصرام القرن العشرين، ولم تعد تقاليد الجائزة المتكلّسة تتناسب وروح العصر مع انتصار العولمة النهائي وتشظي استعمال الإنترنت وتوسع نضالات المجموعات المهمشة سواء النساء أو الشباب أو الأقليات أو الأعراق. وقد وجدت الجهة القائمة عليها أنّه لا بدّ من الاستجابة بشكل أو بآخر لهذي التحولات أو التعرّض للتهديد بالتحول إلى مشروع غير ذي صلة يقتصر على دوائر نخبوية مغلقة مما قد يفقدها قيمتها تدريجياً عند ناشري الكتب الكبار الذين يعتبرونها موسماً ممتازاً لتحقيق أرقام مبيعة.
كانت إحدى الاستراتيجيات الراديكاليّة التي اعتمدتها مان بوكر لتطوير ذاتها الإعلان عام 2013 توسيع نطاقها ليشمل الأعمال الروائية المكتوبة باللغة الإنجليزيّة بغض النظر عن جنسيّة كاتبها، إلى جانب توجه مقصود لمنح فرص أكثر للأعمال النسائيّة والرّوايات الأولى للكتّاب الشباب. وبالفعل فإن كاتبات بريطانيات بدأن بالفوز بها– وإن كن غالباً من قلب المؤسسة الثقافية المحافظة ذاتها - كما تسربت عدة روايات أولى إلى قوائم الترشيح دورة تلو الأخرى، ومُنحت الجائزة أحيانا لكتاب أميركيين من خارج فضاء الجزر البريطانيّة وتوابعها الفولكلورية رغم المعارضة العلنيّة من قبل دور النشر اللندنية التي طالب بيان توافقت على إصداره ثلاثون منها في فبراير (شباط) الماضي بإرجاع الجائزة إلى سياستها الجغرافيّة القديمة ما قبل 2013.
حاولت لجنة التحكيم جاهدة في اختياراتها للقائمة الطويلة لدورة العام - التي أعلنت في لندن قبل أسابيع قليلة – أن تظهر بلبوس عصري وثوري ملتزم بعكس تطورات العالم وأزماته الفكريّة والروحيّة الكبرى، فضمت 13 عملاً من أصل 171 تقدمت للجائزة، كان منها ولأول مرة في تاريخها رواية رسوم غرافيكيّة (Sabrena) لـ(نك درناسوا). وباستثناء أعمال لاثنين من الروائيين المخضرمين، فإن البقية كانت لكتاب مغمورين نسبياً ومنهم من ينشر للمرة الأولى، كما ضمت عدداً قياسيا من الرّوايات التي خطّتها أنامل نسائيّة تمحور أغلبها حول معاناة المرأة في الغرب، إلى جانب مشاركات أميركيّة (3 روايات) بموازاة البريطانيّة (5 روايات) والأيرلندية (3 روايات) بالإضافة إلى روايتين من كندا. لكن الخيط المشترك الذي بدأ يجمع كل هذي الخيارات المتنوعة هو اشتراكها جميعاً بالتعبير عن الخبرة المعاصرة للعيش في زمان الأزمات المتلاحقة وتصاعد صراعات الهويّة وعودة الفاشيات، فانتهت وكأنها تلوينات على سرديّة ألم ومعاناة تنطق بحزن دفين وكآبة متحكمة.
لكن هذي الخيارات مع مظهرها الراديكالي لم تُرض جميع الأطراف وتعرضت الجائزة من أجلها لمزيد من الانتقادات. فالرواية الغرافيكيّة المرشحة أثارت استغراب صاحبها نفسه الذي وإن لم يمانع بالشهرة الزائدة المفاجئة التي أصيب بها عمله - وانعكس تضاعفاً غير متوقع في كميّات البيع دفع بناشره لإعادة طبعها عدة مرات – لكنّه عبّر عن دهشته الشديدة من قرار اللجنة إذ أنه فنان غرافيكي كان يطمح لو كان تكريمه في مجال عمله لا مع الرّوايات المكتوبة التقليديّة. وقد شنّ عدد من خبراء الفن الغرافيكي هجومات كاسحة على اختيار (Sabrena) تحديداً بوصفها مجرد رواية لا بأس بها في خضم أكوام أعمال مبهرة في فئتها، واعتبروا أن إدراجها ضمن القائمة الطويلة لبوكر كان لمضمونها السياسي المحض فيما يتعلق بأجواء ما بعد ترمب لا لإبداع استثنائي فيها.
لكن أقوى الانتقادات تركزت أساساً على النطاق الجغرافي، إذ بدا الأمر مخجلاً لجهة اختصار الأعمال المرشحة بين روائيين من أوروبا وأميركا الشماليّة مع غياب كلّي لأي تمثيل ولو محدود لمن يتعاطون كتابة الرواية بالإنجليزيّة من بقيّة العالم بما فيها الهند (ثاني أكبر ناشر للكتب الإنجليزيّة بعد بريطانيا) وأستراليا ونيوزلندا وكثير الدول الأفريقيّة والآسيوية وجزر الكاريبي ذات الثقافة الأنغلوفونيّة. وبدت الهموم التي يحملها مجموع الأعمال المرشحة وكأنها مجرّد أوجاع نفسيّة وقلق عند السيّد الأبيض المتوزع على جانبي الأطلسي وحده، دون أن تمتلك أي منها شرعية مخاطبة التجربة الإنسانيّة الأرحب أو أن تصدح بصوت الآخر الذي يقتسم مع الإنجليز رغيف لغتهم ويشرب من أقداح ثقافتهم لظروف تاريخيّة ارتبطت بالتجربة الاستعماريّة البريطانيّة في عصر الإمبراطوريّة.
وهكذا بدا أن الجائزة في خيارات عيدها الذّهبي أغضبت الكثيرين سواء من ناشري الكتب البريطانيين أو المثقفين خارج فضاء أوروبا – أميركا الشماليّة وأخفقت مجددا في محاولتها الظهور كجائزة عالميّة للرواية باللغة الإنجليزيّة.
البدائل المطروحة أمامها في القادم من السنين تبدو وكأنها تعبير عن أزمة المؤسسة الثقافيّة البريطانيّة التي أصيبت بالارتباك نتيجة التحولات المفصليّة الكبرى في عالم الاتصالات، وصعود التيارات اليمينية الصاعق والصراعات المجتمعيّة الأفقيّة، وأيضاً في ذات الوقت ضغوط الناشرين الرأسماليين الكبار القاهرة، التي تريد تنصيب فائزين محليين كي تتضاعف أرقام المبيع داخل السوق البريطانيّة بدلاً من استفادة ناشرين في أقاليم جغرافية أخرى. إذ هي إما تقرر المضي في عولمتها إلى أقصاها فتمنح نوعاً من كوتا ضمن القائمة الطويلة لأعمالٍ من (ما وراء البحار)، وربما للناشرين الصغار الذين يخاطرون بنشر محاولات تجريبيّة مختلفة لا تجرؤ عليها دور النشر الكبيرة، أو أنها تعود إلى قواعدها المغلقة كما في العقود الأولى من حياتها لإرضاء كبار الحيتان.
مهما يكن خيار هيئة جائزة مان بوكر النهائي، فإن جدل الأسابيع الماضية كان يوشوش لها بأن الرقص على حبال الثقافة رياضة خطرة غالباً ما تودي بصاحبها إلى السقوط، وربما حان الوقت لها بعد الخمسينيّة لتتخذ تموضعاً واضحاً الانكفاء إلى الجزيرة البريطانيّة الصغيرة أو الانفتاح على العالم، إذ لم يعد يليق بها قضاء وقتها معلقة على أسوار القلعة بين الجهتين.



لي سو يون: مهمة الأدب ليست تغيير العالم

لي سو يون
لي سو يون
TT

لي سو يون: مهمة الأدب ليست تغيير العالم

لي سو يون
لي سو يون

تعرَّف القارئ العربي على عوالم الكاتبة الكورية لي سو يون عبر روايتها «هاتف الوداعات الأخيرة» التي تصدرت قوائم الأكثر مبيعاً، وصدرت ترجمتها إلى العربية عن دار «الكرمة» بالقاهرة.

في هذا الحوار، تتطرق الكاتبة إلى مؤلفاتها الأخرى التي تنتمي إلى عالم السيرة ذاتية وتتردد عبرها أصداء أزمتها النفسية التي وصلت إلى حد محاولة الانتحار، وتلقّي العلاج بمصحة متخصصة، قبل أن تستعيد إيمانها بالأمل والحياة وتتعافى نهائياً. هنا نص الحوار:

> بعد نجاح روايتك «هاتف الوداعات الأخيرة» وإدراجها ضمن قوائم الأكثر مبيعاً في كوريا الجنوبية، ماذا يعني لك ترجمتها إلى لغات أجنبية؟

- على الصعيد الشخصي، تعد ترجمة أعمالي وتقديمها بلغات أخرى تجربة ثمينة للغاية، لكن الأمر يتجاوز البعد الشخصي، إذ يدفعني إلى التأمل مجدداً في قيمة الأدب. ومن خلال خلق مساحة يمكن أن يسكنها الفقدان والحزن بغضّ النظر عن اللغة، أرى إمكانية أن يوصل الأدب بين الناس وأن يبني مجتمعاً إنسانياً واسعاً.

> ماذا عن ترجمة الرواية إلى العربية؟ هل تتابعين ردود الأفعال؟

- بصراحة، عندما يصدر كتاب في بلد آخر يصعب على الكاتب أن يعرف بدقة كيف انتقلت روحه ومعانيه عبر الترجمة، لكنني أؤمن بأن جوهر ما أريد التعبير عنه يصل إلى القراء رغم ذلك.

تابعت بالفعل ردود الأفعال عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وأشعر بأن هناك صلة صادقة تتشكل بيني وبين القراء، وقد أدهشني وأسعدني بشكل خاص الحماس الكبير الذي أبداه القراء المصريون تجاه الرواية.

> هل تعدّين أرقام المبيعات دليلاً على نجاح الكاتب؟ وما مواصفات النجاح الأدبي من وجهة نظرك؟- أرقام المبيعات ليست سوى أحد مؤشرات النجاح التجاري، ولا أعدّها دليلاً أساسياً على النجاح الأدبي، فأنا أؤمن بأن الأدب يتجاوز حدود الزمن، وقد لا يحقق الكتاب مبيعات كبيرة عند صدوره، أو قد لا يحظى صاحبه بالتقدير في حياته، لكن العمل الجيد يبقى. وربما يعاد اكتشافه وقراءته لاحقاً ليصبح من الكلاسيكيات. ومن وجهة نظري، فإن النجاح الأدبي لا يكتمل خلال حياة شخص واحد، بل يتشكل ويترسخ مع مرور الزمن.

> كيف جاءتكِ فكرة الرواية؟

- بدأت هذه الرواية من كتاب قرأته في أثناء وجودي في جناح للأمراض النفسية بالمستشفى، بعنوان «مقابلات التشريح النفسي» للدكتور إدوين شنايدمان، والذي يرصد العوامل النفسية الكامنة وراء الانتحار. وفي أثناء قراءة العمل وجدت نفسي أتخيل حزن الأشخاص الذين سيبقون بعد رحيلي وكيف ستستمر حياتهم، ومن هنا بدأتُ أفكر في كتابة رواية تدور حول هذا الموضوع، ثم أضفت إليه عنصراً تخييلياً، فكانت النتيجة رواية «هاتف الوداعات الأخيرة».

> هل تعتقدين فعلاً أنه يمكن التواصل مع من فقدناهم من الأحبّة وهم في العالم الآخر؟ وهل يمكن أن نعوّضهم بأثر رجعي عن أخطائنا بحقهم، أو على الأقل نعتذر لهم؟- إذا وسَّعنا مفهوم التواصل بحيث لا يقتصر على الحديث المباشر وجهاً لوجه، فأعتقد أننا نتواصل باستمرار مع أشياء وأشخاص عبر الزمن. يحدث ذلك عندما تعود إلينا فجأة ذكرى أو مكان أو غرض تركه من رحلوا عنّا.

وأؤمن بأن كل لحظة تتصل فيها القلوب بعضها ببعض هي لحظة تواصل حقيقية، وعندما نتمكن من فهم أنفسنا وفهم الآخر، ونضع الماضي والحاضر في موضعهما الصحيح، يصبح الغفران والمصالحة ممكنين، حتى لو جاء هذا الإدراك متأخراً.

> مررتِ بتجارب صعبة مع الاكتئاب واضطرابات الطعام والهلع كادت تدفع بكِ إلى حافة الانتحار، لماذا شاركتِ تلك التجارب مع القراء في مؤلفاتك المختلفة مثل «أشعر ببعض الاكتئاب، لكنني شخص عادي»؟- لم يكن اتخاذ قرار نشر قصتي الشخصية أمراً سهلاً. وبينما كنت مترددة، قالت لي أمي إنها عندما كنت في المستشفى بحثت عن كتب تتحدث عن الاكتئاب، لكنها لم تجد قصة تشبه قصتي.

لذلك تمنت أن أكتب كتاباً من أجل أشخاص يمرون بتجارب مماثلة، ومن أجل أولئك الذين يحملون في داخلهم مشاعر يصعب التعبير عنها بالكلمات، قررت هذه المرة أن أكون أنا من يتكلم. ومن هنا بدأت رحلتي ككاتبة.

> ألم يكن من الأفضل أن تظهر تلك التجارب ضمنياً، من خلال أعمالك الروائية، بدلاً من أن تأتي في صورة مباشرة تقترب من عالم السيرة الذاتية أو المذكرات؟- أعتقد أن أكبر فارق بين الرواية والسيرة الذاتية هو «الحضور الإنساني المباشر»، فالتعبير عن حزن عميق من خلال قصة متخيلة يختلف في تأثيره عن التعبير عنه من خلال تجربة حقيقية ومعيشة. وأرى أن مجرد القدرة على الحديث عن المرض النفسي بشكل مباشر، من دون مواربة أو التفاف، يعد رسالة قوية مفادها أن الأشخاص الذين يعانون من هذه الأمراض ليسوا منفصلين عن المجتمع، بل يعيشون بيننا ومعنا.

> تجارب الكاتب الشخصية على صعيد المعاناة النفسية والهشاشة الإنسانية، هل تزيد من جاذبية أعماله في عيون القراء برأيك؟- أؤمن بأن التجربة الحياتية الخاصة بكل كاتب تضفي على أعماله مزيداً من الجاذبية والتميز. وحتى عندما تتضمن تلك التجربة جوانب من الضعف الإنساني، فإنها تمنح صاحبها قدرة أعمق على التعاطف مع الآخرين.

وكثير من الفنانين يحوِّلون هشاشتهم ومعاناتهم إلى أشكال أكثر إبداعاً من التعبير، ويواصلون طرح الأسئلة حول جوهر الحياة والأشياء. وإذا اختار بعض الناس التقليل من قيمة إبداعهم بسبب ذلك، فهذه في النهاية مسألة تخص من يُصدر هذا الحكم.

> هل يندرج كتابك «ربما يكون الحزن مرضاً» هو الآخر ضمن سياق مشاركة المعاناة الشخصية مع القراء، أم ماذا؟- هو كتاب سيرة ذاتية طويل يوثّق الأشهر الستة التي أمضيتها في وحدة مغلقة للطب النفسي. ويتناول ما جرى داخل المستشفى بين أشخاص يعانون من الألم النفسي، كما يتناول مسارات التعافي التي مروا بها.

> ماذا عن كتابك «وصفة القطط»، الذي تلعب فيها الحيوانات الأليفة دور البطولة؟

- هو أيضاً كتاب يندرج ضمن فئة السيرة الذاتية الطويلة، ويتناول رحلة الحب الذي اكتشفتُه من خلال العيش مع قطة، يسجل لحظات شعرت فيها برغبة في التخلي عن كل شيء، قبل أن يعيد إليَّ صوت أنفاس القطة الإحساس بالحياة. إنها قصة شخص لم يكن يجيد الحب، وتعلَّمه تدريجياً من خلال علاقته بحيوان أليف.

> ما الذي يحقق لكِ الإشباع والسعادة ككاتبة؟

- أعظم ما يمنحني الشعور بالرضا هو أن أسمع من القراء أن أعمالي ساعدتهم على إيجاد القوة للاستمرار في الحياة. ويسعدني أن أرى قراء يكتشفون الإمكانات اللامحدودة للكتابة وتأثيرها، وأن تتغير حياتهم بفضل ذلك.

ومن أكثر التجارب التي تركت أثراً في نفسي رسالة وصلت إليّ من أحد السجون، فقد كتب لي سجين كان يفكر في إنهاء حياته، بعدما أهدته زوجته أحد كتبي، ليخبرني أنه قرر أن يمنح الحياة فرصة أخرى. ولا تزال تلك الرسالة حاضرة في ذاكرتي حتى اليوم.

> أخيراً، هل لا تزال الكتابة قادرة على صنع الفارق في عالم يبدو أن الحمقى هم أصحاب القرار الأول في تحديد مصيره؟

- ربما لا يستطيع الكاتب أن يغيِّر العالم بأسره، لكن الكتاب قادر على تغيير إنسان واحد، ولهذا السبب لا أتخلى أبداً عن الأمل، فلو استطعت تغيير واقع شخص واحد فقط إلى الأفضل، فهذا يكفيني.


تطور فكرة فصل السلطات فلسفياً وقانونياً

تطور فكرة فصل السلطات فلسفياً وقانونياً
TT

تطور فكرة فصل السلطات فلسفياً وقانونياً

تطور فكرة فصل السلطات فلسفياً وقانونياً

تتناول الباحثة الأردنية الدكتورة هبة مرزوق الهباهبة، في كتابها «فصل السلطات بين الفلسفة والقانون»، المنعكسات المعاصرة لنظرية الفصل بين السلطات، مستندة إلى جذورها الفلسفية التي أرساها فلاسفة الحقوق الطبيعية وعصر التنوير، ومقدمة قراءة نقدية تتتبع انتقال النظرية من إطارها الفلسفي إلى مجالها الدستوري والقانوني.

يقدم الكتاب الذي صدر حديثاً عن «الآن ناشرون وموزعون» في عمّان، مقاربة تحليلية للنظرية وإشكالات تطبيقها، ولا سيما ما يتصل بالتداخل بين السلطات، وشرعية التشريع، والعلاقة بين القانون والعدالة، وصولاً إلى اقتراح «كود قانوني تشريعي» يهدف إلى تعزيز الضبط والرقابة الدستورية وتفعيل الفصل بين السلطات.

وينطلق الكتاب الذي صمم غلافه الشاعر والفنان عيد بنات، من تأصيل مفهومَي الحقوق الطبيعية والقانون الطبيعي بوصفهما مرجعية فلسفية لشرعية القانون وتقييد السلطة، قبل أن ينتقل إلى الجدل الفلسفي حول نشأة الدولة والسيادة، وتطور فكرة الفصل بين السلطات بوصفها ضمانة دستورية لمواجهة الاستبداد وتحقيق التوازن بين التشريع والتنفيذ والقضاء.

وتتمثل الإشكالية المركزية التي يطرحها الكتاب في مدى قدرة نظرية الفصل بين السلطات على العمل بفاعلية في الأنظمة السياسية الراهنة، في ظل التداخل بين القانون والسياسة، وما قد يترتب عليه من تأثيرات في العملية التشريعية. ومن هنا تعتمد الهباهبة مقاربة نقدية ومقارنة لتفكيك الأطر النظرية القائمة، وتحليل الهيكليات القانونية والتشريعية المختلفة، وصولاً إلى تصور تشريعي مقترح.

ويعيد الكتاب تتبع جذور فكرة توزيع وظائف الدولة، من الفلسفة اليونانية عند أفلاطون وأرسطو، وصولاً إلى مونتسكيو الذي بلور الصياغة الأشهر لمبدأ الفصل بين السلطات، بحيث تتولى السلطة التشريعية سنّ القوانين، وتتولى السلطة التنفيذية إنفاذها، في حين تضطلع السلطة القضائية بإقامة العدالة. ولا يتوقف البحث عند هذا التأسيس، بل يتابع تطور الفكرة في مدارس فلسفة القانون والمذاهب النفعية والواقعية والوضعية. وترى المؤلفة أن الفصل بين السلطات لا ينبغي أن يُفهم بوصفه مجرد توزيع وظيفي لمهام الدولة، بل بوصفه ضرورة فلسفية وأخلاقية لحماية الحرية وضمان شرعية التشريع. فتركيز السلطة، وفق الطرح الذي يقدمه الكتاب، يهدد الحرية ويفرِغ القانون من مضمونه، في حين يتيح التوازن بين السلطات قيام منظومة أكثر قدرة على حماية الحقوق والحريات.

وتتوسع الدراسة في بحث الفجوة بين النظرية والتطبيق، متوقفة عند احتمالات التحيز السياسي في العملية التشريعية، وتأثير المصالح والاصطفافات في صياغة القوانين، وما يمكن أن ينتج من ذلك من اختلال في البنية القانونية. ومن ثم لا تكتفي بتقييم مبدأ الفصل بين السلطات، وإنما تسعى إلى اختبار قدرته على إنتاج قواعد قانونية ناجعة في الواقع السياسي والمؤسسي.


سيد الأقداح

محمد العلي
محمد العلي
TT

سيد الأقداح

محمد العلي
محمد العلي

(إلى الكبير محمد العلي في أبديته)

هي والقصيدةُ حيث كنْتَا

هي والقصيدةُ عمرُكَ المكتوبُ في أوراق ذاكرةٍ

ملأتَ جرارَها بصداكَ حتَّا

فاضتْ بها أشواطُ أحْرفِكَ التي

أخذتْكَ نحو مدائنِ العشَّاقِ فانْشطرَتْ بها شفتاكَ

بين مرافئِ الكلماتِ والقُبلاتِ

لكن ما برحْتَا

تُملي فتكتُبكَ السنينُ مفازةً

تعبَ الحُداةُ وهم يجُوبونَ القصائدَ

ربما انْتجعوكَ بيتَا

يا سيِّدَ النايات

يا ابنَ نبوءةِ الشجرِ المُحرَّز بالرياحِ

متى تماثلَ سردُه للبوحِ

محْمولًا بأطرافِ الحكاياتِ انْعتَقْتا

يا سيِّدَ الأقداحِ

منذُ سُلالةِ الماء الذي أرْخى أعِنَّتهُ

فغادرَ في شُقوقِ الغيْم

مُنتظرًا لأرضٍ لم تُضاجعْها الخُطى يومًا

فكيف عرفتَ أنَّ الدربَ لم يعرفْ ظلالكَ حين عدتَا

يا أيُّها العَرَّافُ

كم حجرًا لنردِكَ ضلَّ وجهتَه فعادَ

وما رميتَا؟

---------------

* شاعر سعودي.