العراقيون أمام صراع محاور وإرادات

في انتظار تصاعد «الدخان الأبيض» من مبنى البرلمان

العراقيون أمام صراع محاور وإرادات
TT

العراقيون أمام صراع محاور وإرادات

العراقيون أمام صراع محاور وإرادات

على الرغم من إنفاق مئات ملايين الدولارات على الانتخابات العراقية عبر دوراتها الأربع، بدءاً من الدعاية وانتهاء بالتنظيم والإجراءات الإدارية واللوجيستية، فإن مهمة الـ329 نائبا بعد أدائهم القسم هي، بلا شك، أكثر من مجرد الموافقة على ما يجري طبخه في الغرف السرّية أو المشادات الكلامية.
العراق بجد نفسه اليوم في قلب صراع المحاور الإقليمية والدولية، فضلاً عن أن الإرادات المختلفة الداخلية والخارجية تهيمن على الحراك السياسي العراقي في كل مراحله وفصوله.
وهي التي تقرر في النهاية ما يتوجب الأخذ به أو التخلي عنه حتى ظهور «الدخان الأبيض»، أي مؤشر النجاح في انتخاب رئيس البرلمان، ومن بعده رئيس الجمهورية، وإعلان الكتلة الأكثر عددا وترشيح ممثل عنها لتشكيل الحكومة.
ولكن هذا لن يأتي من مبنى البرلمان، الذي يفترض أن يكون «بيت الشعب»، بل من أمكنة أخرى بعضها شديدة التحصين أو السرّية.

اليوم، حين يفترض أن يكون البرلمان العراقي قد عقد جلسته الأولى منذ أكثر من أسبوع، بعد مصادقة المحكمة الاتحادية على نتائج الانتخابات، فإن الكتل السياسية لم تتوصل إلى صيغة مناسبة بشأن الترشيح للمناصب الرئاسية الثلاث... ولذا جعلت الجلسة مفتوحة في مخالفة دستورية واضحة.
عن هذا الأمر، يتحدث الخبير القانوني أحمد العبادي لـ«الشرق الأوسط» شارحاً أن «الدستور العراقي لا يجيز بقاء الجلسة مفتوحة. وما يجري هو في الواقع مخالفة دستورية، لكن رئيس السن مضطر إلى الاستمرار في ترؤس الجلسات في ظل تعذّر حصول توافق بين الكتل السياسية التي تتحمل الخرق الدستوري». ويضيف العبادي: «الكتل الفائزة هي التي لم تلتزم بالسياقات والتوقيتات الدستورية الحاكمة على صعيد انتخاب الرئاسات، بدءاً من رئيس أصلي للبرلمان ونائبين له، ومن ثم فتح الترشيح لانتخاب رئيس للجمهورية وإعلان الكتلة الكبرى».
الخلافات الرئيسية تتمحور حول هوية «الكتلة الأكبر» التي جرى الحديث عنها طويلا خلال الشهور الماضية، والتي تركزت بين محورين شيعيين يمثلان الكتل الشيعية الخمس («سائرون» المدعومة من زعيم «التيار الصدري»، و«الفتح» بزعامة هادي العامري وتضم غالبية فصائل «الحشد الشعبي»، و«النصر» بزعامة رئيس الوزراء حيدر العبادي، و«دولة القانون» بزعامة رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، و«تيار الحكمة» بزعامة عمار الحكيم). غير أنه وبخلاف الدورات البرلمانية السابقة فإن البيت الشيعي الذي كان يمثله «الائتلاف العراقي الموحّد» أو «التحالف الوطني» فيما بعد، تفكك حاله حال تفكك البيتين السني والكردي. ومن ثم، لم يعد قادرا على فرص رؤيته بشأن اختيار الكتلة الأكبر، أو ترشيح شخص من داخل البيت الشيعي.
بناء عليه، بات لزاماً على المحورين الشيعيين المتصارعين: «النصر» و«سائرون» مقابل «الفتح» و«دولة القانون»، وبينما يشكل «تيار الحكمة» بيضة قبان لكليهما، الانفتاح على الكُرد والعرب السنة من أجل ضمهم إلى أي من الكتلتين. وعلى إثر ذلك تشكلت كتلتان داخل البرلمان العراقي خلال جلسته الأولى، كل واحدة منهما تدعي إنها الكتلة الأكبر من خلال جمعها أكبر عدد من تواقيع النواب وهما: كتلة «الإصلاح والإعمار» التي تضم العبادي والصدر والحكيم وعلاوي وهي تدّعي إنها جمعت 171 توقيعاً، تقابلها كتلة «البناء» التي تضم «الفتح» و«دولة القانون» التي تزعم أنها جمعت 150 توقيعاً. هاتان الكتلتان تسعيان راهناً إلى ضم الكُرد والعرب السنة إليهما من أجل تكوين غالبية مريحة لتمرير الحكومة التي تحتاج عند التصويت إلى 165 صوتاً.
في هذه الأثناء، بالنسبة للسنة والكرد، فإن أمر انضمامهما إلى أي من الكتلتين الشيعيتين (الإصلاح والإعمار) أو (البناء) ليس محسوماً برغم أن منصبي رئيسي البرلمان (حصة السنة) والجمهورية (حصة الكُرد) تحتاج إلى تصويت الشيعة لهما ما يجعل عملية الانضمام إلى أي من الكتلتين خياراً حتمياً. وفي هذا السياق يقول القيادي في الحزب الديمقراطي الكردستاني شوان محمد طه لـ«الشرق الأوسط» إن «الكُرد ما زالوا لم يقرّروا بعد إلى أي من الكتلتين سينضمون على الرغم مما يجري الحديث عنه عن انضمامهم إلى هذه الكتلة أو تلك، أو القول إنهم قريبون من هذه الكتلة أو تلك». وأضاف طه أن «الكُرد لديهم مطالب لا شروط مثلما يدعي البعض، من أجل حسم خيارهم بالانضمام إلى الكتلة الأكبر، علما بأن هذه المطالب كلها دستورية... بدءاً من المادة 140 من الدستور إلى الموازنة إلى التوازن إلى البيشمركة وبناء دولة مواطنة عراقية حقيقية». بيّن القيادي الكردي أن «المباحثات تجري مع كل الأطراف في هذا الإطار».
من جهته فإن محمد الكربولي النائب السنّي عن محافظة الأنبار قال لـ«الشرق الأوسط» إن «السنة توزّعوا بين كتلتي (الإصلاح والإعمار) و(البناء) طبقاً لرؤية كل طرف سنّي لمصلحته أو مصلحة المناطق التي يمثلها، والتي تحتاج إلى جهود جبارة لجهة إعادة إعمارها وعودة ما تبقى من النازحين... فضلا عن إطلاق سراح السجناء والمغيبين». وأضاف الكربولي أن «الحوارات السياسية ما زالت مستمرة مع كل الأطراف لجهة حسم منصب رئيس البرلمان الذي هو الاستحقاق الأول، والذي حسم لصالح مرشحنا نحن (تحالف القوى العراقية) محمد الحلبوسي».

بين ماكغورك وسليماني

واقع الأمر، لم تشهد عملية تشكيل حكومة عراقية خلال الدورات الثلاث الماضية من التدخلات الخارجية الإقليمية والدولية ما شهدته الحكومة الحالية، التي بات من الواضح أنها رهينة الصراع الأميركي - الإيراني. ويجسد هذا الصراع وجود المبعوثين الأميركي بريت ماكغورك والإيراني قاسم سليماني وما يجريانه من حوارات مكثفة مع كل الأطراف من أجل حسم التشكيلة بدء من الكتلة الأكبر.
وعلى الرغم من تعدد مساحة التحرّك لكلا المبعوثين، فإن رؤيتيهما غالباً ما تتأثران بمجريات الصراع بين واشنطن وطهران، واستمرار العقوبات الأميركية على إيران والموقف العراقي منها. وهو ما تسبب لرئيس الوزراء حيدر العبادي بأن يدفع ثمناً باهظاً حين أعلن التزامه بهذه العقوبات. وعلى الرغم من تراجعه النسبي، فإن مجرد الإعلان عن ذلك أخرج العبادي من «المعادلة الإيرانية» على صعيد الأسماء التي تؤيدها أو لا تعارضها طهران لرئاسة الحكومة المقبلة. في المقابل، تمسكت به واشنطن وحده إلى الحد الذي جعل مناوراتها تضيق حيال الأطراف الأخرى، لا سيما، بعد تطور مظاهرات البصرة التي صبت في مصلحة التيار المناوئ للعبادي، وهو ما جعل فرصه في ولاية ثانية تضعف كثيراً، حسب المراقبين السياسيين. وفي هذا السياق، يرى الدكتور خالد عبد الإله، أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد، في حوار مع «الشرق الأوسط» أن «ما يحدث في البصرة يدخل في إطار الصراع السياسي ما بين كتل متنافسة حول تشكيل الحكومة المقبلة، كما يدخل في إطار تشكيل الكتلة الأكبر». وأردف: «الصراع السياسي وصل إلى مراحل خطيرة لأنه ليس صراعاً على السلطة فقط، بل هو أيضاً صراع على النفط وعلى الموانئ وتقاسم المغانم والمكاسب. وبالتالي. فإن الحل يكمن في إبعاد جميع المؤثرات للأحزاب السياسية العراقية، بما فيها التدخلات الإقليمية والدولية».
أما الناطق الرسمي السابق باسم الحكومة العراقية الدكتور علي الدباغ، فيقول في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إن «من الواضح أن المظاهرات أخذت مساراً لا يعبّر فقط عن الغضب الشعبي من الشباب اليائس والمحبط، الذي لا يجد فرصة عمل فضلا عن أبسط مقومات حياته، وهو ماء الشرب في أغنى مدينة على وجه الأرض... هذا المسار المختلف الذي حرق مؤسسات الدولة وهاجم المرضى والمستشفيات يستهدف كل العراق والمتظاهرين الغاضبين، وأيضاً يعكس الصراع العنيف الداخلي والإقليمي والدولي على العراق». ويتابع الدباغ بأنه «إذا كانت أجندات إيران وأميركا لا تلغي إحداها الأخرى في العراق، فإننا نجد الآن استقطاباً واضحاً في خطابات السياسيين الذين يهددون بإسقاط حكومة منافسهم خلال شهر إن استطاع تشكيلها. وهذا يعكس حقيقة أن الأجندات أخذت طابع الإلغاء نتيجة ما نشهده من تطور النزاع بين إيران والولايات المتحدة، في حين لا تستطيع الحكومة إدارة الأزمة، التي تدور منذ أكثر من شهر... ومع ذلك لم يستطع رئيس الوزراء العبادي احتواءها ومعالجتها لتفويت الفرصة على مشاهد التدمير والحرق المنظم لمنشآت الدولة».

بين «الفتح» و«سائرون»

معروفٌ أن كتلة «سائرون» المدعومة من زعيم «التيار الصدري» مقتدى الصدر احتلت المرتبة الأولى في الانتخابات (54 مقعدا)، بينما احتلت كتلة «الفتح» التي يتزعمها هادي العامري المرتبة الثانية (47 مقعدا). وعلى الرغم من انتماء كل من الكتلتين إلى معسكرين شيعيين متنافسين ضمن صراع الكتلة الأكبر («سائرون» ضمن محور «الإصلاح والإعمار») و(«الفتح» ضمن محور «البناء») فإن هناك رغبة كبيرة في أن تشترك الكتلتان في تشكيل الحكومة المقبلة. ولعل الشروط التي وضعتها المرجعية الدينية في النجف لمن يتولى رئاسة الحكومة المقبلة، على ألا يكون ممن كانوا مشاركين في السلطة على مستوى الإدارات التنفيذية، سهّلت كثيرا طريقة الحوار بين زعيم «التيار الصدري» مقتدى الصدر وزعيم «الفتح» هادي العامري.
وفي هذا السياق، قال سياسي عراقي، فضل التكتم على اسمه لـ«الشرق الأوسط»، إن «جسور العلاقة لم تنقطع بين زعيم (الفتح) هادي العامري مع زعيم (التيار الصدري) مقتدى الصدر بمؤازرة واضحة من زعيم (العصائب) قيس الخزعلي، الذي بات يملك 15 مقعدا في البرلمان العراقي، وذلك لجهة أن تشترك (سائرون) في الحكومة القادمة من منطلق أن اشتراكها في حكومة تمثل جناحها الآخر (بدر) و(العصائب) يمثل ضمانة لهدوء الشارع... وذلك لأن لدى كل هذه الأطراف شارعها وسلاحها». ويضيف السياسي العراقي أن «الصدر كان قد مضى بعيداً في تحالفاته منذ البداية بعيداً عن الاثنين، خصوصاً، لجهة تقاربه مع (حيدر) العبادي زعيم (النصر) و(عمار) الحكيم زعيم (تيار الحكمة) و(إياد) علاوي زعيم (الوطنية)، بالإضافة زعيم (ائتلاف القرار) أسامة النجيفي، لا سيما، أن قائمة الصدر تتصدر النتائج بوصفها الفائزة الأولى... وهو ما يعني أنه لا يريد أن يكون ملحقا لأحد، بل يريد من الآخرين الانضمام إليه».
وردا على سؤال بشأن أسباب التقارب السريع بين الطرفين، يعتقد السياسي العراقي أن «العقدة كانت بالنسبة للصدر هي المالكي زعيم (دولة القانون) المتحالف مع (الفتح)، بينما يمثل العبادي عقدة بالنسبة لجماعة (الفتح) لأنه لم يعد مرغوبا به من الجانب الإيراني.. مع أنه حتى وقت قريب كان مرحباً به في الانضمام إلى ذلك المحور، شريطة أن يكون مرشحاً بين المرشحين لا المرشح الوحيد مثلما يريد هو».
ويتابع السياسي العراقي شارحاً أن «ما صدر عن مرجعية النجف أخيراً شكل نقلة نوعية في العلاقات بين الطرفين... أو بالأصح تم استثمار أجوائها لأن المرجعية دعت إلى المجيء بوجوه جديدة. وهو ما أدى إلى التعجيل بتطوير العلاقة بين (الفتح) و(سائرون)... ما بات يثير مخاوف داخل ائتلاف (دولة القانون) لجهة إمكانية انسلاخ (الفتح) عنه وتكوينها كتلة مع (سائرون)، وكذلك مخاوف لدى (النصر) و(تيار الحكمة) وذلك لجهة انسلاخ (سائرون) عنهما ما يعني نهاية كتلتي الإصلاح والإعمار والبناء».
وبشأن ما إذا كانت حظوظ العبادي تراجعت يرى السياسي العراقي إن «هناك، بلا شك، متغيرات قد لا تصب في صالح العبادي، وخاصة، أنه تم تصويره وكأنه خيار الولايات المتحدة الوحيد، في حين لم تطرح إيران بعد مرشحاً محدداً لكي تدعمه... بل تبدو وكأنها تسعى إلى تكوين كتلة ترضى عليها... وهي ترشح من تشاء. ولذا تبدو مناوراتها أكبر لكن هذا لا يعني أن العبادي خرج من التنافس».
وفي السياق نفسه يقول نعيم العبودي، عضو البرلمان العراقي عن تحالف «الفتح» لـ«الشرق الأوسط» بشأن التقارب بين «سائرون» و«الفتح»... وما إذا كان سيفضي إلى تحالف أنه «حتى هذه اللحظة، التقارب والتفاهم بين (الفتح) و(سائرون) لا يعد تحالفاً، وإنما هو تفاهم وتقارب حول شخص رئيس الوزراء، وكذلك دعم من سيكون رئيسا للبرلمان، وكذلك رئاسة الجمهورية... وبالتالي، هو ليس تحالف». واستطرد العبودي قائلا: إن «مع التقارب والتفاهم بين (سائرون) و(الفتح) لم يعد هناك ضير إزاء مَن سيكون هو الكتلة الأكثر عدداً، وسوف ننتظر أيضا قرار المحكمة الاتحادية». وأشار، مكرّراً، إلى أن «المساعي بين (الفتح) و(سائرون) الآن هي التنسيق والتفاهم والاتفاق على شخص رئيس الوزراء بصرف النظر عمّن ستكون هي الكتلة الأكثر عددا».

العرب السنة ورئاسة البرلمان

> تفكّك البيت السنّي انسحب بالضرورة على مرشحهم لرئاسة البرلمان بوصفه حصّة المكوّن السنّي. لكن تعددية الكتل السنّية («تحالف القرار» و«تحالف القوى العراقية» و«المشروع العربي»، وجزء من ائتلاف «الوطنية» و«بيارق الخير») أدت بالضرورة إلى تعدّدية المرشحين لهذا المنصب، الذي كان في الدورات الماضية يحسم حاله حال منصب رئيس الجمهورية والوزراء داخل المكوّن نفسه.
المرشحون لمنصب رئيس البرلمان من العرب السنة 9 مرشحين هم: محمد الحلبوسي وأسامة النجيفي وأحمد عبد الله الجبوري وخالد العبيدي ومحمد تميم وأحمد خلف الجبوري وطلال الزوبعي ورشيد العزاوي ومحمد الخالدي. وبسبب تمسك كل مرشح أو ككل كتلة من الكتل السنيّة بمرشحها، صار ضرورياً التصويت عليهم مرة داخل البيت السنّي ومرة أخرى - وهي الأهم - داخل البرلمان خلال جلسة السبت، لكن عبر الفضاء الوطني، وهو ما يعني أن يكون للشيعة والكُرد رأيهم في اختيار المرشح السني لرئاسة البرلمان.
بسبب ذلك توزّع المرشحون السنة الـ9 على الكتلتين الشيعيتين الكبيرتين (الإصلاح والإعمار) و(البناء). وفي حديثه لـ«الشرق الأوسط» يقول أحمد الجبوري، النائب عن حركة «تمدّن» وأحد المرشحين التسعة لرئاسة البرلمان، إن «الاتفاق صار أن يُحسم أمر المرشح للمنصب داخل الفضاء الوطني بالتصويت داخل البرلمان. وهو ما يعني أن يكون للشيعة والكُرد رأيهم الحاسم في ترجيح كفة المرشح السنّي لهذا المنصب. وفي تفسير ذلك، يقول أثيل النجيفي، محافظ نينوى السابق والقيادي في تحالف القرار لـ«الشرق الأوسط» إن «المجموعة السنّية بأجمعها لا تمثل ثقلاً عددياً في البرلمان، يقابلها مجتمع محبط ويائس من العملية السياسية ومن المستقبل، وغير راغب بالمشاركة في الانتخابات».
ويضيف النجيفي أن «السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو... هل تنجح الأغلبية البرلمانية من المكوّنات الأخرى باختيار شخص يمكنه أن يبعث الأمل بمستقبل العمل السياسي في العراق... أم تستمر في إقصاء الشخصيات الموثوقة وإعطاء الفرصة للفاسدين لكي يُمعنوا في إحباط المجتمع».

... والكُرد ورئاسة الجمهورية

> ما ينطبق على العرب السنة على صعيد رئاسة البرلمان ينطبق بشكل أو بآخر على الكُرد لجهة كون منصب رئيس الجمهورية من حصتهم. وعلى الرغم من توزّع الكُرد على ثلاثة اتجاهات تمثلها ثلاث قوى هي: الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود بارزاني، والاتحاد الوطني الكردستاني، وأحزاب المعارضة الكردية التي تمثل حركة التغيير والجيل الجديد والجماعة الإسلامية فضلا عن «تجمع العدالة والديمقراطية» الذي يتزعمه الدكتور برهم صالح نائب الأمين العام السابق للاتحاد الوطني الكردستاني على عهد الراحل جلال طالباني.
في العادة، فإن منصب رئيس الجمهورية بقي خلال الدورات البرلمانية الثلاث الماضية من حصة الاتحاد الوطني الكردستاني (شغله جلال طالباني، الأمين العام السابق للاتحاد الوطني، ويشغله حالياً الدكتور فؤاد معصوم القيادي البارز في الاتحاد) مقابل بقاء رئاسة «إقليم كردستان» من حصة الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود بارزاني. ولكن هذه المرة، لا سيما بعد الاستفتاء الكردي الذي أجري العام الماضي ولم يحقق أهدافه، يبدو أن أولويات الحزب الديمقراطي الكردستاني تغيّرت بحيث صار يطالب بمنصب رئاسة الجمهورية في بغداد.
مع هذا، طبقاً لقيادي كردي بارز تحدث «الشرق الأوسط» طالبا إغفال ذكر اسمه، فإن «ما يقوم به الحزب الديمقراطي الكردستاني مجرد مناورة... لأن عينه دائماً ليست على بغداد، وليس لديه مرشحون يمكن أن يكونوا محل إجماع في بغداد».
وتابع أن «الاتحاد الوطني الكردستاني يعرف أن شريكه يناور لأنه يريد منه الحصول على أكبر قدر من المكاسب والامتيازات مقابل التخلي عن منصب رئاسة الجمهورية، وهذه المكاسب تتمثل في إطلاق يد الحزب الديمقراطي في كردستان من حيث المناصب، بما فيها رئاسة الحكومة بعد إلغاء منصب رئيس الإقليم فضلاً عن الحصول على وزارات سيادية في بغداد».
ومثل العرب السنة يتعدّد المرشحون لهذا المنصب داخل البيت الكردي. ففي حين يطرح فيه الحزب الديمقراطي الكردستاني اسمي وزير الخارجية السابق هوشيار زيباري وفؤاد حسين للمنصب فإن الاتحاد الوطني لديه ثلاثة مرشحين هم الرئيس الحالي فؤاد معصوم ومحمد صابر ولطيف رشيد. غير أن ثمة متغيراً قد يكون مهماً هو دخول برهم صالح، القيادي البارز وأمين عام «تجمع العدالة والديمقراطية»، على خط الترشيح مدعوماً من قيادات بارزة داخل الاتحاد الوطني.


مقالات ذات صلة

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

حصاد الأسبوع تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب

أحمد جمال (القاهرة)
حصاد الأسبوع صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة

براكريتي غوبتا (نيودلهي)
حصاد الأسبوع الدكتور محمد يونس (آ ب)

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
حصاد الأسبوع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو مع السفير لدى «ناتو» ماثيو ويتيكر في بروكسل (غيتي)

جولة مع القراءة الفرنسية لسياسات واشنطن الجديدة

تواجه العواصم الأوروبية، وفي مقدمتها باريس، اختباراً وجودياً غير مسبوق أمام سياسات واشنطن الجديدة؛ حيث أدت الضغوط الأميركية للاستحواذ على غرينلاند والتدخلات

أنيسة مخالدي (باريس)
حصاد الأسبوع سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)

ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

تغييب سيف الإسلام القذافي عن المشهد السياسي الليبي، ليس مجرد خروج لفاعل سياسي من «لعبة الكراسي» المتآكلة، بل هو إيذان بأفول «الخيار الثالث» الذي لطالما عُد،

جمال جوهر (القاهرة)

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.