هل نحن أمام «حرب اقتصادية» نهائية بين أميركا والصين؟

قراءة في تعاطي «واشنطن ترمب» مع واقع التحدّي التجاري العالمي الكبير

هل نحن أمام «حرب اقتصادية» نهائية بين أميركا والصين؟
TT

هل نحن أمام «حرب اقتصادية» نهائية بين أميركا والصين؟

هل نحن أمام «حرب اقتصادية» نهائية بين أميركا والصين؟

منذ تولى دونالد ترمب رئاسة الولايات المتحدة الأميركية وضع الصين نصب عينيه، كيف لا وهو الذي لم تخلُ حملة من حملاته الانتخابية من إثارته موضوع التبادل التجاري بين دولته والصين، الذي يرى فيه ظلماً جائراً للولايات المتحدة.
إلا أنه بعيد دخول ترمب المكتب البيضاوي، لاح للبعض وكأن حماسة الرئيس الجديد للتصدّي للشأن التجاري مع الصين قد فترت. ذلك أنه إبان زيارة الرئيس الصيني بعد ذلك بثلاثة أشهر بدا اللقاء ودياً، خاصة عند ظهور الرئيسين وقد علت شفتيهما ابتسامتان عريضتان، وتبودلت التصريحات الودية، وكانت المحصلة النهائية للقاء الرئاسي إعادة تقييم العلاقات الأميركية الصينية في مدة تزيد على ثلاثة أشهر بقليل.
في حينه ازداد الظن أن ترمب استغل قضية العجز التجاري مع الصين للترويج لحملته الانتخابية، دون نية فعلية للعمل على موازنة هذا العجز بما يتناسب مع مصلحة الاقتصاد الأميركي. ولكن لم تمض سنة واحدة على ذلك اللقاء حتى انفجر ترمب على القوى الاقتصادية العالمية بما اتضح أنه بوادر حرب اقتصادية، فزاد الرسوم الجمركية على الواردات الأميركية من الحديد والألومنيوم والألواح الشمسية ومنتجات كثيرة أخرى، استهدف من خلالها الصين تحديداً، وإن لم يستثن دول الاتحاد الأوروبي وأميركا الشمالية.
ومن ثم، يوماً تلو الآخر، أخذ الناس يشعرون أن العالم مقبل فعلاً على «حرب اقتصادية» يقودها الرئيس الأميركي... حرب اختفى فيها صوت التعقل ليعلو عليه صوت المصلحة. وكلما فرض الرئيس الأميركي رسوماً على منتجات يستهدف فيها قوة اقتصادية منافسة، ردّت هذه القوة برسوم انتقامية، ليردّ هو الآخر بزيادة هذه الرسوم، وتكرّر هذا الموقف بين الولايات المتحدة من جهة، والصين والاتحاد الأوروبي ودول أميركا الشمالية من جهة أخرى.
ومنذ بداية مارس (آذار) الماضي وحتى الآن، لم تزدد هذه الحرب إلا اشتعالاً، على الرغم من انعقاد «قمة الدول السبع» في يونيو (حزيران) الماضي. ذلك أن «القمة» لم تكن مثمرة لجهة إيجاد حلول فعلية للأزمة، ورغم توالي الاجتماعات الثنائية بين الدول للتفاوض، فإن الوفود عادت كل مرة من هذه الاجتماعات خالية الوفاض من الحلول لأزمة قد تغيّر الخريطة الاقتصادية في العالم.

يبدو العجز التجاري بين الولايات المتحدة والصين وكأنه السبب الأساسي في اندلاع الحرب الاقتصادية بين البلدين، وهذا السبب يبدو واضحا في جلّ تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي كثيراً ما كرّر أن دولة مثل دولته لا تقبل بوجود هذا العجز الذي تعدّى 370 مليار دولار أميركي في العام الماضي. غير أن الأسباب لا تقف عند نقطة عجز الميزان التجاري وحدها. ذلك أن الحرب الاقتصادية، من وجهة نظر أميركية، تتمحور حول نقطتين رئيسيتين:
النقطة الأولى، هي الدعم الحكومي الصيني للمصانع الصينية. إذ إن الكثير من المصانع الصينية تعود إلى ملكية حكومية، وبناءً عليه، فهي تتمتّع بدعم حكومي يقلّل تكلفة الإنتاج الإجمالية... وهو واقع يمنح التفوّق لمنتجات هذه المصانع مقابل مثيلاتها في الدول الأخرى. وقد تكون مصانع الحديد الصينية أكثر الأمثلة دقة على هذه الحالة، فالرئيس الأميركي طالما تذمّر من دعم الحكومة الصينية لهذه المصانع، ما جعل الحديد الصيني الأدنى ثمناً على المستوى العالمي. وفي ضوء غزارة الإنتاج الصيني ورخص ثمنه، بات من الصعب على بقية دول العالم منافسة الصين. وبالتالي، اضطرت بعض المناجم والمصانع في الولايات المتحدة للإغلاق لعجزها عن المنافسة. وحقاً، سبق للرئيس ترمب أن اتهم الصين أكثر من مرة بإغراق السوق بالحديد الرخيص الثمن بهدف السيطرة على الحصص السوقية العالمية، ويقاس على الحديد منتجات صينية أخرى.

منطق واشنطن للرسوم

في المقابل، ترى الولايات المتحدة بفرضها الرسوم الجمركية وغيرها، أنها تدعم منتجاتها الوطنية برفع أسعار المنتجات المستوردة. وهذا المنطق يبدو معقولاً إذا تعلق الأمر ببعض المنتجات، فالمستهلك قد يُحجِم عن شراء المنتج المستورد إذا ما كان المنتج المحلي أقل سعراً، وبالأخص، إذا تقارب مستوى الجودة. إلا أن بعض المنتجات لا تخضع لهذا المنطق، لا سيما المواد الخام والأساسية المستوردة من الصين، مثل الحديد والمكوّنات الداخلية للأجهزة الإلكترونية. هنا زيادة أسعار المواد تؤدي إلى زيادة أسعار المنتجات النهائية التي يصدّر بعضها إلى الخارج ويباع بعضها الآخر في الولايات المتحدة.
ومن ثم، فإن في زيادة أسعار هذه المنتجات إلحاق ضرر أكيد بالمصانع الأميركية التي قد تنخفض مبيعاتها، وبالنتيجة ستلجأ إلى تسريح الموظفين لتقليل التكلفة التشغيلية. وعليه، سيصبح القرار الذي استهدف خلق وظائف جديدة في قطاع التعدين الأميركي من خلال زيادة الرسوم على الحديد الصيني قد أدى إلى عكس الغرض منه، إذ تسبب في فقدان وظائف في قطاعات صناعية أخرى، مثل صناعة السيارات.

نقل التقنية

المحور الثاني لهذه الحرب - بحسب وجهة النظر الأميركية - هو النقل القسري للتقنية. ذلك أن الولايات المتحدة تتهم الصين بـ«سرقة» التقنية و«توطينها» في الصين بشكل غير مشروع، وذلك من خلال الاستحواذ على الشركات التقنية الأميركية، وتسريب هذه التقنية بعد ذلك إلى الصين.
ويرى الأميركيون أن الصين استغلت الأزمة المالية العالمية خلال العقد الماضي لتشتري شركات أميركية، حتى إنه بين عامي 2005 و2016 وصل عدد الاستثمارات الصينية في الولايات المتحدة وحدها إلى 202 استثمار. ومع أن عدد الاستثمارات التقنية منها لم يتعدّ 16 استثماراً، فإن قيمتها زادت على 21 مليار دولار. بل، وحتى مع كون هذه الاستثمارات قليلة نسبياً، سواءً من ناحية العدد أو القيمة، فإن الأميركيين يدركون أن المستقبل لمَن يملك التقنية. وبالتالي، فهم يتخوفون من أن تتفوق الصين على بلدهم بمجهودات الشركات والعقول الأميركية. ولذا أصدر البيت الأبيض قرارا منع فيه الشركات الصينية من الاستحواذ على شركات تقنية أميركية في السنوات السبع المقبلة.
وهنا، لا بد من القول، أن ما لا تعترف به الإدارة الأميركية، هو الدور الصيني في تعافي الولايات المتحدة من الأزمة المالية العالمية المشار إليها. إذ أسهمت الاستثمارات الصينية في القطاع العقاري خلال العقد المنصرم إسهاماً كبيراً في استقرار أسعار العقارات الأميركية، كما كان لضخّ الأموال الصينية في قطاع التقنية الأميركي دور هو الآخر في تحفيز قطاع تشتد فيه المنافسة على مصادر التمويل. مع هذا، الولايات المتحدة ليست وحدها مَن يتهم الصين بـ«سرقة حقوق الملكية الفكرية»، ذلك أن اليابان وبعض دول الاتحاد الأوروبي أيضا توجه إلى الصين التهمة ذاتها، مما قد يبرّر القرارات الأميركية إلى حد ما.

وجهة النظر الصينية

حتى الآن، تعاملت الصين مع ما يمكن وصف بـ«الحرب الاقتصادية» بشكل حذر، ولم تبادر بأي إجراء فيها، بل اكتفت بردات فعل مماثلة لتلكم الأميركية. والسبب أن الصين لم تحسن النية في غاية الولايات المتحدة من الحرب الاقتصادية منذ أن تولى ترمب الحكم. إذ الصين ترى أن الولايات المتحدة تطمح لتحجيمها اقتصاديا، تماماً، كما فعلت في الماضي مع اليابان ومع الاتحاد السوفياتي السابق. ومن ثم، تخشى الصين أن تنجح أميركا كما نجحت من قبل، وعلى الرغم من أن الصين متمرسة في المفاوضات والمواجهات الاقتصادية، فهي الآن تواجه خصماً عنيفاً ذا مطالب مستحيلة التنفيذ.
وعلى الرغم من أن الرئيس الأميركي يركز إعلامياً على مقدار العجز الاقتصادي ومعادلة الميزان التجاري، فإن مطالبه تحمل في طياتها تغييرات جذرية للصين. فالصين دولة شيوعية، والتغييرات التي يطالب بها ترمب تعني أن تتخلى الدولة عن مصانعها الحكومية، وأن تغير سياساتها الصناعية، بل وأن تغير سياساتها المالية برفع عملتها «اليوان» التي طالما تذمّر منها رؤساء الولايات المتحدة السابقون.
هذه التغيرات، بطبيعة الحال، شبه مستحيلة على الحزب الشيوعي الصيني الحاكم لأنها تمسّ قناعات الحزب ومعتقداته الجوهرية. وحتى بعض الأوروبيين واليابانيين المختلفين مع سياسات الصين التجارية، يعتبرون أن مطالب الرئيس ترمب الحالية تفتقر إلى الواقعية.
الحكومة الصينية تبدو مقتنعة أن الرئيس ترمب لا يهدف في الحقيقة إلى الوصول إلى اتفاق تجاري أو إلى موازنة العجز التجاري، بل يسعى إلى فرض دائم للرسوم الجمركية على السلع الصينية بهدف تغيير خريطة سلسلة التوريد في العالم. وحقاً، يندر أن يُصنع جهاز إلكتروني في الوقت الحالي من دون اللجوء إلى مكوّنات داخلية صينية مهما كان بلد منشأ هذا الجهاز، وقد لا تخلو أي مركبة من قطع صينية فيها، وكذلك الحال، في غالبية الصناعات الأخرى، من الملابس وحتى مصانع الأغذية. ولذلك فإن الصين تحمل أهمية استراتيجية عالمية في سلاسل التوريد لغالبية الصناعات في العالم. وهذا ما لا ترضاه الولايات المتحدة التي ترى أنها «ملكة العالم الجديد» وصانعة القرار الأولى. وعليه فإن المسؤولين الصينيين يكادون يجزمون أن ما يرمي إليه ترمب هو تغيير موازين القوى الاقتصادية في العالم، وبالذات، سحب البساط من تحت الصينيين، من منطلق أن بلاده لا تريد أن يكون لها أي غريم أو منافس اقتصادي في العالم. وكما لم ترض واشنطن في الماضي أن يكون الاتحاد السوفياتي غريماً عسكرياً منافساً لها، فهي تسعى حاليا إلى احتواء الصين بشكل استراتيجي من خلال الحرب الاقتصادية. وهذا، خاصة، بعد ظهور طموحات بكين المستمرة من خلال تمدّد علاقات الصين التجارية مع دول العالم، وسعيها الحثيث لإكمال «طريق الحرير الجديد» الذي يسهل على السلع الصينية الوصول لأوروبا بأكملها على طريق البر. ولعل ما يزيد الصينيين اقتناعاً بهذه النظرية، هو الثمن الذي سيدفعه الاقتصاد الأميركي جرّاء هذه الحرب، والذي على الرغم من فداحته لا يظهر أنه يمنع الولايات المتحدة من المضي قدماً في خوض هذه الحرب، وكأنها لا تمانع في دفع هذا الثمن في العصر الحالي، كي لا تغدو الصين منافساً اقتصادياً يستحيل التصدي له في المستقبل.

القوى الاقتصادية والمخاوف الصينية

اتفاق القوى الاقتصادية العالمية الثلاث على الصين هو هاجس سلطات بكين الأول في الوقت الراهن. فالولايات المتحدة تقود هذه الحرب الاقتصادية، والاتحاد الأوروبي - وإن عانى من تبعات هذه الحرب على المستوى الأوروبي - يرى بدوره أن على الصين تغيير سياساتها التجارية التي تلحِق الضرر بباقي دول العالم، ولا سيما، بعدما فرض الاتحاد الأوروبي مسبقاً رسوما إضافية على الحديد الصيني. أما اليابان، «ثالث» القوى الاقتصادية الثلاث، فقد عانت كثيرا من الصين على المستويين الثقافي والاقتصادي، وقد تجد الآن في هذا التحالف فرصة لفرض مطالبها الاقتصادية على «جارتها الآسيوية العملاقة.
لقد شعرت الصين بالارتياح سابقاً، بعد أن هاجم ترمب قوى اقتصادية عدة مثل الاتحاد الأوروبي واليابان ودول أميركا الشمالية الأخرى (كندا والمكسيك)، إلا أن واشنطن بدأت مفاوضاتها مع هذه الأطراف، سواءً مع الاتحاد الأوروبي، أو من خلال اتفاقية «نافتا» لدول أميركا الشمالية مع المكسيكيين والكنديين. وهذا ما جعل الصين تتودّد لـ«جارتها» الآسيوية اليابان، ما دفع مسؤولاً يابانياً للقول إن الصين «اكتسبت بعض الدبلوماسية بعد موقف الولايات المتحدة معها».
هذا الالتفاف الاقتصادي حول أميركا قد يقض مضاجع المسؤولين الصينيين في الوقت الحالي، ولكنه أقرب إلى ألا يحدث منه إلى الحدوث. فبالنسبة لأميركا الشمالية، لم تتوصل سوى المكسيك إلى حل في مفاوضاتها مع الولايات المتحدة بينما تعثرت حتى اللحظة المفاوضات مع كندا. والاتحاد الأوروبي ما زال في الدوامة نفسها، بل إن دول الاتحاد الأوروبي تبدو جاهزة هي الأخرى للرد على خطوات واشنطن برد انتقامي اقتصادي مماثل على الرسوم الأميركية. والواقع، أنه لم يستغرق الاتحاد الأوروبي أكثر من يوم واحد لإصدار قائمة تشتمل على 100 منتج أميركي معرّض لرسوم جمركية إضافية في رد عنيف على فرض الولايات المتحدة رسوماً جمركية على واردات الحديد والألمنيوم من دول الاتحاد. وحين صرح الرئيس الأميركي أن الولايات المتحدة قد تزيد التعرفة الجمركية على السيارات الأوروبية، جاء الرد الأوروبي حازماً وسريعاً مؤداه أن الاتحاد الأوروبي سيرد على هذه الرسوم - إن فُرضت - بالمثل.
ولكن الرئيس الأميركي - إن وصف بشيء فيه - فهو رجل لا يمكن التنبؤ بأفعاله. ولو قيل لشخص ما قبل سنوات قليلة إن رئيس أقوى دولة في العالم سيلقي هذه التصريحات النارية في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، لعد ذلك ضرباً من الخيال. فعديد المواقف من الرئيس الأميركي تدل على أن مواقفه المستقبلية غير مضمونة بأي حال، فكيف إذا كان الحال لدولة وضعها هدفاً من أهداف فترته الرئاسية... مثل الصين.

تبِعات الحرب الاقتصادية

الحرب الاقتصادية ليست محض خيال غير مرئي. ونتائج هذه الحرب ملموسة للمستهلك، تماماً، كما هي مؤثرة على اقتصادات الدول. ثم إن دائرة المتأثرين منها لا ولن تقتصر على الصينيين والأميركيين وحدهم، بل تتسع لتشمل غالبية دول العالم، ولعل أقرب مثال على ذلك تغريدة الرئيس ترمب قبيل مؤتمر شركة آبل الأميركية التي جاء فيها قوله إن أسعار هواتف «الآيفون» قد ترتفع هذه السنة بعد فرض الضرائب على المنتجات الصينية. وعلى الرغم من أن ترمب أراد بهذه التغريدة الإعلان عن سياسته بإعفاء بعض المصانع الأميركية من الضرائب لتعويضها عن الرسوم المرتفعة، فإن تغريدته لا تخلو من صحة في مجملها. والحقيقة، أن غالبية مستهلكي المنتجات الأميركية سيتضرّرون حول العالم، حيث حجم الصادرات الأميركية للعالم يزيد على 2.3 تريليون دولار، وتشكل الواردات الصينية مواد أساسية لنسبة لا بأس فيها. وبالتالي، فزيادة أسعار هذه الصادرات نتيجة حتمية، وهي زيادة سيتحملها المستهلك النهائي، تماماً كما هو الحال مع «الآيفون». لذا، من المتوقع أن يتأثر المستهلكان الأميركي والصيني بشكل مباشر، ولكن التأثير غير المباشر على بقية المستهلكين حول العالم سيكون ملحوظاً أيضاً وغير مستغرب.
على المستوى الدولي، هذه الحرب قد تغير خريطة العالم الاقتصادية، إذ إن وضع اقتصاد الصين مؤثر على غالبية دول العالم، سواءً كانت الدول التي تربطها علاقات تبادل تجاري، أو الأخرى التي تربطها بالصين استثمارات طويلة المدى. واستهداف الولايات المتحدة للاقتصاد الصيني قد لا ينتهي بكساد اقتصادي صيني فحسب، بل قد يمتد إلى دول كثيرة مجاورة بتأثير أشبه ما يوصف بـ«تأثير الدومينو». فدول مثل كوريا الجنوبية والهند وفيتنام تعتمد بشكل مكثف على الحركة التجارية مع الصين. وعليه، فتأثر الاقتصاد الصيني يعني تأثر هذه الدول معها في حرب قد تمس بشكل مباشر ربع سكان العالم، وتمس البقية الباقية بشكل غير مباشر.
كلمة أخيرة. لعل الأمل مُعلق الآن على «قمة العشرين» المقرّر انعقادها في الأرجنتين، عند نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، للعمل على حل هذه الحرب قبل أن تخرج عن السيطرة.

* باحث سعودي متخصص
في الإدارة المالية والاقتصاد

 



الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
TT

الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)

آخر ما كانت موسكو ترغب فيه بينما تقترب من فرض صفقة مرضية مع واشنطن حول أوكرانيا والعلاقة الصعبة مع أوروبا، أن ينفجر «برميل بارود» في الشرق الأوسط، فيبدل الأولويات، ويخلط التوازنات والتحالفات. موسكو كانت قد سعت جاهدة إلى تجنّب خيار الحرب على أبرز شركائها الاستراتيجيين، فقدّمت عروضاً كثيرة للوساطة جرى تجاهلها تماماً. ثم عندما انفجر الصراع وجدت نفسها أمام واقع يؤكّد تراجع فرصها للتأثير على مساره وتداعياته المحتملة ليس فقط على إيران، بل وعلى كل الملفات المرتبطة بالعلاقة مع واشنطن، ومع المحيط الإقليمي الذي ازداد مشهده تعقيداً. اليوم يبدو أن خيارات الكرملين الرئيسية تنحصر في تجنّب الانزلاق في المواجهة القائمة، ورصد ارتداداتها في الفضاء القريب. ومن ثم محاولة استجلاء الفرص التي توفّرها المواجهة، بالأخص، على صعيد اتساع الهوة بين واشنطن والعواصم الأوروبية، و«دق الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي. ومن جهة ثانية، رصد التهديدات الجديدة التي برزت، لا سيما، في منطقتي حوض قزوين وجنوب القوقاز حيث ترسم ملامح توازنات جديدة.

عبارةُ الناطق الرئاسي الروسي، ديميتري بيسكوف «لا يجرؤ عاقلٌ على التنبؤ بكيفية تطور الوضع في الشرق الأوسط، لكن من الواضح أن الأمور تسير نحو الأسوأ» قد تَختصر الموقفَ الحالي، بالنسبة إلى موسكو، التي سعت طويلاً إلى تجنّب هذه الحرب، ووجدت نفسها عاجزة عن كبح جماح تطوراتها.

توسّع الحرب

منذ البداية، راوحت التقديرات الروسية عند عنصرَين أساسيين: أولهما استحالة تقويض النظام الإيراني عبر ضربات جوّية مهما بلغ حجمها وتأثيرها؛ ما يعني أن إنهاء الحرب لن يكون يسيراً من دون تدخل برّي مباشر يبدو مُكلفاً جداً للطرفين المهاجمين.

وثانيهما أن «سيناريو» وقف الأعمال العدائية سيكون مماثلاً لنتيجة «حرب الأيام الـ12» في العام الماضي. بمعنى أن كل طرف سيعلن «إنجاز الأهداف» ولكن من دون تحقيق الغايات النهائية المرجوّة، خصوصاً بالنسبة إلى الجانب الإسرائيلي، الذي لا يُخفي سعيه إلى تفكيك النظام في إيران وإنهاء وجوده.

وهذا «السيناريو» كان يصب في مصلحة الكرملين، حتى لو أسفر عن خروج إيران من الحرب منهكة وضعيفة، ولكن متماسكة وموحّدة تحت سقف قيادتها.

وعلى الرغم من التوقعات المتشائمة حالياً بشأن إمكان توسيع الرقعة الجغرافية للحرب، فإن موسكو ما زالت ترى أن طهران نجحت، حتى الآن، في امتصاص الضربة الأولى القوية للغاية. ومن ثم، حوّلت الحرب إلى مواجهة تستنزف طاقات المهاجمين وقدراتهم، مع التعويل على التطورات الداخلية المحتملة في معسكرَي واشنطن وتل أبيب، بالذات، لجهة تحرّك الأطراف المناهضة للحرب. ويضاف إلى ذلك تفاقم التباين في المواقف مع الأوروبيين وأطراف أخرى متضرِّرة من استمرار الصراع.

الرهان الروسي على قدرة إيران على الصمود برز من خلال تأكيد الكرملين المتكرر أن «العمليات العسكرية ضد إيران أدت إلى مزيد من التلاحم بين الشعب الإيراني حول قيادة البلاد». وأيضاً من خلال التأكيد على أن استمرار استهداف القيادات السياسية الإيرانية «لا يمكن أن يمر من دون عواقب وخيمة».

وفي هذا الإطار، ورغم التزامها موقفاً منتقداً لاستهداف الإيرانيين بلدان الخليج العربي، فإن موسكو كرّرت التشديد على دعم لجوء طهران إلى «الدفاع بنشاط عن نفسها ضد الهجمات على أراضيها».

وتظهر هذه العبارة التي ردّدها الكرملين، أن الرهان الروسي الأول بعد فشل جهود الوساطة يتركز الآن على صمود الموقف الداخلي الإيراني، في مقابل تفكك جبهة المهاجمين أو اصطدامها بمعارضة داخلية متصاعدة.

بوتين وخط الوساطة

كان الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، سعى في البداية إلى استغلال الوضع القائم في تعزيز أوراقه التفاوضية عبر طرح وساطة روسية سريعة لوقف الحرب. وبالفعل، أجرى في الأسبوع الأول سلسلة مكالمات هاتفية مع قادة المنطقة ركّزت على انتقاد الضربات الإيرانية على بلدان الخليج العربي، وقدرة موسكو على «توجيه رسائل مباشرة إلى طهران» في هذا الشأن.

كذلك أعاد الرئيس الروسي طرح الأفكار الروسية التي قُدمت في وقت سابق على طاولات المفاوضات في عُمان عبر المفاوضين الإيرانيين، التي عرضت دوراً روسياً مباشراً في تخفيف التوتر بشأن ملفَي «القدرات النووية الإيرانية» و«البرنامج الصاروخي» لدى طهران.

في الشق الأول، أكد الكرملين مجدداً استعداد موسكو لضبط التعامل مع الوقود المخصّب، ونقله بشكل كامل إلى الأراضي الروسية لإنهاء المخاوف بهذا الشأن. وفي الشق الثاني، عرض الكرملين ضمانة مباشرة بألا تُستخدم القدرات الصاروخية الإيرانية ضد إسرائيل وضد أراضي بلدان الجوار.

كان هذا العرض حاضراً أيضاً خلال المكالمة الهاتفية الوحيدة التي أجراها بوتين مع نظيره الأميركي، دونالد ترمب، في الأسبوع الثاني من الحرب.

لكن كما اتضح لاحقاً، فإن العرض الروسي لم يجد حماسة لدى تل أبيب، التي تصرّ على الخيار العسكري لتقويض القدرات الإيرانية في المجالين بشكل نهائي، ولا لدى واشنطن، التي عبّر ترمب عن موقفها بوضوح، عندما قال إن «على بوتين تسوية الصراع في أوكرانيا قبل البحث عن دور لتسوية صراعات أخرى».

مساعدة إيران

في هذا السياق، بدا أن خياراتِ الكرملين لتدخلٍ يُسهم في وقف الحرب محدودة للغاية. لكن الأسوأ من ذلك الاتهامات التي وُجهت إلى موسكو بأنها تقدّم مساعدات استخباراتية قيّمة إلى الإيرانيين.

ولم تقتصر الاتهامات الأميركية على «مبالغات إعلامية» أو تسريبات بعض الأجهزة؛ بل شكّل التدخل المباشر للمبعوث الرئاسي الأميركي ستيف ويتكوف - الذي وجّه تحذيراً قوياً إلى موسكو - إشارةً جدية إلى دور لعبته موسكو على هذا الصعيد. فضلاً عن أن هذا الموضوع طُرح بشكل مباشر وواضح خلال مكالمة ترمب مع بوتين.

مع هذا، فإن أوساطاً روسية ترى أن موسكو لا بديل لديها عن مواصلة تقديم عون «غير مباشر» لإيران، بالتوازي مع محاولة تجنّب إغضاب واشنطن. وترى مصادر إعلامية روسية أن هذا العون، الموجّه فقط إلى «تعزيز صمود الإيرانيين»، يصبّ في اتجاهين رئيسين:

الأول: مواصلة تقديم بعض المعلومات الاستخباراتية بشأن التحرّكات الإسرائيلية، وتجنّب الانخراط في تقديم عون قد يضرّ مباشرة بالأميركيين، وذلك حرصاً على استمرار العلاقة مع ترمب، ودوره في أي تسوية مقبلة بأوكرانيا.

والثاني: يتعلّق بدعم غير مباشر يُقدَّم عبر شركات خاصة تنشط في مجالات التقنيات السيبرانية التي حقق فيها الروس، إلى جانب الصين، تفوّقاً مهماً خلال السنوات الماضية. وهذا دعم تكلفته السياسية محدودة؛ لأنه يُقدَّم عبر مؤسسات تجارية، ولا يمكن تحميل الكرملين مباشرةً وزره.

تسوية أوكرانيا مؤجلة

الأمر الأكيد أن المواجهة الأميركية الإسرائيلية مع إيران بدأت تُلقي بظلالها على توقّعات إطالة أمد الحرب الأوكرانية، في ظل الكلام عن انشغال واشنطن بـ«أولويات أخرى».

وبعدما كان الرهان الروسي يركّز على ضغط واشنطن القوي لإحراز تقدم ملموس في العملية السياسية، ويفرض تسوية مقبولة بالنسبة إلى موسكو، بدا أن القناعة تزداد في كييف - وأيضاً في موسكو - بأن تداعيات المواجهة القائمة في الشرق الأوسط سوف تكون طويلة الأمد. وكشفت تقارير أوكرانية عن توجّه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لترتيب الوضع الداخلي في بلاده، لاحتمال مواجهة استمرار الحرب مع روسيا لفترةٍ قد تطول إلى ثلاث سنوات إضافية.

ويُذكر أن الناطق الرئاسي الروسي ديميتري بيسكوف كان قد أشار، في وقت سابق، إلى توقف أعمال الفريق الثلاثي المعنيّ بالقضايا الأمنية التي تشمل روسيا والولايات المتحدة وأوكرانيا. وأعرب لاحقاً عن أمله في استئناف المفاوضات عندما تتمكّن الولايات المتحدة من إيلاء مزيد من الاهتمام لهذه القضية والاتفاق على جداول زمنية جديدة. وأردف الناطق أن «لدى واشنطن أولويات أخرى حالياً، وهذا أمر مفهوم».

انعكاسات على أوروبا

الجانب الآخر المهم في الخيارات الروسية للتعامل مع الحرب الإيرانية، اتضح من خلال عمليات الرصد الروسي الدقيق لانعكاسات الحرب على الملف الأوكراني وعلى مواقف البلدان الأوروبية، التي ما زالت تشكل بالنسبة إلى الكرملين العقبة الرئيسية أمام إنهاء الصراع في أوكرانيا بالشروط الروسية.

هنا، لا يَخفىَ الارتياح الروسي حيال وضع أوروبا الصعب إبّان هذه الحرب، وبالتحديد، على خلفية تفاقم المخاوف تجاه ارتفاع أسعار الغاز والنفط، واضطرار «بروكسل» وواشنطن إلى اتخاذ خطوات جدية لتخفيف العقوبات على موسكو لمواجهة النقص المحتمل في الأسواق.

وحقاً، أظهرت تعليقات الكرملين ارتياحاً لحدوث تبدّل في أولويات أوروبا، خصوصاً أن «سداد فواتير الغاز والبنزين والكهرباء حلّ محل أوكرانيا، بوصفه أولوية قصوى على أجندة الحكومات الأوروبية»، وفقاً لتعليقات الرئاسة الروسية.

وفي السياق ذاته، كتب الدبلوماسي المخضرم ألكسندر ياكوفينكو أن «الأزمة الأخيرة في الشرق الأوسط شكّلت، مع التداعيات السابقة للأزمة الأوكرانية، عاملاً إضافياً محفزاً للتوتّر في العلاقات عبر الأطلسي».

ويرى ياكوفينكو، الذي كان مكلّفاً بملف العلاقات مع المنظمات الدولية والإقليمية، أن «العلاقات عبر الأطلسي تواجه راهناً أزمة حادة. والخلافات بشأن أوكرانيا تدفع النُّخَب الأوروبية إلى الرغبة في تعرض ترمب للهزيمة، ما قد يكون عاملاً حاسماً في فوز الديمقراطيين بانتخابات التجديد النصفي خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. حينئذٍ، سيمكن تجاوز موقف ترمب الخاص، وتعود العلاقات عبر الأطلسي إلى مسارها السابق من الوحدة الغربية القائمة على أساس متين مناهض لروسيا». بعبارة أخرى، يرى محلّلون وسياسيون روس أن حرب إيران دقت «الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي، مع كل ما يمكن أن يترتب على ذلك من تداعيات.

حرب إيران تهدد النفوذ الروسي في جنوب القوقاز

على صعيد مختلف، مع الفرص التي يوفّرها اتساع الشرخ بين واشنطن وأوروبا، حملت الحرب على إيران تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا.

وحقاً، ازدادت المخاوف من اتساع رقعة العمليات العسكرية في حرب إيران إلى منطقة حوض قزوين. وبينما أكد الكرملين «الرفض القاطع» لامتداد الحرب إلى هذه المنطقة، تحدثت تقارير عن مخاطر قَطع سلاسل الإمداد وتهديد مصالح حيوية لروسيا في بحر قزوين.

للعلم، كانت موسكو قد تجنبت التعليق، بشكل رسمي، على توجيه ضربة إسرائيلية إلى ميناء بندر أنزلي الإيراني على بحر قزوين. إلا أن الكرملين عاد بعد أيام للتحذير من مخاطر امتداد الصراع الدائر إلى بحر قزوين.

فلقد كان الجيش الإسرائيلي قد أعلن، يوم 19 مارس (آذار) الحالي، أنه هاجم سفناً وبنية تحتية إيرانية في بحر قزوين. وأفادت تقارير بأن العملية استندت إلى معلومات استخباراتية حول شحنة عسكرية سرّية في طريقها من روسيا الاتحادية إلى إيران.

ووفقاً للمعطيات، فكانت إحدى السفن المستهدَفة تحمل شحنة كبيرة من الطائرات المُسيّرة ومعدّات إلكترونية متطوّرة. ووفقاً للتقديرات الأولية، جرى تعطيل ما يصل إلى خمس سفن حربية كبيرة في الغارة، وإلحاق أضرار جسيمة بسفينة أخرى. وأفاد مصدر عسكري إسرائيلي رفيع المستوى بأن هذه العملية «تُعدّ أول استخدام قتالي موثَّق» لسلاح الجو الإسرائيلي في هذه المنطقة الجغرافية. والجدير بالذكر، أن الغارة نُفّذت على مقربة من ميناء أنزلي ذي الأهمية الاستراتيجية، الذي تقع بالقرب منه مراكز رئيسية للبنية التحتية للطاقة في إيران.

ورأت تقارير أن اعتراض شحنات الأسلحة أثناء تسليمها ليس مجرّد رد فعل، بل محاولة استباقية لتعطيل سلاسل الإمداد. وعلاوة على ذلك، فإن مثل هذه الضربة تبعث رسالة سياسية لا تتعلق بإيران فحسب، بل بروسيا أيضاً بوصفها مصدراً محتملاً لهذه الإمدادات.

تعليقات في موسكو

اللافت أن القلق الروسي بسبب هذه الضربة انعكس في تعليقات خبراء وتغطيات وسائل الإعلام الحكومية، إذ كتب معلِّق سياسي أن الضربة الإسرائيلية «تحمل رسالة متعددة الأوجه. فهي من ناحية ضربة مباشرة لإيران باستهداف قاعدة بحرية وسفن وبنى لوجيستية بهدف تقليص قدرة إيران العسكرية لتخفيف الضغط على الخليج. إلا أن النطاق الجغرافي للضربة في بحر قزوين، المنطقة القريبة للغاية من روسيا، منطقة النفوذ والمصالح الروسية قطعاً، والمرتبطة بخط إمداد روسيا لإيران، يتضمن رسالة إلى روسيا أيضاً واختباراً لـ«الرد الروسي المحتمل»، ولا سيما أن ذلك يطول المصالح الاستراتيجية الروسية بشكل مباشر، المتمثلة في الممر الدولي (شمال - جنوب) الذي يربط بين الهند وإيران وروسيا وأوروبا، وتحديداً المسار الأوسط للممر الذي يعتمد على بحر قزوين بصفته نقطة تحميل وشحن أساسية. وهذا الأمر يزيد الضغط على المسار الغربي للممرّ الذي يمرّ عبر روسيا - أذربيجان - إيران، والمسار الغربي الذي يمر عبر تركمانستان وكازاخستان».

ورأت تعليقات أخرى أن «ما يحدث الآن هو لعب بالنار يجري بالقرب من الحدود الروسية، وتحدٍّ فظ ومباشر للأمن القومي الروسي»

ويعكس هذا الكلام مستوى القلق الزائد لدى موسكو بسبب الحرب، واحتمالات تأثيرها على موازين القوى في منطقة جنوب القوقاز، لا سيما وأن أذربيجان تُعدّ حليفاً وشريكاً أساسياً لإسرائيل في المنطقة، وشكّلت أراضيها منطلقاً لبعض الهجمات في حرب الـ12 يوماً العام الماضي. ثم إن موسكو كانت غير راضية أصلاً عن الترتيبات التي تقودها واشنطن في هذه المنطقة، بما في ذلك عبر إضعاف النفوذ الإيراني، وتحييد روسيا في ملف الصراع الأذري الأرميني. ويبدو أن الحرب الأخيرة تهدّد موسكو برسم ملامح جديدة للتوازنات في المنطقة. الحرب على إيران تشكّل تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا


إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
TT

إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً

تولَّى الجنرال إيال زامير منصب رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، يوم 5 مارس (آذار) 2025، خلفاً لسَلَفه هيرتسي هاليفي، على خلفية الهجوم الذي شنَّته حركة «حماس» وفصائل فلسطينية أخرى على مواقع إسرائيلية في غلاف غزة يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023. وعندما قرَّر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تعيينه لهذا المنصب، فإنَّه فعل ذلك في اللحظة الأخيرة قبل مغادرة إسرائيل للقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في فبراير (شباط). وحصل ذلك، ليس فقط كي لا يعيش الجيش في فراغ بعد استقالة رئيس الأركان هاليفي، بل أيضاً للظهور أمام ترمب قائداً قوياً يستطيع أيضاً أن يحارب الجنرالات الأقوياء تحت قيادته. اختيار زامير تحديداً لهذا المنصب، مع أنَّه كان قد أصبح خارج الجيش لـ3 سنوات، هو جزء من الرسالة. والسبب أنَّ زامير يمثل بالنسبة لنتنياهو نهاية عهد وبداية عهد جديد في العلاقات بين القيادتين السياسية والعسكرية. وهذه العلاقات المتوترة، التي تعكَّرت بمبادرة من نتنياهو منذ عام 2011، باتت تلحق أضراراً بالجهتين.

كان يُؤمل من إيال زامير تولِّي «مهمة تنظيفية»، إذ يروّج في الأوساط العسكرية أن قادة الجيش الإسرائيلي فقدوا احترامهم للقيادة السياسية بتاتاً، وأن زامير هو الجنرال الوحيد في المؤسّسة الذي يكنّ قدراً من الاحترام لنتنياهو. فهو يعرفه عن قرب منذ عُيّن سكرتيراً عسكرياً لرئيس الوزراء (2012 - 2015)، ثم مديراً عاماً لوزارة الدفاع. وتولّى إبّان الحرب مهمّة شراء كميات هائلة من الذخائر والأسلحة، وعمل بتنسيق يومي مع نتنياهو. وأخيراً، وقف إلى جانب نتنياهو في أثناء خلافاته الأخيرة مع وزير الدفاع السابق يوآف غالانت.

غير أن ترميم العلاقات بين الحكومة والجيش سيكون مهمةً ثانويةً لرئيس الأركان الجديد إذا ما قورنت بالمهام والتحديات الأخرى، وأبرزها إعداد الجيش للحروب المقبلة. فقد تم بناء الجيش خلال السنوات الـ10 الأخيرة بطريقة يكون فيها «صغيراً (من حيث العديد) وحكيماً»، يستند إلى التكنولوجيا العالية. ولكن ثمّة قناعة تامة اليوم بأنه يجب أن يعود كبيراً وكلاسيكياً، ويعتمد في الاجتياحات البرّية على الدبابات والمدرّعات. وزامير هو رئيس الأركان الوحيد الآتي من سلاح المدرعات منذ أكثر من 50 سنة (آخر رئيس أركان جاء من سلاح المدرّعات كان دافيد إليعازر الذي قاد الجيش في حرب أكتوبر 1973).

دروس «حرب غزة»

ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية»، التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير الحكيم» خطأ مميتاً لا يلائم مهماته في المنطقة. وترى أن الحرب الأخيرة على غزة، وكذلك على لبنان، أظهرتا نقاط ضعف شديدة في الحرب الميدانية. وبالتالي، تؤكد أن الحرب في أوكرانيا أضحت درساً لجيوش الغرب تتعلم منها أن لا غنى عن الحرب الميدانية. ويتكلّم البعض في هذه «المدرسة» في إسرائيل اليوم عن خطر فتح «جبهة سابعة» ضد تركيا؛ بسبب التطوّرات في سوريا. ذلك أن الوجود العسكري التركي هناك يمكن أن يتحوَّل إلى صدام مع إسرائيل، والمعروف أن الجيش التركي بُني - وما زال حتى اليوم - بوصفه جيش قتال برّي. ومع أن هذه الفرضية تبدو ذات احتمالات ضعيفة، حتى الآن، فإن العسكريين والمحللين الإسرائيليين يأخذونها في الاعتبار ويثيرونها علناً.

ولقد أعجبت هذه «الرؤية» قوى اليمين المتطرّف الحاكمة فعلياً في إسرائيل، ويمثلها وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، الذي كان قد طلب - وحظي بما طلبه - المساهمة في اختيار زامير. وقال سموتريتش بعد اختيار زامير: «كلّي أمل بأن يثبت جدارته في تغيير عقيدة الجيش إلى عقيدة قتالية صارمة، تتّسم بالإقدام والالتحام وتقتلع الإرهاب الفلسطيني من جذوره». وردَّد نتنياهو الكلام نفسه لدى اتخاذ الحكومة قرارها رسمياً بالمصادقة على تعيين زامير خلال جلستها يوم الأحد 16 مارس 2025؛ إذ قال: «زامير رجل صدامي، وهو ما يحتاج إليه الجيش اليوم».

«أبو المعارك»

لقد أمضى زامير 42 سنة من عمره في الجيش باستثناء سنوات قيادته لوزارة الدفاع، التي تعدُّ خليطاً من الخدمة العسكرية والأمنية الإدارية. وخلال هذه الفترة، شارك في كل الحروب والمعارك التي خاضها الجيش، وتدرَّج في سلم القيادة، وتعرَّف على كل الجبهات. وكان نموذجه الأعلى والده، اليمني الأصل، الذي وصل إلى رتبة مقدّم في الجيش الإسرائيلي.

فقد استهل خدمته بقيادة دبابة في لبنان عام 1985. وأمضى 5 سنوات محارباً، حتى حصل على رتبة رائد. وخلالها قاتل في «الانتفاضة الفلسطينية الأولى»، ثم أُعيد إلى لبنان، وبقي هناك حتى الانسحاب عام 2000.

وتولى قيادة الجيش في منطقة جنين، في السنتين حتى 2002، حين وقعت «مجزرة جنين». وبعدها أمضى 3 سنوات يحارب في خان يونس، حتى تقرَّر الانسحاب من القطاع، وأشرف بنفسه على هذا الانسحاب. وعام 2011 تولى قيادة «قوات اليابسة» وهي قيد التأسيس. واختاره نتنياهو بعد سنة سكرتيراً عسكرياً، فأشرف معه على جولتَي الحرب على غزة في عامَي 2012 و2014.

في عام 2015 ترك زامير مكتب رئيس الحكومة ليُعيَّن قائداً للواء الجنوب، المسؤول عن قطاع غزة. وبعد شهر واحد من توليه المسؤولية بدأت حرب استنزاف مع القطاع استمرَّت 3 سنوات. وعندها تولى منصب نائب رئيس الأركان، لمدة 3 سنوات. ومن هنا أصبحت الحرب على إيران همّه الأول.

وحقاً، زامير هو واضع أسس العقيدة القائلة إنه يجب قطع أذرع إيران في المنطقة (حماس، والجهاد الإسلامي في فلسطين، وحزب الله في لبنان)، وعدم إغماض العينين عن الحوثيين في اليمن، و«حزب الله» في العراق، وردع نظام بشار الأسد في سوريا، جنباً إلى جنب مع التحضير للحرب على إيران.

وهكذا طرح عقيدته حول «الجيش الكلاسيكي» الكبير والحديث، لأنَّه يحتاج إلى قوات كبيرة تحارب على الأرض في لبنان والضفة الغربية وقطاع غزة. وكان لهذه الرؤية تأثير كبير على اختياره رئيساً للأركان.

«البطش بلا رحمة»

مع أن زامير يستخدم في خطاباته عبارة «الأخلاق العالية» للجيش، فإنَّه وضع قواعد حربية لا تلائم هذه القيم. إذ اعتمد القصف الجوي أساساً للعمليات الحربية، بوصفه «مقدمة لا بد» منها لعمليات الاجتياح البرّي، حتى في منطقة مثل قطاع غزة التي تُعدُّ من أكثر المناطق ازدحاماً في العالم. وكان بديهياً أن هذا يعني الإيقاع بأعداد ضخمة من القتلى والمصابين من المدنيين الأبرياء، بشكل واعٍ وبلا رحمة. وإذا أراد اغتيال شخصية قيادية من «حماس» ما كان يتردَّد ولو عرف أن مع هذه الشخصية سيٌقتل عددٌ من أفراد عائلته، زوجته وأطفاله وأطفال جيرانه.

هذا الأسلوب نقله حتى إلى الضفة الغربية، حيث أكثر من عمليات القصف الجوي لمخيمات اللاجئين الفلسطينيين في جنين وطولكرم، فدمَّرها وتسبَّب في تهجير 44 ألفاً من سكانها.

واتبع زامير عقيدةً قتاليةً جديدةً هي «الضربات الاستباقية»، وثمة مَن يسمِّيها «الحرب الاستباقية»، على كل الجبهات. ومفادها أنه لا ينتظر أن يهدِّد العدو بالحرب، بل بمجرد تحرُّكه في مهام قتالية ضد إسرائيل، على الجيش أن يسبقه بضربة حربية أقسى. وهذا ينطبق على الحرب ضد إيران أيضاً، وكذلك ضد «حزب الله » في لبنان.

زامير جلب أيضاً إلى الجيش الإسرائيلي «عقيدة» أخرى هي رفض الخوف من الحروب الطويلة، وحروب الاستنزاف، والتأهب لتبعات حروب مثل هذه.

«تضافر» القيادتين

لكن أكبر حدث يمكن لزامير أن يعدّه «هديةً» هو الفرصة التي سنحت له لأن يدير حرباً بالشراكة التامة مع الجيش الأميركي. فمنذ نهاية فبراير الماضي، يدير زامير مع الجنرال تشارلز كوبر، قائد القوات المشتركة في الجيش الأميركي، وقائد قوات المنطقة الوسطى بالشرق الأوسط (سنتكوم)، حرباً مشتركة تُستخدم فيها أحدث وأخطر الأسلحة ضد إيران.

فاليوم، الطيارون الأميركيون والإسرائيليون يطيرون كتفاً بكتف فوق سماء طهران، بإشراف فريق عمل واحد يعمل من تل أبيب ومن البنتاغون. ويتبادلون الخبرات ويسوِّقون للأسلحة الأميركية والإسرائيلية، التي ستباع بأسعار عالية لأنها أسلحة مجرَّبة، وبذا ترتفع مكانة إسرائيل وجيشها أمام جيوش العالم، بعدما كان الجيش قد تعرَّض لضربة كبيرة من تنظيم صغير مثل «حماس».

وزامير يقود «حملة توعية» الآن مفادها أن «إيران أرسلت ذراعاً من أذرعها لمحاربة إسرائيل، وإسرائيل حوَّلتها إلى حرب شاملة على جبهات عدة، تدفع ثمنها ليس هي وحدها بل إيران وأذرعها أيضاً وبشكل مضاعف مرات عدة».

وهو يستخدم هذه الحرب كي يعزِّز قوة الجيش أكثر فأكثر، بعدد الجنود ونوعية الأسلحة وضخامة الميزانية. والحكومة تسير معه صاغرة. وهكذا يعزِّز مكانته الشخصية أيضا بوصفه صاحب أكبر تراث حربي بين جنرالات إسرائيل.

سيرته الذاتية

وُلد إيال زامير عام 1966 وترعرع في إيلات، لعائلة ذات تربية عربية. أصوله لجهة والدته - المولودة في القدس - تعود لعائلة عبادي المعروفة بأنها عائلة يهودية من حلب السورية، وجدّه لوالده مهاجر من اليمن وصل إلى فلسطين عام 1920، وحارب في صفوف تنظيم «الإرغون» اليميني.

ودرس زامير في المدرسة الداخلية العسكرية بتل أبيب. وإبان خدمته العسكرية تخرّج في كلية القيادة والأركان المشتركة وكلية الأمن القومي. ثم حصل على درجة البكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة تل أبيب، ودرجة الماجستير في الأمن القومي من جامعة حيفا، وهو خريج برنامج الإدارة العامة للمديرين التنفيذيين الكبار في كلية وارتون لإدارة الأعمال بجامعة بنسلفانيا في الولايات المتحدة، واجتاز دورتَي تعليم عسكري كليتَي الأمن القومي في الولايات المتحدة وفرنسا.

بدأ الخدمة العسكرية في سلاح المدرعات عام 1984، ثم أكمل دورة تدريب على قيادة الدبابات. وظلَّ يتنقل من منصب قيادي حربي إلى آخر حتى صار سكرتيراً عسكرياً لرئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، عام 2012.

وبعد 3 سنوات، عاد زامير إلى الجيش، وأصبح قائداً للواء الجنوبي، ليسجِّل باسمه الجدار القوي المحكم حول قطاع غزة، الذي اخترقته «حماس» بسهولة بالغة يوم 7 أكتوبر 2023. وعام 2018 عُيِّن نائباً لرئيس الأركان، وكان منافساً على رئاسة الأركان، لكن رئيس الوزراء - يومذاك - يائير لبيد، فضَّل اختيار هيرتسي هاليفي، فترك زامير الجيش، ولكن بعد عودة نتنياهو إلى الحكم، عُيِّن مديراً عاماً لوزارة الدفاع.

الحياة المهنية

تمَّ تجنيد زامير في الجيش الإسرائيلي وانضم إلى سلاح المدرعات عام 1984. في سلاح المدرعات خضع للتدريب بصفته جندياً قتالياً، وحضر لاحقاً دورة قائد الدبابات. وأكمل دورة ضباط المدرعات، وكان قائد فصيلة وقائد سرية في اللواء 500 واللواء 460.

وفي الفترة 1992 - 1994، عمل ضابط عمليات في اللواء المدرع السابع (برتبة رائد). ومن عام 1994 إلى عام 1996، عمل قائداً للكتيبة 75 في اللواء السابع (برتبة مقدم). وعام 1996، كان قائداً لدورة قادة الدبابات في المدرسة المدرعة. وظلَّ في هذا المنصب حتى عام 1997، عندما ذهب للدراسة لمدة عام في مدرسة الحرب في فرنسا.

بعدها، بين 1998 و2000، شغل منصب ضابط عمليات في الفرقة 162. وبين 2000 و2002، كان رئيساً لقسم نظرية سلاح المدرعات في مقر رئيس ضباط المدرعات، وفي الوقت نفسه شغل منصب قائد اللواء 656، وهي فرقة احتياطية في القيادة المركزية (برتبة عقيد). وبين 2002 و2003، كان قائداً لمركز التدريب التكتيكي في المركز الوطني للتدريب على الأرض،


رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)
TT

رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)

كانت تلك صدفة... لكنها أصبحت بمفهومه «أهم هدية» لعيد ميلاده الستين. فيوم 26 يناير (كانون الثاني) الماضي لم يستيقظ الجنرال إيال زامير، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي؛ لأنه لم ينم تلك الليلة. فقد أرسل قواته إلى مقبرة فلسطينية شمال قطاع غزة، للتنقيب عن رفات الجندي ران غويلي، آخر رهينة لدى «حماس»، الذي تبين أنه دُفن بالخطأ في مقبرة جماعية ضمن رفات العشرات من الفلسطينيين الذين قتلتهم إسرائيل خلال الحرب، ولم يُتح دفنهم بشكل طبيعي. وعندما تكللت بالنجاح، بث الناطق بلسان الجيش شريط فيديو يظهر زامير وهو بسيارته يتكلم مع والدَي الجندي ويبشّرهما بالعثور على رفات ابنهما.

أما «الهدية» الثانية فكانت عندما استدعاه رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، وأبلغه بأن «الأمر حُسم عندي وعند الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، أننا سنحارب معاً، كتفاً إلى كتف، ضد إيران، في القريب. فاستعد كما يجب. أنا أعتمد عليك».

زامير، الذي يسجل في تاريخه أنه أكثر جنرال خاض وقاد حروباً في تاريخ إسرائيل، تلقف الهدية الثانية بحماسة بالغة؛ إذ كان قد خدم في عدة مواقع عسكرية وأمنية تعمل كلها على الإعداد للحرب مع إيران. فعندما عُين نائباً لرئيس الأركان في عام 2018، بلوَر عقيدة القتال مع إيران، طيلة ثلاث سنوات من البحوث والتدريبات في سلاح الجو. وعندما ترك الجيش ليصبح مديراً عاماً لوزارة الأمن، تولى مسألة إعداد الأسلحة اللازمة للحرب على بعد 1600 كيلومتر من حدود إسرائيل، والذخيرة التي تحتاجها هذه الحرب. ودخل في نقاشات حادة مع الأميركيين في عهد إدارة الرئيس جو بايدن، للحصول عليها.

من وراء الكواليس، عمل قادة اليمين الإسرائيلي المتطرف على اختيار زامير، ولكن ليس لأنه يلائم اليمين فكرياً أو سياسياً؛ بل لأنه لم يُجرّب في الضفة الغربية. ففي العادة، يتولّى قائد المنطقة الوسطى في الجيش مهمة قيادة الجيش في الضفة، ومن هنا يحدث احتكاك مع المستوطنين.

زامير لم يتولَّ هذه المهمة. ويوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كان خارج هيئة رئاسة أركان الجيش؛ ولذا رأى فيه اليمين خروجاً عن سرب القيادات العسكرية التي ينبذها. ومع هذا، ففي الأيام الأخيرة قبل تعيين زامير لوحظ حراك يميني للانقلاب على هذا التوجه. ولكن صحيفة «معاريف» كتبت عنه: «مَن يعرف زامير عن كثب عبر خدمته العسكرية يروي أنه ضابط نظيف من الخلطات، وبريء من السياسة. ضابط ينظر إلى الجيش لا كوحدة خاصة أو منظومة خاصة، بل كجهاز عظيم يحتاج أكثر من أي شيء آخر إلى يد حديدية دقيقة على الدفة. ينبغي له أن يعيد الجيش إلى المهنة العسكرية من البداية، ويجعله قريباً من الناس». وأردفت: «عليه أن يعيد إلى المهنة العسكرية شرفها والحرص على الثقافة العسكرية، وألا تنزلق إلى ثقافة معسكرات، خلطات أو تلاعبات. عليه أن يعيد إلى الجيش شرفه، وأن يعيد ثقة الجمهور به. عليه أن يحاول بناء سور يشبه سور الصين بين الجيش والسياسيين. إيال زامير سيكون رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، ودوره لن يكون أقل من تاريخي».