العالم مفخخ بأزمات متنقلة ذات خطر على النظام الدولي

بمناسبة مرور 10 سنوات على إفلاس «ليمان براذرز»

العالم مفخخ بأزمات متنقلة ذات خطر على النظام الدولي
TT

العالم مفخخ بأزمات متنقلة ذات خطر على النظام الدولي

العالم مفخخ بأزمات متنقلة ذات خطر على النظام الدولي

يصادف اليوم ذكرى مرور 10 سنوات على انهيار بنك «ليمان براذرز» الأميركي الذي شكل بداية اندلاع أزمة مالية عالمية تستمر بعض تداعياتها إلى يومنا هذا. وقبل أيام حذر رئيس الوزراء الأسبق في بريطانيا، جوردن براون، والذي كان في الحكم وقت وقوع أزمة 2008 من أن العالم في الوقت الراهن أشبه بالسائر وهو نائم صوب أزمة جديدة، لأن الحكومات لم تعالج أسباب الأزمة الماضية.
وقال إن الاقتصاد العالمي فشل في إنشاء نظام إنذار مبكر لمواجهة مثل هذه الأزمات، ونظام مراقبة للتدفقات المالية يجعل من الممكن معرفة أين تم إقراض الأموال وبأي شروط.
وعلق في حديث لـ«الغارديان» بقوله إن الجزاءات الخاصة بالتصرفات التي تؤدي للأزمة لم تتم زيادتها بشكل كاف، ولم تكن هناك رسالة قوية بالشكل الكافي بأن الحكومة لن تنقذ المؤسسات التي لم تصلح من نفسها.

ما الذي تغير إذن منذ وقوع الأزمة؟ وهل تعافى الاقتصاد الدولي من آثارها؟ وإلى أي مدى استفاد من دروس الأزمة بما يُجنب الأسواق والمصارف والحكومات حصول أزمة مماثلة؟؟
«الشرق الأوسط» استطلعت آراء خبراء واقتصاديين ومصرفيين، واطلعت على جملة تقارير ومقالات وتحقيقات، ودققت في إنذارات مبكرة لتقف عن كثب على إجابات أو توقعات تلقي بعض الضوء على ما حصل وما قد يحصل.
بداية تتعين الإشارة إلى أن الأزمة كانت الأعتى منذ الكساد الكبير الذي عم العالم في 1929، وسببها الأساسي هو الديون وتراكمها على نحو جعل الاقتصاد العالمي هشاً أمام الصدمة. لكن وبعد 10 سنوات نجد أن تلك الديون تراكمت أكثر، لا بل زادت بنسبة 40 في المائة. إذ يبلغ الدين العالمي حالياً نحو 170 تريليون دولار وهي ديون دول وشركات وأسر وأفراد، ولا يشمل هذا الرقم ديون المؤسسات المالية. ومع شموله يرتفع الرقم إلى 137 تريليون دولار، حيث زاد الدين العالمي منذ سبتمبر (أيلول) 2008 نحو 72 تريليون دولار، حتى بلغت نسبته إلى إجمالي الناتج الاقتصادي العالمي 337 في المائة، أي أعلى من النسبة التي كانت قبل 10 سنوات، ومن دون حساب ديون المؤسسات المالية تبلغ نسبة الدين العالمي إلى الناتج أكثر من 225 في المائة.
سرعة نمو القروض أكبر من وتيرة النمو الاقتصادي. إنها ظاهرة عالمية شاملة مع تفاوت في الخصائص مقارنة بالوضع السابق. فالديون الحالية في قطاعات التمويل المعقد (المشتقات والتوريق...) أقل من السابق، علماً بأن ذلك الدين كان مركز زلزال الأزمة. في المقابل، ارتفع دين الحكومات في الدول الصناعية والمتقدمة على نحو كبير بسبب برامج التيسير الكمي التي أطلقت لشراء الأصول المتعثرة وتحفيز النمو الاقتصادي. ووصلت نسبة ذلك الدين إلى 105 في المائة من الناتج، وهو أعلى مستوى تاريخي.
وفي الاقتصادات الناشئة انفجرت ديون الشركات على نحو هائل، ففي الصين وحدها تضاعفت القروض 5 مرات خلال 10 سنوات لتبلغ 250 في المائة من الناتج.
وأبرز أسباب ارتفاع جبل الديون عالمياً الحصول على مال رخيص بفعل هبوط معدلات الفوائد إلى المستويات الأدنى تاريخياً، فضلاً عن ضخ البنوك المركزية تريليونات من الدولارات لزوم معالجة الأزمة. فهل العالم اليوم على مشارف أزمة جديدة كما يحذر البعض ويدق جرس الإنذار منذ أشهر؟ فهناك مراقبون ينبهون إلى أن حجم الديون وصل إلى حد يصبح عنده الاقتصاد العالمي هشاً أمام أي صدمة جديدة، ويذهب خبراء إلى القول إن الأزمة الجديدة ستطل برأسها لا محالة، ولا يبقى إلا أن نعرف من أين ستنطلق الشرارة الأولى.
البعض يرى في ديون الصين خاصرة رخوة خطرة تُذكر بالوضع الياباني الذي ساد أوائل الثمانينات من القرن الماضي، لكن معظم الديون الصينية بالعملة المحلية (اليوان) والجزء الأكبر ممسوك داخلياً، والغالب الأعم من تلك الديون عبارة عن قروض من بنوك عامة منحت وتمنح إلى شركات عامة أيضاً، ما يعني أنها تحت السيطرة الحكومية، كما أن سوق المال الصينية صغيرة نسبياً مقارنة بالأسواق الأميركية والأوروبية، وبالتالي فإن أي خلل فيها لن يكون ذا أبعاد دولية كبيرة.
أما الدول المتقدمة، فالكم الأكبر من الديون ممسوك لديها من الحكومات والبنوك المركزية، بيد أن خبراء الأسواق يحذرون من اتجاهات رفع الفوائد بسرعة صادمة ما يعيد إلى الأذهان أزمة الديون السيادية الأوروبية التي لم تنته فصولها بعد، وما يحصل في إيطاليا حالياً أفضل دليل.
وإذا تسارع التضخم في الولايات المتحدة الأميركية حيث تعمل الماكينة الاقتصادية هناك بوتيرة مزدهرة بفضل منشطات خفض الضرائب وزيادة الإنفاق العام، فإن الاحتياطي الفيدرالي سيرفع الفوائد بوتيرة أسرع لكبح التضخم في حال تفاقمه. ذلك الرفع سيؤثر حتماً في الاقتصادات الناشئة التي راكمت شركاتها ديوناً هائلة بالدولار في مرحلة الفوائد المتدنية.
وتشير الإحصاءات إلى تضاعف الديون في الأسواق الناشئة قياساً بمستواها في 2008 لتبلغ 27 تريليون دولار. واندلعت منذ الربيع الماضي شرارات أزمات متنقلة في الدول الناشئة أودت بقيم عملات تلك الدول، وخرج مستثمرون أجانب بأموالهم، لا سيما باتجاه الولايات المتحدة حيث الفرص تبدو أفضل، وتلك الأزمات شملت تركيا، لا سيما في ديون الشركات والأرجنتين المثقلة بالدين العام، ووصلت الأزمة إلى جنوب أفريقيا ومرت في البرازيل وإندونيسيا. ويسأل المتابعون عن الدولة الناشئة المقبلة على أزمات مماثلة، بحيث لا يقتصر الأمر على هبوط قيم العملات بل يتعداه إلى الاقتصاد الحقيقي بما ينذر بأزمة تتجاوز حدود تلك الدول، لأن الاقتصادات الناشئة تساهم بثلثي معدل النمو الاقتصادي العالمي، وبالتالي فإن أزماتها ستؤثر حتماً في الاقتصاد الدولي عموماً.
ويذكر أن الديون في الدول المتقدمة (خارج الولايات المتحدة) ارتفعت من 95 تريليون دولار في 2007 إلى 109 تريليونات في 2017، وفي الولايات المتحدة من 51 إلى 65 تريليوناً، وارتفعت في الصين من 9 إلى 36 تريليونا خلال الفترة نفسها، وفي الدول الناشئة تضاعفت مرتفعة من 15 إلى 27 تريليون دولار في 10 سنوات، وفقا لإحصاءات بنك التسويات الدولية.
- خطورة الأوضاع
على صعيد آخر، لا يقلل مصرفيون غربيون من خطورة الأوضاع، ويقول أحدهم: «عندما تسير الأمور بازدهار ينسى معظمنا حساب المخاطر». ويشير هؤلاء إلى أن هناك رغبة في فك بعض القيود التي فرضت على البنوك غداة الأزمة العالمية الماضية. فإفلاس «ليمان براذرز» ألقى الضوء على هشاشة المصارف خصوصاً ضحالة رساميلها مقابل المخاطر الائتمانية والاستثمارية التي تقع على عاتقها، وتبين كيف أن رؤوس الأموال المصرفية كانت قليلة ولا تتحمل الخسائر، فتدخلت الحكومات للإنقاذ.
وأممت بنوك وزيدت رساميل أخرى حول العالم. ووضعت قواعد جديدة لتعزيز الرساميل والتحوط بالسيولة، وفقاً لمعايير «بازل 3» لتستطيع المصارف مواجهة الالتزامات في حالات الطوارئ. أجل، حصل تقدم كبير على هذا الصعيد وتجرى اختيارات ضغط سنوية للتأكد من المناعة، لكن حد الأمان الكامل غير واضح المعالم بعد، لأن رؤوس مصارف كثيرة حول العالم تحتاج إلى مزيد من التعزيز ولا تحتمل الخسائر الكبيرة في حال اندلاع أزمة جديدة بحجم التي اشتعلت في 2008.
ويضيف مصرفيون: «تبين في 2008 أن رؤساء المصارف وكبار المديرين فيها كانوا يجهلون كم تشكل الرهون العقارية في ميزانيات بنوكهم. ويذكر أن تلك الرهون كانت من أسباب الأزمة أيضاً لا بل في صلبها. وسبب ذلك الجهل أو عدم المعرفة الدقيقة أن القروض العقارية الأميركية الرديئة تجمعت في رزم وخلطت مع أخرى أكثر جودة ثم قسّموها في شرائح حتى اختلط حابلها بنايلها. كان ذلك عبارة عن ابتكارات مالية مبنية على رياضيات مخاطر من نوع معين. فهل هذه الممارسات انتهت أم هي مستمرة؟»، يجيب المصرفيون المحايدون بأن البنوك تواصل الابتكارات التي تجعل الخدمات والمنتجات المالية أكثر تعقيداً، وربما مظلمة أيضاً بحيث لا تراها السلطات الرقابية جيداً.
إلى ذلك كشفت أزمة 2008 عن مسألة التوريق القائمة على تقنية مالية تنقل حمل مخاطر الديون من جهات إلى أخرى. فتعثر المقترضين الأميركيين لشراء مساكنهم بدأ في 2006 وليس في 2008، لكن القروض كانت «مورقة» ومبيعة لمستثمرين، لذا توسعت دوائر التأثر بالتعثر لتشمل مصارف وصناديق وشركات تأمين ومستثمرين أفراداً. فهل انتهى التوريق؟ الجواب أن العمل به متواصل لكن السلطات الرقابية تسعى لجعل تلك الممارسة بسيطة وشفافة وموحدة المعايير من دون الوصول إلى كل تلك الأهداف بعد. علماً بأن تلك السلطات تشجع المصارف أحيانا على ممارسة توريق الديون لتستطيع البنوك إخراجها من ميزانياتها وتكتسب مساحة إقراضية جديدة ولتحافظ على جدارتها الائتمانية.
- بنوك الظل
على صعيد متصل، ساهم ما يسمى بنوك الظل في مُفاقمة تداعيات الأزمة، فتلك «البنوك» لا تعمل بالأساليب المصرفية التقليدية، وهي عبارة عن صناديق وشركات رأس مال مغامر قدمت وتقدم تمويلات موازية خارج الرقابة اللصيقة نسبياً. ومع ذلك انتعش هذا النشاط منذ 2008 وبلغ حجمه 99 تريليون دولار في آخر إحصائية ترقى إلى عام 2016، بعدما اشترت تلك الجهات من البنوك التقليدية محافظ تمويلية أرادت المصارف التخلص منها لتنظيف ميزانياتها.
وبُذلت جهود حول العالم، لا سيما أميركيا وأوروبيا لضبط أنشطة صناديق التمويل الموازي، لا سيما صناديق التحوط وشركات رأس المال المغامر، إلا أن ذلك العمل لم ينجز بالكامل بعد، وهناك صعوبات في ضبطه على نحو شامل. ويرى متشائمون أن الأزمة المقبلة ستنطلق من بنوك الظل التي باتت تسيطر على حصة هائلة من التمويل خارج المصارف التقليدية وشركات التأمين والبنوك المركزية، لدرجة أن بحوزتها وحوزة الوسطاء خارج النظام التقليدي ثلث إجمالي الأصول المالية العالمية مقابل 40 في المائة لدى البنوك والباقي لدى صناديق التقاعد وشركات التأمين والبنوك المركزية والمؤسسات العامة.
- خلط الاستثمار بالتجزئة المصرفية
ومصرفياً أيضاً، تبين أن مخاطر كمنت في مصارف جمعت بين نشاطي التجزئة والاستثمار، ودعت السلطات إلى الفصل بين النشاطين كما فعلت بريطانيا التي تسعى لتفرض على البنوك رساميل خاصة بخدمات التجزئة المصرفية وأخرى خاصة بالأنشطة الاستثمارية المحملة بمخاطر أكبر تبعاً لتقلبات الأسواق المالية. والهدف ضمان عدم انتقال عدوى الأزمات من الأسواق إلى ودائع العملاء. هذا المسعى البريطاني يكاد يكون يتيماً عالمياً ولا تحتذي به دول أخرى بحجة أن التعثر حصل أيضا في بنوك استثمارية لا تمارس التجزئة كما حصل في مصارف تجزئة لا تمارس الاستثمار.
- تفكيك القيود
وأميركياً، نزولاً على رغبة الرئيس ترمب أطلقت ورشة لتفكيك قيود فرضت على البنوك أيام الرئيس السابق باراك أوباما فيما عرف بقانون «دود فرانك»، لأن ترمب يرى في ذلك القانون لجماً للبنوك ولطاقتها على التوسع في تمويل الاقتصاد والمستثمرين. لكن دون ذلك التفكيك أو التسهيل مقاومة من المشرعين الأميركيين حتى الآن.
- مشتقات التحوط
ومن بين أسباب الأزمة أيضاً مشتقات التحوط، خصوصا ضد تقلبات العملات والأسواق، التي كانت تعقد باتفاقات تراضٍ وبلا شفافية كاملة. ولجأت السلطات منذ 2009 إلى جعلها تمر في غرفة مقاصة ضامنة بين البائع والشاري، لكن يسأل المتشائمون: ماذا لو تعثرت المقاصة نفسها تحت ضغط مخاطر الإفلاس الكثيف في حال صدمة أزمة عالمية جديدة؟ يقول أصحاب الاختصاص إنه لا أحد يعلم اليوم كيف سيتم التعامل مع سيناريو كارثي كهذا، جل ما نعلمه أن لتعثر تلك المقاصة مخاطر نظامية لا نعلم مداها!
- أدوات الربح السريع
رهون، توريق، مشتقات، منتجات مالية مهيكلة... كلها أدوات استخدمها المصرفيون بغرض الربح على المدى القصير ليستطيعوا من خلال أرباحها السريعة الساخنة الحصول على مكافآت وبونصات خيالية أحياناً. كانوا يقللون من حسابات المخاطر لتعظيم ثرواتهم الخاصة. وكانت تلك البونصات بلغت في «وول ستريت» 33 مليار دولار في 2007 ثم هبطت إلى النصف في 2008 بعد انكشاف جملة ألاعيب. لكنها عادت لتصعد تدريجياً، وفي ربيع هذه السنة بلغت البونصات عن أعمال 2017 أكثر من 31 مليار دولار ويُتوقع لها مع نهاية 2018 أن تتجاوز تلك القمة التي كانت بلغتها عشية الأزمة! وفي هذا المجال اختلاف كبير بين الممارسات الأميركية ونظيرتها الأوروبية. ففي الاتحاد الأوروبي حالياً قواعد صارمة للمكافآت بحيث لا تتجاوز سقوفاً معينة. أما أميركياً فعاد الحبل إلى غاربه في موازاة ازدهار «وول ستريت» والنزعة الربحية التي يشجعها الرئيس دونالد ترمب.
- ملاحظات أخرى
ويضيف منتقدو النظام المالي العالمي أنه لا يمكن تعلم الدروس من الأزمة الماضية كما يجب، لأن جملة ممارسات أخرى قائمة على قدم وساق علماً بأنها من أسباب الأزمة أيضاً. فقد ساد نقاش حول الحؤول دون أن تكبر المصارف والمؤسسات المالية لتصبح عملاقة بحيث إذا تعثرت يتحول خطرها نظاميا بحيث يتعداها ويتعدى المساهمين فيها إلى قطاعات أخرى. وكان هناك اتجاه للتخلي عن مقولة «أكبر من أن تقع». لكن الحاصل باستمرار هو تشجيع الاندماجات والاستحواذات وتحفيز قيام كيانات كبيرة عابرة للقارات. فإذا تكرر سيناريو التعثر فسنجد أن الحكومات ستهب للإنقاذ مرة أخرى وذلك على حساب عموم الناس من دافعي الضرائب الذين لا ذنب لهم فيما يقترفه المصرفيون والمستثمرون من أخطاء مدمرة مالياً. وهذا ما حصل في إيطاليا هذه السنة عندما أنقذت الحكومة أحد البنوك الكبيرة الذي تعرض للتعثر.
ويضيف المنتقدون أنه لا دروس مستفادة كما يجب، لأننا لم نشهد تطبيق عقوبات صارمة تصل إلى حد السجن. فعلى الرغم من خسارة عشرات التريليونات من الدولارات لم نشهد على معاقبة المسؤولين عن ذلك على نحو دقيق يُحمل المسؤوليات لمرتكبي الأخطاء ويساهم في إدخالهم السجون بكثافة.



عودة «القلق» الاقتصادي... صدمة حرب إيران تضرب بريطانيا

منظر جوي يظهر جسر البرج وبرج الشارد وبرج لندن (رويترز)
منظر جوي يظهر جسر البرج وبرج الشارد وبرج لندن (رويترز)
TT

عودة «القلق» الاقتصادي... صدمة حرب إيران تضرب بريطانيا

منظر جوي يظهر جسر البرج وبرج الشارد وبرج لندن (رويترز)
منظر جوي يظهر جسر البرج وبرج الشارد وبرج لندن (رويترز)

تقول الحكومة البريطانية وبنك إنجلترا إنه من المبكر تقييم الأثر الاقتصادي لحرب إيران، إلا أن أولى علامات الضغوط بدأت تظهر، ومن المرجح أن تدق ناقوس الخطر لصانعي السياسات الذين تقل لديهم خيارات الاستجابة مقارنة بالأزمات السابقة.

يوم الخميس، خفضت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية توقعاتها لنمو المملكة المتحدة لعام 2026 أكثر من أي اقتصاد كبير آخر، وزادت في الوقت نفسه توقعاتها للتضخم بأكبر قدر، ما يعكس ضعفاً اقتصادياً يهدد التزام حكومة العمال نحو الناخبين بإصلاح المالية العامة وتمويل خدمات عامة أفضل من خلال نمو أسرع. كما يهدد هذا الوضع آمال بنك إنجلترا في السيطرة على التضخم المرتفع لأول مرة منذ سنوات، وفق «رويترز».

اعتماد بريطانيا على الغاز يزيد هشاشتها

بينما ستتأثر معظم الاقتصادات العالمية بالصراع، تُعد المملكة المتحدة أكثر هشاشة بين الاقتصادات الغربية الكبرى.

الغاز – الذي تضاعف سعره تقريباً هذا الشهر – يحدد عادةً سعر الكهرباء البريطانية، بخلاف فرنسا حيث يتم توليد معظم الكهرباء من المحطات النووية.

وأظهرت الاستطلاعات هذا الأسبوع أكبر زيادات شهرية منذ عقود في توقعات التضخم لدى الجمهور البريطاني وفي مؤشر تكاليف المصانع، إلى جانب انخفاض ثقة المستهلكين. وشهدت الأسر أولى الزيادات الواضحة في أسعار الوقود، بينما حذر المزارعون من ارتفاع أسعار المواد الغذائية بدءاً من الشهر المقبل، بما في ذلك الطماطم والخيار والفلفل المزروع في الصوب المدفأة.

امرأة تمر أمام متجر بقالة في لوفبورو بوسط إنجلترا (رويترز)

وقالت متاجر التجزئة إن الحرب ستزيد من تكاليفهم وأسعار البيع، كما ستؤثر على الطلب. وحذرت سلسلة الملابس «نكست» من أن استمرار النزاع قد يرفع أسعار البيع بنسبة 2 في المائة في يونيو (حزيران) وحتى 10 في المائة لاحقاً خلال العام، فيما وصفت مجموعة «Co-op» ثقة المستهلكين بأنها «هشة». وفي سوق الإسكان، ارتفعت معدلات الرهن العقاري العائمة وسحبت البنوك المنتجات ذات السعر الثابت تحسباً لارتفاع أسعار الفائدة لدى بنك إنجلترا.

وقال روس ووكر، كبير الاقتصاديين في المملكة المتحدة ورئيس قسم الاقتصاد العالمي في «نت وست ماركتس»: «المملكة المتحدة لديها قدرة محدودة لمواجهة أزمة طاقة طويلة الأمد. الحكومة لا يمكنها الاقتراض بكثافة لمساعدة الأسر دون إزعاج المستثمرين في السندات، بينما الضغوط التضخمية الأساسية مرتفعة جداً لبنك إنجلترا لتخفيض الفائدة بسرعة، رغم ارتفاع معدل البطالة. نحن ندخل هذه الأزمة في وضع دون المثالي، وخيارات السياسة محدودة جداً».

بنك إنجلترا مستعد للتحرك

قال بنك إنجلترا، الأسبوع الماضي، إنه مستعد للتحرك لمنع ارتفاع أسعار الطاقة من التحول إلى مشكلة تضخم طويلة الأمد، كما حدث بعد صعود أسعار الغاز عقب الغزو الروسي لأوكرانيا في 2022.

ومع ذلك، يحذر صانعو السياسات من افتراض أنهم سيتبعون النهج نفسه حين رفعوا تكاليف الاقتراض مما يقارب الصفر إلى ذروة 5.25 في المائة خلال 18 شهراً.

ويشير مسؤولو البنك إلى أن مخاطر أن تؤدي أسعار الطاقة المرتفعة إلى تضخم أوسع قد تكون أقل هذه المرة لأن الاقتصاد البريطاني أضعف حالياً، علاوة على أن صعود أسعار الغاز لم يكن دراماتيكياً كما كان سابقاً.

وقالت ميغان غرين، عضو لجنة تحديد الفائدة في بنك إنجلترا: «هناك دائماً خطر مقاومة المعركة الماضية، لكننا بالتأكيد نفعل ما في وسعنا».

مبنى بنك إنجلترا في لندن (رويترز)

لكن ستيفن ميلارد، نائب مدير معهد البحوث الاقتصادية والاجتماعية الوطني، قال إن ذكريات ارتفاع التضخم إلى أكثر من 11 في المائة في 2022 ستجعل من الصعب على البنك الجلوس مكتوف الأيدي. وأضاف: «من شبه المؤكد أنه سيتعين عليه الاستجابة».

ومع أن سعر الفائدة المرجعي للبنك بالفعل عند 3.75 في المائة والبطالة عند أعلى مستوى منذ جائحة كوفيد، فإن مجال زيادة أسعار الفائدة لمواجهة تفشي التضخم يبدو أقل مما كان عليه قبل أربع سنوات.

ويتوقع المستثمرون بالكامل ثلاث زيادات ربع نقطة في سعر الفائدة من بنك إنجلترا هذا العام، وهو انعكاس حاد عما كانوا يتوقعونه قبل شهر، بينما يرى معظم الاقتصاديين الذين استطلعت «رويترز» آراءهم أن البنك سيبقى على موقفه دون تغيير في 2026.

خيارات محدودة لوزيرة المالية

تمتلك وزيرة المالية راشيل ريفز بخيارات محدودة أكثر من أسلافها، الذين أنفقوا مجتمعين 120 مليار جنيه إسترليني (160 مليار دولار) لحماية الأسر من فقدان الوظائف بسبب كوفيد وارتفاع أسعار الطاقة بعد غزو أوكرانيا.

وقالت ريفز هذا الأسبوع إن أي دعم للمستهلكين سيكون «مستهدفاً لمن هم في أمس الحاجة إليه»، مع مراعاة مخاوف المستثمرين بشأن تكلفة أي إنقاذ ضخم آخر.

وقالت تحليلات «كابيتال إيكونوميكس» إن تخفيضات الضرائب الأساسية والمدفوعات لمرة واحدة التي قد تقدمها ريفز قد تصل إلى 24 مليار جنيه إسترليني، أي أقل من نصف الدعم الذي تم في 2022 و2023.

وأضاف ميلارد أن ريفز لديها هامش للمناورة لمساعدة بعض الأسر، لكنه يجب أن يتم بعناية للحفاظ على ثقة أسواق السندات: «المفتاح هو التأكد من أن الدعم موجه فعلياً لمن يحتاج إليه حقاً، وأيضاً التأكد من أنهم لا يهددون القاعدة المالية؛ لأن الأسواق ستتفاعل سلباً إذا حدث ذلك».


«فيتش» تؤكد تصنيف إسرائيل عند «إيه» مع نظرة مستقبلية سلبية

تصاعد الدخان عقب هجوم صاروخي من إيران على تل أبيب (رويترز)
تصاعد الدخان عقب هجوم صاروخي من إيران على تل أبيب (رويترز)
TT

«فيتش» تؤكد تصنيف إسرائيل عند «إيه» مع نظرة مستقبلية سلبية

تصاعد الدخان عقب هجوم صاروخي من إيران على تل أبيب (رويترز)
تصاعد الدخان عقب هجوم صاروخي من إيران على تل أبيب (رويترز)

أكدت وكالة «فيتش» للتصنيفات الائتمانية، الجمعة، التصنيف الائتماني طويل الأجل لإسرائيل بالعملة الأجنبية عند «إيه» مع نظرة مستقبلية سلبية، مشيرةً إلى أن ارتفاع مستويات الدين العام واستمرار المخاطر المرتبطة بالحرب قد يُضعفان المسار المالي للبلاد.

وتوقعت «فيتش» أن يظل الإنفاق العسكري مرتفعاً في عام 2027، متجاوزاً بشكل كبير مستويات ما قبل الحرب، في ظل تصاعد التدخل الإسرائيلي في لبنان واستمرار العمليات العسكرية. كما رجّحت الوكالة أن يتسع عجز الموازنة النقدية للحكومة المركزية هذا العام، قبل أن يبدأ في التقلص عام 2027 مع تراجع الإنفاق العسكري، وفق «رويترز».

وقالت الوكالة: «إن العمليات العسكرية الإسرائيلية الأخيرة والمستمرة قد حدّت إلى حد ما من المخاطر الجيوسياسية التي تهدد التصنيفات الائتمانية»، لكنها حذّرت في الوقت ذاته من أن مدة الصراع الحالي ونطاقه لا يزالان غير واضحين.


اليابان تحذّر من تداعيات اقتصادية طويلة الأمد لـ«حرب إيران»

محطة طاقة تعمل بالفحم في مدينة يوكوهاما اليابانية (أ.ف.ب)
محطة طاقة تعمل بالفحم في مدينة يوكوهاما اليابانية (أ.ف.ب)
TT

اليابان تحذّر من تداعيات اقتصادية طويلة الأمد لـ«حرب إيران»

محطة طاقة تعمل بالفحم في مدينة يوكوهاما اليابانية (أ.ف.ب)
محطة طاقة تعمل بالفحم في مدينة يوكوهاما اليابانية (أ.ف.ب)

ذكرت الحكومة اليابانية، في تقدير نشرته، الجمعة، أن الارتفاع الحاد في أسعار النفط وسط أزمة الشرق الأوسط قد يؤدي إلى ضغوط تضخمية طويلة الأمد على الاقتصاد الياباني خلال الفصول القليلة المقبلة.

وتوقع مكتب مجلس الوزراء، في شرائح العرض المرفقة بتقريره الاقتصادي لشهر مارس (آذار)، أن يؤدي ارتفاع أسعار النفط الخام بنسبة 10 في المائة بشكل مستمر إلى زيادة معدل التضخم الاستهلاكي في اليابان بما يصل إلى 0.3 نقطة مئوية على مدى عام تقريباً.

وأشار المكتب في تقريره إلى ضرورة الانتباه إلى التداعيات الاقتصادية لأزمة الشرق الأوسط، مع الإبقاء على نظرته المتفائلة بحذر بأن رابع أكبر اقتصاد في العالم يتعافى بشكل معتدل إجمالاً. وأزالت الحكومة اليابانية الإشارة إلى «تأثير السياسات التجارية الأميركية» - أي الرسوم الجمركية - من التقرير الرئيسي لأول مرة منذ صدوره في أبريل (نيسان) 2025.

وفيما يتعلق بالتضخم، فقد غيَّرت الحكومة رأيها السابق بأن أسعار المستهلكين «ترتفع بوتيرة أبطأ» إلى «ترتفع بشكل معتدل». وبقيت التقييمات الأخرى دون تغيير، مثل «انتعاش» الاستهلاك الخاص و«انتعاش» استثمارات الشركات بشكل معتدل. ومع ذلك، أشار مكتب مجلس الوزراء إلى تراجع بيانات ثقة المستهلك وخفض الإنتاج لدى مصنعي البتروكيماويات كاتجاهات تستدعي الانتباه. ونما الاقتصاد الياباني بنسبة 1.3 في المائة سنوياً في الربع الأخير من العام من أكتوبر (تشرين الأول) إلى ديسمبر (كانون الأول) بفضل الإنفاق القوي من قطاعي الأعمال والمستهلكين. وقد اتخذت حكومة رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي إجراءات متنوعة، من بينها الإفراج عن مخزونات النفط ودعم الوقود؛ للتخفيف من الأثر السلبي على الأسر والشركات.

وأبقى بنك اليابان المركزي أسعار الفائدة ثابتة عند 0.75 في المائة في اجتماعيه المنعقدين في يناير (كانون الثاني) ومارس (آذار). وأصدر البنك المركزي، الخميس، مؤشراً جديداً لأسعار المستهلكين، في خطوة يرى المحللون أنها تهدف إلى إظهار أن التضخم الأساسي يسير على المسار الصحيح قبل رفع أسعار الفائدة في الفترة المقبلة.

• سعر الفائدة

في سياق منفصل، أصدر «بنك اليابان»، الجمعة، تقديراً مُحدّثاً لسعر الفائدة الطبيعي في اليابان، والذي أظهر أنه يتراوح بين سالب 0.9 في المائة وموجب 0.5 في المائة. ولم يطرأ تغيير يُذكر على هذا النطاق مقارنةً بالتقدير السابق الذي أظهر أن سعر الفائدة الطبيعي في اليابان يتراوح بين سالب 1.0 في المائة وموجب 0.5 في المائة.

ويُعرَّف سعر الفائدة الطبيعي بأنه مستوى سعر الفائدة الحقيقي الذي لا يؤثر على النشاط الاقتصادي والأسعار، وهو مفهوم مهم في إدارة السياسة النقدية. وعلى الرغم من أن النطاق نفسه لم يتغير بشكل ملحوظ، فإن نظرة فاحصة تكشف عن أن الكثير من التقديرات شهدت ارتفاعاً طفيفاً مؤخراً؛ ما يعكس جزئياً زيادة في معدل النمو المحتمل لليابان، وفقاً لما ذكره «بنك اليابان» في ورقة عمل. ونظراً للغموض الذي يكتنف تقديرات المعدل الطبيعي؛سيدرس «بنك اليابان» بشكل شامل مختلف البيانات لقياس مدى التيسير النقدي، كما جاء في الورقة.

• تخفيف قيود الفحم

في غضون ذلك، أعلنت الحكومة اليابانية، الجمعة، عن خططها لرفع القيود المفروضة على محطات توليد الطاقة بالفحم مؤقتاً، وذلك في إطار سعيها لتخفيف أزمة الطاقة التي سببتها الحرب في الشرق الأوسط.

وذكرت وزارة الصناعة، على موقعها الإلكتروني، أن المسؤولين عرضوا الخطة خلال اجتماع لجنة من الخبراء، الذين وافقوا على المقترح. وقال مسؤول في وزارة الصناعة، خلال الاجتماع الذي بُثّ عبر الإنترنت: «بالنظر إلى الوضع الراهن في الشرق الأوسط وتأثيره على أسعار الوقود، نعتقد أن حالة عدم اليقين بشأن توريد الغاز الطبيعي المسال في المستقبل تتزايد». وأضاف: «نرى أنه من الضروري، من خلال زيادة تشغيل محطات توليد الطاقة بالفحم، ضمان استقرار الإمدادات». ويُذكر أن موردي الطاقة كانوا مُلزمين سابقاً بالحفاظ على معدل تشغيل محطات توليد الطاقة الحرارية بالفحم، التي تُصدر كميات كبيرة من ثاني أكسيد الكربون، عند 50 في المائة أو أقل. لكن الحكومة تعتزم الآن السماح بالتشغيل الكامل لمحطات توليد الطاقة بالفحم القديمة الأقل كفاءة، لمدة عام ابتداءً من السنة المالية الجديدة التي تبدأ في أبريل، وذلك وفقاً للخطة التي عُرضت في الاجتماع.

وتعتمد اليابان على محطات الطاقة الحرارية لتوليد نحو 70 في المائة من احتياجاتها من الكهرباء، حيث يشكّل الفحم 30 في المائة من وقودها، ويمثل الغاز الطبيعي المسال 30 في المائة أخرى، بينما يشكل النفط 7 في المائة.

وأضاف المسؤول أن الإجراء الطارئ لتعزيز الاعتماد على الفحم من شأنه أن «يؤدي إلى توفير ما يقارب 500 ألف طن من الغاز الطبيعي المسال».

وتأتي هذه المبادرة عقب تحول الكثير من الدول الآسيوية نحو الفحم لتشغيل اقتصاداتها منذ أن دفعت حرب الشرق الأوسط التي اندلعت أواخر الشهر الماضي إيران إلى إغلاق مضيق هرمز التجاري الحيوي جزئياً واستهداف منشآت الطاقة في الخليج.

وتخطط كوريا الجنوبية لرفع الحد الأقصى لقدرة توليد الطاقة بالفحم، مع زيادة تشغيل محطات الطاقة النووية في الوقت نفسه. كما تعتزم الفلبين أيضاً زيادة إنتاج محطات توليد الطاقة التي تعمل بالفحم لخفض تكاليف الكهرباء، في ظلّ تأثير الحرب على شحنات الغاز.

وتُعدّ اليابان خامس أكبر مستورد للنفط، حيث تستورد أكثر من 90 في المائة منه من الشرق الأوسط. كما تستورد نحو 10 في المائة من الغاز الطبيعي المسال من المنطقة نفسها. وتستورد طوكيو ما يقارب 80 في المائة من وارداتها من الفحم من أستراليا وإندونيسيا، وفقاً لوكالة الموارد الطبيعية والطاقة.

وأعلنت اليابان، الخميس، أنها بدأت أيضاً الإفراج عن جزء آخر من احتياطياتها النفطية الاستراتيجية؛ نظراً لمواجهتها تحديات في إمدادات وارداتها النفطية.