الحكومة الاشتراكية الإسبانية أسيرة الأحزاب القومية واليسارية

الحكومة الاشتراكية الإسبانية أسيرة الأحزاب القومية واليسارية

على خلفية فضائح المؤهلات الأكاديمية للسياسيين بمن فيهم رئيسها سانتشيز
الخميس - 3 محرم 1440 هـ - 13 سبتمبر 2018 مـ رقم العدد [ 14534]
رئيس الوزراء الاشتراكي بيدرو سانتشيز ثمّة شكوك أُثيرت حول أطروحته لنيل الدكتوراه التي أشير إليها في سيرته الذاتية عندما كُلِّف تشكيل الحكومة (إ.ب.أ)
مدريد: شوقي الريّس
ما كادت تنقضي الأيام المائة الأولى على حكومة رئيس الوزراء الاشتراكي بيدرو سانتشيز، بعد حجب الثقة عن حكومة ماريانو راخوي اليمينية، حتى بدأت العراقيل والأزمات تتراكم في طريقها، واضعة على المحكّ قدرتها على الصمود في البرلمان؛ حيث لا يملك الاشتراكيون أكثر من 24 في المائة من الأصوات، ويعتمدون على دعم الأحزاب اليسارية والإقليمية التي لا توفّر فرصة لمقايضة تأييدها للحكومة بمكاسب وشروط تحرج الحكومة، وتقيّد قدرتها على تنفيذ برنامجها.

آخر هذه الأزمات كانت استقالة وزيرة الصحّة كارمن مونتون، التي تنتمي إلى الدائرة الضيّقة القريبة من سانتشيز، بعد افتضاح التلاعب في سجلها الأكاديمي الذي كشفته إحدى الإذاعات يوم الاثنين الماضي. وكان سانتشيز قد أعلن تأييده لها في مرحلة أولى، وطلب من قيادات حزبه الكفّ عن مطالبتها بالاستقالة، رغم معرفته بأن شهادة الماجستير التي تحملها ليست مستوفية الشروط الأكاديمية القانونية، وأن جزءاً كبيراً من أطروحتها منسوخ من موسوعة «ويكيبيديا». لكن مع ازدياد الضغوط عليها، خاصة بعد نشر نصّ أطروحتها في وسائل الإعلام، اضطرت مونتون للاستقالة «منعاً لعرقلة نشاط الحكومة»، وأشادت بسانتشيز، وقالت إنها لا ترغب في إحراجه.

وقد سارع سانتشيز، بعيد إعلان مونتون عن استقالتها، إلى تعيين وزيرة جديدة هي ماريّا لويزا كارسيدو، منوّهاً بالإنجازات الكبيرة التي حققتها خلال ثلاثة أشهر، وفي مقدمتها استعادة التغطية الصحيّة الشاملة التي كانت الحكومة اليمينية السابقة قد ألغتها وقيّدتها بشروط صارمة، تحرم منها الأجانب والمهاجرين بالدرجة الأولى. وتجدر الإشارة إلى أن وزير الثقافة سبق واضطر للاستقالة بعد عشرة أيام من تشكيل الحكومة، إثر الكشف عن مخالفات ضريبية ارتكبها، ودفع غرامة لتسويتها منذ سنوات.

وتوقّف المراقبون عند الأسباب التي حدت بسانتشيز إلى تأييده القوي والصريح للوزيرة المستقيلة، علما بأنه جعل من النزاهة والشفافية ومحاربة الفساد العناوين الرئيسية لحكومته. بعضهم قرأ في موقفه تقديراً لمونتون التي تميّزت بأدائها خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة، وعرفاناً لدعمها له في الأزمة التي نشبت داخل الحزب الاشتراكي منذ عامين لإزاحته عن موقع القيادة. ورأى آخرون أن موقفه كان تكتيكيّاً لعدم رغبته في حشر خصمه السياسي، بابلو كاسادو، زعيم الحزب الشعبي اليميني الذي انتخب مؤخراً، والذي يواجه مشكلة مماثلة تتعلّق بأطروحة الماجستير التي حصل عليها من الجامعة نفسها، ويرفض الكشف عنها بعد اتهامه بنسخها عن مقالات لباحثين غيره منشورة سابقاً.

أما عن الأسباب التي تدفع سانتشيز، المعروف ببرودته وحساباته المتأنية عند اتخاذ القرارات، إلى عدم إحراج خصمه في الوقت الراهن، فأقل ما يقال فيها إنها متضاربة، ولا توحي باطمئنان الحكومة إلى قدرتها على مواجهة الاستحقاقات البرلمانية المقبلة؛ لا بل قد تحمل في طيّاتها بذور مفاجآت كبيرة قريباً. البعض يرجّح أن سانتشيز مرتاح لكون الحزب الشعبي قد اختار زعيماً له من الجناح المتطرّف، مما يفسح له مجالاً أوسع لاستقطاب أصوات الوسط المعتدلة في الانتخابات المقبلة التي يتوقّف عليها مصير حكومته، وربما مستقبله السياسي في زعامة الحزب الاشتراكي.

لكن ثمّة من يرى أن حسابات سانتشيز فرديّة صرفة، قد يكون مردّها إلى وضعه الأكاديمي الشخصي، إذ ثمّة شكوك أُثيرت حول أطروحته لنيل الدكتوراه في علم الاقتصاد، والتي أشير إليها في سيرته الذاتية عندما كُلِّف تشكيل الحكومة. ومن المؤشرات على الطبيعة المتفجّرة لهذا الموضوع، الهجوم العنيف الذي شنّه زعيم حزب «مواطنون» آلبرت ريفيرا أمس (الأربعاء) في البرلمان، عندما طالب سانتشيز بالكشف عن نص أطروحته «التي توجد شكوك حولها». وردّ سانتشيز بأن أطروحته مسجّلة لدى وزارة التربية ويمكن الاطلاع على نصّها. وقد تأكّد فعلاً وجود الأطروحة على موقع الوزارة؛ لكن الاطلاع عليها مشروط بموافقة صاحبها. وردّت الناطقة بلسان الحزب الاشتراكي بهجوم عنيف على ريفيرا الذي اتهمته بالتواطؤ مع الحزب الشعبي، وطالبت كاسادو بالاستقالة إذا أصرّ على رفض الكشف عن نص أطروحته. وما كادت تنقضي دقائق على جلسة المحاسبة الأولى في البرلمان، حتى تهافت عشرات الصحافيين على مكتبة الجامعة التي حصل منها سانتشيز على شهادة الدكتوراه في ضاحية مدريد، يطلبون الاطلاع على الأطروحة، التي توجد منها نسخة ورقيّة واحدة مجلّدة، يُسمح بمطالعتها لكن يُمنع تصويرها أو نسخها. وقد لفت، منذ الكشف عن التلاعب بالسجل الأكاديمي لوزيرة الصحة، أن الحزب الشعبي اليميني لم يطالب أبداً باستقالتها، كما نُقل عن أحد قادته قولُه: «بقاؤها يوفّر علينا مشكلة؛ لكن استقالتها ستجعلنا نواجه مشكلة كبيرة جداً».
اسبانيا أخبار اسبانيا

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة