الرقابة في الكويت تمنع أكثر من 4 آلاف كتاب

المثقفون في صدمة... والوزارة: وظيفتنا تطبيق القانون

TT

الرقابة في الكويت تمنع أكثر من 4 آلاف كتاب

مبكراً، بدأت معركة الرقابة على الكتب في الكويت هذا العام؛ عادة تشتعل قبيل افتتاح معرض الكويت الدولي للكتاب، الذي يُقام عادة في منتصف شهر نوفمبر (تشرين الثاني) من كل عام. ولكن قبل نحو شهرين من هذا المعرض، صُدم المثقفون بحجم الكتب التي وضِعت في قائمة الممنوع، واتساع مروحة المنع لتشمل كل أصناف الإبداع الإنساني.
وفي ندوة أقيمت الأسبوع الماضي في جمعية المحامين الكويتية، قال أحد النواب المشاركين إنه حصل من وزارة الإعلام، وبشكل رسمي، على قائمة الكتب الممنوعة، مضيفاً: «تفاجأت أنه تم منع 4390 عنوان كتاب، ووردت الإجابة في 16 كرتوناً، تحتوي أسماء كل الكتب والمؤلفين، وأسباب المنع خلال 5 سنوات». أما وزارة الإعلام المعنية بتطبيق الرقابة على الكتب، فتقول إنها جهة تنفيذية تسهر على تطبيق القانون الذي ينظم عمل الرقابة، وهي غير معنية بسنّ التشريعات الناظمة لحرية التعبير.
هذه الإجابة لم تقنع المثقفين، ورأوا في مداخلاتهم عبر «الشرق الأوسط» أن الرقيب هو المشكلة التي أدت لمجزرة الكتب، وأنه ليس فقط يفتقد الحجة والمنطق، كما يفتقد الصلاحية في فرض وصايته على الناس، هو أيضاً يُطبق النصوص بشكل تعسّفي جائر.

- بثينة العيسى: منطق الوصاية
تقول الروائية الكاتبة الكويتية بثينة العيسى: «تقوم فكرة الرقابة على الخوف، وهي فكرة طفولية ترى أن المجتمع بحاجة إلى حماية، وأن من واجب الدولة أن تقوم على حراسة أفكاره وعفته وشرفه. والمجتمع ليس مجموعة من القصّر، والدولة ليست أماً مربية. وهذا الخوف سمح للدولة بأن تتجاوز منطق الحماية إلى منطق الوصاية، ولهذا السبب أصبحت وزارة الإعلام قادرة على منع عشرات الدواوين الشعرية لحماية المجتمع من كلمة (نهد)! وبسبب عجزهم عن التأويل والقراءة السياقية، أصبحت كل كتابة تستخدم كلمة (ملاك) أو (شيطان) رمزياً هي كتابة خادشة للمقدّسات الدينية!».
وتضيف: «لقد بلغ المنع في الكويت أشد مراحله تطرفاً، وتحوّل الخوف إلى شكل من أشكال فوبيا الكتب. وإذا كان التشريع البرلماني يسمح بمساءلة وزير الإعلام عند إجازته لكتاب، فإنه لا يسمح بذلك في حالة منعه لكتاب! وستجد الوزارة في سياسة (امنع كل شيء) حماية للوزير من المساءلة السياسية؛ الأمر بهذه البساطة!».
وماذا بشأن القانون؟ تقول العيسى: «الوزارة لا تطبق القانون. فهذا القانون شُرّع منذ 2006، ولكن مجزرة الكتب الأخيرة شهدناها في السنوات الخمس الأخيرة. وهناك كتب كانت مجازة قبل عشرين عاماً (مائة عام من العزلة لماركيز أنموذجاً) أصبحت فجأة ممنوعة، ناهيك عن مخالفة الدستور الكويتي الذي كفل لنا حرية التعبير والمعتقد، لكن وزارة الإعلام تتبنى منطق فرعون: لا أريكم إلا ما أرى، ولا أهديكم إلا سبيل الرشاد». وتكمل: «إن الاعتوار الأعظم في هذه المنظومة الرقابية المؤسفة هو أنها تفرغ عملية القراءة من المعنى السياقي؛ عندما يصل إلى اللجنة تقرير الرقيب وقد كتب فيه (ولا تقربوا الصلاة)، سترجح كفة المنع تلقائياً. والإشكالية الثانية هي خلو لجنة الرقابة من أساتذة الأدب والفلسفة، مما يجعل القراءة السياقية شبه مستحيلة، وهو الأمر الذي يودي بالكتاب إلى المنع».

- دخيل الخليفة: رقابة على الرقابة!
الروائي دخيل الخليفة يقول: «نعيش حالة من التناقضات في قضايا حرية التعبير التي كفلها الدستور الكويتي، وهذه التناقضات تحددها ثقافة وزير الإعلام في العادة، فحينما تسلم الراحل الشيخ جابر العلي حقيبة الوزارة حدثت طفرة ثقافية كونه رجلاً واعياً (...) وحدث الأمر نفسه مع الراحل الشيخ سعود الناصر، فترك الوزارة باستجواب وطرح ثقة (...) خطورة الأمر أن هدم حرية الرأي والتعبير يتم عبر المشرع للحريات (مجلس الأمة)، وليس الحكومة!».
أما مبررات الوزارة، فيراها الخليفة «كلاماً مجانياً»، فقراءة رواية أو ديوان شعر «لا تشكل انحطاطاً في قيم المجتمع الذي اعتاد حرية الرأي والتعبير، ويمتلك صحافة حرة منذ عشرات السنين، ويمارس طقوسه بكل حرية، لكن الأخطر أن الوزارة لم تمتثل للقضاء في أحكام صدرت لصالح مبدعين، منهم الروائي سعود السنعوسي، بل استأنفت الحكم (...) كما منعت كتباً وروايات عالمية بقيت لسنوات طويلة مفسوحة في الكويت والخليج، وهذه (رقابة على الرقابة)!».
وبرأيه، المشكلة تكمن في أن «الرقيب موظف عادي، يخشى العقوبات، ولا يفهم أحياناً سياق الجملة أو بعدها اللغوي، ولذلك يمنع الكتاب لوجود مفردات مثل: ساق، البدون، نهد، حضن دافئ، خمر، ملائكة الحب... إلخ. كما أن الفقرات الواردة في شأن الرقابة مطاطية قابلة للتطويع، لذا نحتاج إعادة صياغة لقانون المطبوعات والنشر، فضلاً عن إحالة الكتب المخالفة إلى القضاء، وليس ترك الأمر لرحمة الرقيب».
ويضيف: «لعل الأمر المثير للسخرية هو صمت جمعيات النفع العام المعنية بالثقافة وحريات المجتمع، خصوصاً تلك المعنية بالثقافة (...) بحثاً عن مكاسب شخصية! بالإضافة إلى حالة الخداع التي مارستها بعض وسائل الإعلام أخيراً، وهي التي كانت سابقاً منبعاً للدفاع عن الحريات».

- سعود السنعوسي: مجازر الرقيب لا تعطل الإبداع
الروائي الكويتي الحاصل على جائزة «البوكر» العربية سعود السنعوسي كانت له تجربة مع الرقيب، فقد تم منع روايته «فئران أمي حصة»، لكنه يقول لـ«الشرق الأوسط»: «لا أستطيع القول إن مجازر الرقيب معطلة للإبداع، رغم كل الإحباط الذي تتسبب به لكل المعنيين بالشأن الثقافي؛ فعل المنع قد يؤدي إلى فعل إبداعي مقابل لا يأبه بمجازر الرقيب بالنسبة للبعض، وإن شكل عائقاً بالنسبة للبعض الآخر».
ويضيف: «الأزمة تتجاوز أن يكون المتضرر هو الكاتب أو القارئ أو الناشر أو صاحب المكتبة، لأن المتضرر الأكبر هو الكويت، التي على يبدو أنها تستنفد رصيد سنوات طويلة من دعم الثقافة وصنوف الإبداع بسبب قصر نظر وزارة الإعلام، وتعنت لجنة الرقابة بقراراتها، وفق فهمٍ قاصر للقانون، وعدم قراءة النصوص، والاكتفاء بقراءة تقارير الرقيب، بجملها المبتورة المجتزأة من سياقاتها».
وهو يرى أن الأزمة تكمن في قانون المطبوعات 2006، مستطرداً: «ولكن حتى القانون لا ينص على ما يقوم به الرقيب اليوم، فالقانون موجود منذ 2006 ومجزرة المنع حدثت في السنوات الأخيرة فقط. وهذا معناه أن الأمر نسبي، ويعتمد على لجنة الرقابة ومزاجها وفهمها الملتبس للحياء العام أو النظام العام، ولعل تقارير الرقيب التي انتشرت أخيراً خير دليل على تخبط وزارة الإعلام، وضحالة ومحدودية الرقيب في تعامله مع النصوص».

- طلال الرميضي: مسطرة الرقيب
طلال الرميضي، أمين عام رابطة الأدباء الكويتيين، يقول: «الرابطة طالبت وزارة الإعلام بضرورة أن تكون هناك مرونة وعدم تعسف من قبل الرقيب. لا شك أن نصوص التشريعات وضعت محاذير عامة يتفق معها الجميع، حيث لا يختلف أحد في كون (الذات الإلهية) مصونة، وكذلك مقام الرسول الكريم، وما يمس الآداب العامة، كنشر (الإباحية)، أو الإساءة للأفراد والجماعات أو الدول الصديقة، وهي محل إجماع المثقفين، لكن مورد الاختلاف هو في (مسطرة الرقيب)، وقد لاحظنا أن كتباً لا تستحق المنع تم منعها في الكويت، ولذلك نحن مستمرون في إيصال وجهة نظر الأدباء عبر الطرق القانونية إلى الوزارة المعنية».
ويضيف: «رابطة الأدباء الكويتيين تناقش باستمرار الأعمال الممنوعة في ندواتها، وهي تستضيف ممثلين يعبرون عن وجهات نظر مختلفة تجاه تلك الأعمال. وفي المقابل، تقوم الرابطة بقبول عضوية بعض الكتاب، حتى لو كانت كتبهم ممنوعة، لأن جودة القبول في الرابطة هي للعمل الأدبي، وليس لفسحه أو منعه».
وبشأن القانون، يقول الرميضي: «إن القانون سليم، ووضع معايير عامة، ولكن الملاحظات تنصّب على الرقيب نفسه. ولعل ما يثير حفيظة الرقيب هو تدخل السياسيين في الشأن الثقافي، عبر الاستجوابات المتكررة لوزير الإعلام قبيل معرض الكتاب».

- فهد الهندال: لماذا يصبح الكتابُ مأزقاً؟
يرى الناقد الناشر الكويتي فهد الهندال أن «موضوع الرقابة في الكويت لا ينفصل عن بقية القضايا المتعلقة بالشأن التنموي، على المستويين الثقافي والإبداعي، كما أنه نقطة جوهرية في مبدأ الحريات المتعلقة بحرية الرأي والتعبير الذي نصت عليه مواد الدستور الكويتي، وأي وضع يتعارض مع هذا المبدأ فهذا يعني أن هناك خللاً تشريعياً، أو قصوراً في فهم مواد الدستور ومذكرته التفسيرية».
ويضيف: «تشكّل اليوم قضية الرقابة على الكتب في الكويت جوهر موضوع الرقابة، كونها تتصل بمصادر ومراجع المعرفة والثقافة والإبداع، على اعتبار أن القراءة هي أساس تقدم المجتمعات ونموها وتطورها، وعليها تأسست وقامت حضارات إنسانية كبرى، منها حضارتنا العربية والإسلامية، محركها التفكير الواعي والحس المسؤول في بناء المجتمع، وحمايته من الغلو والتشدد، وصيانته بالتعددية الثقافية والحرية المسؤولة».
ويتابع: «لقد شكّل الكتابُ على مر التاريخ الإنساني مأزقاً للدولة والمجتمع على حد السواء، فهل تتحمل الدولة ما يمكن أن يشكّله الكتاب، كرمز للفكر الناقد والمحلل للتاريخ والحاضر والمستقبل؟ وهل يمكن أن يواجه المجتمع نفسه في كتابات أبنائه المعبرين عن حالهم القلقة، وربما المحبطة، حيال ما يرونه من تدني سقف طموحاتهم وأحلامهم، تحت حجة حماية الفضيلة بتضييق الخناق عليهم؟ لقد كانت الكتابة، كما هي القراءة، جزءاً من التنمية، لمعرفة الإنسان واكتسابه الخبرة المطلوبة في هذه الحياة، وتمييز الخطأ من الصواب، فالقراءة تربية حياتية لا يمكن خضوعها تحت أشكال الوصاية والحجر بدعوى الحفاظ على الأخلاق وعادات المجتمع، فلتكن القراءة عادة حميدة جديدة نوعّي بها الأجيال القادمة، بما ينمي مستقبلها وفكرها ومسؤوليتها».

- جهاز الرقابة على الكتب في الكويت
تضم اللجنة الموكل لها تقييم وفسح الكتب تسعة أشخاص، بينهم سبعة من خارج الوزارة، وتقوم هذه اللجنة بتحديد المحاذير أو المخالفات التي يتضمنها الكتاب، وتتكون اللجنة من:
الوكيل المساعد لقطاع الصحافة (رئيساً).
مدير إدارة المطبوعات والنشر (نائباً).
الدكتور عبد الرحمن أحمد الأحمد.
الدكتور معدي مهدي العجمي.
جديع فهيد العجمي.
فيصل عبد الهادي المحميد.
بدر الظفيري (ممثل وزارة الأوقاف).
خلف شقير العتيبي.
بدر ناصر بوقبة.
مراقب عن مطبوعات الكتب.


مقالات ذات صلة

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ثقافة وفنون ألبير كامو

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً.

دوايت غارنر
ثقافة وفنون إبراهيم الكوني

الصحراء كمبتدأ وخبر في مكاشفات الكوني ومكي

في البدء لم تكن الكلمة. كان الصمت. صمتٌ لم يتردّد في أروقة الجنّة، استوطن قلب الصحراء. وفي الصحراء يولد المعنى قبل العبارة، وتتشكل الحقيقة قبل نصّها.

ندى حطيط
ثقافة وفنون بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

رواية نسائية بامتياز، هي «حائكات الأزل» للأديبة اللبنانية بسمة الخطيب. بطلاتها يتحركن، وكأنما وجود الرجال في حياتهن هلامي، لكن وطأته ساحقة، ثقيلة، متسلطة وكاسحة

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون أول ترجمة عربية لديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا

أول ترجمة عربية لديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا

صدر أخيراً عن مجموعة «كلمات» للنشر بالشارقة، ديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا بترجمة عربية أنجزها الشاعر والمترجم السعودي غسان الخنيزي.

«الشرق الأوسط» (الدمام)
كتب روي بلانت جونيور

كرة القدم الأميركية محكوم عليها بالفناء

لعل إحدى أقوى الحجج المدافعة عن كرة القدم هي تلك التي ساقها روي بلانت جونيور في كتابه «نقص بمقدار ثلاث لبنات - About Three Bricks Shy of a Load».

دوايت غارنر

سقوط «معلّم كامبريدج» الزائف... شهادة مزوَّرة تُنهي مسيرته التعليمية

الثقة في التعليم تتصدّع مع أول كذبة (غيتي)
الثقة في التعليم تتصدّع مع أول كذبة (غيتي)
TT

سقوط «معلّم كامبريدج» الزائف... شهادة مزوَّرة تُنهي مسيرته التعليمية

الثقة في التعليم تتصدّع مع أول كذبة (غيتي)
الثقة في التعليم تتصدّع مع أول كذبة (غيتي)

شُطب معلّم سابق في مدرسة خاصة من السجل النقابي بعدما تبيَّن أنه كذب بشأن حصوله على شهادة من جامعة كامبريدج وعمله موظفاً قضائياً.

ووفق «بي بي سي»، كان نيكولاس مارتين (43 عاماً) يعمل معلِّماً في مدرسة سانت إدوارد ببلدة شلتنهام منذ 2006، وعُيّن رئيساً للمرحلة الدراسية السادسة عام 2024 قبل رصد تناقضات في طلبه لشغل منصب نائب المدير عام 2025.

وبدأت التحقيقات بعدما قال مارتين إنه كان أصغر من عمره المدوَّن في الطلب المقدَّم عام 2024 بخمسة أعوام، ممّا أثار الشكوك في باقي أجزاء سيرته الذاتية وكشف أكاذيبه. وخلُص متّخذ القرارات في اللجنة التابعة لهيئة تنظيم التدريس، مارك كافي، إلى أن «سلوك مارتين كان غير مطابق بدرجة كبيرة للمعايير المتوقَّعة من ممارسي هذه المهنة». وأضاف: «ما تبيَّن من سوء السلوك خطير، إذ يتضمَّن تبني معلّم سلوكاً غير نزيه».

واستمعت اللجنة إلى أنّ تاريخ الميلاد، الذي ذكره مارتين عند التقدُّم لشغل منصب نائب المدير، كان 17 نوفمبر (تشرين الثاني) 1987، وهو بعد تاريخ الميلاد المدوَّن في الطلب المُقدَّم عام 2024 بخمس سنوات. وحاول مارتين في البداية إيضاح سبب التاريخ الخاطئ بزعم أنّ شخصاً ما لم يقرأ خطّه جيداً.

وبفحص سجلِّه الوظيفي، تبيَّن أنّ جواز سفره ورخصة قيادته يحملان تاريخ عام 1982، لكن استمر مارتين في زعم أنّ سنة ميلاده الحقيقية هي 1987 وأنّ هذا التباين سببه مشكلة قديمة تتعلّق بجواز السفر.

كذلك لم يسفر مزيد من التدقيق عن أي ذكر لمثل هذا التاريخ، لكن وُجدت مطابقة مع عام 1982 وأكدتها وثائق محدثّة قدمها.

وزعم مارتين أنه قد اعتاد كتابة تاريخ 1987، لذا ربما يكون قد نسخه من طلبه المقدَّم عام 2024، لكن أسفرت عملية مراجعة عن اكتشاف كتابته لتاريخ 17 نوفمبر 2012 في تلك الوثيقة، وفق ما جاء في جلسة الاستماع.

ودفع ردُّه المرتبك على هذا الأمر المدرسة إلى التحقيق في أجزاء أخرى من سيرته الذاتية، بما فيها مزاعم حصوله على شهادة الماجستير في التاريخ من جامعة كامبريدج. وكان مارتين قد قدَّم نسخة من شهادة زعم أنها صادرة عن الجامعة، وأن الشهادة الأصلية في المنزل، وكان «يحب التفاخر بها أمام أصدقائه خلال عطلات نهاية الأسبوع».

وأكدت جامعة كامبريدج أنَّ الشهادة مزوَّرة، وأخطرت المدرسة بأنَّ البرنامج الدراسي المذكور لم يُقدم من جانب الكلية المذكورة. واستمعت اللجنة إلى أنَّ مارتين يحمل درجة علمية في التاريخ من جامعة لانشستر، وقد سجل ذلك في الطلب الذي قدَّمه عام 2024.

كذلك زعم مارتين في الطلب الذي قدَّمه أنه كان يعمل موظفاً قضائياً مرة شهرياً تقريباً، لكن لم يرد اسمه في أي سجلات خاصة بهيئة المحاكم ومحاكم العمل التابعة لجلالة الملك.

غير نزيه

خلال جلسة استماع في 29 يناير (كانون الثاني)، وجدت اللجنة التابعة لهيئة تنظيم التدريس أنّ «مارتين قد أبدى قدراً كبيراً من سوء السلوك وعدم النزاهة»، لكنها أكدت أنه «قد أدرك خطورة هذا الأمر» وقبلت تأنيب ضميره.

كذلك جاء في الجلسة أنه لم ترد إشارة إلى أي سوء سلوك سابق خلال سنوات عمله في المدرسة، وأنه كان يُوصف بـ«المعلِّم الجيِّد» وأنَّ «معاملته للطلبة حسنة»، لكنها لم تُعدَّ ذلك دليلاً على أنه «يرتقي إلى معايير مرتفعة بشكل استثنائي أو يسهم بدرجة كبيرة في قطاع التعليم».

وقررت اللجنة أن اعتبارات المصلحة العامة في «الحفاظ على الثقة» في المهنة تعني أن المنع من ممارسة مهنة التدريس ملائم، وهو ما يعني منع مارتين من ممارسة مهنة التدريس؛ علماً بأنَّ مارتين يستطيع الطعن على القرار والطلب من لجنة مراجعة قرار المنع بعد عامين.


أكثر من 80 ممثلاً ومخرجاً ينددون بـ«صمت» مهرجان برلين السينمائي حيال غزة

رئيس لجنة التحكيم المخرج الألماني فيم فيندرز في افتتاح مهرجان برلين السينمائي يوم 12 فبراير (د.ب.أ)
رئيس لجنة التحكيم المخرج الألماني فيم فيندرز في افتتاح مهرجان برلين السينمائي يوم 12 فبراير (د.ب.أ)
TT

أكثر من 80 ممثلاً ومخرجاً ينددون بـ«صمت» مهرجان برلين السينمائي حيال غزة

رئيس لجنة التحكيم المخرج الألماني فيم فيندرز في افتتاح مهرجان برلين السينمائي يوم 12 فبراير (د.ب.أ)
رئيس لجنة التحكيم المخرج الألماني فيم فيندرز في افتتاح مهرجان برلين السينمائي يوم 12 فبراير (د.ب.أ)

ندّد أكثر من 80 مخرجاً وممثلاً، بينهم الإسباني خافيير بارديم، والبريطانية تيلدا سوينتون، بـ«صمت» مهرجان برلين السينمائي حيال غزة، في بيان اطلعت عليه وكالة الصحافة الفرنسية، الثلاثاء.

وقال الموقّعون إنهم «مصدومون من الصمت المؤسسي لمهرجان برلين السينمائي الدولي» حيال القضية، وعبروا عن استيائهم من «تورطه في فرض رقابة على الفنانين الذين يعارضون الإبادة الجماعية الإسرائيلية المستمرة ضد الفلسطينيين في غزة».

وجاء البيان إثر الجدل الذي أثاره رئيس لجنة التحكيم المخرج الألماني فيم فيندرز، بعدما رد على سؤال بشأن غزة الأسبوع الماضي بالقول: «يجب أن نبقى بعيدين عن السياسة».

صورة من مبنى مارتن غروبيوس في برلين لأجنحة في سوق الفيلم الأوروبي (EFM) الذي يقام على هامش الدورة السادسة والسبعين لمهرجان برلين السينمائي الدولي (أ.ف.ب)

ومن بين المخرجين البارزين الذين وقعوا الرسالة البريطاني مايك لي والأميركي آدم مكاي.

وتضم القائمة العديد من الفنانين الذين قدموا أعمالا في مهرجان برلين السينمائي. وقد فازت سوينتون نفسها العام الماضي بجائزة «الدب الذهبي» المرموقة.

وقال المقوعون إنهم «يختلفون بشدة» مع تعليقات فيندرز، مؤكدين استحالة فصل صناعة الأفلام عن السياسة. وأضافوا في البيان: «كما أصدر المهرجان بيانات واضحة في الماضي بشأن الفظائع المرتكبة ضد الشعوب في إيران وأوكرانيا، فإننا ندعو مهرجان برلين السينمائي الدولي إلى الوفاء بواجبه الأخلاقي والإعلان بوضوح عن معارضته للإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل».

ولم يعترض الموقعون فقط على موقف مهرجان برلين بعدم الخوض في قضية الحرب الإسرائيلية في غزة، ولكن أيضا على «الدور الرئيسي للدولة الألمانية في تمكين ذلك».


«آرت بازل - قطر»... منظومة الفنان والسوق

عمل "مجلس العشاق" لسمية فالي (آرت بازل)
عمل "مجلس العشاق" لسمية فالي (آرت بازل)
TT

«آرت بازل - قطر»... منظومة الفنان والسوق

عمل "مجلس العشاق" لسمية فالي (آرت بازل)
عمل "مجلس العشاق" لسمية فالي (آرت بازل)

في حي مشيرب بالدوحة؛ حيث أقيمت فعاليات «آرت بازل قطر»، ارتدت الأبنية والساحات المغطاة لوحات حمراء اللون تشير إلى مواقع العرض في المباني المحيطة، وفي الساحات الخارجية المختلفة.

كان الجو العام مليئاً بالحيوية والحماسة لإقامة هذا المعرض العالمي لأول مرة في المنطقة العربية. ولكنه لم يكن نسخة مكررة من «آرت بازل» بمعارضه المختلفة في سويسرا وهونغ كونغ وميامي بيتش، بل اكتسب شكلاً مختلفا في الدوحة، فالرؤية الفنية للمدير الفني، وائل شوقي، أخذت المعرض من الصيغة المعروفة للغاليريهات، التي تعرض مجموعة من الأعمال لفنانين مختلفين، إلى صيغة مختلفة ركزت على الفنان، بحيث عرض كل غاليري أعمال فنان واحد فقط، وهو ما غير تجربة التجول بين المعارض وجعلها ممتعة بشكل كبير، وتحولت التجربة إلى اكتشافٍ لأفكارِ وممارسة فنان بعينه في إطار السوق الفنية.

وعلق وائل شوقي على ذلك: «ما جذبني إلى هذا الدور هو إمكانية إقامة معرض فني لا يفصل بين السوق والمعرفة، بل ينظر إليهما على أنهما جزء من منظومة واحدة. يتيح الشكل المفتوح لـ(آرت بازل قطر) للفنانين تقديم أفكار مكتملة لا مجتزأة، ويدعو الجمهور إلى لقاء حقيقي مع العمل الفني، وبالتالي يشكل المعرض مساحة مميزة للوصول إلى الفن من جهة، ولتقديم المعرفة وتفعيل الحوار الثقافي وتوليد الفرص للفنانين من جهة أخرى».

زار المعرض في نسخته الافتتاحية أكثر من 17 ألف زائر (آرت بازل قطر)

التجول عبر الغاليريهات المشاركة يرسم صورة لمشهد فني غني ومنتعش في المنطقة، وهو ما تحول أرقاماً، فقد زار المعرض في نسخته الافتتاحية أكثر من 17 ألف زائر، ومثل جامعو الأعمال الفنية والرعاة من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وجنوب آسيا نحو نصف العدد.

ووفق البيان الرسمي، فقد شهدت صالات العرض من قطر والسعودية والإمارات تفاعلاً واضحاً من جامعين ومؤسسات فنية، وكان الطلب ملحوظاً بشكل خاص على الفنانين من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وجنوب آسيا والجنوب العالمي.

خلال جولة «الشرق الأوسط» على الغاليريهات المشاركة، كان لا بد من التوقف أمام عدد منها قدم أعمالاً مميزة جذبت الحضور بجماليات عالية، وموضوعات تناقش قضايا الإنسان والكوكب.

علي بني صدر.... بين الأساطير والواقع

يعرض غاليري «بيروتين» مجموعة من أعمال الفنان الإيراني علي بني صدر، تتصدرها اللوحات الضخمة التي تنطق بأسلوب مميز بحوار بين الأساطير والشخوص الخيالية وهموم الإنسان المعاصر. ولأول مرة نرى منحوتات من عمل الفنان. تماثل منحوتاته الشخوص والأشكال الغامضة في اللوحات، وبشكل ما تبدو كل منحوتة كأنها عنصر خرج من اللوحة، وهو ما يمثل للناظر نوعاً من الحوار البصري بين الاثنين.

يتجول الفنان في معرضه الصغير، وبابتسامته المعهودة يقول لـ«الشرق الأوسط» إنه حضر إلى الدوحة لزيارة المتاحف ولحضور هذه النسخة من «آرت بازل» لاختلافها عن النسخ الأخرى: «لم أزر الدوحة من قبل، ولكنني أردت الحضور للمعرض لأرى فكرة المعرض الفردي لكل فنان». يقول إن الفكرة تعمل لمصلحة الفنان... «بالتأكيد؛ فالزوار يمكنهم التركيز على الأعمال وفهمها بشكل أفضل، بعكس الوضع في معارض الفن العالمية الأخرى».

من أعمال الفنان علي بنيصدر (الشرق الاوسط)

يتحدث عن أعماله في العرض، وهي تضم لوحات بألوان الباستيل، والمنحوتات التي يقدمها لأول مرة: «بدأت عمل المنحوتات العام الماضي. كنت دائماً أشكل القطع بالطين، ولكني لم أجرب العمل بالبرونز من قبل. كانت تجربة مذهلة في الحقيقة، فأنا من محبي الفن القديم؛ ولهذا اعتمدت على أسلوب عمره 5 آلاف عام. كثيرون علقوا بأن المنحوتات تبدو كنماذج ثلاثية الأبعاد لتفاصيل من لوحاتي». يفسر ارتباطه بفنون الشرق الأدنى بأنها «تحمل صفات قد تبدو مستقبلية، وهو ما يثير اهتمامي».

إدريس خان... طبقات من الرموز والمعاني

في غاليري «فيكتوريا ميرو»، نسبح في عالم الفنان إدريس خان، الذي يقدم أعمالاً تبدو مثل المخطوطات القديمة المذهبة، بعضها مكتوب على خلفية زرقاء اللون، مما يستدعي إلى الذهن «مخطوطة المصحف الأزرق»، وهي مخطوطة أثرية تعود إلى العصر الفاطمي (ما بين القرنين التاسع والعاشر الميلاديين). تحت عنوان «الزمن الحاضر... الزمن الماضي»، نرى سلسلة من اللوحات المزينة بورق الذهب تستوحي تقاليد الثقافة الإسلامية، ولكن بمكنون معاصر.

عمل للفنان إدريس خان (الشرق الاوسط)

مخطوطات إدريس خان هنا مبهمة... لا نستطيع تبين الكلمات ولا الأحرف. تشير المشرفة على العرض إلى أن الفنان استخدم رموزاً موسيقية في بعضها ونصوصاً فلسفياً خاصة.

تقول المشرفة على الغاليري: «كثيراً ما يعمل الفنان على النصوص، ويُركّبها في طبقات. وفي حالة هذه السلسلة، كان يقرأ كثيراً للشاعرة الأميركية إميلي ديكنسون، وبينما كان يفكر في رؤيتها العالم وطريقة تعاملها مع الحياة، وتأملاته الخاصة في أعمالها، حوّلها قصائد؛ بعضها تُرجم إلى العربية، وبعضها الآخر خضع لبرنامج كومبيوتري خاص حوّلها نوتات موسيقية. هو ليس مهتماً بصنع شيء يُقرأ. بل يتعلق الأمر بتكثيف كل المشاعر، وكل المحتوى الروحي الموجود فيه، في لحظة بصرية واحدة».

سمية فالي و«مجلس العشاق»

في ساحة تتوسط مباني المعرض في حي مشيرب، تعرض الفنانة الجنوب أفريقية، سمية فالي، عملها المعنون: «في مجلس العشاق»، وهو عمل تركيبي تم خصيصاً لمعرض «آرت بازل قطر» الافتتاحي، وهو بيت شعري يُنسب إلى شعراء متصوفين؛ من بينهم رابعة العدوية.

ويُشيد عمل فالي بأماكن التجمع المدمَّرة أو المتضررة في أنحاء العالم الإسلامي. يستلهم العمل من مجموعة متنوعة من المواقع؛ من ساحات قرطبة، إلى حدائق غزة، ومن ضفاف نهر كشمير، إلى أروقة حيي «ديستريكت6» ومشيرب في قطر، ليُنسج العمل الذاكرة والعمارة والحضور الجماعي معاً. كان كل منها مكاناً للتجمع، حيث عاشت الصلاة والشعر والتجارة والتأمل والتعايش والمعارضة جنباً إلى جنب.

عمل "مجلس العشاق" لسمية فالي (آرت بازل)

تقول الفنانة لـ«الشرق الأوسط»: «في هذا العمل، استلهمتُ من أماكن التجمع المفقودة في الفن الإسلامي؛ من كنائس ومساجد، بالإضافة إلى الأسواق والساحات العامة والشوارع، التي فُقدت أو دُمّرت في أنحاء متفرقة من العالم؛ من جنوب أفريقيا وقرطبة وغزة. يتتبع هذا العمل مخططات بعض هذه الأماكن وأشكالها، ويرسم ملامحها. إنه يدور حول فكرة التكاتف لإعادة البناء معاً، بشكل جماعي».

يتكون العمل من مجموعة من القطع السوداء التي يمكن نقلها وتحريكها؛ «لذا يمكن استخدامها مساحةً للتأمل، أو للتجمعات» بينما على الأرض نرى القطع تمثل خريطة معمارية قديمة «استوحيناها من الأماكن المفقودة».

عمران قريشي وإحياء تقاليد النسج

في ركن من العرض أشبه بنصف غرفة ملونة، كأنها صنعت من نسيج ملون، جلس شخصان يركّبان الخيوط الملونة على مقاعد خشبية صغيرة. في عمل الفنان الباكستاني عمران قريشي نرى إعادة تصور لنسيج «الشارباي» التقليدي - وهو عنصر أساسي في الحياة المنزلية بجنوب آسيا - بلغة هندسية دقيقة تجمع بين التجريد والترابط.

في هذه السلسلة الجديدة، يُحوّل قريشي النسيج البسيط للسرير إلى عمل فني باستخدام خيوط نايلون نابضة بالحياة، مشدودة على إطارات فولاذية صناعية. يضم العمل الفني مجموعة متناغمة من الزخارف الهندسية، بما في ذلك أنماط «المعين» و«المتعرج» و«الصليب»، مُنفذة بألوان لافتة من الأحمر والأزرق، والأخضر والأصفر، والأزرق والذهبي، بينما يتخذ بعض الأعمال شكل إطارات مستطيلة مثبتة على الجدران تُحاكي زخارف المخطوطات الإسلامية.

عمل الفنان عمران قريشي (الشرق الاوسط)

يقول الفنان لـ«الشرق الأوسط»: «تلقيتُ تدريباً في فن رسم المنمنمات بالكلية الوطنية للفنون في لاهور، وكان تدريبي مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بهذا الفن. ثم بدأتُ تجاوز حدود الرسم المصغر... وهذا أحد أعمالي الحديثة. تخيلتُ صفحات مخطوطة مفتوحة، وإطاراً، وحافة، ثم ابتكرتُ سطحاً ثلاثي الأبعاد يمكن للناس دخوله، بل يمكنهم التجول فيه إن أرادوا». بشكلٍ ما، يمكن للزائر دخول العمل والجلوس على المقاعد ليصبح جزءاً من العمل الفني... يضيف: «أردت بطريقة ما إحياء (الشارباي) التقليدي واستكشاف إمكانية ربطه بالفن المعاصر، أو طرق جديدة للنظر إلى هذا التقليد نفسه».