تنفيذ اتفاقية الصيد البحري بين المغرب والاتحاد الأوروبي أحد أبرز نتائج زيارة ملك إسبانيا للرباط

فليبي السادس التقى رئيس الحكومة ورئيسي مجلسي البرلمان

تنفيذ اتفاقية الصيد البحري بين المغرب والاتحاد الأوروبي أحد أبرز نتائج زيارة ملك إسبانيا للرباط
TT

تنفيذ اتفاقية الصيد البحري بين المغرب والاتحاد الأوروبي أحد أبرز نتائج زيارة ملك إسبانيا للرباط

تنفيذ اتفاقية الصيد البحري بين المغرب والاتحاد الأوروبي أحد أبرز نتائج زيارة ملك إسبانيا للرباط

شكل تنفيذ اتفاقية الصيد البحري بين المغرب والاتحاد الأوروبي أحد أبرز نتائج زيارة ملك إسبانيا فيليبي السادس للمغرب، التي انتهت أمس، باعتبارها الاتفاقية التي انتظرها الصيادون الإسبان بفارغ الصبر منذ نحو ثلاثة سنوات، إذ أنهى الاتحاد الأوروبي والمغربي، أمس، الخلافات القائمة بينهما حول حقوق الصيد بعدما توصل الجانبان إلى اتفاق يسمح لسفن الاتحاد باستئناف الصيد في المياه المغربية بعد توقف دام أكثر من سنتين.
وبدأت مشكلة اتفاقية الصيد البحري بين المغرب والاتحاد الأوروبي، والتي تعد إسبانيا أكبر مستفيد منها، في ديسمبر (كانون الأول) 2011، وذلك عندما صوت البرلمان الأوروبي ضد تمديدها لاعتبارات سياسية واقتصادية، إذ عد بعض البرلمانيين الأوروبيين أن المقابل المالي الذي يتلقاه المغرب مقابل فتح مياهه الإقليمية أمام البواخر الأوروبية باهظ، خصوصا في سياق الأزمة المالية.
غير أن توقيف العمل بهذه الاتفاقية أدى إلى ارتفاع حدة التوترات الاجتماعية في إسبانيا، خصوصا في مناطق الأندلس وغاليسيا وجزر الخالدات (الكناري)، التي تستفيد من 80 في المائة من حقوق الصيد التي يمنحها المغرب للاتحاد الأوروبي في إطار هذه الاتفاقية. وتحت الضغط الإسباني فتح الاتحاد الأوروبي مفاوضات جديدة مع المغرب حول الشراكة في مجال الصيد البحري، وخلالها رفع المغرب من سقف مطالبه، خصوصا المتعلقة منها بمراقبة نشاط البواخر الأوروبية، ووضع معايير صارمة لحماية الموارد البحرية، وضمان تجددها، وفرض تشغيل نسبة من البحارة المغاربة على متن بواخر الصيد الأوروبية، إضافة إلى زيادة حجم التعويض المادي الذي يتلقاه المغرب مقابل فتح مياهه الإقليمية.
بيد أن المفاوضات ظلت تراوح مكانها حتى منتصف يوليو (تموز) من العام الماضي، عندما زار ملك إسبانيا السابق خوان كارلوس المغرب، حيث جرى التوقيع على الاتفاقية بعد زيارته بأسبوع، ومرت الاتفاقية الجديدة بأغلبية ساحقة في البرلمان الأوروبي في ديسمبر الماضي، وصودق عليها بالإجماع في البرلمان المغربي في فبراير (شباط) الماضي، وصدر مرسوم الموافقة عليها في مارس (آذار) الماضي بالجريدة الرسمية. غير أنها توقفت في المراحل النهائية لمسلسل اعتمادها في المغرب ولم تتمكن من الدخول حيز التنفيذ.
وربط المحللون هذا التوقف بتغيير الاتحاد الأوروبي من جانب واحد لنظام أسعار دخول الفواكه والخضر إلى الأسواق الأوروبية، والذي تضررت منه زراعة الطماطم (البندورة) المغربية. ويرى المحللون أن المغرب تعمد تأخير تنفيذ اتفاقية الصيد البحري كورقة ضغط لصالحه في المفاوضات حول أسعار الطماطم، علما أن المزارعين الإسبان، خصوصا في منطقة الأندلس، هم أكبر المعارضين لدخول الطماطم المغربية إلى الأسواق الأوروبية.
وشكل إخراج اتفاقية الصيد البحري من المأزق أحد أبرز نتائج زيارة الملك فيليبي السادس للمغرب. وستسمح الاتفاقية الجديدة بدخول 120 باخرة صيد من 11 بلدا أوروبيا إلى المياه الإقليمية المغربية، بينها 90 باخرة إسبانية.
غير أن الصيد البحري رغم أهميته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لم يشكل الملف الأهم في جدول أعمال زيارة الملك فليبي السادس للمغرب، ذلك أن الزيارة تكتسي أيضا أهمية رمزية، إذ إنها ثالث زيارة للملك فيليبي السادس منذ توليه العرش قبل أسابيع، وذلك بعد زيارة الفاتيكان والبرتغال، وهي تكرس، حسب بعض المراقبين، الطابع الاستراتيجي للعلاقات بين البلدين، اللذين تجمعهما جغرافية الحدود المشتركة والتاريخ المشترك.
ومن أبرز عناوين زيارة الملك فيليبي للمغرب أيضا هناك التعاون في مواجهة الأزمة الاقتصادية، إذ تسعى إسبانيا إلى تعزيز علاقاتها الاقتصادية مع المغرب، وبناء شراكات مع المغاربة في اتجاه الأسواق الأفريقية كمتنفس من الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تجتازها القارة العجوز.
وفيما يتعلق بمكافحة الإرهاب، مكن التعاون المثمر بين الأجهزة الأمنية للبلدين من تفكيك الكثير من الشبكات والخلايا الإرهابية التي تعمل على جانبي الحدود. أما في مجال الهجرة فإنها لم تعد تقتصر على هجرة المغاربة إلى إسبانيا، ودور المغرب في كبح جحافل المهاجرين غير الشرعيين القادمين من أفريقيا جنوب الصحراء، بل أصبحت أيضا تتطلب أخذ الهجرة المتزايدة للشباب الإسباني الهارب من البطالة في بلده في اتجاه المغرب. وفي هذا الصدد، يشير تقرير لمركز سيرفانتس الثقافي في طنجة إلى تزايد قوي لعدد الشبان الإسبان الراغبين في تعلم اللغة العامية المغربية، التي أصبحوا يعدونها ميزة أساسية في سعيهم للعثور على فرص عمل في المغرب.
واختتم ملك إسبانيا، أمس، زيارته إلى المغرب رفقه عقيلته الملكة ليتيثيا، بعد أن زاره بدعوة من الملك محمد السادس، الذي خصهما باستقبال ملكي في مطار الرباط - سلا، حيث كان مرفوقا بالأمير مولاي رشيد والأميرات: للا سلمى وللا مريم وللا أسماء وللا حسناء.
وخلال اليوم الأول من الزيارة اجتمع الملك فيليبي السادس مع العاهل المغربي لبحث العلاقات بين البلدين وسبل وآفاق تطويرها، وكان من أبرز الملفات التي ناقشاها التعاون في مواجهة الأزمة الاقتصادية، والتهديدات الإرهابية، وحماية الحدود، وتدبير تدفقات المهاجرين خلالها.
واجتمع الملك فيليبي السادس أمس مع رئيس الحكومة المغربي عبد الإله بن كيران، الذي قال في تصريح صحافي عقب الاستقبال إن «اللقاء كان فرصة للتباحث بخصوص عدد من القضايا ذات الاهتمام المشترك، والتأكيد على ضرورة تنمية العلاقات الثنائية في شتى المجالات». وأشار ابن كيران إلى أنه لمس لدى ملك إسبانيا رغبة أكيدة للعمل في هذا الاتجاه، وإلماما واضحا بالوضع في المنطقة.
وأضاف أن «الملك فيليبي السادس يدرك أيضا تميز المغرب، وما ينعم به من استقرار على مختلف الأصعدة في منطقة تشهد اضطرابات كثيرة، كما يدرك دور الملك محمد السادس، في الحفاظ على الأمن الروحي للمملكة، وأكد ضرورة تعزيز وتعميق التعاون بين البلدين».
من جهته، قال خوسي مانويل غارسيا مارغايو مارفيل، وزير الخارجية الإسباني، إن «اللقاء كان فرصة لاستعراض عدد من القضايا ذات الاهتمام المشترك، وخصوصا قضايا الهجرة»، مبرزا في هذا الصدد أن الملك فيليبي عبر عن امتنانه للجهود التي يبذلها المغرب في هذا الإطار من أجل الحد من تفاقم هذه الظاهرة، كما أشاد بالمبادرة المغربية المتعلقة بالسياسة الجديدة للهجرة.
وذكر بالعلاقات الممتازة القائمة بين البلدين، ودعم بلاده للمغرب خاصة في مجال الحكامة، مضيفا أن «عددا كبيرا من المقاولات الإسبانية تستثمر في المغرب في مختلف القطاعات، خصوصا ما يتعلق بالطاقات المتجددة والخدمات والبنيات التحتية. ودعا رئيس الدبلوماسية الإسباني حكومتي البلدين إلى بذل مزيد من العمل والتعاون في المجال الاقتصادي، في أفق استشراف آفاق واعدة بشكل مشترك في القارة الأفريقية».
كما استقبل الملك فيليبي السادس، أمس، رئيس مجلس النواب المغربي، رشيد الطالبي العلمي، الذي أشار في تصريح صحافي إلى أن المباحثات التي جرت بينه وبين الملك الإسباني شملت التعاون بين المؤسستين التشريعيتين بالبلدين، واللتان تعملان في إطار منتدى ينعقد بشكل منتظم، مشيرا إلى أن الدورة الثالثة من هذا المنتدى ستنعقد في المغرب في وقت لاحق من العام الحالي. كما استقبل الملك فيليبي السادس، رئيس مجلس المستشارين، محمد الشيخ بيد الله.



ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.