إعلاميو ليبيا يدفعون ثمن الفوضى

صحافة عمرها 150 عاماً تتعرض لـ«التغييب القسري»

مقر إذاعة شباب بنغازي («الشرق الأوسط»)
مقر إذاعة شباب بنغازي («الشرق الأوسط»)
TT

إعلاميو ليبيا يدفعون ثمن الفوضى

مقر إذاعة شباب بنغازي («الشرق الأوسط»)
مقر إذاعة شباب بنغازي («الشرق الأوسط»)

يدفع إعلاميو ليبيا ثمن الفوضى التي تضرب بلادهم منذ 2011، وتعرضت تجربة العمل الصحافي البالغ عمرها في هذا البلد نحو 150 عاماً، للتغييب القسري. فبعد رحيل نظام معمر القذافي، ظهر المئات من الشبان المتحمسين لخوض مرحلة إعلامية جديدة، وطي صفحة «البوق الواحد» في الإعلام التي اتسم بها العهد السابق، لكن، ومنذ عام 2012، تعرضت وسائل الإعلام الجديدة لموجة كراهية أدت إلى تشريد عشرات الصحافيين، ما بين القتل والاختفاء والهجرة للخارج.
ولم يتوقف البحث عن المدون الليبي عبد المعز بانون، في عموم البلاد. واختفى بشكل مفاجئ في العاصمة طرابلس قبل نحو عامين، ليوضع اسمه مع قائمة طويلة من أسماء إعلاميين تم قتلهم أو تغييبهم قسراً منذ اندلاع الانتفاضة المسلحة قبل نحو سبع سنوات.
يقول الإعلامي فرج غزالي، الذي يعمل في قناة «ليبيا اليوم»، وهي من قنوات القطاع الخاص: «لم يعد في الإمكان العمل من داخل البلاد. هذا أمر أصبح محفوفاً بالمخاطر. تعرض كثير من أصدقائي وزملائي إما للقتل وإما للاختطاف. هناك زملاء نبحث عنهم منذ سنوات دون أن نعرف إلى أين انتهى مصيرهم، ومن هؤلاء يوسف الدعيكي، وعبد المعز بانون».
والدعيكي مفقود، مع عشرات الإعلاميين الآخرين منذ 2011. وكان في السابق يعمل في إذاعة مدينة «بني وليد» المحلية. وتقع المدينة قرب طرابلس. وظلت إذاعتها، مع إذاعة مدينة «سرت» المجاورة لها، تواصلان البث وتذيعان مواد إعلامية رافضة لتدخل حلف الناتو في ليبيا.
قلبت أحداث ما يعرف بـ«الربيع العربي»، كل شيء رأساً على عقب. في البداية كان الشبان الليبيون يتطلعون إلى مرحلة إعلامية جديدة. فمع بداية عام 2012 جرى إصلاح ماكينات طباعة الصحف واستيراد أخرى، وانتشار صحف «التابلويد»، مع إعادة تشغيل الإذاعات المسموعة والمرئية، وتحديث الاستوديوهات، وخوض دورات تدريبية، والعمل بحرية أكبر، بيد أن هذا كله انتهى مع توغل الميليشيات وسيطرتها على مقاليد الدولة.
ثم دخلت على المشهد مجاميع متطرفة أكثر دموية، منذ عام 2014، مثل تنظيم «داعش»، ليتحول الإعلاميون، سواء من الليبيين أو الأجانب، لهدف مستباح من الجميع، ما أقلق المجتمع المحلي والدولي. وأصدر «المركز الليبي لحرية الصحافة»، و«منظمة مراسلون بلا حدود»، صفارة إنذار مشتركة ضد تصاعد الانتهاكات بحق الصحافيين.
حتى بالنسبة إلى الإذاعات المحلية الكثيرة المنتشرة في المدن الليبية، اكتفت بالاهتمام بالشأن المحلي، ومحاولة عدم المساس بخطوط معينة، خصوصاً في غرب البلاد، حيث تقع السلطة الفعلية في يد المسلحين. ويوضح الإعلامي الليبي، عبد العزيز الرواف: «نستطيع أن نقول، بكل ووضح، إن ليبيا حالياً من دون صحافة سواء رسمية أو خاصة».
ويقدر الغزالي عدد الإعلاميين الليبيين المشهورين، ممن اختاروا العمل انطلاقاً من قنوات ليبية لها مكاتب في القاهرة، بين 30 و40 صحافياً وإعلامياً. إلا أن المركز الليبي لحرية الصحافة يقول إن عدد الصحافيين الذين اختاروا الفرار من جحيم الاعتداءات، إلى المنافي، يصل إلى نحو 83 حالة منذ سنة 2014.
ويبدو أن أمل العودة للعمل من داخل ليبيا ما زال بعيداً، فقد قامت مجموعة من الإعلاميين الليبيين بتأسيس رابطة لهم في مصر الأسبوع الماضي، بهدف توحيد الجهود لوضع خطط ورؤى إعلامية وإنشاء آليات ووسائل تقنية تشكّل قاعدة بيانات انسيابية بين الإعلاميين. كما نقل إعلاميون آخرون عائلاتهم إلى مقرات أعمالهم الجديدة في المنافي.
وتستطيع اليوم أن تتأسى لحال الصحافة والإعلام في ليبيا، فقد مرّت التجربة طوال قرن ونصف القرن بعدة محطات ناجحة، أعقبتها انتكاسات كبيرة. ويقول الإعلامي الليبي عبد العزيز الرواف: «من يريد أن يتحدث عن الصحافة في ليبيا، يجب أن يتطرق إلى أكثر من فترة». ويضيف أن «الفترة الأولى كانت مع بداية ظهور الصحافة في ليبيا، وهي تعود إلى منتصف القرن التاسع عشر، عندما كانت ليبيا ولاية عثمانية. وشهدت هذه الفترة صدور صحيفة (طرابلس الغرب) عام 1866، وصحيفة (الترقي) عام 1897».
أما الفترة الثانية، فبدأت مع الاستعمار الإيطالي لليبيا، حيث ظهرت وقتذاك صحف حاولت أن تدعم جهود الليبيين في التخلص من الاستعمار، منها مجلة «ليبيا المصورة» عام 1935. أما الفترة الثالثة فهي مرحلة الاستقرار والنهضة الإعلامية للصحافة الليبية. واستمرت هذه الفترة نحو 17 عاماً من حكم الملك إدريس السنوسي. ويقول الرواف: «في فترة حكم الملك هذه، غاب مقص الرقيب بشكل كبير، وجرى إطلاق العنان لحرية الفكر والإبداع، حيث وصل عدد المطبوعات الليبية في تلك السنوات إلى أكثر من 35 صحيفة ومجلة يومية وأسبوعية».
وبعد ذلك جاء حكم القذافي في سنة 1969. ويصف الرواف هذه الفترة بأنها فترة كساد للصحافة الليبية، فلم توجد بها أي صحيفة خاصة، بل كلها مملوكة للدولة ومؤدلجة بالفكر السياسي، ومؤيدة لنمط الحكم على طول الخط، ولم تعد توجد على الساحة سوى بضعة صحف فقيرة المحتوى... ومع هذا نذكر أنه بداية من عام 2007 ظهرت محاولات مع تيار ليبيا الغد لنشر صحف ومطبوعات تتمتع بهامش ما للحرية، غير أنها سرعان ما اختفت من ساحة الإعلام الليبي.
وفي ما يتعلق بمرحلة ما بعد 2011، يوضح الرواف قائلاً: «نستطيع أن نقول إنه حدثت فيها طفرة مطبوعات وإذاعات وقنوات خاصة ملأت الفضاء الليبي، حتى إن الصحف وصلت إلى 100 صحيفة يومية وأسبوعية، غير أن هذه الطفرة بدأت في التلاشي منذ عام 2013، حين بدأت قبضة الإرهاب بالتغول في المشهد الليبي، واختفت كل هذه الصحف والمطبوعات، ولجأت قلة من الصحافيين إلى النشر الإلكتروني من خلال مواقع إخبارية ليبية، أغلبها من خارج ليبيا».
ومن بين الصحف الورقية اليومية التي كانت تصدر في عهد القذافي: «الزحف الأخضر»، و«الشمس» و«الجماهيرية»... وجرى بعد 2011 استخدام المطابع والبنية التحتية لكل هذه الصحف في استحداث تجارب جديدة، لكنّ هذا لم يستمر. ويقول الغزالي: «لم يعد في الإمكان إصدار صحف ورقية من داخل ليبيا. يتم التنكيل بك والقبض عليك فوراً. الصحافي مطارد أكثر من أي أحد آخر. حتى بالنسبة إلى من تحولوا للتدوين على مواقع الإنترنت... إذا كتبت باسمك الحقيقي أي انتقادات يتم القبض عليك أو تغييبك. أي شخص يهاجم الميليشيات ضروري يتم اعتقاله أو تغييبه».
وتراجعت ليبيا في التصنيف العالمي لحرية الصحافة لسنة 2018 إلى المركز 162 من أصل 180 بلداً، وفقاً لما ذكره «المركز الليبي لحرية الصحافة»، قائلاً أيضاً إنه جرى تسجيل 46 اعتداءً جسيماً بحق الصحافيين في 2017 في 16 مدينة، وهو «رقم يمثل جزءاً قليلاً من الاعتداءات والجرائم التي يعيشها الصحافيون بشكل يومي». ويضيف أن حوادث العنف ضد الصحافيين تتم بدوافع سياسية في أغلبها، بالإضافة إلى فرض القيود على الوصول للمعلومات والضغوط المتزايدة في غرف الأخبار.
- أبرز القنوات التلفزيونية الليبية
تمتلك حكومة الوفاق المدعومة دولياً، قناتين تلفزيونيتين، هما «الوطنية» و«الرسمية»، ولهما مكاتب في غرب ليبيا.
وهناك قناة «النبأ» المملوكة لقيادي في الجماعة الليبية المقاتلة، المرتبطة بتنظيم القاعدة، بالإضافة إلى قناة «التناصح» التي تتبع دار الإفتاء الليبية، ومتهمة ببث خطاب يدعو للكراهية والعنف.
وتبث كل من «النبأ» و«التناصح» من خارج ليبيا، مثلهما مثل قنوات «ليبيا 24»، و«ليبيا الأحرار»، و«الوطن»، و«قناة 218» العادية، و«218 نيوز»، و«قناة ليبيا روحها الوطن». وكلها تتبع القطاع الخاص.
أما في شرق ليبيا، حيث توجد مقرات للحكومة المؤقتة المنافسة لحكومة الوفاق، فتوجد قناتان، واحدة موالية للجيش الذي يقوده المشير خليفة حفتر، وتحمل اسم «ليبيا الحدث»، وتبث من بنغازي، وأخرى تتلقى الدعم من الحكومة المؤقتة بمدينة البيضاء، اسمها «قناة ليبيا»، لكنها ضعيفة، لأسباب تتعلق بالموارد المالية. وثالثة تحمل اسم «المستقبل» موالية للبرلمان الذي يعقد جلساته في بلدة طبرق. ومن الطريف أن قناة الدولة الرسمية في عهد القذافي، المعروفة باسم «الجماهيرية»، ما زالت تعمل، لكن من خارج ليبيا، وتبث برامج وأخباراً ودعاية مؤيدة للنظام السابق.
وعلى العموم ظهر منذ عام 2011 العديد من المسميات الإعلامية واختفت، لأسباب سياسية أو مالية. فإحدى أشهر القنوات التي كانت تبث من مدينة بني وليد، في الفترة من 2012 إلى 2015، ومؤيدة للنظام السابق، من داخل ليبيا، أغلقت أبوابها بعد أن عجزت عن سداد رواتب العاملين فيها. بينما تعرضت قنوات أخرى في طرابلس للضرب بالقذائف الصاروخية، بسبب معارضتها لحكم الميليشيات.
إذاعة «سرت»...
- من القذافي إلى «داعش»
في أيامه الأخيرة اعتمد الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي على إذاعة «سرت» المحلية في إدارة المعركة، قبل أن يتعرض موكبه للقصف. وتوجد تسجيلات نادرة في أرشيف تابع لأنصار الرئيس الليبي السابق، يظهر فيها صوته وهو يوجه نداءات لمقاتلين موالين له يتمركزون حول مقر إقامته في المدينة.
وفي أحد التسجيلات كان يحث المقاتلين على عدم هدر الذخيرة، للصمود أطول فترة ممكنة أمام الحصار الذي ضربه من حوله المنتفضون المسلحون المدعومون من الناتو.
ومن المواقف المثيرة للانتباه أن إذاعة «سرت» على سبيل المثال ورثها، لبعض الوقت، تنظيم «داعش» حين احتل المدينة في عامي 2015 و2016. وحوّلها إلى منبر دعائي لمنظّريه القادمين من مكتب زعيم التنظيم بالعراق أبو بكر البغدادي. وكان من ضيوف الإذاعة الدائمين، تركي البنعلي، القاضي الشرعي العام لدى «داعش».



قطاع الإعلام العربي يواجه ضغوطاً جديدة

عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
TT

قطاع الإعلام العربي يواجه ضغوطاً جديدة

عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)

نظَّم «اتحاد إذاعات الدول العربية»، في تونس أخيراً، وبحضور عشرات من كوادره ومن الإعلاميين والخبراء العرب، تظاهرة غير تقليدية للاحتفاء بإصدار كتاب جديد عن التحديات الجديدة التي تواجه «الميديا العربية» في عصر هيمنة الرقمنة والمواقع الاجتماعية والذكاء الاصطناعي.

وصرّح المهندس عبد الرحيم سليمان، مدير عام الاتحاد، بالمناسبة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» بأن الكتاب الذي ألفه وأصدره عبد الحفيظ الهرقام، المدير العام السابق لـ«اتحاد إذاعات الدول العربية»، والمدير العام الأسبق لمؤسسة الإذاعة والتلفزيون التونسي، «جاء ليؤكد أهمية التحوّلات الرقمية وانعكاساتها على المتغيرات في ملامح المشهد الإعلامي العالمي والعربي».

وفي السياق نفسه، رأى عدد من الخبراء والإعلاميين العرب أن الكتاب، وعنوانه «الميديا العربية: بين الهيمنة الرقمية وسؤال المعنى» بمثابة «الشهادة الفكرية والمهنية على مرحلة مفصلية يعيشها الإعلام العربي اليوم». وصرح المؤلف لـ«الشرق الأوسط»، في لقاء معه، بأن كتابه «لا يندرج ضمن الكتب الأكاديمية البحتة، ولا يكتفي بسرد التجارب المهنية، بل يمثّل محاولة جادّة لفهم التحوّلات الكبرى التي أعادت رسم علاقة الإنسان بالإعلام، وغيّرت طبيعة السلطة الرمزية التي كانت تمارسها المؤسسات الإعلامية لعقود طويلة».

المهندس عبد الرحيم سليمان (الشرق الأوسط)

خبرة ميدانية

وحقاً، رأى عدد من الخبراء في تظاهرة «اتحاد إذاعات الدول العربية» أن كتاب الهرقام يأتي محمّلاًً بخبرة ميدانية ممتدة لسنوات طويلة داخل مؤسسات عربية كبرى... إذ واكب المؤلف عن قرب تحوّلات القطاع السمعي البصري، وتقلّباته المهنية والتنظيمية، والتحديات التي واجهت الإعلام التقليدي في زمن الانتقال الرقمي.

غير أنّ أهمية هذا العمل، وفق كثيرين، لا تكمن فقط في كونه شهادة من داخل المهنة، بل أيضاً في كونه قراءة نقدية معمّقة لواقع الإعلام العربي لدى وقوفه عند مفترق طرق حاسم: بين إرث ثقيل من التجارب التقليدية، وضغوط متزايدة تفرضها الثورة الرقمية، وبين دور قديم قائم على نقل الخبر، ودور جديد يتعلّق بصناعة المعنى وتشكيل الوعي.

من سؤال مهني إلى مشروع فكري

كتاب عبد الحفيظ الهرقام، يجسّد في الحقيقة تجربة مهنية ثرية امتدت لما يقارب من 15 سنة في قلب مؤسسات الإعلام العربي، حيث احتكّ المؤلف يومياً بإشكاليات الإدارة والإنتاج والبث. وشهد عن قرب تحوّلات البنية الإعلامية في المنطقة. وكانت فكرة هذا العمل قد انطلقت من سؤال مهني يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه عميق في دلالاته: هل من الأفضل الإبقاء على الإذاعة والتلفزيون ضمن مؤسسة واحدة أم الفصل بينهما؟

هذا التساؤل، الذي طُرح في سياق نقاش مهني، فتح أمام المؤلف أفقاً أوسع للتفكير في قضايا بنيوية تتجاوز التنظيم الإداري لتُلامس جوهر التحوّل الذي يعيشه الإعلام العربي. ومع مرور الوقت، تحوّل السؤال مشروعاً فكرياً متكاملاً يسعى إلى فهم موقع الإعلام العربي في عالم يتغيّر بسرعة، وإلى تحليل طبيعة التحديات التي تهدد مكانتها ودورها.

غلاف الكتاب (الشرق الأوسط)

الإعلام تحت ضغط الهيمنة الرقمية

أبرز ما يطرحه الكتاب، حسب مقدمته «تشخيص لحالة الإعلام العربي في ظل هيمنة المنصّات الرقمية العالمية، التي لم تعُد مجرّد وسائط لنشر المحتوى، بل تحوّلت قوى اقتصادية وثقافية كبرى تتحكّم في طرق الإنتاج والتوزيع وأنماط الاستهلاك».

وفعلاً، غيّرت هذه المنصّات قواعد اللعبة بالكامل. إذ تراجعت مكانة الوسائل التقليدية مثل الإذاعة والتلفزيون والصحافة المطبوعة، وتحوّلت المنافسة سباقاً غير متكافئ بين مؤسسات إعلامية وطنية محدودة الموارد وشركات تكنولوجية عملاقة تمتلك الخوارزميات والبيانات ورؤوس الأموال الضخمة.

بيد أن التحدّي، كما يلفت المؤلف الانتباه، لا يقتصر على الجانب الاقتصادي أو التكنولوجي، بل بات يمتدّ إلى عمق المسألة الثقافية والمعرفية. وحين تنتقل السيطرة من غُرف التحرير إلى الخوارزميات، ومن الصحافي إلى المنصّة، يغدو السؤال الأهم: مَن يملك اليوم سلطة تعريف الواقع؟ ومَن يقرّر ما يُرى وما يُهمَل؟ ومَن يصوغ الروايات التي تشكّل وعي الجمهور؟

«سوق المعنى»... المعركة الجديدة

من أبرز المفاهيم التي يقدّمها الكتاب مفهوم «سوق المعنى»، حيث لم يعُد الصراع الإعلامي مقتصراً على نقل الخبر أو تحقيق السبق الصحافي، بل بات صراعاً حول تفسير الواقع وصياغة السرديات الكبرى. ففي الفضاء الاتصالي المعَولم، تتداخل السياسة بالإعلام، وتتقاطع المصالح الاقتصادية مع الخطابات الآيديولوجية، وتتنافس الروايات على كسب ثقة الجمهور. وفي هذا السياق، ما عادت قيمة المحتوى تُقاس بعمقه أو دقته، بل بعدد المشاهدات والتفاعلات؛ ما أدى إلى صعود أنماط جديدة من الخطاب السريع والسطحي في كثير من الأحيان، مقابل تراجع التحليل الرصين والمعالجة المهنية المتأنية.

وهذا التحوّل، الذي يبدو تقنياً في ظاهره، يخفي في جوهره أزمة معنى حقيقية. إذ يصبح الإعلام مهدّداً بفقدان دوره الثقافي والتنويري، ويتحوّل مجرّد وسيط في سوق ضخمة تحكمها قوانين الانتشار والربح والتأثير اللحظي.

تحوّل جذري

في صناعة الخبر

من جهة أخرى، يلفت الكتاب الانتباه إلى تحوّل عميق في بنية الإعلام، يتمثّل في انتقال مركز إنتاج المعنى من المؤسسات إلى الأفراد. فمع صعود وسائل التواصل الاجتماعي، لم يعُد الجمهور متلقياً سلبياً، بل صار فاعلاً مشاركاً في صناعة المحتوى وتداوله. وفتح هذا التحوّل مساحات جديدة للتعبير وكشف الحقائق، وبرزت ظاهرة «المواطن الصحافي» بوصفها عنصراً مؤثراً في المشهد الإعلامي. لكن هذا التحوّل حمل، في المقابل، مخاطر كبيرة، من بينها انتشار الأخبار الزائفة، وتضخّم الخطاب الانفعالي، وتراجع المعايير المهنية.

كتاب جديد لاتحاد إذاعات الدول العربية يدعو إلى مراجعة الأولويات

وهنا يطرح المؤلف سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن للمؤسّسات الإعلامية أن تحافظ على دورها ومصداقيتها في عالم لم تعد فيه المصدر الوحيد للمعلومة؟

دعوة إلى إعلام منتج للمعنى

في قلب هذا العمل يدعو عبد الحفيظ الهرقام إلى «ضرورة إعادة تعريف دور الميديا العربية، بحيث لا تظلّ فاعلاً تابعاً في النظام الإعلامي العالمي، بل تتحوّل فاعلاً منتجاً للمعنى، قادراً على الدفاع عن خصوصيته الثقافية وصياغة خطابه الخاص». ويتطلّب ذلك، في نظره، جملة من الشروط الأساسية، من بينها تعزيز الاستقلالية التحريرية، وتطوير الكفاءات المهنية، والاستثمار في التربية الإعلامية، ومدّ جسور التعاون بين الجامعات ومؤسّسات الإعلام كي لا تبقى المعرفة النظرية منفصلة عن الواقع العملي.

أسئلة وأجوبةً

ختاماً، لا يدّعي هذا الكتاب تقديم حلول جاهزة بقدر ما يسعى إلى إثارة الأسئلة الكبرى التي تفرضها المرحلة الراهنة. فهو محاولة جادة لقراءة واقع الإعلام العربي في «زمن ما بعد الحقيقة»، حيث تتراجع الثقة في المصادر التقليدية، وتتضخّم سلطة الصورة، وتتزاحم الروايات على تشكيل الإدراك العام.

ومن خلال هذا الجهد الفكري، يطرح الهرقام سؤالاً مركزياً يظلّ مفتوحاً أمام المهنيين والباحثين وصنّاع القرار: كيف يمكن للإعلام العربي أن يستعيد دوره الثقافي والتنويري في عالم تهيمن عليه السرعة والربح والتأثير اللحظي؟ وكيف يستطيع أن يظلّ وفياً لمهمته الأساسية في البحث عن الحقيقة وبناء الوعي؟


زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

شعار "سناب تشات" (رويترز)
شعار "سناب تشات" (رويترز)
TT

زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

شعار "سناب تشات" (رويترز)
شعار "سناب تشات" (رويترز)

أعلن تطبيق «سناب تشات» تصاعد خدمة الاشتراكات المدفوعة، بعد تجاوز عدد مشتركيه 25 مليوناً حتى فبراير (شباط) الحالي، ما يشير إلى أن جزءاً معتبراً من جمهور المنصة «بات أكثر تقبلاً لفكرة الدفع مقابل الخدمات». ويرى مراقبون أن «هذا التحول قد يمثل فرصة لصُناع الأخبار، إذ نجحوا في تقديم محتوى يُغازل أسلوب المنصة واحتياجات جمهورها، بما يفتح المجال أمام نماذج إيراد تتجاوز الاعتماد التقليدي على الإعلانات».

كانت شركة «سناب» الأميركية، المالكة لتطبيق «سناب تشات» قد أشارت إلى أن أعمالها في مجال الإيرادات المباشرة حققت معدل إيراد سنوي قدره مليار دولار، حسب ما ورد في تقرير نشرته «رويترز» أخيراً. وأرجعت السبب إلى النمو المتسارع لخدمة الاشتراك المدفوع، وذلك في إطار مساعي الشركة لتنويع مصادر دخلها بعيداً عن الإعلانات. وتصنّف خدمة «الاشتراكات المدفوعة» من تطبيق «سناب تشات» أنها من أسرع خدمات الاشتراك الاستهلاكي نمواً عالمياً منذ إطلاقها أواخر 2022، مع نمو في عدد المشتركين كل ربع سنة، وفقاً لإفادة صدرت من الشركة.

خبراء التقتهم «الشرق الأوسط» رأوا أن الفرصة سانحة الآن لخدمات إخبارية «مستحدثة» تلبي احتياجات جمهور التطبيق الذي لا يمانع الدفع مقابل الحصول على خدمات معتبرة.

إذ قال محمد عاطف، الباحث المتخصص في الإعلام الرقمي، إن ما نشهده لا يعكس استعداداً للدفع مقابل الأخبار بصورتها التقليدية، بقدر ما يعكس استعداداً للدفع مقابل «تجربة رقمية مبتكرة». وأوضح أن «نجاح الاشتراكات في سناب تشات قائم على تقديم ميزات لها طابع شخصي وحصري، يعزّز شعور المستخدم بالانتماء والتميز، بالإضافة إلى تسعير منخفض يشجع على الدفع كعادة يومية».

وأردف عاطف أن «الجمهور الشاب لا ينظر إلى الأخبار كمنتج مدفوع، بل كخدمة متاحة دائماً، لكنه مستعد للدفع عندما يشعر أن الخدمة تضيف قيمة لحياته أو تسهل تفاعله مع العالم الرقمي». ويشير إلى أن الشباب العربي تحديداً بات هاضماً لثقافة الدفع مقابل خدمات رقمية.

وتابع أنه لا يمانع حضور «سناب تشات» كجزء من منظومة الإيرادات الخاصة بمؤسسات الأخبار، لكنه استدرك فقال: «لا يمكن أن يلعب سناب تشات دور منصة نشر تقليدية، بل قد يكون قناة توزيع واستحواذ على جمهور جديد لا يصل إلى المواقع الإخبارية عادة». ومن ثم، اقترح نماذج لاستغلال أدوات «سناب تشات»، قائلاً: «لدى التطبيق أدوات مثل سناب ماب Snap Map وديسكفر Discover التي تعد فرصاً للأخبار عبر تقديم سرد بصري سريع ومبتكر يشرح الأحداث بلغة مبسطة تتناسب مع سلوك المستخدمين داخل المنصة».

وأضاف: «الجمهور هناك لا يبحث عن الخبر العاجل، بل يفضل محتوى يفسر ويحلل ما يحدث بشكل يسهل الاندماج في يومه، وهذا يفتح فرصة واسعة للمؤسسات الإعلامية لتقديم محتوى تفسيري وتفاعلي، يمزج بين المتعة والسرعة والمعرفة».

وكان الرئيس التنفيذي لشركة «سناب»، إيفان شبيغل، قد أعلن أن «سناب» ستطلق ميزة اشتراك جديدة تتيح لصناع المحتوى تحقيق دخل متكرّر مباشرة من أكثر متابعيهم ولاءً، على أن يبدأ اختبارها في 23 فبراير (شباط) الحالي عبر مجموعة محدودة من منشئي المحتوى في الولايات المتحدة، وفق ما أوردت «رويترز» أخيراً.

أما مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات وسائل التواصل الاجتماعي، فيرى أن «الأخبار لا تزال غير حاضرة على سناب تشات... وهناك عدة أسباب لغيابها عن هذه المنصة الترفيهية، أبرزها أن الفئة العمرية الكبرى المستخدمة للتطبيق هي فئة عمرية صغيرة، إذ يشكل عمر ما بين 13 إلى 25 سنة نحو 60 في المائة من المستخدمين، وهذه الفئة إجمالاً ليس لديها اهتمام بمتابعة الأخبار العالمية أو حتى المحلية».

وأردف: «وسبب آخر هو أن غالبية المحتوى على المنصة على طريقة المؤثرين، أي يوميات مشاهير، وليست محتوى خبرياً حتى وإن كانت على طريقة صناع المحتوى، ومن ثم تغيير هذه الاهتمامات لدى جمهور سناب تشات يحتاج لأفكار شديدة الابتكار».

وأشار كيالي إلى أن «صُناع الأخبار يواجهون ميول المنصة نفسها، التي ليست لديها توجهات لدعم المحتوى الإخباري، وأظن أن المشكلة بشكل أساسي بسبب تعقيدات التعاون ومشاركة الأرباح مع الناشرين». وعدّ حضور منصات الأخبار مرهوناً بنوعية الأخبار الملاءمة لجمهور المنصة، وكذلك القوالب، و«يمكن للمؤسسات الإخبارية أن تكون موجودة من خلال الأخبار الخفيفة المتعلقة بالمشاهير أو الموضة والجمال، ومن خلال قوالب تناسب المنصة وجمهورها».


استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
TT

استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)

أعرب مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لشركة ميتا، الأربعاء، عن أسفه لتأخر الشركة في تحديد المستخدمين القُصّر على إنستغرام، وذلك خلال جلسة محاكمة تاريخية تتعلق بالشبكات الاجتماعية واجه فيها الملياردير الأميركي انتقادات لاذعة.

وعندما طُلب منه التعليق على شكاوى من داخل الشركة تفيد بعدم بذل ما يكفي من الجهد للتحقق من عدم استخدام الأطفال دون سن 13 عاماً للمنصة، قال زوكربيرغ البالغ 41 عاما والذي يملك أيضا فيسبوك وواتساب، إن تحسينات قد أُدخلت.

وأضاف «لكنني أتمنى دائما لو كنا وصلنا إلى هذه المرحلة في وقت أقرب».

أولياء أمور أكدوا يوم المحاكمة أنهم فقدوا أطفالهم بسبب وسائل التواصل الاجتماعي (رويترز)

وكان زوكربيرغ الشاهد الأكثر ترقبا في محاكمة كاليفورنيا، وهي الأولى ضمن سلسلة دعاوى قضائية رفعتها عائلات أميركية ضد منصات التواصل الاجتماعي.

وهذه هي المرة الأولى التي يتحدث فيها الملياردير عن اجراءات الأمان على منصاته العالمية مباشرة وأمام هيئة محلفين وتحت القسم.

وكان زوكربيرغ، بحسب وكالة الصحافة الفرنسية، متحفظا للغاية في البداية، لكن سرعان ما بدا عليه التوتر وأخذ يهز برأسه ويحرك يديه وهو يلتفت نحو هيئة المحلفين.

وضغط مارك لانيير، محامي المدعية، على زوكربيرغ بشأن اجراءات التحقق من العمر على التطبيقات.

لكن خلال استجوابه من قبل محاميه، بدا زوكربيرغ أكثر ارتياحا ووصف الوقت الذي يتم قضاؤه على التطبيق بأنه «عارض جانبي» لتجربة استخدام مميزة، وكثيرا ما خاطب المحلفين مباشرة لتأكيد وجهة نظره.

كما أكد على اعتقاده بأنه يجب على شركتي آبل وغوغل اللتين تقفان وراء أنظمة تشغيل الهواتف، تفعيل ميزة التحقق من العمر على مستوى الهاتف نفسه بدلا من تركه لكل تطبيق على حدة.

وأضاف «سيكون الأمر سهلا للغاية بالنسبة لهما».

أدلة تم تقديمها في دعوى مدنية ضد شركة ميتا خلال جلسة استماع في محكمة مقاطعة لوس أنجلوس العليا بوسط لوس أنجليس (إ.ب.أ)

وواجه زوكربيرغ سيلا من رسائل البريد الإلكتروني الداخلية، بما في ذلك تحذيرات من موظفيه بأن التحقق من العمر غير مناسب ورسائل أخرى يستشف منها أن قضاء المزيد من الوقت على انستغرام كان هدفا رئيسيا للشركة منذ فترة طويلة.

ومن المقرر أن تستمر المحاكمة حتى أواخر مارس (آذار)، حيث ستقرر هيئة المحلفين ما إذا كانت ميتا، بالإضافة إلى يوتيوب المملوكة لشركة غوغل، تتحملان مسؤولية المشاكل النفسية التي عانت منها كايلي جي. ام، وهي شابة تبلغ 20 عاما من سكان كاليفورنيا تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة منذ طفولتها.

وبدأت كايلي استخدام يوتيوب في سن السادسة وانستغرام في التاسعة ثم تيك توك وسناب شات.

ولا يُسمح لمن هم دون 13 عاما باستخدام انستغرام، وقد شدد لانيير في اسئلته لزوكربيرغ على سهولة فتح كايلي لحساب على المنصة.

وتمت مواجهة زوكربيرغ بوثيقة داخلية تقول إن انستغرام كان يملك أربعة ملايين مستخدم تحت سن 13 عاما في عام 2015، وهي الفترة التي استخدمت فيها المدعية التطبيق، وأن 30 في المائة من جميع الأطفال الذين تراوح أعمارهم بين 10 و 12 عاما أو «المراهقين» في الولايات المتحدة، كانوا مستخدمين.

وأكد زوكربيرغ «نحن في المكان المناسب الآن» عندما يتعلق الأمر بالتحقق من العمر.

ومن المتوقع أن تضع هذه القضية معيارا لحل آلاف الدعاوى القضائية التي تلقي باللوم على وسائل التواصل الاجتماعي في انتشار الاكتئاب والقلق واضطرابات الأكل والانتحار بين الشباب.

وتوصلت شركتا «تيك توك» و«سناب تشات» لتسوية مع المدعية قبل بدء المحاكمة.