لازار... اللغوي الفرنسي العاشق للشعر الفارسي

رحل في باريس عن 98 عاماً

لازار... اللغوي الفرنسي العاشق للشعر الفارسي
TT

لازار... اللغوي الفرنسي العاشق للشعر الفارسي

لازار... اللغوي الفرنسي العاشق للشعر الفارسي

كانت تروق لغيلبر لازار – عالم اللغويات الفرنسي الراحل – مقولة يرددها: «لكل رجل ثلاثة منازل، أحدهما القرية أو المدينة التي تشهد ميلاده، والثاني هو الموئل الذي يبلغ فيه مصيره، أما المنزل الأخير والأصدق فيهم فهو الشعر».
وكان لازار، الذي وافته المنية قبل يومين عن عمر يناهز 98 عاما، باريسيا بالميلاد، وفرنسيا بالمواطنة، بينما احتل الشعر الفارسي المنزل الثالث في حياته، وكانت أولى رحلاته إليه عبر ترجمة دقيقة إلى حد كبير لرباعيات الشاعر الفارسي الكبير عمر الخيام.
في سنين ما بعد الحرب الكبرى كان لازار يبحث عن مستقبل مفعم بالإثارة والتشويق، ولم يكن يدرك أنه سوف يعثر عليه لاحقا فيما سماه «الماضي الفارسي». وفي ذلك الوقت، كانت المنح الدراسية الأوروبية المعنية بدراسات اللغويات والآداب منقسمة إلى مجالين رئيسيين: الدراسات الفلهيلينية (أو الولع بالماضي الإغريقي العتيق)، والدراسات الفارسيفيلية (أو الولع بالماضي الفارسي العتيق). وتخير لازار الانحياز للمعسكر الفارسي، وهي حالة التعاطف والشغف التي سرعان ما تعززت بعدد من الصداقات الشخصية التي عقدها الشاعر الفرنسي مع بعض الشخصيات الإيرانية ومن بينهم صادق هدايت، الذي يعد من أبرز مؤسسي وواضعي أصول الرواية الفارسية الحديثة، والذي التقاه لازار في منفاه الاختياري بالعاصمة الفرنسية باريس. ومن جملة أصدقائه الإيرانيين الآخرين نجد العالم شاهد نورائي، وفريدون هويدا، الذي تولى، لاحقاً، منصبا دبلوماسيا رفيعا لدى حكومة الشاه.
وبحلول خمسينات القرن العشرين، تبوأت الدراسات الفارسيفيلية مكانا بارزا واستجمعت قوة كبيرة ضمن الأوساط الأدبية والأكاديمية الفرنسية. وكان هناك عالم الآثار روسي الأصل رومان غيرشمان، الذي كرس حياته لدراسة التاريخ الإيراني ما قبل الإسلام عبر عدد من المشروعات البحثية الميدانية. وكان هناك أيضا العالم اللغوي سوري المولد إميل (والمولود باسم عزرا) بن فنيست، الذي يعد من أكبر الخبراء في عائلة اللغات الهندية الإيرانية بين أبناء جيله. ونجد أيضا تشارلز هنري دي فوشكور، الذي لعب دورا حاسما في صياغة ما أصبح لاحقا «علم اللغويات الحديث» مع التركيز الكبير على عائلة اللغات الهندية الأوروبية.
وكانت تجمع أنصار الدراسات الفارسيفيلية الفرنسيين حالة من المنافسة الشديدة مع أقرانهم البريطانيين الذين انتظموا أكاديميا ضمن أروقة كلية الدراسات الشرقية والأفريقية في لندن. وكان هناك، برغم ذلك، فارق مهم وكبير بين الجماعتين. فقد كان البريطانيون يرون إيران، وكل ما هو منسوب إلى الفارسية، بأنه من بقايا الماضي السحيق، ولا يعدو كونه حفنة من الآثار المهيبة منبتة الصلة بالواقع الحديث. وكان الفرنسيون، من جهة أخرى، قد عدوا العلوم الإيرانية من المجالات العلمية الحية التي تتمتع بقدر فائض من الحيوية يربط الماضي بالحاضر ويصلهما معا بالمستقبل. وكانت تلك القناعة الراسخة هي التي حالت دون أن يكبح لازار جماح نفسه وتطلعاته عن ترجمة الشعراء الفرس القدامى، وعلى رأسهم يأتي أبو جعفر الرودكي وعمر الخيام. كما كرس لازار جهوده أيضا لترجمة الآداب الفارسية الحديثة، ومن أبرز أعماله في ذلك ترجمة روايتين للقصاص فريدون هويدا، كانت الأولى ساخرة تحمل عنوان «الحاج أقا»، والثانية سريالية تحت مسمى «ثلاث قطرات من الدماء».
يتألف الرافد الإيراني من عائلة اللغات الهندية الأوروبية من 18 لغة مختلفة، حكم الزمان على بعضها بالأفول والانقراض، مثل اللغة البارثية أو الفرثية، واللغة التاتية التي تلاشت من الوجود. وقد كُتبت النجاة للغات أخرى مثل اللغة الصغدية التي لا تزال منطوقة في بعض جبال أواسط آسيا النائية وفي إقليم سنجان (شينغيانغ) الصيني حاليا. وهناك لغات أخرى، كمثل اللغة الفارسية الحديثة، واللغة الكردية ذات اللهجات الثلاث مع فروقات لغوية طفيفة، واللغة البشتونية، والبلوشية، والأوسيتية، والتاليشية، والتي نجت جميعها من الانقراض اللغوي، بل وشهد بعضها قدرا معقولا من الازدهار بما يجاوز ما توقعه المرء قبل قرن من الزمان.
وكان لازار يعيش موطن هذه اللغات كلها تقريبا عبر ما يقرضه أو يترجمه أو يطلع عليه من آداب وأشعار. وكان جل اهتمامه منصبا على محاولة سبر أغوار الماضي والدور الذي يمكن أن يلعبه في حاضر الحياة. وكانت تلك الهمة والروح العالية هي ما مكنته من الاضطلاع بالمهمة البطولية الكبرى في دراسة الأصول الشعرية في اللغة البارثية التي انقرضت تماما وانمحى كل أصل لها قبل 1500 عام تقريبا. ويمكن للمرء تصور المفاجآت المذهلة التي اعترت بعض الشعراء الإيرانيين عندما خرج عليهم غيلبر لازار بالأصول الشعرية البارثية التي أثرت بطريقة من الطرق على مذاق الشعر العربي والشعر الفارسي لحقبة ما بعد الإسلام.
وبصفته أستاذا للدراسات الإيرانية في جامعة السوربون الفرنسية المرموقة، عمل لازار عبر ما يربو على عقدين من الزمان، على المساعدة في تدريب جيلين من علماء الدراسات الإيرانية من كافة أرجاء المعمورة. واعتبارا من ستينات القرن الماضي فصاعدا، جذبت محاضراته أيضا الكثير من طلبة العلم من إيران نفسها، وأفغانستان، وجمهوريات آسيا الوسطى السوفياتية، والتي كانت اللغات ذات الأصول الإيرانية حاضرة فيها بقوة.
وأمضى لازار، الذي لم تكن تهدأ غائلته العلمية بالمحاضرات المغلقة ولا الأوراق البحثية المنمقة، سنوات طويلة في صياغة القاموس الفرنسي الفارسي الثنائي والذي لا يزال يُعد مرجعا أصيلا للكثيرين من اللغويين الذين يعتبرونه من أكبر المساهمات في ذلك المجال. ومن بين مشروعات غيلبرت لازار الجسورة صياغته لمؤلف عن قواعد اللغة الفارسية، والذي امتدحه بعض من كبار علماء اللغويات في إيران، ولا سيما عبد العظيم قريب، بأنه من المنح الدراسية رفيعة الشأن عظيمة النفع.
ولم يكن لازار يحجم عن الدخول في أي جدال علمي قط. ولقد أرسى أركان الحوار حول أصول ما سماه علماء اللغة «الفارسية الحديثة»، بمعنى اللغة المنطوقة والمكتوبة والمقروءة في كل من إيران، وأفغانستان، وغير موضع من آسيا الوسطى، والقوقاز منذ القرن السابع الميلادي.
ومن أقدم القصائد المقروضة باللغة الفارسية، والتي يُعتقد بأنها من نظم الشاعر أبو الحفص الصغدي، تلك التي يرجع تاريخها إلى ما يقارب 1100 عام مضت، الأمر الذي يجعل من اللغة الفارسية المعاصرة واحدة من بين اثنتين من اللغات الهندية الأوروبية التي صيغت فيها النصوص قبل أحد عشر قرنا كاملة من الزمان ولا تزال قيد النطق والقراءة والكتابة للمتحدثين بها حتى يومنا الراهن. (واللغة الأخرى القرينة لها هي اللغة الأيسلندية).
ونظرا لأن الشاعر أبو الحفص الصغدي تتحدر أصوله من آسيا الوسطى، أو منطقة خراسان الكبرى، يعتقد بعض العلماء أن اللغة الفارسية الحديثة، والمعروفة لدى علماء اللغويات باسم اللغة البهلوية أو اللغة الفارسية الدارية، ترجع بأصولها إلى المنطقة الواقعة بين بحر قزوين والصين. وبرغم ذلك، يصر علماء آخرون على أن اللغة الفارسية الحديثة قد تشكلت معالمها ضمن حدود مقاطعة فارس الجنوبية الإيرانية والتي كانت معقل الإمبراطورية الساسانية القديمة.
وإثر ميله نحو النظرية الخراسانية، أمضى غيلبرت لازار سنوات من عمره المديد في إثبات أن اللغة الفارسية الحديثة لا تضرب بأصولها في جنوب إيران بل إلى الشمال الشرقي من الجمهورية الإيرانية الحالية.
وسنحت لي الفرص الطيبة بفضل الأصدقاء المشتركين، ولا سيما العالم البارز في الدراسات اللاهوتية مكسيم رودينسون، وكذلك فريدون هويدا، لأن ألتقي بالعالم الجليل غيلبرت لازار في غير مناسبة في سبعينات وثمانينات القرن الماضي. ومن بين التيمات المكررة التي حامت في أفق مناقشاتنا الودية اللطيفة كان مفهوم «الفارسية» التي كانت أول من صاغته عالمة الدراسات الإيرانية الألمانية آن ماري شيميل، ثم استخدمته في توصيف المنطقة الشاسعة التي تشهد الوجود الحي للنزعة الإيرانية، على اعتبار الآداب، والموسيقى، والمعمار، في العصر الحاضر، وتضرب بأصولها في تاريخ يعود لآلاف السنين.
واستمعنا ذات مرة للسيد غيلبرت لازار وهو يقول معلقا: «يروق لأصدقائنا الألمان دوما صياغة المفاهيم الجديدة في المجالات الجيوسياسية». أما بالنسبة لي، برغم ذلك، فإن الأدب لا حدود تقيده، ولا سيما اللغة الفارسية ذات الرسالة الشعرية ذات الصبغة العالمية.



«ناسا» تخصص 20 مليار دولار لبناء قاعدة قمرية… وتعلّق خطط محطتها المدارية

صاروخ نظام الإطلاق الفضائي التابع لـ«ناسا» لبعثة «أرتيميس 2» والمركبة الفضائية «أوريون» يظهران عند شروق الشمس في فلوريدا (أ.ف.ب)
صاروخ نظام الإطلاق الفضائي التابع لـ«ناسا» لبعثة «أرتيميس 2» والمركبة الفضائية «أوريون» يظهران عند شروق الشمس في فلوريدا (أ.ف.ب)
TT

«ناسا» تخصص 20 مليار دولار لبناء قاعدة قمرية… وتعلّق خطط محطتها المدارية

صاروخ نظام الإطلاق الفضائي التابع لـ«ناسا» لبعثة «أرتيميس 2» والمركبة الفضائية «أوريون» يظهران عند شروق الشمس في فلوريدا (أ.ف.ب)
صاروخ نظام الإطلاق الفضائي التابع لـ«ناسا» لبعثة «أرتيميس 2» والمركبة الفضائية «أوريون» يظهران عند شروق الشمس في فلوريدا (أ.ف.ب)

أعلن رئيس «ناسا»، اليوم الثلاثاء، أن وكالة الفضاء الأميركية ستستثمر 20 مليار دولار لتطوير قاعدة على سطح القمر، مع تعليق خططها لإنشاء محطتها المدارية القمرية المعروفة باسم «غايتواي».

وقال جاريد إيزاكمان في بيان أدلى به خلال فعالية استمرت ليوم كامل في مقر وكالة «ناسا» بواشنطن: «تعتزم الوكالة إيقاف مشروع (غايتواي) بشكله الحالي، والتركيز بدلاً من ذلك على البنية التحتية التي تُمكّن من استدامة العمليات على سطح القمر».

وأضاف: «على الرغم من التحديات التي تعترض عمل بعض المعدات الحالية، ستعيد الوكالة توظيف المعدات المناسبة وستستفيد من التزامات الشركاء الدوليين لدعم هذه الأهداف».

وكانت وكالة الفضاء الأوروبية، إلى جانب منظمات دولية أخرى، من بين الشركاء في مشروع «غايتواي».

يأتي هذا التغيير الأخير لخطط «ناسا» بعد تعديلات طرأت على برنامج «أرتيميس» الذي يهدف إلى إعادة رواد فضاء أميركيين إلى القمر، والتأسيس لوجود طويل الأمد هناك، تمهيداً لبعثات مستقبلية إلى المريخ.

وكان من المُفترض أن تكون محطة «غايتواي» المدارية القمرية بمثابة نقطة عبور لرواد الفضاء المتجهين إلى القمر، ومنصة للأبحاث.

لم يكن تعليق المبادرة مفاجئاً، إذ انتقدها البعض باعتبارها تهديداً للموارد أو تشتيتاً للانتباه عن طموحات أخرى متعلقة بالمهام إلى القمر.

وقال إيزاكمان إن «ناسا» تخطط حالياً لإنفاق 20 مليار دولار على مدى السنوات السبع المقبلة لبناء القاعدة القمرية عبر عشرات المهمات، «بالتعاون مع شركاء تجاريين ودوليين لوضع خطة مدروسة وقابلة للتنفيذ».

وأضاف: «سيكون هناك مسار تدريجي لبناء أول قاعدة دائمة للبشرية خارج كوكب الأرض، وسنأخذ العالم معنا في هذه الرحلة».

«أرتيميس 2»

أعلن إيزاكمان الذي تولى قيادة «ناسا» أواخر العام الماضي، على نحو مفاجئ قبل أقل من شهر، إعادة هيكلة برنامج «أرتيميس» الذي شهد تأجيلات متكررة في السنوات الأخيرة، وذلك بهدف ضمان عودة الأميركيين إلى سطح القمر بحلول عام 2028.

وأوضح إيزاكمان أن هذا الهدف لا يزال قائماً، لكن وكالة الفضاء الأميركية تُجري تعديلات على برنامج رحلاتها ليشمل مهمة تجريبية قبل الهبوط النهائي على سطح القمر، وذلك لتحسين «الخبرة العملية» في عمليات الإطلاق.

جاء هذا التعديل الاستراتيجي بعد تأجيلات متكررة لمهمة «أرتيميس 2» التي كان من المقرر إطلاقها في فبراير (شباط)، ولكنها باتت مرتقبة حالياً في أبريل (نيسان). وتهدف المهمة إلى تحقيق أول تحليق قريب من القمر منذ أكثر من نصف قرن.

خلال ولايته الأولى، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب رغبته في أن تطأ أقدام الأميركيين سطح القمر مجدداً.

وتواصل الصين المضي قدماً في خططها لأول مهمة مأهولة إلى القمر بحلول عام 2030 على أقصى تقدير.

ويعتمد الجهد الأميركي جزئياً على تقدم شركاء «ناسا» من القطاع الخاص.

وقد تعاقدت «ناسا» مع شركتي الفضاء «سبايس إكس» و«بلو أوريجين»، التابعتين للمليارديرين إيلون ماسك وجيف بيزوس، لتطوير مركبات الهبوط القمرية المستخدمة في برنامج «أرتيميس».


القاهرة تتحرك قضائياً ضد مقال «مسيء» لصحافي كويتي

بيان إعلامي يرفض الإساءة إلى مصر (الهيئة الوطنية للإعلام)
بيان إعلامي يرفض الإساءة إلى مصر (الهيئة الوطنية للإعلام)
TT

القاهرة تتحرك قضائياً ضد مقال «مسيء» لصحافي كويتي

بيان إعلامي يرفض الإساءة إلى مصر (الهيئة الوطنية للإعلام)
بيان إعلامي يرفض الإساءة إلى مصر (الهيئة الوطنية للإعلام)

أعلنت وزارة الدولة للإعلام في مصر التحرك قضائياً ضد مقال لكاتب كويتي تضمن «إساءات» لمصر، وأكدت الوزارة في بيان، الثلاثاء، أن المقال المنسوب للمدعو فؤاد الهاشم، الصحافي الكويتي، تضمن إساءات إلى مصر وشعبها والقيم الأخلاقية العربية، إضافة إلى ادعاءات تسيء إلى الجوانب الصحية والسياحية في مصر.

وعدّ البيان «وقوع هذا الشخص في مستنقع البذاءات التي استخدمها تجاه مصر وشعبها أمراً مرفوضاً، وانحطاطاً أخلاقياً قبل أن يكون سقوطاً مهنياً وإعلامياً، وهو تصرف لا يمكن التسامح معه أو الصمت إزاءه».

ووجهت الوزارة التحية للأصوات الكويتية ومن سائر دول الخليج العربية من إعلاميين ومثقفين ومسؤولين ومواطنين شرفاء، سارعوا لإدانة ما اقترفه ذلك الشخص تجاه مصر وشعبها، وعبروا عن المشاعر الوطنية والقومية الطبيعية والمتجذرة لدى الشعبين في مصر والكويت، وما تضمنته مقالاتهم وآراؤهم بما يربط البلدين الشقيقين عبر التاريخ القديم والحديث من روابط اجتماعية وسياسية وثقافية.

وأهاب البيان بالإعلاميين والمواطنين المصريين عدم الوقوع في فخ الخلط بين انحراف هذا الشخص عن كل القيم والأعراف والأخلاقيات، وبين الشعب الكويتي الشقيق المحب لمصر بقيادته ومواطنيه ونخبه الثقافية والإعلامية، والحريص دائماً على العلاقات الطيبة مع مصر وقيادتها وشعبها، وعدم الانسياق وراء الفتنة التي أرادها هذا الشخص المسيء فى هذا التوقيت تحديداً للوقيعة بين الشعبين، فكاتب المقال لا يمثل في نظرنا إلا نفسه، ونربأ بإعلام وشعب الكويت أن يكون معبّراً عنهم».

وقال السفير عزت سعد، المدير التنفيذي للمجلس المصر للشؤون الخارجية، إن «العلاقة بين مصر والكويت لن يؤثر فيها سلباً مثل هذه المقالات، لكن من المناسب الرد وتوضيح علاقتنا بالكويت»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الأغلبية الساحقة من أبناء الشعب الكويتي يقدرون دور مصر في بناء الكويت الحديثة ودورها في تحرير الكويت بداية التسعينات، ومن ثم يجب عدم الالتفات لمثل هذا الرجل الذي كتب كلاماً لا يستحق القراءة فضلاً عن الرد عليه».

ولفت سعد إلى أن إصدار بيان والتحرك قانوناً في مثل هذه المواقف أمر يعود لتقديرات وزارة الدولة للإعلام، مضيفاً: «في مناسبات سابقة كان هناك دائماً ذوو نفوس ضعيفة يكتبون مثل هذه الكلمات غير المسؤولة والتي تحتاج إلى دليل ملموس يدعمها، وهي صغائر لا تستحق الاهتمام».

وأعلنت الوزارة عن إجراءات تم اتخاذها تجاه الموضوع بالتنسيق بين وزارتي الخارجية في مصر والكويت، وإحالة الموضوع برمته إلى النائب العام في الكويت الشقيقة لاتخاذ ما يلزم قانوناً إزاءه، كما قام وزير الدولة للإعلام بمصر بالاتصال هاتفياً بوزير الإعلام بدولة الكويت، للتعبير عن الرفض التام لهذا المقال الذي نُشر في إصدار إعلامي كويتي، وهو تصرف غير مقبول، ويسيء للعلاقات الوطيدة بين البلدين، معرباً عن ثقته بأن الجانب الكويتي لن يتهاون إزاء هذا السلوك.

ويرى العميد الأسبق لكلية الإعلام جامعة القاهرة، الدكتور حسن عماد مكاوي، أن «المقال المسيء صدر عن شخص ليس له حيثية، وليس له ثقل في المجتمع الكويتي، فهو شخص بلا جنسية (بدون)، وهو كاتب صحافي غير معروف ومحدود القيمة، ولا يستحق الرد على ما قاله من تفاهات وعبث».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «العلاقات بين مصر والكويت أكبر من هذا الأمر، ومثل هذه الكتابات سواء صدرت عن شخص كويتي أو شخص مصري يجب ألا يُعتد بها؛ لأنها لا يمكن أن تؤثر في علاقات سياسية واقتصادية واجتماعية عبر عشرات السنين الماضية».

وفي الوقت نفسه، جدد وزير الدولة للإعلام خلال الاتصال الهاتفي التأكيد على دعم مصر حكومة وشعباً لدولة الكويت الشقيقة في مواجهة ما تتعرض له من اعتداءات إيرانية غير مبررة. وأكد البيان أنه يتم التنسيق حالياً بين وزارتي الخارجية فى مصر والكويت بشأن ما يمكن اتخاذه من إجراءات قضائية وفق القوانين الكويتية تجاه الشخص المذكور.

وجددت الوزارة عزمها وكل الجهات المصرية المختصة، على إخضاع أي تجاوزات تضر بالمصالح الوطنية، وتسيء للعلاقات مع الدول العربية الشقيقة، للقوانين واللوائح المصرية، وهو الأمر الذي تناشد الجهات المعنية في الدول العربية الشقيقة، القيام به تجاه المتجاوزين في حق مصر وشعبها والساعين إلى الإضرار بعلاقات دولهم الشقيقة معها، وذلك وفقاً لما تتيحه الأنظمة والقوانين في كل منها.

ووصفت المتخصصة في الإعلام والدعاية بجامعة القاهرة، الدكتورة سارة فوزي، البيان الصادر عن وزارة الدولة للإعلام في مصر بأنه «متوازن جداً»، وثمنت خطوات الوزارة في سرعة الرد على كل ما يتم نشره دولياً ومحلياً وما يتم تداوله من شائعات.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط»: «أهم ما يميز البيان التفرقة بين الآراء الفردية، والروابط القوية بين الكويت ومصر وغيرها من دول الخليج خصوصاً في وقت الأزمات والحروب».

ولفتت إلى أن «التحرك القضائي وتصعيد الأمر ضد أي شخص يتجاوز أمر مهم جداً، حتى لا نرى كتّاباً آخرين يحاولون التطاول على مصر»، وأكدت أنه «إلى جانب قوة مصر الناعمة يجب أن يعرف المتجاوزون أن مصر يمكنها أن تضرب بيد من حديد على المسيئين والمتجاوزين حتى لا يتكرر الأمر».

وأشارت سارة إلى حوادث عالمية كثيرة تم التحرك فيها قضائياً من قبل الدول ضد مقالات نشرت في دول أخرى تنال من هيبة الدولة المتضررة، وتسيء لها أو لأحد رموزها أو تطلق اتهامات جزافية ضدها.

وكان المقال المنشور في إحدى الصحف الكويتية قد أثار ضجة كبيرة في مصر، خصوصاً على مواقع التواصل الاجتماعي، ونشرت ابنة كاتب المقال وهي المخرجة السينمائية فرح الهاشم بياناً ورسالة موجهة للرئيس المصري على صفحتها بموقع «فيسبوك» تنفي فيه علاقتها بما يصدر عن هذا الشخص الذي وصفته بأنه «والدها البيولوجي»، وقالت في منشورها إن علاقتها به منقطعة منذ أعوام طويلة، وأنها تختلف تماماً مع آرائه، مؤكدة محبتها وتقديرها لمصر وشعبها.


مصر: الكشف عن بقايا دير أثري بوادي النطرون

 اكتشاف بقايا دير أثري بمصر يسلط الضوء على تاريخ الرهبنة (وزارة السياحة والآثار المصرية)
اكتشاف بقايا دير أثري بمصر يسلط الضوء على تاريخ الرهبنة (وزارة السياحة والآثار المصرية)
TT

مصر: الكشف عن بقايا دير أثري بوادي النطرون

 اكتشاف بقايا دير أثري بمصر يسلط الضوء على تاريخ الرهبنة (وزارة السياحة والآثار المصرية)
اكتشاف بقايا دير أثري بمصر يسلط الضوء على تاريخ الرهبنة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

سلط اكتشاف بقايا دير أثري بوادي النطرون (شمال القاهرة) الضوء على بدايات الرهبنة في مصر والعالم، وتفاصيل الحياة اليومية للرهبان، بجانب تطور النسق المعماري عبر عصور مختلفة.

وأعلنت البعثة الأثرية المصرية المشتركة بين «المجلس الأعلى للآثار» و«كلية الآثار بجامعة القاهرة»، الثلاثاء، عن اكتشاف بقايا مبنى دير أثري يرجع تاريخه إلى الفترة ما بين القرنين الرابع والسادس الميلادي، بمنطقة الأديرة المطمورة بوادي النطرون بمحافظة البحيرة، والتي تُعد من أهم مراكز نشأة الرهبنة في مصر والعالم.

وبحسب بيان لوزارة السياحة والأثار المصرية، «يمثل هذا الكشف مرحلة هامة في تطور الحياة الرهبانية المبكرة، حيث يلقي الضوء على التخطيط المعماري للأديرة الأولى في هذه المنطقة ذات القيمة الدينية والتاريخية الكبيرة».

وتبلغ مساحة المبنى المكتشف نحو 2000 متر مربع، وهو مشيَّد من الطوب اللبن، حيث يصل سُمك الجدران الخارجية إلى متر كامل، بينما يتراوح سُمك الجدران الداخلية ما بين 60 و70 سم، ويتراوح ارتفاعها بين 1.80 و2.20 متر.

ويضم المبنى فناءً مركزياً مكشوفاً يتوسط التخطيط العام، تحيط به مجموعة من الوحدات المعمارية التي تشمل أفنية فرعية تفتح عليها قلالي (حجرات الرهبان) بأشكال ومساحات متنوعة، ما بين المربع والمستطيل. كما تم الكشف عن مجموعة من الملحقات الخدمية في الجزء الغربي من المبنى، تضم مطابخ متكاملة وأفراناً وأماكن لتخزين المؤن.

المبنى يعكس مرحلة انتقالية في تطور فنون العمارة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وأكد وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي أن الاكتشاف يمثل «إضافة نوعية لفهمنا لبدايات الرهبنة في مصر، والتي انطلقت من أرض مصر لتنتشر في مختلف أنحاء العالم»، وأضاف في إفادة رسمية أن «وادي النطرون يُعد أحد أهم المراكز الروحية والتاريخية في مصر، وهذا الاكتشاف يعزز من مكانته على خريطة السياحة الدينية والثقافية الدولية».

وأسفرت أعمال الحفائر عن اكتشاف عدد من أماكن الدفن داخل المبنى، تحتوي على بقايا عظام بشرية يُرجح أنها تعود لرهبان الدير، في دلالة على الطابع الجنائزي المرتبط بالحياة الرهبانية في تلك الفترة.

ويرى أستاذ الآثار بجامعة القاهرة الدكتور جمال عبد الرحيم أن «الاكتشاف يفتح الباب أمام مزيد من الدراسات العلمية حول حياة الرهبان»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الآثار المكتشفة ستسهم في تسليط الضوء على الحياة الاجتماعية واليومية للرهبان، بشكل مغاير وأكثر عمقاً مما ورد في كتب التاريخ، حيث تقدم الحفريات تفاصيل مختلفة عن الروايات التاريخية»، مؤكداً أن «الدير المكتشف يبرز تطوراً كبيراً في العناصر المعمارية الخاصة بالأديرة».

يحتوي على عناصر معمارية فريدة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وتضمن الكشف الأثري الجديد تفاصيل معمارية وفنية عدة، حيث تم العثور على عدد من النقوش بالخط القبطي، تتضمن أسماء رهبان أقاموا بالدير، إلى جانب كتابات دينية تتضرع بالرحمة والمغفرة، وهو ما عدته البعثة «يسهم في تأريخ المبنى، وتوثيق الحياة اليومية للرهبان».

ورأى أستاذ الاجتماع بالكلية الإكليريكية ومعهد الدراسات القبطية، الدكتور نصيف فهمي أن «اكتشاف الدير الجديد يفتح مجالاً واسعاً لدراسة الحياة الاجتماعية للرهبان»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الحياة الاجتماعية للرهبان بها تفاصيل غير معروفة للكثيرين، وتوفر الاكتشافات الأثرية معلومات جديدة».

وبحسب وزارة السياحة، أظهرت الدراسات المعمارية استخدام أنظمة تسقيف متنوعة، بمبنى الدير المكتشف، منها الأقبية والقباب المبنية من الطوب اللبن، كما كُسيت الجدران بطبقة من الملاط الأبيض، وزُينت برسومات جدارية تضم عدداً من الصلبان وأشجار النخيل وزخارف نباتية وهندسية متنوعة.

المبنى يعود إلى الفترة ما بين القرنين الرابع والسادس الميلادي (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وأكد عميد كلية الآثار بجامعة القاهرة الدكتور محسن صالح أن «البعثة وضعت خطة متكاملة لتوثيق المبنى المكتشف وصيانته وفقاً لأحدث المعايير العلمية، مع مراعاة طبيعة مواد البناء الطينية وتحقيق مبادئ الاستدامة». بينما أكد رئيس قطاع الآثار الإسلامية والقبطية بوزارة السياحة الدكتور ضياء زهران، أن المبنى يعد «نموذجاً متكاملاً لمباني الرهبنة المبكرة، حيث يحتفظ بمعظم عناصره المعمارية»، بينما أوضح رئيس البعثة الأثرية الدكتور ياسر إسماعيل عبد السلام، أن هذا الكشف «يمثل دليلاً مادياً هاماً يؤكد الروايات التاريخية حول نشأة الرهبنة في وادي النطرون»، مشيراً إلى أن «المبنى يعكس مرحلة انتقالية في تطور العمارة الرهبانية بين القلالي الفردية والأديرة الكبيرة».