«البديل» يقطف ثمار التطرف في مدينة كارل ماركس

«الشرق الأوسط» تتجول في كيمنتس الألمانية وتستمع إلى أقوال سكانها

ردا على نشاطات اليمين المتطرف نظمت المجموعات المعادية له والمناصرة للاجئين حفلا موسيقيا في المدينة من أجل نشر قيم التعايش حضره أكثر من 65 ألف شخص (رويترز)
ردا على نشاطات اليمين المتطرف نظمت المجموعات المعادية له والمناصرة للاجئين حفلا موسيقيا في المدينة من أجل نشر قيم التعايش حضره أكثر من 65 ألف شخص (رويترز)
TT

«البديل» يقطف ثمار التطرف في مدينة كارل ماركس

ردا على نشاطات اليمين المتطرف نظمت المجموعات المعادية له والمناصرة للاجئين حفلا موسيقيا في المدينة من أجل نشر قيم التعايش حضره أكثر من 65 ألف شخص (رويترز)
ردا على نشاطات اليمين المتطرف نظمت المجموعات المعادية له والمناصرة للاجئين حفلا موسيقيا في المدينة من أجل نشر قيم التعايش حضره أكثر من 65 ألف شخص (رويترز)

هدوء غريب كان يخيم على مدينة كيمنتس عندما وصلتها. كانت الساعة تقترب من الظهيرة، تذكرت مشاهد الحشود التي مرت من محطة القطار الرئيسية قبل يوم. عشرات الآلاف عبروا هذه المحطة قادمين من مدن قريبة وبعيدة لحضور حفل موسيقي نظمه اليسار رفضا لمظاهرات اليمين المتطرف هنا. ولكن في تلك اللحظة التي كنت أعبر فيها المحطة، كانت خالية... من الركاب والمارة وحتى من سيارات الأجرة. شرطيان كانا يتجولان شبه وحيدين في الردهة الرئيسية. والقطار الذي أوصلني قادما من مدينة لايبزك التي تبعد قرابة الساعة، كان أيضا شبه فارغ.

- مدينة كارل ماركس رمز التطرف اليميني
بدت هذه المدينة الواقعة شرقي ألمانيا وكأنها تأخذ عطلة من الأيام الماراثونية التي عاشتها طوال الأسبوع الماضي. سباق بدأ مساء الأحد بعد أن تسربت أنباء عن قتل شابين لاجئين لآخر ألماني. وقبل أن تجف دماء الشاب المطعون دانيال من على قارعة الطريق، كان العشرات من حليقي الرأس والمكسوة أجسادهم بالأوشام ووجوههم بالأقراط المعدنية، يركضون في الشوارع بحثا عن «كل من لونه مختلف» ليشبعوه ضربا. غابت الشرطة في اليوم الأول. وفي اليوم الثاني نزل الآلاف إلى الشارع يهتفون «الأجانب خارجا». وصفت بعدها الصحف الألمانية الليلة التي عاشتها كيمنتس بـ«ليلة العار». بقي الحال هكذا طوال أسبوع. مظاهرات تخرج ضد اللاجئين وأخرى تخرج دعما لهم، وإن بأعداد أقل.
وفجأة هدأت المظاهرات وانفرطت التجمعات وسكتت الهتافات ضد اللاجئين. كان ختامها حفل غنائي حضره ما يزيد على 65 ألف شخصا. ليلة صاخبة نامت بعدها المدينة لتستيقظ صباحا كسولة متعبة. ساحة كارل ماركس التي كانت مركز الحركة الاحتجاجية في الأيام الماضية بدت مختلفة وهي فارغة. طريق سريع محاط بأبنية بيضاء ضخمة وبشعة. ورأس عملاق يزيد طوله على الـ7 أمتار على الرصيف. ليست ساحة بالمعنى المتعارف عليه. ولكن الحشود التي تكدست فيها في الأيام الماضية جعلتها تبدو أكثر رومانسية وجذبا مما هي عليه في الحقيقة.
صحيح أن هذه المدينة لم تعد شيوعية منذ زمن، تحديدا منذ 28 عاما. حينها كانت تعرف بمدينة كارل ماركس، الاسم الذي أعطي لها عندما دخل السوفيات ألمانيا الشرقية وولدت جمهورية ألمانيا الديمقراطية عاصمتها برلين الشرقية عام 1949. ولكن الكثير في كيمنتس ما زال يشبه تاريخها هذا. البعض يقول إن سكانها أيضا لم يتغيروا كثيرا. أو على الأقل من هم في فئة عمرية معينة. أولئك الذين كبروا في جمهورية ألمانيا الديمقراطية وقادوا الثورة السلمية في نهاية الثمانينات ونجحوا بإسقاط حائط برلين والتحرر من الديكتاتورية بعد 4 عقود. كانوا يهتفون حينها، في ساحة كارل ماركس نفسها «نحن الشعب». هتاف ولد في هذه الولاية، ولاية ساكسونيا، على بعد كيلومترات قليلة من كيمنتس: في مدينة لايبزك.
وفي الأيام الماضية، عاد سكان كيمنتس ليهتفوا «نحن الشعب». ولكن الفرق كبير بين سبب الهتاف يومها، وسببه اليوم. حينها كانوا يتمردون على نظام جعلهم يعيشون في سجن كبير. تحدوا بشجاعة الشرطة السرية التي كانت تعرف بالـ«شتازي» ولم يتوقفوا عن التظاهر حتى نجحوا بكسر أبواب السجن. أما اليوم فهم يهتفون «نحن الشعب» رفضا للاجئين وتمردا على رئيسة حكومتهم أنجيلا ميركل التي يتهمونها «بالخيانة»، بسبب سماحها للاجئين بدخول البلاد. ولكن كيف تحول هؤلاء إلى يمينيين متطرفين في هذه الفترة القصيرة؟
يشكل السوريون النسبة الأكبر من اللاجئين في المدينة
إتلكا كوبوس المكلفة بملف الهجرة في بلدية كيمنتس تقول إن المشكلة ليست العنصرية بقدر ما هي «عدم معرفة متبادلة بين السكان واللاجئين». وتضيف: «ليس هناك تعامل وتعاطٍ بين الطرفين. لذلك الألمان هنا حذرون ولا يملكون معلومات كافية عن اللاجئين».
تروي إتلكا كوبوس، السيدة الخمسينية، بأن هذه المدينة غير معتادة على «الغرباء» وخاصة الكبار في السن منهم وهم يشكلون ما يزيد على الـ30 في المائة من نسبة السكان. تقول المسؤولة عن ملف الهجرة في البلدية منذ العام 2009: «لم يكن لدينا لاجئون كثر في السابق، عندما بدأت كانت نسبة الأجانب 2.5 في المائة من بينهم لاجئين».
تتذكر أنه في العام 2015 عندما دخلت أعداد كبيرة من اللاجئين ألمانيا، ووُزِّعوا على المدن المختلفة، كان على البلدية تنظيم لقاءات مع السكان «لشرح أسباب وجوب استقبالهم». تقول إنها كانت تنظم لقاءات بشكل مستمر تشرح فيها ظروف هروب اللاجئين السوريين من بلادهم، وواجب مساعدتهم.
ولا يعيش في كيمنتس أعداد كبيرة من اللاجئين مقارنة بمدن ألمانية أخرى. فنسبة الأجانب في المدينة، بحسب أرقام البلدية، لا تزيد على الـ8 في المائة. ومن بين اللاجئين يشكل السوريون النسبة الأكبر ولكن أعدادهم لا تزيد على 2800 لاجئ في مدينة عدد سكانها قرابة 250 ألفا. يليهم بالعدد اللاجئون من أفغانستان. ومن بين الجنسيات الأخرى التي تعيش في كيمنتس طلاب من الصين وروسيا ورومانيا والهند وفيتنام ودول أوروبا الشرقية... هؤلاء بمعظمهم يرتادون جامعة كيمنتس للتكنولوجيا التي توسعت بعد الوحدة الألمانية وفتحت كليات جديدة في بداية التسعينات وبدأت تستقطب طلابا دوليين.
وتلعب هذه الجامعة دورا كبيرا بمساعدة هذه المدينة على الانفتاح. ميثم أبو الحسن، رجل ستيني ألماني من أصول عراقية يعيش في المدينة منذ 30 عاما، يعمل في منظمة كاريتاس التي تساعد اللاجئين بشتى الأمور الحياتية اليومية من ملء استمارات إلى قراءة الرسائل ومرافقتهم إلى المؤسسات الرسمية. يقول إن المدينة الآن «في طور الانفتاح» وإن استقطاب هذه الجامعة لطلاب من أنحاء العالم ساعد السكان على الاعتياد على الأجانب.

- سكانها يرفضون أنها بؤرة للمتطرفين
ولكنه يتحدث عن «مشاكل في الاندماج» لدى فئة غير صغيرة من اللاجئين، ويقول إن الأمر «يعود إلى ثقافة الشخص ما إذا كان قادما من قرية أو مدينة». ويضيف: «أنا دائما أنصحهم أن يتعلموا الحياة الألمانية بشكل أفضل، هناك مجتمع لديه روابطه المختلفة تماما عن مجتمعنا... من أجل الاندماج يجب أن نتعلم ثقافة المجتمع».
ميثم وإتلكا كلاهما يرفض الحديث عن مدينة يلفها اليمين المتطرف. هو يقول بأن أولئك الذين تورطوا بمشاكل وأعمال شغب في المدينة في الأيام الماضية قدموا من خارج كيمنتس، من مدن وولايات مجاورة. وهي رغم اعترافها بوجود متطرفين من اليمين في المدينة، تصر على أنهم أقلية.
يتحدث ميثم عن عمله مع اللاجئين بشغف، ويبدو فعلا بأنه يشعر بنوع من الفخر بالقدرة على مساعدتهم. عندما يتحدث عما شهدته المدينة التي اختار العيش فيها منذ ثلاثة عقود، يبدو وكأنه يهون على نفسه ما شهده من مطاردات للاجئين وتحايا لهتلر. يقول: «ما حصل كانت أحداث مأساوية... كانت هناك جريمة قتل تم استغلالها سياسيا». ويضيف: «لكن نحن لن نسمح للمجرمين أو للغباء السياسي بأن يخرب عملية الاندماج هنا والتي نعمل عليها منذ سنين».
إتلكا تتحدث أيضا بنوع من الفخر وهي تروي كيف حرصت البلدية على الاهتمام بالقادمين الجدد، تقول: «مدينة كيمنتس منذ فترة طويلة تشغل نفسها مع الوافدين لمساعدتهم على الاندماج. نقدم لهم دورات لغة ونساعدهم على إيجاد عمل وهناك مراكز لمساعدتهم... نذهب مع أطفالهم إلى المدارس ونساعدهم على التعرف على آلية القوانين في بلادنا». وعندما أسألها عن اعتقادها بوجود مشكلة عنصرية في مدينتها، تقول: «هذه المشكلة موجودة في كل مكان... مهمتنا أن نعترف ونقر بأنها مشكلة وعلينا التصدي لها. في كيمنتس المتطرفون موجودون ولكنهم بكل تأكيد ليسوا الأكثرية».
ترى إتلكا بأن «مهمة» مواجهة اليمين المتطرف في ساكسونيا، الولاية التي تنتمي إليها كيمنتس، ليست فقط مسؤولية السلطات المحلية. وتقول: «يجب أن تكون هناك مؤشرات سياسية عما هو صحيح وعما هو خطأ ويجب عدم التهاون مع خرق القوانين. الجرائم من أي طرف غير مقبولة ويجب أن تكون إجراءات ضدها، ولكن من غير المعقول أن نتهم مجموعة بكاملها عن أنها مسؤولة عن هذه الجرائم».
التهاون مع خرق القوانين الذي تحدثت به إتلكا، كان أحد أسباب خروج الأمور عن السيطرة لبضعة أيام في المدينة. فالشرطة التي تواجه أصلا اتهامات في تلك الولاية بأنها «مخترقة» من قبل اليمين المتطرف، لم تتحرك في الأيام الأولى. وتركت المتطرفين يحكمون الشوارع ويرهبون الأجانب. بررت لاحقا بأنها تفاجأت بالأعداد ولم تكن تتوقعها ولم يكن لديها عدد كاف من العناصر.
قد يكون هذا صحيحا في اليوم الأول، عندما انتشرت رواية القتل بسرعة عبر وسائل التواصل الاجتماعي بين اليمين المتطرف، وقدم مشاغبون منهم من المدن المجاورة. ولكن في اليوم الثاني، لم يكن تبرير الشرطة كافيا. فلجنة حماية الدستور المكلفة بمراقبة المتطرفين من الإسلاميين واليمينين، كشفت أنها أبلغت شرطة المدينة بأن أعدادا كبيرة من مثيري الشغب من المتطرفين يستعدون للوصول إلى كيمنتس. ولكن الشرطة هناك لم تطلب أي دعم يذكر. وتركت أشخاصا يؤدون تحية هتلر على مرأى عناصرها، طليقين، علما بأنها جريمة يعاقب عليها القانون الألماني.
وما زاد من الانتقادات والاتهامات الموجهة لها بالتواطؤ مع اليمين، تسرب مذكرة التوقيف بحق اللاجئ العراقي والتي تتضمن عنوانه الكامل واسمه الكامل، إلى مجموعة من المتطرفين نشرتها على «فيسبوك». كل ذلك جاء بعد أيام قليلة على «فضيحة» كشفت عنها صحف ألمانية بمشاركة أحد أفراد الشرطة بلباس مدني بمظاهرة لليمين المتطرف. بررت الشرطة في البداية تصرفه بالقول أنه لم يشارك أثناء أدائه الوظيفة ولكنها اضطرت إلى إقالته لاحقا أمام الضغوط المتزايدة.
شبان عرب كثيرون تحدثوا عن قصص متشابهة. يتحدثون عن «نظرات غريبة» باتوا يتلقونها في الشارع من الألمان «وخاصة الكبار في السن». أحدهم يروي أن زوجته المحجبة تعرضت للضرب العام الماضي وهي تمر في الشارع وأن ابنتيه خلعتا الحجاب بسبب المضايقات. ويقول بأن «التعصب في هذه المدينة ليس جديدا، إنما الجديد الآن أنه بات أكثر علانية».
وفي المقابل، يرفض الكثيرون من الذين شاركوا في مسيرات اليمين المتطرف اتهامهم بالعنصرية. يقولون إنهم يريدون الاعتراض على سياسة ميركل تجاه اللاجئين ولم يجدوا أن الأحزاب الرئيسية تصغي لهم.

- حزب «البديل» يقطف ثمار التطرف
هكذا تحولوا إلى مناصري حزب «البديل من أجل ألمانيا». وكان نجاح هذا الحزب بدخول البرلمان للمرة الأولى في انتخابات العام الماضي وبات أكبر كتلة معارضة. وبنى الحزب خطابه السياسي على محاربة سياسة اللجوء ما أكسبه الكثير من الأصوات.
ولكنه اليوم متهم بالتحريض على العنف والكراهية، خاصة بعد مشاركته في مسيرات كيمنتس إلى جانب حركتي «بيغيدا» و«برو كيمنتس» التي رفعت شعارات نازية محظورة في المظاهرات. وتزايدت الدعوات في الأيام الأخيرة لوضع الحزب تحت المراقبة من قبل لجنة حماية الدستور التي تراقب الحركات المتطرفة، وهو أمر يمكن أن يؤدي إلى حظره.
لهذا الحزب الذي يتمتع بشعبية واسعة في شرق ألمانيا، مكتب كبير في وسط كيمنتس، يقع على بعد خطوات معدودة من محل لبيع الحلويات السورية. تينو شنيغاس، المتحدث باسم الحزب، كان حريصا عندما تحدثت إليه على التفسير بأن «البديل لأجل ألمانيا» ليست لديه أي مشاكل مع اللاجئين ولا يمانع وجودهم، بل مشكلته مع «المجرمين منهم». يقول: «لا مشكلة لدينا مع الأجانب عندما يلتزمون بالقوانين... لدينا مشكلة مع الأجانب الذين يأتون طلبا للمساعدة ويأخذون منا الأموال ثم يرتكبون جرائم. هؤلاء يجب أن يتم ترحيلهم». يكرر تينو خلال دقيقة واحدة أكثر من 3 مرات القول بأنه ليس لديهم مشكلة مع الأجانب. في الحقيقة، فإن دانيال الضحية الذي قتل على يد لاجئين، كان من أصول كوبية. لم يكن أشقر الشعر وأزرق العينين بل أسمر البشرة وملامحه ليست أوروبية.



مقتل 129 صحافياً في 2025 معظمهم بنيران إسرائيلية

سترات واقية من الرصاص وكاميرات على جثث صحافيين قُتلوا في غزة (رويترز)
سترات واقية من الرصاص وكاميرات على جثث صحافيين قُتلوا في غزة (رويترز)
TT

مقتل 129 صحافياً في 2025 معظمهم بنيران إسرائيلية

سترات واقية من الرصاص وكاميرات على جثث صحافيين قُتلوا في غزة (رويترز)
سترات واقية من الرصاص وكاميرات على جثث صحافيين قُتلوا في غزة (رويترز)

قالت لجنة حماية الصحافيين، الأربعاء، إن 129 من الصحافيين والعاملين في مجال الإعلام قُتلوا خلال أداء عملهم، العام الماضي، وإن ثلثي القتلى سقطوا بنيران إسرائيلية.

وأضافت اللجنة، في تقريرها السنوي، أن 2025 كان العام الثاني على التوالي الذي يشهد عدداً قياسياً مرتفعاً من القتلى الصحافيين، والثاني على التوالي أيضاً الذي تتحمل فيه إسرائيل مسؤولية مقتل ثلثيهم. واللجنة منظمة مستقلة، مقرها نيويورك، توثق الهجمات على الصحافيين، حسبما أفادت به وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت اللجنة إن نيران إسرائيل أودت بحياة 86 صحافياً في 2025، معظمهم من الفلسطينيين في قطاع غزة. وأضافت أن 31 آخرين من العاملين قُتلوا في هجوم على مركز إعلامي لجماعة الحوثيين في اليمن، فيما مثل ثاني أكثر الهجمات إزهاقاً للأرواح التي سجّلتها اللجنة على الإطلاق.

وكانت إسرائيل أيضاً مسؤولة عن 81 في المائة من 47 حالة قتل صنّفتها لجنة حماية الصحافيين على أنها استهداف متعمّد أو «قتل». وأضافت اللجنة أن الرقم الفعلي ربما يكون أعلى من ذلك، بسبب قيود الوصول التي جعلت التحقق صعباً في غزة.

ولم يرد الجيش الإسرائيلي على طلب للتعليق. وسبق له القول إن قواته في غزة تستهدف المسلحين فقط، لكن العمل في مناطق القتال ينطوي على مخاطر كامنة. واعترفت إسرائيل باستهداف المركز الإعلامي باليمن، في سبتمبر (أيلول)، واصفة إياه في ذلك الوقت بأنه ذراع دعائية للحوثيين.


أستراليا تطلب من أسر دبلوماسييها مغادرة إسرائيل ولبنان

مبانٍ متضررة بسبب القصف الإسرائيلي على جنوب لبنان (رويترز)
مبانٍ متضررة بسبب القصف الإسرائيلي على جنوب لبنان (رويترز)
TT

أستراليا تطلب من أسر دبلوماسييها مغادرة إسرائيل ولبنان

مبانٍ متضررة بسبب القصف الإسرائيلي على جنوب لبنان (رويترز)
مبانٍ متضررة بسبب القصف الإسرائيلي على جنوب لبنان (رويترز)

قالت وزارة الخارجية الأسترالية، اليوم الأربعاء، إنها طلبت من أسر الدبلوماسيين الأستراليين في إسرائيل ولبنان مغادرة البلدين، مشيرة إلى تدهور الوضع الأمني في المنطقة.

ووفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء، قالت «الخارجية الأسترالية» إن «الحكومة توصي مواطنيها في لبنان وإسرائيل بدراسة المغادرة في ظل الخيارات التجارية المتاحة»، مشيرة إلى أن الحكومة عرضت أيضاً «مغادرة طوعية لأفراد عائلات مسؤوليها العاملين في الأردن وقطر والإمارات».

وتلقّى لبنان تحذيرات من أن تشنّ إسرائيل الحليفة للولايات المتحدة، ضربات تستهدف بنيته التحتية في حال التصعيد بين طهران وواشنطن وتدخل «حزب الله» لمساندة داعمته إيران، بحسب ما قال وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي، الثلاثاء.

وصعّدت الدولة العبرية أخيراً من وتيرة ضرباتها التي تستهدف «حزب الله» في لبنان، رغم وقف إطلاق النار الذي يسري بينهما منذ أكثر من عام، وأعقب حرباً مدمّرة تكبّد فيها الحزب خسائر باهظة على صعيد الترسانة والهيكلية القيادية.

وفي وقت تعزز الولايات المتحدة انتشارها العسكري في الشرق الأوسط، حذّرت إيران من أنها ستردّ «بقوة» على أي هجوم عليها، وأن اعتداء من هذا النوع قد يؤدي إلى «حرب إقليمية».

وقال رجّي، الثلاثاء، لوسائل إعلام في جنيف: «هناك مؤشرات على أن الإسرائيليين قد يضربون بقوة في حال التصعيد، بما في ذلك ضربات محتملة على بنى تحتية استراتيجية مثل المطار».

وجدد رجي موقف السلطات اللبنانية الذي أعرب عنه رئيس الوزراء نواف سلام بأن «هذه الحرب لا تعنينا»، في إشارة لمواجهة أميركية إيرانية محتملة.


الفلتان «النووي» في ظلّ التحولات الجيوسياسيّة

صاروخ ترايدنت (2 دي 5) القادر على حمل رأس نووي يجري إطلاقه تجريبياً من غواصة صواريخ باليستية أميركية عام 2018 (أرشيفية - رويترز)
صاروخ ترايدنت (2 دي 5) القادر على حمل رأس نووي يجري إطلاقه تجريبياً من غواصة صواريخ باليستية أميركية عام 2018 (أرشيفية - رويترز)
TT

الفلتان «النووي» في ظلّ التحولات الجيوسياسيّة

صاروخ ترايدنت (2 دي 5) القادر على حمل رأس نووي يجري إطلاقه تجريبياً من غواصة صواريخ باليستية أميركية عام 2018 (أرشيفية - رويترز)
صاروخ ترايدنت (2 دي 5) القادر على حمل رأس نووي يجري إطلاقه تجريبياً من غواصة صواريخ باليستية أميركية عام 2018 (أرشيفية - رويترز)

ألقى الرئيس الأميركي الراحل، دوايت أيزنهاور، في عام 1953 خطاباً مهماً في الأمم المتحدة بعنوان: «الذرّة من أجل السلام». اقترح أيزنهاور التخلّي عن السلاح النووي، وتحويل الطاقة النووية لخدمة السلام والبشرية. لم تترجَم هذه المبادرة على أرض الواقع. ففي عام 1962، وخلال الأزمة الكوبيّة بين الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفياتي، عايش العالم ولمدة 13 يوماً، شبح إمكانيّة القضاء على البشريّة بأكملها.

غيّرت الأزمة الكوبيّة ديناميكيّة امتلاك وضبط السلاح النوويّ. وعليه، كان لا بد من خلق إطار مُتفق عليه بين الجانبين لتجنّب الحسابات الخاطئة، وذلك عبر التواصل المستمرّ، كما خلق آليّات مراقبة وتحقّق. لم تلغِ الأزمة الكوبيّة سباق التسلّح النوويّ. لكنها في الحدّ الأدنى نظّمت هذا السباق.

تفجير نووي تجريبي أميركي في صحراء نيفادا (أ.ب)

أظهرت الأزمة الكوبية بشكل فاضح هشاشة الردع النوويّ. وكي لا تُترك الأمور على غاربها، أفرزت الأزمة الكوبيّة الأمور التالية: الخط الساخن بين العملاقين، ومعاهدة الحظر الجزئي للتجارب النوويّة (1963)، ومعاهدة عدم انتشار السلاح النوويّ (1968)، ومعاهدتي سالت (SALT) وستارت (START) لاحقاً. وعليه، قد يمكن استنتاج بعض سلوكيات (نمطيّات) القوى العظمى فيما خصّ السلاح النوويّ أو غيره من المخاطر على العالم، وعلى أمنها القوميّ في الوقت نفسه، وهي: لا تتّفق القوى العظمى بعضها مع بعض على تنظيم قطاع ما مؤثّر في عناصر القوة الخاصة بها (Elements of Power)، إلا بعد أن يبدأ هذا القطاع بتشكيل خطر مباشر على أمنهم القومي. حصل هذا الأمر مع النووي، وقد يحصل مستقبلاً مع غزوة الذكاء الاصطناعي الخطيرة لكل مَرافق الحياة ضمن الصراع الجيوسياسيّ؛ وإذا تفرّدت القوى العظمى بامتلاك سلاح مؤثّر يُغيّر موازين القوى لصالحها، فهي تمنع الآخرين من الحصول عليه. وإذا حصل عليه الآخرون فهي تحاول منع انتشاره إلى دائرة أوسع، إنْ عبر الردع أو الضبط بواسطة المعاهدات (Treaties). من هنا الحجم الصغير للنادي النوويّ في العالم حالياً، والمُرشح إلى مزيد من التوسّع في ظلّ تداعي النظام العالمي القديم وضوابطه... ألَا تندرج الأزمة الحالية مع إيران ضمن هذا الإطار؟

في التجربة النووية الصينيّة الأخيرة 2020، تتّهم الولايات المتحدة الأميركية الصين بأنها أجْرت في عام 2020 تجربة نووية شمال غربي الصين. لكن لماذا الاتهام اليوم وبعد 6 سنوات؟ هذا مع العلم أن آخر تجربة نوويّة قامت بها الصين، تعود إلى عام 1964.

غواصة نووية أميركية من طراز «أوهايو» لدى توقفها في أحد مرافئ أستراليا 30 يوليو 2025 (إ.ب.أ)

كما تتّهم أميركا الصين بأنها تُحدّث ترسانتها، وتسعى للحصول على أسلحة نووية من الجيل الحديث، ومنها السلاح التكتيكي. فكيف يُحلَّل هذا الوضع في ظلّ التحولات الجيوسياسية في عالم اليوم؟

تمنع معاهدة «الحظر الشامل للتجارب النوويّة» (1996) القيام بأي تفجير نووي، لغرض عسكري أو سلميّ. وقد وقّعت كل من أميركا والصين على هذه المعاهدة، لكنهما لم يُصدّقا عليها كما تتطلّب الأصول القانونيّة كي تصبح نافذة. وبهدف المراقبة والضبط للتجارب النوويّة، أفرزت المعاهدة نظام مراقبة (NDDS) يَستخدم تقنيات متعددة: زلزالية، وصوتية مائية وغيرها، والهدف هو المراقبة والإبلاغ عن أي خرق للمعاهدة، وذلك عبر منظومة مجسّات موزّعة عبر العالم، وفي 337 موقعاً. تجمع هذه المجسات الداتا اللازمة في حال توفّرها، وترسلها إلى المركز الأساسي في فيينا للتحليل وتوزيع الخلاصة على الدول الموقِّعة على المعاهدة.

يختلف الخبراء حول إجراء الصين هذه التجربة. والأغلب أنه لا يمكن نفي، أو تأكيد المعلومة. لكن لماذا؟ لم تُرصد التجربة إلا من مركز واحد موجود في كازاحستان (PS23) وعلى الحدود مع الصين. رصد هذا المركز هزة أرضية بقوة 2.75 على مقياس ريختر وعلى مسافة 720 كيلومتراً داخل الأراضي الصينيّة، وهي هزّة خفيفة، اللهم إلا إذا كانت الصين تملك التكنولوجيا الحديثة لإجراء التجربة النووية وتخطّي نظام الرصد.

تحتل الولايات المتحدة المرتبة الأولى في عدد التجارب النوويّة بـ1121 تجربة، تليها روسيا بـ981 تجربة. أما الصين فتحتلّ المركز الخامس بـ48 تجربة فقط.

تملك الصين حالياً، وحسب بعض المصادر، نحو 600 رأس نوويّ. وهي تأتي في الترتيب بعد كلٍّ من روسيا والولايات المتحدة الأميركيّة، لكنها تعد الأسرع في تصنيع الرؤوس النوويّة وذلك بمعدّل 100 رأس سنويّاً. والهدف هو الوصول إلى امتلاك 1000 رأس نووي بحلول عام 2030.

في التحوّل الصيني الجيوسياسيّ

يعود الفكر النووي الصيني، مثل مشروع امتلاك السلاح النووي، إلى الزعيم الراحل ماو تسي تونغ، الذي عدّ ذلك ضرورة للأمن القومي الصيني، والهدف كان الردع. وعليه، أطلق مشروع ما يُسمّى «قنبلتان وقمر اصطناعي واحد». قنبلة ذريّة، وأخرى هيدروجينيّة. كما القدرات الصاروخيّة-الفضائيّة. فكان أوّل اختبار نووي عام 1964. وفي هذا الإطار، ارتكزت العقيدة النوويّة الصينيّة على الأعمدة التالية: السلاح النووي لا يستخدم إلا للدفاع عن النفس وبعد الهجوم النووي عليها؛ ولن تسعى الصين إلى إلا التكافؤ (Parity) مع كل من روسيا وأميركا في عدد الرؤوس النوويّة، بل أن تتجاوز الضربة الأولى، مع القدرة على الردّ بعدها. وكي تُحقّق الصين مستوى ردعيّاً نوويّاً موثوقاً، عملت على تأمين «ثالوث الإطلاق»، (Triad) عبر البرّ والبحر كما الجوّ.

صواريخ «دي إف 5 سي» النووية الصينية خلال عرض عسكري في بكين 3 سبتمبر 2025 (رويترز)

في التسريع إلى الوضع الجيوسياسي الحالي

تغيّرت صين الرئيس تشي جيبينغ عن صين المؤسس ماو تسي تونغ. هي الآن تريد الخروج من قرن الذلّ، للتربّع على المرتبة الأولى عالمياّ وفي كل الأبعاد. تريد الصين الحالية استعادة جزيرة تايوان تحت مبدأ «دولة واحدة بنظامين». يؤمن الرئيس تشي بأن أحد أهمّ مقاييس القوة للدولة العظمى، وفي الظرف الحالي، هو عدد الصواريخ النوويّة التي تملكها هذه الدولة. وعليه، وبعد سقوط كل الضوابط والمعاهدات المتعلّقة بتنظيم وإدارة السلاح النووي، كان آخرها معاهدة (نيو-ستارت) التي انتهى مفعولها في 5 فبراير (شباط) 2026، تحرّرت الصين من أي ضوابط قانونيّة، فهي لا تملك آلاف الرؤوس كي تنضوي في النادي الأميركي-الروسي، حتى ولو طلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب منها ذلك، لكنها تملك أكثر ممن هم في الترتيب الاخير للائحة الأعضاء في النادي النووي العالمي.

بكلام آخر يريد الرئيس تشي مزاوجة القوة الاقتصاديّة (ثاني اقتصاد بعد أميركا) والبشرية والإنتاجيّة، كما التحكّم بسلاسل التوريد في كثير من القطاعات، مع مستوى نووي متقدّم. كما يريد رسم منطقة نفوذ في محيطه المباشر. من هنا الحديث عن السلاح النووي التكتيكي. فلماذا يحق للرئيس ترمب العودة إلى عقيدة مونرو (1823)، ولا يحق لتشي إطلاق عقيدة صينية جديدة؟ لكن الأكيد، أن الرئيس تشي، وبعد مراقبة الحرب الروسية-الأوكرانية وأخذ الدروس منها، استنتج أن كميّة (كما تنوّع) الرؤؤس النووية مهمة لتحقيق الأهداف الجيوسياسيّة. كما أن استعمال الردع النووي (الاستراتيجي، التكتيكي)، والتهديد بالاستعمال كما يفعل الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، هو عامل مهم لحماية الحرب التقليديّة (Conventional War). فهل تنطبق هذه المقولة على عملية استرداد تايوان؟

صواريخ باليستية قادرة على حمل رؤوس نووية خلال عرض عسكري في موسكو (أرشيفية - رويترز)

في السلوك المُضاد للصين وروسيا

ترتكز المعضلة الأمنيّة (Security Dilemma) على ديناميكيّة خاصة بها لا يمكن ضبطها عادةً. فإذا حصلت الصين على قوة إضافية، فهذا يعني أنها تهدّد أمن الدول المجاورة. لذلك تسعى الدول المجاورة إلى أمرين مهمّين هما: التحالف للتعويض (Ganging up) أو السعي إلى الحصول على سلاح يُعوّض النقص ويُعيد التوازن. فهل ستسعى اليابان إلى السلاح النوويّ وهي قادرة، خصوصاً بعد التقارب بين الصين وروسيا، ورعايتهما لكوريا الشمالية؟ وهل ستسعى كوريا الجنوبيّة إلى امتلاك السلاح النووي وهي قادرة، وهي المُطوّقة بثلاث دول نوويّة معادية (الصين، وكوريا الشمالية، وروسيا)؟

في المقلب الآخر الأوروبيّ، هل ستسعى ألمانيا إلى امتلاك السلاح النوويّ، وهي قادرة تكنولوجياً، وذلك في ظل التحوّل الأميركيّ؟ هل ستسعى بولندا للسلاح النوويّ؟ هل يكفي السلاح النووي الفرنسي - الإنجليزي لخلق مظلّة نوويّة لحلف «الناتو» في حال غياب المظلّة النوويّة الأميركيّة؟

في الختام، يعيش العالم مرحلة انتقالية بين نظام عالمي هش لم يعد يتناسب مع التحوّلات الكبرى، ونظام مُرتقب لم يتشكّل بعد. وفي ظل غياب كامل للشرطي العالمي بعد تراجع «العم سام» عن هذه الوظيفة. يبدو أن السلاح المُضاعف للقوّة (Force Multiplier) إن كان بالنسبة إلى القوى الإقليمية الكبرى، كما للقوى الصغرى، يتمثّل جليّاً في السعي إلى امتلاك السلاح النوويّ.

Your Premium trial has ended