إدلب... معركة فصل «النصرة» عن «القاعدة»

تركيا ماضية بالمفاوضات... وروسيا تستمهل النظام لحسم «معقّد»

إدلب... معركة فصل «النصرة» عن «القاعدة»
TT

إدلب... معركة فصل «النصرة» عن «القاعدة»

إدلب... معركة فصل «النصرة» عن «القاعدة»

قلّص وجود العناصر المتشدّدة في محافظة إدلب، بشمال غربي سوريا، فرص تجنيب المحافظة معركة عسكرية يتأهب لها نظام دمشق وداعموه، وعلى رأسهم موسكو. وفي حين يستمهل الروس بانتظار مبادرة تركية لتجنيب المحافظة المتاخمة لأراضي تركيا معركة عسكرية يرى المعارضون أنها ستكون قاسية، يرغب الطرف الروسي في تجنبها عبر التوصل إلى تسويات «تهندسها» أنقرة، وسط مخاوف الأتراك من أن يتسبب أي هجوم في موجة جديدة من اللاجئين إليها.
طبول الحرب التي يحسم موعدها وسقفها اجتماع طهران الثلاثي، بدأت تُقرع أواخر شهر يوليو (تموز) إثر فشل الجهود لاحتواء تنظيم «جبهة النصرة» الذي ينقسم قياديوه بين جناح مؤيد للانفكاك عن تنظيم «القاعدة» وإعادة التموضع تحت مسميات أقل تشدّداً، وبين جناح آخر مصرّ على التحالف مع «التنظيم الأم». وهذا الواقع منح النظام وداعميه ذرائع إضافية للتحضير لمعركة، على الرغم من أن كل التقديرات تشير إلى أن حل معضلة إدلب لن يكون عسكرياً أو سياسياً، بل عبر المقاربتين معاً.
ووفق المتابعين، تمثل حالة «النصرة»، العقدة الأبلغ في ملف التوصل إلى تسوية في إدلب، لسببين: الأول، يجسده فشل الجهود لتحييدها عن «القاعدة» على ضوء الانقسامات الداخلية بين المقاتلين السوريين وآخرين ينتمون عضوياً إلى «القاعدة» ويؤتمرون منها. والآخر، يتمثل في الفشل بإدخال العناصر ضمن تنظيم جديد أقل تشدّداً غير مرتبط بـ«القاعدة»، هو «الجبهة الوطنية للتحرير» التي انضمت إليها فصائل من «الجيش السوري الحر»، وهنا يقول خبراء إن تركيا أنشأت هذه «الجبهة» بالذات لفصل المقاتلين المتشدّدين عن المقاتلين المعتدلين.

يمضي النظام السوري في الاستعداد لمعركة محدودة في ريف محافظة إدلب في شمال غربي سوريا. ولقد تمكن النظام من إعادة فتح طريق حمص – حلب الدولية، وتأمين مناطق حيوية للنظام في محافظتي حماة واللاذقية، وسط تقديرات بأن يكون «الجيش السوري الحر» هو المتضرّر الأكبر من العملية التي تتضارب المعلومات حول موعد انطلاقتها، والتي لن تؤثر على «جبهة النصرة» الموجود ثقله في شمال المحافظة.
محافظة إدلب والمناطق المحيطة بها هي آخر منطقة كبيرة خاضعة للمعارضة المسلحة. وتُعد معركة إدلب آخر أكبر معارك النزاع السوري، بعدما انحصر وجود مسلحي المعارضة في محافظة إدلب ومناطق محدودة محاذية لها، وعلى ريف محافظة حلب الشمالي، حيث تنتشر قوات تركية. ويقدر عدد المسلحين المعارضين في إدلب بأكثر من 30 ألف مقاتل، يتصدرهم «النصرة» وحلفاؤه بنحو 10 آلاف مقاتل، في حين يتبع الآخرون فصائل المعارضة السورية، وهم بمعظمهم معتدلون، كانوا موجودين في أرياف حلب وحماه وإدلب، قبل أن ينقل النظام السوري آلافاً آخرين إلى إدلب من الجنوب وريف دمشق وحمص إلى المحافظة الواقعة في شمال غربي سوريا.
بيد أن الحل لمعضلة إدلب، الذي سيأتي على مراحل، لن يكون – على الأرجح – حلاً عسكرياً أو أمنياً على غرار المقاربة التي اتبعتها روسيا أو التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب تجاه «داعش». والسبب أن إمكانية احتواء «النصرة» وإعادة تأهيله، تعد أكثر سهولة، ذلك أن معظم المقاتلين في صفوف «النصرة» هم من السوريين، وتتراوح نسبتهم بين 70 و80 في المائة، بحسب ما يقوله الدكتور هشام جابر، رئيس «مركز الشرق الأوسط للدراسات» في العاصمة اللبنانية بيروت.
جابر قال لـ«الشرق الأوسط» خلال لقاء معه، إن «الغالبية العظمى من (داعش) هم أجانب؛ ما صعّب عملية احتوائهم، خلافاً لمقاتلي (النصرة) الذين سيعمل على إعادة تأهيلهم، بينما سيجري ترحيل الأجانب منهم خارج البلاد». ويلفت جابر – وهو عميد ركن متقاعد من الجيش اللبناني – إلى أن العناصر التي سيُعمل على إعادة تأهيلهم «سيُدمجون، وفي النهاية بعد تفكيكهم عن تنظيم القاعدة، سيصار إلى منحهم مقعداً في المفاوضات الأخيرة على مستقبل سوريا». وتابع «حتى الآن، لا يمكن القول إنهم غير إرهابيين، بانتظار تفكيك علاقتهم بالقاعدة، وعندها سيجري حل الملف بأقل الخسائر الممكنة»، مستنداً إلى اعتقاد بأن حل مسألة إدلب «لن يكون عسكرياً أو سياسيا فحسب، بل سيكون بمقاربة تتبع الاثنين في وقت واحد».

- معركة معقّدة
تنظر مصادر عسكرية في المعارضة السورية إلى معركة الشمال على أنها ستكون معقّدة. وتقول المصادر لـ«الشرق الأوسط» شارحة «الحسم خلال شهر أو اثنين سيكون مستحيلاً، ذلك أن المعركة ستكون عسيرة، وهي مفتوحة على احتمالات عسكرية أكثر تعقيداً مرتبطة بالوجود الجغرافي للعناصر المتشدّدة في ريف اللاذقية غرباً التي يمكن أن تهدد جبل العلويين، كما أنها يمكن أن تهدّد، في ظل قوتها الحالية، مناطق تواجد النظام شرقاَ وجنوباً».
واضح أن النظام السوري يستعجل المعركة، ويسعى لحملة واسعة النطاق، بهدف منع المعارضين من الحصول على أي فرصة «لفرض شروط معينة أو انتزاع امتيازات» يمكن أن يأخذوها بالمفاوضات، كما حصل – وفق النظام – في ريف محافظة حمص الشمالي أو في بعض مناطق محافظة ريف دمشق. وفي المقابل، تستمهل روسيا المعركة بانتظار انتهاء المفاوضات الجارية مع تركيا، التي تعمل من جانبها على خط التسويات وتجنيب المنطقة معركة قاسية. وفي الحالتين، يتوقع أن يكون حسم الاجتماع الثلاثي التركي – الروسي – الإيراني الذي استضافته العاصمة الإيرانية طهران، أمس (الجمعة)، ملف معركة إدلب.
وفي ظل التقديرات بأن «النصرة» يعد العقبة الأكبر؛ إذ تعمل تركيا منذ فترة على تفكيك «النصرة» وفض علاقة هذا التنظيم بتنظيم القاعدة، بحسب مصادر بارزة في المعارضة السورية في الشمال لـ«الشرق الأوسط». وتشير هذه المصادر إلى تشكيل «الجبهة الوطنية للتحرير»، التي تعد أكبر كيان عسكري معارض للنظام في محافظتي حماة (وسط) وإدلب (شمال غرب) وتضم هذه «الجبهة» آلاف المقاتلين. ولقد تضاعف عددها بشكل كبير في مطلع «أغسطس (آب) الماضي، إثر انضمام فصائل «جبهة تحرير سوريا» و«جيش الأحرار» و«صقور الشام» إلى التشكيل الجديد.
ولا ينفي مصدر بارز في الشمال السوري أن تركيا «قطعت شوطاً كبيراً في جهود تفكيك (النصرة) وإعادة دمج عناصره»، بيد أنه أكد لـ«الشرق الأوسط»، أنها «لم تستطع إنهاؤه بعد». وتابع المصدر «نحن أمام وضع جديد لـ(النصرة)، بعد انسحابه من أكثر من 400 قرية في وقت سابق، وتركز وجوده في شمال المحافظة... لكن الوضع ليس الوضع المثالي بعد، بالنظر إلى أن عملية تكييفه ودمج عناصره هي الحلقة الأصعب؛ كونه مرتبطاً بملف (المسلحين) الأجانب وحل التنظيم نهائياً»، واستطرد مشيراً إلى أن التنظيم المتشدد «لن يحل كيانه إلا إذا أحس بأنه معرّض للفناء بالكامل». ثم أردف «إنجاز عملية كاملة في هذا الوقت غير متاح وغير ممكن؛ ما يعني أن (النصرة) ستكون لديه القدرة على البقاء، حتى أشهر إلى الأمام على الأقل، ولن يكون معرّضاً لهجمات؛ كون عملية النظام بعيدة عن مواقع وجوده في الشمال، بينما سيكون (الجيش الحر)، وتحديداً (جيش العزة) هو الأكثر تضرراً من العملية المزمع القيام بها؛ لأنه موجود في مناطق جنوب المحافظة».
بدوره، يقول العميد الركن الدكتور جابر، إن تركيا «ترفض الخيار العسكري من جانب واحد، وهي التزمت التوصل إلى الحل السياسي عبر فكفكة «هيئة تحرير الشام» وسحب الفصائل عن (الجبهة) لتبقى وحدها، بالنظر إلى أن (النصرة) هو الفصيل الوحيد الرافض لحل سياسي». ويشير إلى أن تركيا «اقترحت حلولاً عدة، بينها استحداث (الجبهة الوطنية) على أمل أن يفك عناصر (النصرة) ارتباطهم بـ(القاعدة)، والانضمام إلى فصيل سوري معتدل يمكن ضبطه».

- لا إدلب ثانية
جدير بالذكر، أن محافظة إدلب شكّلت لسنوات ملجأ لنازحين فروا من المعارك والقصف، ولمقاتلين معارضين أجبروا على الانتقال إليها بعد رفضهم «اتفاقات تسوية» مع النظام السوري في مناطق كانوا يسيطرون عليها. وبمرور الوقت، ازدادت الكثافة السكانية في المحافظة تدريجياً، وبات يعيش فيها، بالإضافة إلى مناطق سيطرة المعارضة المحدودة في محافظات حلب وحماة واللاذقية المحاذية لها، نحو ثلاثة ملايين شخص نصفهم من النازحين. وفي ديسمبر (كانون الأول) 2016، حذر مبعوث الأمم المتحدة إلى سوريا ستيفان دي ميستورا من أن «إدلب ستصبح حلب أخرى». وفي هذه الإطار، أطلقت تركيا مفاوضات مع «هيئة تحرير الشام» – التي ضمت فصائل عدة، بينها «النصرة» – يهدف إلى تفكيك الأخيرة، وفق «المرصد السوري لحقوق الإنسان». ومن ثم، طالب وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بدوره بألا تعمد الدول الغربية إلى «عرقلة عملية مكافحة الإرهاب» في إدلب.
في هذه الساعات الحرجة، بعد اجتماع طهران، ينتظر الجميع جهود حل المعضلة من دون شن عملية عسكرية تترك تداعيات إنسانية، أنه لا توجد «إدلب ثانية» يمكن ترحيل المقاتلين الرافضين للتسويات إليها. وهنا نذكر أنه في ظل المساعي التركية، تراجعت العمليات العسكرية لنحو ثلاثة أسابيع عملاً باتفاق هدنة روسي – تركي، مع أن روسيا بعد ثلاثة أسابيع عادت فاستأنفت غاراتها الجوية التي قالت استهدفت مقرات عسكرية للمعارضة في الشمال، وحقق النظام وداعموه تقدماً طفيفاً بريف حماة الشمالي الغربي «للإيحاء بأن الحل العسكري قائم وممكن، وهي مقدمة لمعركة واسعة النطاق». ووفق جابر «عملية تقاسم الأدوار الروسية – السورية – والتركية تتمثل في أن يتابع النظام نشاطه الميداني في ريف محافظة حماة الشمالي، وبينما تتولى تركيا فتح طريف حمص – حلب الدولية، وتواصل مفاوضاتها مع القوات المعارضة لإبعادها عن (النصرة)، توفر روسيا ضمانات بالتسويات إلى جانب تأمين الدعم العسكري الجوي لقوات النظام في حال حازت على ضوء أخضر للانطلاق بالمعركة». ويؤكد جابر، أن روسيا باتت «المايسترو الوحيد في الميدان السوري» من خلال علاقتها مع تركيا وإيران والأكراد وإسرائيل والنظام، بجانب التواصل مع الولايات المتحدة، لافتاً إلى أن معضلة إدلب «تتعاطى معها بجدية استناداً إلى تصريحات وزير خارجيتها سيرغي لافروف... وما يظهر أنه بعد نهاية العام لن تكون هناك طلقة واحدة في سوريا».

- معركة على مراحل
غير أن سياق المعركة، لن يكون واسعاً، بل سيأتي على مراحل، كما يرى المعارضون. إذ يقول هؤلاء إنه «إذا ما باشر النظام بالمعركة الآن، فإنه لن يذهب إلى اجتياح كامل، بل ستكون المعركة محدودة بالسيطرة على طريق حمص – حلب الدولية، وستطال جنوب محافظة إدلب المرتبط بشمال محافظة حماة؛ وذلك بغرض تأمين منطقة وسط سوريا الخاضعة لسيطرته، إضافة إلى السيطرة على بلدة جسر الشغور ومحيطها بهدف إبعاد المعارضة عن اللاذقية وتأمين المحافظة الحيوية». والمعروف أن محافظة اللاذقية هي مسقط رأس الأسد، وتوجد فيها قاعدة حميميم، قاعدة روسيا العسكرية الأكبر في سوريا.
وفي ظل «التجاذب» حول «النصرة»، والتمهيد للعمليات العسكرية، تواصلت «التصفيات الداخلية في شمال سوريا بين فصائل الفصائل ومجموعات متطرّفة»، بحسب تعبير مصادر معارضة في الشمال. إذ أفادت هذه الأخيرة بأن موجة الاغتيالات المستمرة «طالت قادة في الفصائل ومسؤولين نافذين في التنظيمات المتطرفة ضمن إطار التصفيات الداخلية ومعارك بسط النفوذ والسيطرة»، لافتة إلى أن المدنيين «يقتلون ضمن هذه الحرب الأمنية».
ويواصل الفلتان الأمني متصاعد الوتيرة منذ 26 أبريل (نيسان) الماضي عبر عمليات اغتيال بعبوات ناسفة وبإطلاق الرصاص، وعن طريق الخطف ورمي الجثث. وحصدت هذه العمليات 294 شخصاً على الأقل ممن اغتيلوا في أرياف محافظات إدلب حلب وحماة. ويوم 20 أغسطس الماضي، قتل ثلاثة عناصر من «الجبهة الوطنية للتحرير» أيضاً، جرّاء إطلاق النار عليهم من قبل مجهولين في بلدة سراقب بريف إدلب الشرقي. كذلك، استهدفت سيارة مفخخة مقراً يتبع لـ«الجبهة الوطنية» في جبل الأربعين بمدينة أريحا؛ ما أدى إلى مقتل عنصر وجرح عدد من المقاتلين. ولم تتبن أي جهة حوادث الاغتيالات أو التفجيرات في اليومين الماضيين.

- مؤشرات لاقتراب المعركة
هذا، وبينما مهد النظام للمعركة المرتقبة بقصف استهدف مناطق واسعة في إدلب، فرّ مئات المدنيين مساء الأربعاء وصباح الخميس من المقيمين في المحافظة باتجاه ريف حلب الغربي وبلدة عفرين الواقعة بأقصى شمال غربي على الحدود مع تركيا؛ وذلك خشية هجوم وشيك لجيش النظام السوري. فلقد فر مئات المدنيين من جنوب شرقي إدلب «بحثاً عن ملاذ في الشمال خوفاً من هجوم وشيك للنظام السوري»، بحسب ما أفاد «المرصد السوري لحقوق الإنسان». وأفاد «المرصد» عن حدوث نزوح ليل الأربعاء وصباح أمس من ريف إدلب الجنوبي الشرقي باتجاه ريف حلب الغربي وعفرين الواقعة شمال البلاد على الحدود مع تركيا. وتأتي حركة النزوح بعد استهداف قوات النظام صباح الخميس جنوب شرقي إدلب بقصف مدفعي؛ ما أسفر عن إصابة ستة أشخاص.
من جهة ثانية، أفادت مصادر سورية معارضة لـ«الشرق الأوسط»، بأن النظام أكمل نشر قواته على تخوم الجبهات العسكرية التي ينوي إطلاق الهجوم نحو إدلب منها، وقالت إن «النظام، كما علمنا، أتم استعداداته في ريف اللاذقية الشرقي للهجوم على مناطق خاضعة لسيطرة المعارضة، يصل منها إلى جسر الشغور»، إحدى أكبر البلدات في ريف إدلب الغربي. ونقلت معلومات تفيد بأن قوات النظام «تنتظر الأوامر الرئاسية لإطلاق الهجوم»، مشيرة إلى أن النظام «حشد على الجبهات كافة في الشرق والغرب والجنوب وسهل الغاب للانطلاق بهجوم نحو مناطق محررة (خاضعة لسيطرة المعارضة) في أرياف حماة الجنوبي الغربي، وإدلب الشرقي والغربي، وحلب الغربي والجنوبي».
وكانت المعلومات تحدثت عن عمليات تحشيد غير مسبوقة لمعركة من المرجح أن تشارك فيها معظم القوى العسكرية النظامية العاملة على الأرض السورية، بعد استقدام النظام لتعزيزات عسكرية ضخمة، تمثلت بالدفع بعشرات آلاف العناصر من قوات جيشها ومن المسلحين الموالين لها، بمواكبة نحو ألفي مدرعة.

- تحذيرات دولية للروس والنظام... من منطلقات «إنسانية»
حذّر الرئيس الأميركي دونالد ترمب الرئيس السوري بشار الأسد وحليفتيه إيران وروسيا، مطلع الأسبوع الماضي، من شنّ «هجوم متهوّر» على محافظة إدلب؛ متخوفاً من مقتل مئات الآلاف من السكان والمحليين والنازحين اللاجئين إلى المحافظة. وتابع ترمب في تغريدة على موقع «تويتر»، «سيرتكب الروس والإيرانيون خطأً إنسانياً جسيماً بالمشاركة في هذه المأساة الإنسانية المحتملة. مئات الآلاف من الأشخاص ربما يُقتلون. لا تسمحوا بحدوث هذا!».
وقبل الرئيس الأميركي، كان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، قد حذّر في 29 أغسطس الفائت من «الخطر المتنامي بحدوث كارثة إنسانية في حال حصول عملية عسكرية واسعة النطاق في محافظة إدلب». والواقع أن الأمم المتحدة تخشى أن تجبر العملية العسكرية في إدلب 800 ألف شخص على النزوح. ويذكر، أنه خلال زيارة لوزير خارجية النظام السوري وليد المعلم إلى العاصمة الروسي موسكو أواخر الشهر الماضي، قال المعلم مهدداً، إن «سوريا في المرحلة الأخيرة لتحرير كامل أراضيها من الإرهاب». وأعلن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في اليوم التالي، أن بلاده تجري مباحثات من أجل إقامة «ممرات إنسانية» لخروج المدنيين في محافظة إدلب. وقبل ذلك، يوم 24 أغسطس، حذّر وزير الخارجية التركي مولود شاويش أوغلو من أن «الحل العسكري سيسبب كارثة ليس فقط لمنطقة إدلب، وإنما أيضا لمستقبل سوريا»، مضيفاً في الوقت ذاته، أنه من «المهم جداً أن تصبح هذه الجماعات المتطرفة، والإرهابية، غير قادرة على أن تشكل تهديداً». وتطالب روسيا تركيا، صاحبة النفوذ في إدلب، بإيجاد حل لتنظيم «هيئة تحرير الشام» من الممكن أن تتفادى من خلاله هجوماً واسعاً على المحافظة.


مقالات ذات صلة

سوريا: «مذكرة التفاهم» تنظّم وجود روسيا العسكري... وتفتح الباب على تفاهمات أوسع

حصاد الأسبوع صورة من الجو لقاعدة حميميم الجوية في شمال غربي سوريا، قرب مدينة جبلة (رويترز)

سوريا: «مذكرة التفاهم» تنظّم وجود روسيا العسكري... وتفتح الباب على تفاهمات أوسع

دشّن الإعلان عن التوصل إلى «مذكرة تفاهم» بين دمشق وموسكو تعيد تنظيم وهيكلة الوجود العسكري الروسي على الأراضي السورية، مرحلةً جديدة في علاقات البلدين، تفتح على

رائد جبر (موسكو)
حصاد الأسبوع ردود الفعل على انتخاب جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي

تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره

عبد القادر جامع... «رجل الملفات الشائكة» على رأس مجلس الشعب الصومالي

صعود استثنائي كتبه الصومالي «الأربعيني» عبد القادر محمد نور جامع، في وقت مبكر من شبابه، بين أروقة الدبلوماسية والأمن والسلطة في الصومال، وصولاً للتربع على كرسي

حصاد الأسبوع عناصر من «حركة الشباب» الصومالية الإرهابية (أ.ب)

مجلس الشعب الصومالي... ركيزة حاسمة في فترة عصيبة

مع تصاعد الخلافات بين الحكومة والمعارضة في الصومال، بات «مجلس الشعب» ركيزة أساسية في المشهد السياسي وصنع القرار بالبلاد، بالتزامن مع انتخاب عبد القادر محمد نور

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
حصاد الأسبوع الملك عبدالله الثاني، وبجواره إلى الشمال رئيس الوزراء جعفر حسان ومهند شحادة، وإلى اليمين وليد المصري وعزمي محافظة (الديوان الملكي الأردني)

الأردن: توتر العلاقة بين الحكومة والنواب وصيف ساخن

حالة من الارتباك تعيشها السلطتان الأكثر اشتباكاً (التنفيذية والتشريعية) في الأردن؛ إذ دخلت البلاد في حالة من الترقب وسط مخاوف من تنامي حالة «انعدام الثقة»

محمد خير الرواشدة (عمّان)
حصاد الأسبوع صورة ارشيفية لمركبات تابعة لقوات الـ"يونيفيل" قرب موقع للاحتلال الإسرائيلي بمنطقة كفرشوبا في أقصى جنوب شرقي لبنان (آ ف ب)

كيف تبدّلت قواعد الاشتباك بين إسرائيل و«حزب الله»؟

شهدت الحدود اللبنانية - الإسرائيلية خلال العقدين الماضيين تحوّلاً جذرياً في طبيعة المواجهة بين إسرائيل و«حزب الله». فما أفرزته حرب يوليو (تموز) 2006

«الشرق الأوسط» (بيروت)

سوريا: «مذكرة التفاهم» تنظّم وجود روسيا العسكري... وتفتح الباب على تفاهمات أوسع

صورة من الجو لقاعدة حميميم الجوية في شمال غربي سوريا، قرب مدينة جبلة (رويترز)
صورة من الجو لقاعدة حميميم الجوية في شمال غربي سوريا، قرب مدينة جبلة (رويترز)
TT

سوريا: «مذكرة التفاهم» تنظّم وجود روسيا العسكري... وتفتح الباب على تفاهمات أوسع

صورة من الجو لقاعدة حميميم الجوية في شمال غربي سوريا، قرب مدينة جبلة (رويترز)
صورة من الجو لقاعدة حميميم الجوية في شمال غربي سوريا، قرب مدينة جبلة (رويترز)

دشّن الإعلان عن التوصل إلى «مذكرة تفاهم» بين دمشق وموسكو تعيد تنظيم وهيكلة الوجود العسكري الروسي على الأراضي السورية، مرحلةً جديدة في علاقات البلدين، تفتح على توسيع التعاون في مجالات مختلفة، وإزالة واحدة من العقبات الرئيسية الموروثة من حقبة الرئيس المخلوع بشار الأسد. وفي وقت تعوّل فيه موسكو على استكمال وتسريع مسار تطبيع واسع للعلاقات، يمنح الطرفين الروسي والسوري القدرة على إعادة بنائها، ويضع آليات تتجاوز صعوبات الماضي القريب وتلبي مصالح الطرفين، فإن التحدي الأبرز الذي يواجهه الطرفان، يتمثل في الضغوط الغربية المتواصلة على دمشق لتقليص العلاقات مع روسيا إلى أدنى حد ممكن.

حملت تعليقات الطرفين الروسي والسوري، بعد الإعلان عن توقيع «مذكرة التفاهم» بينهما، تطابقاً في تقييم الوضع على صعيد العلاقات الثنائية، وقناعة بأن من شأن هذه الخطوة الحاسمة إطلاق مرحلة جديدة في علاقات البلدين.

ولكن بينما وصفت وزارة الخارجية السورية التوصل إلى «مذكرة التفاهم» بأنه خطوة «تحسم مصير القاعدتين الروسيتين في حميميم وطرطوس، وترسم ‏ملامح المرحلة المقبلة للعلاقات بين البلدين». قالت موسكو في تعليقها إن التطوّر يمنح العلاقات آفاقاً واسعة تلبي مصالح البلدين.

عملية إعادة تنظيم

بموجب التفاهم، ستبدأ فوراً عملية إعادة تنظيم الوجود الروسي في الساحل السوري، ‏على أن تتولى الدولة السورية إدارة المنشآت ذات الطابع المدني، وفي مقدمها مطار حميميم والرصيف التجاري الرابع في ‏ميناء طرطوس، بما يتيح إدخالهما تدريجياً ضمن منظومة الإدارة المدنية.

أما بالنسبة للقواعد والمنشآت ذات الطابع العسكري، فأفادت المذكرة بأن «الطرفين اتفقا على إعادة ‏صياغة وظيفتها، بحيث تتحوّل من قواعد عسكرية إلى مراكز تدريب وتأهيل مشتركة، ضمن ترتيبات جديدة تحفظ ‏المصالح المتبادلة»‏.

وحدّدت «مذكرة التفاهم» سقفاً زمنياً لا يتجاوز ثلاثة أشهر لاستكمال عملية ‌‏التحويل، لتدخل بعدها الترتيبات الجديدة حيز التنفيذ. ويعد التطور، الخطوة الأبرز منذ بدء المفاوضات قبل نحو عام ونصف عام، ويفتح، كما قال خبراء من الجانبين، «الباب ‏أمام مرحلة مختلفة نوعياً في العلاقات السورية - الروسية».‏

أسئلة حول المستقبل

ووفقاً لخبراء، فإن الإعلان عن توقيع «مذكرة التفاهم» يعكس رغبة متبادلة في «تجاوز الملفات الصعبة في العلاقات، وإيجاد آليات براغماتية لتنظيم العلاقة بشكل يلبي مصالح الطرفين».

لكن كان لافتاً أن المذكرة في بنودها المعلنة لم تحدّد تفاصيل عن طبيعة الوجود الروسي على الأراضي السورية مستقبلاً، سواءً لجهة عديد القوات الروسية المتفق عليه وطبيعة مهامهم وعتادهم والأسلحة التي يمكن أن تبقى في «حميميم» و«طرطوس» مستقبلاً، كما لم تحدد سقفاً زمنياً للتفاهم الجديد. وهذا أمر أثار الكثير من النقاش والتباين في التحليلات بين طرفين رأى أحدهما أن المذكرة تقلّص إلى أدنى درجة النفوذ الروسي في سوريا، وتنهي عملياً حقبة كاملة من «المكاسب» التي حصلت عليها موسكو بسبب تدخلها العسكري في هذا البلد في 2015. في حين يصرّ الموقف الرسمي في البلدين - ومعه فريق واسع من المحللين - على أن التطور «يعيد تنظيم هذا الوجود على أسس جديدة» تأخذ في الاعتبار توافقات موسكو ودمشق على إعادة هيكلة العلاقات بشكل يحفظ مبدأ الاحترام المتبادل للسيادة ويلبي أهداف ومصالح البلدين.

إلغاء الاتفاقيات السابقة

ولكن الثابت، وفقاً لأكثر من خبير، أن توقيع المذكرة «يلغي عملياً الاتفاقات السابقة» التي كانت تنظم وجوداً طويل الأمد، وصفه مسؤولون روس بأنه «إلى الأبد». وهو أيضاً يشطب كل الصلاحيات الواسعة المجحفة التي كان الأسد منحها لموسكو، كالإفادة من المناطق والمنشآت المدنية في محيط القاعدتين، والحصانة الواسعة التي كان يتمتع بها الجنود والضباط الروس على الأرض السورية. بما يعني أن المذكرة لا تعيد فقط تنظيم الوجود الروسي، بل تضع أيضاً هيكلية جديدة له تقوم على إنهاء فكرة «القواعد الروسية»، وتحوّلها إلى مراكز عمل مشتركة تخدم أهداف وتطلعات الطرفين.

توقيع «مذكرة التفاهم» يعكس رغبة متبادلة في «تجاوز الملفات الصعبة في العلاقات

وإيجاد آليات براغماتية لتنظيم العلاقة بشكل يلبي مصالح الطرفين»

ماذا تبقى لموسكو؟

في الواقع، لقاعدة حميميم وميناء طرطوس أهمية استراتيجية خاصة في الساحل السوري؛ إذ يمثل مطار حميميم منشأة جوية رئيسة، بينما يرتبط ميناء طرطوس بالموقع البحري الذي شكّل أحد أبرز أوجه الحضور الروسي في سوريا طوال السنوات الماضية.

وفي حين أن الوجود الروسي الجوي في قاعدة «حميميم» لم تكن له أهمية استراتيجية بالنسبة إلى موسكو إلا في إطار الأهداف العملياتية إبان الحرب السورية، فإن الإطلالة الروسية على البحر المتوسط في قاعدة طرطوس البحرية اكتسبت أهمية استراتيجية كبرى كون الوجود الروسي فيها شكل «حلقة لوجستية» مهمة للغاية لخدمة السفن والأساطيل الروسية التي تتحرّك في المياه الدافئة، ولضمان سلاسل الإمداد والصيانة للسفن التي تنقل المعدات والموارد إلى القارة الأفريقية.

وحقاً، كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد قال غير مرة في السابق إن بلاده مستعدة لسحب فوري لقواتها في سوريا «عندما تدعو الضرورة لذلك». وبالفعل، بدأت موسكو سحباً تدريجياً لقواتها منذ خريف عام 2016 عندما أعلنت «انتهاء الجزء النشط من العمليات العسكرية في سوريا». لكن الانسحاب الأوسع جاء مع اندلاع الحرب الأوكرانية؛ إذ نقلت موسكو معدات ثقيلة ووحدات قتالية إلى مناطق أخرى، وعاد جزء كبير منها إلى ساحة المواجهة مع أوكرانيا.

وفي وقت لاحق، عندما أدت التطورات إلى إطاحة نظام الأسد، عمدت موسكو إلى نقل الجزء الأكبر المتبقي في حميميم إلى مطار القامشلي، الذي حوّلته موسكو بالتفاهم مع تركيا والولايات المتحدة إلى قاعدة جوية ضخمة، قبل أن تنسحب منه في مطلع العام استجابة لطلب من القيادة السورية الجديدة.

والحال أن القوات الروسية، التي كانت تنتشر في 114 قاعدة ونقطة ارتكاز على الأرض السورية عشية إطاحة نظام الأسد، قلّصت هذا الوجود إلى أدنى درجة ممكنة، ولم تعد تحتفظ بقوات إلا في القاعدتين الأكبر في حميميم وطرطوس.

وبعد المذكرة الحالية، يرى خبراء أن موسكو ستواصل تقليص حضورها في القاعدة الجوية، التي ستتحول فعلاً إلى مركز تدريب مشترك لم يتضح بعد ما إذا كان الطرفان سيتقاسمان الإدارة والسيطرة فيه.

قاعدة طرطوس

في المقابل، فإن الحاجة للمحافظة على الوجود الروسي في طرطوس، كونها نقطة ارتكاز لوجستية حيوية لحركة السفن الروسية، لم تتراجع. بل ستزداد أهمية بسبب اتساع نطاق الضغوط الغربية على موسكو وعلى تحرّكات الأساطيل الروسية. وتنطلق موسكو، في حال فتح الطرفان جولات مفاوضات جديدة لتحديد الوضع النهائي للوجود العسكري الروسي على الأراضي السورية، من إمكانية العودة إلى اتفاقية مبرمة في عام 1972 تنظم وجوداً محدوداً لروسيا في إطار مركز فني لخدمة وصيانة السفن وإمدادها بالوقود والمستلزمات الأخرى.

انفتاح على تعاون أوسع

في كل الأحوال، رأى خبراء أن من شأن إبرام المذكرة حالياً إزالة عائق رئيس أمام تطوير التعاون في مجالات عدة. وبحسب المستشار المقرّب من الخارجية الروسي، رامي الشاعر، فإن توقيع المذكرة شكّل استجابة عملية لإعلانات الرئيسين فلاديمير بوتين وأحمد الشرع حول وضع «آلية براغماتية» لإعادة رسم ملامح العلاقات على أرضية جديدة، وبما يتفق مع احترام متبادل للسيادة وتعزيز آليات المنفعة المتبادلة.

ورأى الشاعر أن أهمية المذكرة تكمن في كونها تطلق مرحلة جديدة للتفاهم في مجالات عدة. وأشار إلى أن روسيا ساهمت في الماضي في بناء أهم مرافق البنية التحتية، وبخاصة في مجالي الطاقة والزراعة، بالإضافة إلى تجهيز الكوادر في جميع المجالات، فضلاً عن المساهمة في بناء الجيش السوري وتزويده بكل ما يلزم. وزاد أن المذكرة الجديدة تضع أساساً لتطوير التعاون في كل هذه المجالات على أرضية جديدة.

بدوره، رأى رئيس مجلس الأعمال الروسي - السوري لؤي يوسف في توقيع هذه المذكرة «طيّاً لصفحة الماضي، وتحويلاً للعلاقة الثنائية إلى إطار قائم على المصالح المشتركة، وإعادة هيكلة براغماتية للعلاقات الروسية - السورية».

وأردف: «لا كما يروّج البعض من أنَّها انسحاب روسي من سوريا. فكل طرف يسعى للحفاظ على مكاسبه الأساسية ضمن مظلة جديدة».

وتابع أن العلاقة بين موسكو ودمشق تشهد تطوراً مستمراً بعد سقوط نظام الأسد، و«تتعدد المؤشرات على ذلك، ومنها تركيز الرئيسين الشرع وبوتين على تفعيل وتوسيع الدور الاستراتيجي للشركات الروسية وقطاع الأعمال في إعادة الإعمار. وهذا ما نعمل عليه في مجلس الأعمال الروسي - السوري، حيث نخطط لتنظيم منتدى الأعمال الروسي - السوري في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، بمشاركة الطرف السوري، وبحضور نحو 50 شركة روسية من مختلف المجالات لبحث آفاق التعاون».

تعيين سفير مخضرم

وأشاد الشاعر بتعيين سفير جديد لروسيا في دمشق له خبرة واسعة في الشأن السوري وشؤون المنطقة، وعدَّها خطوة لتنظيم آفاق أوسع للعلاقة والتعاون. وكان بوتين أصدر قبل أيام، مرسوماً يقضي بتعيين الدبلوماسي دميتري دوغادكين سفيراً فوق العادة ومفوضاً للاتحاد الروسي لدى الجمهورية العربية السورية خلفاً للسفير السابق ألكسندر يفيموف.

ويُعدّ دوغادكين دبلوماسياً مخضرماً عمل لسنوات طويلة في المنطقة، وتنقل خلال العقدين الماضيين في مناصب عدة بين مصر وسوريا وسلطنة عمان وقطر، كما تسلم بين عامي 2013 و2017 منصب مدير دائرة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في الخارجية الروسية، ما منحه خبرة واسعة في شؤون المنطقة واطلاعاً وثيقاً على ملفات العلاقة الروسية العربية عموماً، والعلاقات الروسية السورية على وجه الخصوص.

ويعود دوغاكين، الذي يتقن العربية، إلى سوريا سفيراً، بعدما كان قد عمل في هذا البلد مستشاراً أول ونائباً للسفير الروسي بين عامي 2009 و2013، ما يعني أنه عاصر التطورات العاصفة التي شهدتها البلاد، وتحوّل الحراك الشعبي الذي اندلع في 2011 ضد نظام بشار الأسد إلى مواجهة عسكرية طاحنة، دفعت لاحقاً إلى تدخل روسيا عسكرياً بشكل مباشر في 2015.

ضغوط غربية

في المقابل، يواجه السفير الروسي الجديد لدى سوريا ملفات معقدة وتحديات كبرى. وكان أحدث تطور على هذا الصعيد، الإشارة الأميركية التي تلقتها دمشق بضرورة وقف مشتريات النفط الروسي أو تقليصها إلى أدنى درجة ممكنة. وعمدت موسكو خلال السنة الأخيرة إلى تنشيط صادراتها من النفط والوقود إلى سوريا في إطار تفاهمات مع الحكومة السورية لمساعدتها على تجاوز الصعوبات الاقتصادية والمعيشية. وخلال الأشهر الست الأولى من هذه السنة نشطت موسكو صادراتها بشكل قوي.

وقفزت شحنات النفط الروسي إلى سوريا 75 في المائة لتصل إلى نحو 60 ألف برميل يومياً هذه السنة، وهي نسبة ضئيلة من إجمالي صادرات روسيا النفطية اليومية للعالم، لكنها جعلت موسكو المورّد الرئيس للنفط الخام إلى سوريا. ووفقاً لمصادر محلية فإن هذه الشحنات غطت ما يزيد على ثلث حاجة سوريا من النفط.

كذلك، كان مصدر سوري قد أعلن أن «سوريا تعتمد حالياً على النفط الروسي بدافع الضرورة لا التفضيل». ورد مسؤولون سوريون على الضغوط المتواصلة من جانب واشنطن بالإشارة إلى أنه على الولايات المتحدة رفع تصنيف الدول الراعية للإرهاب، لتتمكن سوريا من تنويع مصادرها في مشتريات النفط. وأبلغ مسؤول سوري في قطاع الطاقة «رويترز» أن دمشق تسعى بالفعل إلى إيجاد مورّدين جدد، وأنه من المتوقع حدوث «تغيير جذري» خلال الفترة القريبة المقبلة.

ولكن، قبل بروز هذا الملف، كانت دمشق تعرضت لضغوط مباشرة لدفعها إلى إبطاء مسار تطبيع العلاقات مع موسكو. ومع أن اللهجة الغربية تراجعت جزئياً في السنة الأخيرة، ظل هذا المطلب مطروحاً على طاولة المباحثات السورية - الأوروبية، والسورية - الغربية عموماً.

رؤية روسية

في مواجهة الضغوط الغربية، تنطلق موسكو من حاجة الطرفين إلى وضع ترتيبات جديدة للعلاقة تلبي مصالحهما. وكانت روسيا أعلنت استعدادها للمساعدة في إعادة تأهيل جزء مهم من البنى التحتية، وخصوصاً تلك التي أسهمت موسكو في السابق بشكل نشط في تشييدها، ويدور الكلام عن شبكة إمدادات الكهرباء وقطاعات عديدة أخرى ما زالت الشركات الروسية تنشط فيها. أيضاً عمدت موسكو إلى دعم دمشق بالمحروقات ومواد أخرى حيوية، وأبدت استعدادها للعمل بشكل غير مباشر على تعويض دمشق من خلال تلميح إلى احتمال إعفائها من الديون الروسية وتنشيط تعاون اقتصادي واستثماري في قطاعات عدة.

وناقش الطرفان الروسي والسوري تطوير التعاون العسكري في سياق حاجة دمشق إلى إعادة تأهيل جيشها.

بدورها، أكدت دمشق رغبتها بإعادة بناء العلاقة مع موسكو على أسس جديدة. ووضعت دمشق العلاقة مع موسكو في إطار الحاجة إلى تنويع العلاقات والإفادة من الانفتاح على كل الأطراف الدولية والإقليمية، لكنها طالبت مراراً بتحرك روسي يدعم مبدأ «العدالة الانتقالية». وبالتالي رغم الانفتاح على العلاقة المتجددة مع موسكو يبقى ملف وجود الرئيس المخلوع ورموز قيادته تحت الحماية الروسية عنصر توتر يعرقل بناء الثقة الكاملة بين الطرفين.

وفي هذا الإطار، فإن الضغوط الغربية المتواصلة على دمشق، تسعى - بين أهداف عدة - إلى عرقلة بناء علاقات متجددة بين موسكو ودمشق. وسارت واشنطن أخيراً خطوات عملية في هذا المجال، ويوم 8 يوليو (تموز)، أبلغ الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكونغرس بنيّته شطب سوريا من «قائمة الدول الراعية للإرهاب»، وهو بحاجة لتبرير هذا القرار خلال 45 يوماً. ومع أن هذا القرار لا يرتبط مباشرةً بروسيا، أوضحت واشنطن أخيراً رغبتها في إضعاف علاقات روسيا مع سوريا. وكلف الكونغرس وزارة الحرب (البنتاغون) بدراسة الخيارات المتاحة لتقليص النفوذ الروسي، وضمان انسحاب قواتها من القاعدة البحرية في طرطوس والقاعدة الجوية في حميميم.


عبد القادر جامع... «رجل الملفات الشائكة» على رأس مجلس الشعب الصومالي

ردود الفعل على انتخاب جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي

تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره
ردود الفعل على انتخاب جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره
TT

عبد القادر جامع... «رجل الملفات الشائكة» على رأس مجلس الشعب الصومالي

ردود الفعل على انتخاب جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي

تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره
ردود الفعل على انتخاب جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره

صعود استثنائي كتبه الصومالي «الأربعيني» عبد القادر محمد نور جامع، في وقت مبكر من شبابه، بين أروقة الدبلوماسية والأمن والسلطة في الصومال، وصولاً للتربع على كرسي المنصب الثاني من حيث القوة والنفوذ في هيكل الدولة رئيساً لمجلس الشعب (البرلمان). وهو اليوم يتولّى المنصب في مرحلة مفصلية وسط خلافات سياسية حادة، وترقُّب انتخابات رئاسية وتشريعية في منتصف عام 2027.

يوم 10 أغسطس (آب) 2026، كتب عبد القادر محمد نور جامع، المولود يوم 21 أكتوبر (تشرين الأول) 1985 في مدينة بيدوا الصومالية، مرحلة جديدة في حياته السياسية مع فوزه برئاسة مجلس الشعب، لتنضم هذه المرحلة لسجل حافل بالمناصب والعلاقات المتينة مع القصر الرئاسي ورئيس البلاد حسن شيخ محمود.

في ذلك اليوم، كان جامع وزيراً للموانئ والنقل البحري، واستطاع حصد 142 صوتاً خلال جلسة انتخابية عقدت في مقر البرلمان بالعاصمة مقديشو، عقب شهرين من شغور مقعد رئاسة البرلمان إثر انتخاب رئيسه السابق، الشيخ عدن محمد نور مدوبي، رئيساً لولاية جنوب غربي الصومال في شهر يونيو (حزيران) من عام 2026.

وفي حينه حصد منافسه النائب عبد القادر عمر معلم، أحد أبرز وجوه الموالاة بالبلاد 30 صوتاً فقط، وسط غياب نواب مؤيدين للمعارضة التي ما عادت تعترف بشرعية البرلمان بعد إقرار الدستور في مارس (آذار) الماضي، ومن ثم تمديد فترتي البرلمان والرئاسة سنة حتى منتصف 2027.

اللغة التي قدم بها جامع نفسه بعد الانتخاب توحي بأنه «رجل دولة» يقدّم نفسه لمرحلة تبدو -بحسب مراقبين- مفصلية، مع ارتفاع «لاءات» المعارضة في وجه رئيس البلاد والحكومة الفيدرالية، وتمسّكها برفض الاعتراف به وبالمؤسسة التشريعية. ووفق المراقبين حاول الرجل الابتعاد عن الضغوط السياسية التي قد تستغل «قربه» من الرئيس حسن شيخ محمود.

إنها تقديرات يلخّصها خطاب فوزه، إذ وعد جامع بالتخلي عن مناصبه الحكومية والسياسية، حفاظاً على الحياد الذي يقتضيه منصب رئيس المجلس، وكذلك تعهّد بالتواصل مع النواب المعارضين الذين تغيبوا عن جلسة الانتخابات بسبب الخلافات السياسية.

أيضاً أكد رئيس البرلمان الجديد استعداده للعمل مع نائبي رئيس المجلس واللجان البرلمانية «لأداء عمل البرلمان بشكل كامل». ودعا، بعد أن غدا «الرجل الثاني» في هرم السلطة، إلى الوحدة، والمساواة، مؤكداً أن قيادته «ستسعى إلى تمثيل جميع الصوماليين، ودعم حقوقهم الاجتماعية والسياسية»، وأنه سيعمل على تعزيز التعاون مع مجلس الشيوخ، والمجالس التشريعية للولايات الفيدرالية الصومالية.

سجلّ حافل مع أروقة السلطة

خلف حضور جامع وفوزه الكبير سجل حافل، يشمل دراسته العلوم السياسية في جامعة أنقرة بتركيا بفضل منحة دراسية، وتخرجه عام 2016. وخلال هذه الفترة شغل جامع منصب السكرتير الأول في السفارة الصومالية بأنقرة بين عامي 2012 و2016، وقبل ذلك تولى منصب السكرتير الثاني في السفارة بين 2009 و2012، قبل انضمامه إلى وزارة الخارجية.

أكثر من هذا، شغل جامع منصب نائب مدير وكالة المخابرات والأمن الوطني، والقائم بأعمال المدير بعد استقالة المدير السابق حسن عثمان حسين يوم 13 أكتوبر 2018 وحتى 22 أغسطس 2018. وشغل منصب وزير العدل في الحكومة الفيدرالية الصومالية ما بين 24 أكتوبر 2020 و26 ديسمبر (كانون الأول) 2021. ثم تولّى حقيبة وزارة الدفاع في الفترة ما بين ديسمبر 2021، وحتى مارس من عام 2025، قبل أن يصبح وزيراً للموانئ والنقل البحري، حتى انتخابه الرجل الثاني بالدولة الصومالية.

رئيس مجلس الشعب

من جهة ثانية، تشير تقارير إعلامية محلية تنسب لسيرة جامع الذاتية أنه كان رئيساً للأمن في القصر الرئاسي الصومالي، وإدارة الملفات الشائكة بالدولة. وإبان توليه حقيبة وزارة الدفاع، شارك جامع في توقيع إطار للتعاون الدفاعي والاقتصادي بين الصومال وتركيا عام 2024، بهدف تعزيز التعاون الأمني والدفاعي بين البلدين.

مرحلة مفصلية

ردود الفعل التي لاحقت انتخاب عبد القادر محمد نور جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره، في ظل خلافات سياسية في الصومال جاوزت العامين بشأن الدستور، والعملية الانتخابية، والعلاقات بين الحكومة الفيدرالية وقوى المعارضة.

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، بطبيعة الحال، هنأ جامع على انتخابه رئيساً جديداً لمجلس الشعب الفيدرالي الصومالي. وأعرب محمود عن تمنياته لرئيس المجلس الجديد بالتوفيق في أداء مسؤولياته الدستورية، مؤكداً أهمية اضطلاع مجلس الشعب بدوره في سنّ القوانين، وتمثيل الشعب، وتعزيز المساءلة داخل مؤسسات الدولة. ومن ثم دعاه إلى قيادة المجلس وفقاً للدستور، وإعطاء الأولوية للوحدة، والتشاور، والمصلحة العامة، مشدداً على أهمية الدور الذي يضطلع به البرلمان في عملية بناء الدولة الصومالية.

ومن جانبه، أعرب رئيس الوزراء حمزة عبدي بري، أيضاً، عن تمنياته لرئيس البرلمان الجديد بالتوفيق في أداء مهامه، «بما يعزز دور البرلمان، ويطور عمله التشريعي والرقابي»، مثمناً أهمية التعاون والتنسيق بين مؤسسات الدولة، ولا سيما الحكومة والبرلمان، بما يساهم في تسريع تنفيذ الخطط والبرامج الوطنية، وخدمة الشعب الصومالي. والخميس، تلقى جامع برقية تهنئة من رئيس البرلمان الأفريقي، فاتح بوطبيق، بمناسبة انتخابه رئيساً للمجلس، متمنياً له التوفيق في مهامه القيادية، وتعزيز دور المؤسسة التشريعية، بحسب «وكالة الأنباء الصومالية الرسمية».

في المقابل، أعلن «مجلس المستقبل الصومالي» المعارض، في بيان، بعد إعلان نتائج انتخابات رئيس البرلمان الفيدرالي، رفضه وإدانته ما وصفه بـ«الانتخاب المزعوم» لرئيس مجلس الشعب الصومالي المنتهية ولايته. واعتبر المجلس، في بيان، أن الولاية الدستورية للبرلمان الفيدرالي الصومالي انتهت يوم 14 أبريل (نيسان) 2026، وبالتالي، ما عاد البرلمان يتمتع بالشرعية الدستورية والسياسية التي تخوله انتخاب رئيس جديد للمجلس، كما أنه لا يملك صلاحية تمديد ولايته.

تحذير من المستقبل

أيضاً اعتبر «المجلس» أن «الطريقة التي استغل بها الرئيس المنتهية ولايته الانتخاب المزعوم، تجسّد مثالاً واضحاً على الخطة التي يسعى -بحسب البيان- إلى اتباعها لإدارة الانتخابات المقبلة للبرلمان الفيدرالي، ورئاسة الجمهورية، من خلال السيطرة على العملية الانتخابية، وإقصاء المنافسين الأقوياء، وتحديد نتائج الانتخابات مسبقاً». هذا، ويتمسك النواب الرافضون المشاركة في جلسات البرلمان بموقفهم حول «انتهاء الولاية الدستورية لمجلس الشعب في أبريل الماضي». ويؤكدون أن مدة ولاية البرلمان محددة بأربع سنوات بموجب الدستور المؤقت المعتمد عام 2012، ولذا فهم غير معترفين بالدستور الجديد الذي سمح بتمديد فترة الرئاسة والبرلمان لمدة عام وذلك لمنتصف 2027.وسط هذا الجدل، تتّجه الأنظار إلى جامع ليس باعتباره ممثلاً لصعود استثنائي في عالم السلطة فقط... بل لمتابعة إدارته للأزمة السياسية باعتباره الرجل الثاني بالدولة، والذي تضعه المعارضة بجوار الرجل الأول رئيس البلاد في خانة «رفض الاعتراف».


مجلس الشعب الصومالي... ركيزة حاسمة في فترة عصيبة

عناصر من «حركة الشباب» الصومالية الإرهابية (أ.ب)
عناصر من «حركة الشباب» الصومالية الإرهابية (أ.ب)
TT

مجلس الشعب الصومالي... ركيزة حاسمة في فترة عصيبة

عناصر من «حركة الشباب» الصومالية الإرهابية (أ.ب)
عناصر من «حركة الشباب» الصومالية الإرهابية (أ.ب)

مع تصاعد الخلافات بين الحكومة والمعارضة في الصومال، بات «مجلس الشعب» ركيزة أساسية في المشهد السياسي وصنع القرار بالبلاد، بالتزامن مع انتخاب عبد القادر محمد نور جامع رئيساً جديداً له يوم 10 أغسطس (آب).

محمود علي كلني، الباحث في الشؤون الأفريقية، قال لـ«الشرق الأوسط» إن تاريخ البرلمان الصومالي مرّ بعدة فترات عصيبة؛ إذ تعود جذوره إلى مرحلة الاستقلال عام 1960، عندما قامت الجمهورية الصومالية على نظام برلماني ومجلس تشريعي عُرف باسم «الجمعية الوطنية». واستمر هذا الوضع خلال عقد الستينات إلى أن أطاح انقلاب عسكري عام 1969 بالنظام المدني، وعندها دخلت البلاد مرحلة مختلفة أصبحت فيها المؤسسة التشريعية خاضعة بصورة أكبر للنظام السياسي القائم.

ثم بعد انهيار الدولة المركزية عام 1991، دخل الصومال مرحلة طويلة من الفراغ المؤسسي والحرب الأهلية، قبل أن تبدأ عملية إعادة بناء الدولة عبر مؤتمرات المصالحة الوطنية. وفي عام 2004، أُنشئ النظام الفيدرالي الانتقالي، ثم جاءت نقطة التحوّل الأساسية، وفق كلني، عام 2012 مع اعتماد الدستور الفيدرالي المؤقت، الذي أعاد تأسيس البرلمان ضمن نظام اتحادي «ثنائي الغرف» يضم «مجلس الشعب» و«مجلس الشيوخ».

اليوم، يتكوّن «مجلس الشعب» الصومالي من 275 نائباً منتخبين بشكل غير مباشر، ويتولّى إلى جانب سنّ التشريعات، مهام الرقابة على الحكومة والمشاركة في عمليات صنع القرار السياسي في البلاد، في حين يتألف «مجلس الشيوخ» الصومالي من 54 عضواً ينتخبون بشكل غير مباشر من قبل مجالس الولايات لمدة 4 سنوات.

بين أبرز مهام البرلمان إقرار الدستور الكامل للبلاد في مارس (آذار) الماضي دون توافق شامل؛ إذ ترفضه المعارضة لعدة أسباب بينها «الحد من صلاحيات الولايات وتعظيم سلطة رئيس البلاد وتمديد فترة البرلمان والرئاسة عاما لتنتهي في منتصف 2027».

وبسبب هذا الموقف فقد البرلمان عملياً اعتراف المعارضة التي يطالب ممثلوها بإجراء انتخابات فورية، في حين تتمسك السلطة بإجراء انتخابات مباشرة من دون الالتزام بالنظام القبلي، الذي تميل إليه المعارضة باعتباره غير ممثل لإرادة جميع المواطنين.

أربعة قتلى من أفراد تنظيم "حركة الشباب" إثر هجوم شنته الحركة في العاصمة الصومالية مقديشو (آ ف ب)

أيضاً واجه البرلمان تحديات أمنية جسيمة في عام 2014، حين شهد هجومين بسيارتين مفخختين في مايو (أيار) ويوليو (تموز)، من جانب انتحاريين في «حركة الشباب» الإرهابية التابعة لتنظيم «القاعدة». وتسبّب الهجوم الأول بمقتل وإصابة 10 على الأقل بينهم نواب وعناصر أمن، وأسفر الحادث لاحقاً عن استقالة وزير الأمن القومي عبد الكريم حسين جوليد.

وعلى الرغم من تراجع الهجمات الإرهابية من «حركة الشباب» ضد مؤسسات الدولة في الآونة الأخيرة، تبقى الخلافات السياسية الهمّ الأكبر عند البرلمان في ظل رفض المعارضة الاعتراف به.

وباعتقاد الباحث محمود علي كلني، فإن البرلمان «نجح في السنوات الأخيرة في أن يصبح لاعباً يستحيل تجاوزه، وركيزة حاسمة في صناعة القرار السياسي، وامتلك أدوات دستورية وتشريعية ورقابية مهمة». غير أنه يستدرك فيقول: «مع هذا، فإنه لم ينجح بعد في ترسيخ نفسه بصورة كاملة كمؤسسة مستقلة عن منطق التوازنات السياسية الضيقة».

ويضيف كلني: «بناءً عليه، مع دخول الصومال مرحلة جديدة من إعادة تعريف النظام الدستوري والانتخابي، ستتحدد أهمية البرلمان؛ ليس بعدد القوانين التي يصدرها، بل بمدى قدرته على بناء توافق سياسي قابل للحياة حيال قواعد تداول السلطة في مرحلة عصيبة بتاريخ البلاد». وبالتالي، إذا ما نجح البرلمان في ذلك، فإنه قد يتحول من ساحة للصراع على الدولة إلى مؤسسة لصناعة الدولة. أما إذا أخفق، فقد يجد الصوماليون أنفسهم أمام دورة جديدة من الأزمات السياسية، يكون البرلمان فيها ليس جزءاً من الحل، بل أحد أهم ميادين الصراع على مستقبل البلاد، كما يرى كلني.

وأخيراً يخلص الباحث والخبير إلى أن القول إن «مستقبل البرلمان الصومالي لن يُحسم داخل قاعة البرلمان وحدها، بل في قدرته على تحقيق المعادلة الأصعب عبر الانتقال من منطق تقاسم السلطة إلى منطق التمثيل السياسي، ومن شرعية التوافق بين النخب إلى شرعية الإرادة الشعبية، من دون أن يؤدي هذا الانتقال إلى تفكيك التوازن الهشّ الذي أبقى الدولة الصومالية موحّدة طوال مرحلة ما بعد الحرب».