كيري: المفاوضات النووية مع إيران «صعبة جدا»

روحاني يرسل شقيقه لدعم فريق طهران في اجتماعات فيينا

وزير الخارجية الأميركي جون كيري لدى وصوله إلى فيينا صباح أمس في جولة مفاوضات جديدة (إ.ب.أ)
وزير الخارجية الأميركي جون كيري لدى وصوله إلى فيينا صباح أمس في جولة مفاوضات جديدة (إ.ب.أ)
TT

كيري: المفاوضات النووية مع إيران «صعبة جدا»

وزير الخارجية الأميركي جون كيري لدى وصوله إلى فيينا صباح أمس في جولة مفاوضات جديدة (إ.ب.أ)
وزير الخارجية الأميركي جون كيري لدى وصوله إلى فيينا صباح أمس في جولة مفاوضات جديدة (إ.ب.أ)

اجتمع وزير الخارجية الأميركي جون كيري مجددا مع نظيره الإيراني محمد جواد ظريف في فيينا صباح أمس، في ثاني اجتماع ثنائي بين الطرفين الأميركي والإيراني على مستوى وزراء مع احتدام المفاوضات حول الملف النووي الإيراني قبل ستة أيام من انتهاء الموعد المحدد للتوصل إلى اتفاق بين إيران ودول «5+1». وأعلن البيت الأبيض أمس أن إيران شاركت في المحادثات النووية مع الغرب بشكل جاد، لكنها لم تتخذ بعد قرارات ضرورية لتثبت أن برنامجها النووي سلمي في نهاية المطاف.
وقال المتحدث باسم البيت الأبيض جوش إرنست عند سؤاله إن كان وزير الخارجية كيري مفوضا لمد مهلة المحادثات النووية مع طهران لما بعد 20 يوليو (تموز) الحالي، بأن كيري يقيم مدى جدية إيران خلال الاجتماعات في فيينا وسيعود للولايات المتحدة ليقدم توصيات للرئيس الأميركي باراك أوباما بشأن كيفية المضي قدما.
وقال كيري لفريقه في السفارة الأميركية في فيينا: «إننا نخوض مفاوضات حول الانتشار النووي ولجم برنامج إيران النووي، وبوسعي أن أقول إن هذه المباحثات صعبة جدا». وأشاد كيري بـ«الدور المحوري» للوكالة الدولية للطاقة الذرية في أنحاء العالم كافة.
وأجرى كيري صباح أمس مباحثات لمدة ساعتين مع نظيره الإيراني، وقال للصحافيين في ختام اللقاء: «نعمل بجد». ووصل كيري إلى فيينا أول من أمس لتحريك المفاوضات مع إيران مع اقتراب مهلة 20 يوليو للتوصل إلى اتفاق نهائي حول برنامج إيران النووي. وغادر كيري فيينا متوجها إلى مصر لبحث التطورات في غزة وكيفية وقف الهجوم الإسرائيلي عليها.
وقد وصل إلى فيينا أيضا أول من أمس وزراء خارجية ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، لكن لم يسجل أي اختراق بعد يوم أول من المفاوضات. ولدى عودته من جولة إلى الصين وأفغانستان توقف كيري في فيينا لحث المفاوضين الإيرانيين على القيام بـ«خيارات حاسمة»، كما قال مسؤول في الخارجية الأميركية.
وتتعثر المفاوضات حول قدرة تخصيب اليورانيوم التي تطالب بها إيران. واليورانيوم العالي التخصيب يمكن أن يستخدم في إنتاج القنبلة الذرية. وتشتبه الأسرة الدولية في أن تكون طهران تسعى إلى امتلاك السلاح الذري، في حين تؤكد طهران أن برنامجها النووي مدني.
وتوصلت الدول الكبرى وطهران إلى اتفاق مرحلي في نوفمبر (تشرين الثاني) 2013 ينص على تجميد برنامج إيران النووي مقابل رفع محدود للعقوبات التي تخنق الاقتصاد، لكن يفترض التوصل إلى اتفاق نهائي بحلول 20 يوليو الحالي.
وقال ظريف مساء أول من أمس على حسابه على «تويتر»: «يجب أن تكون الثقة من الجانبين»، مؤكدا أن إيران تبذل «جهودا جدية»، قال إنه يتوقع «الجهود نفسها» من المفاوضين في مجموعة «5+1» (الصين والولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وروسيا إضافة إلى ألمانيا).
وسمح الاتفاق المرحلي المبرم في نوفمبر 2013 في جنيف بتجميد البرنامج النووي الإيراني لقاء رفع محدود للعقوبات. والاتفاق المرحلي لستة أشهر يفترض أن يفضي إلى اتفاق نهائي في 20 يوليو الحالي. ويمكن تمديد المباحثات بموافقة الجانبين.
وقبل ستة أيام من انتهاء المهلة المحددة بقيت الأجواء غير واضحة. وقد خضع الأميركيون والإيرانيون لضغوط كبيرة على الصعيد الداخلي حيث إن التيار المتشدد في كلا البلدين يعارض التوصل إلى اتفاق.. فبعيدا عن طاولة المفاوضات في فيينا، على ظريف أن يأتي باتفاق يرضي المتشددين الإسلاميين في بلاده، فيما يتعرض كيري لضغوط الكونغرس قبل انتخابات منتصف الولاية في نوفمبر المقبل كي لا يتنازل كثيرا لخصم واشنطن التقليدي.
ومن الجانب الإيراني، أثار وجود حسين فريدون، الشقيق الأصغر للرئيس الإيراني حسن روحاني، في آخر جولة من المباحثات النووية بين إيران ووزراء خارجية أربع دول هي الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا تساؤلات حول دوره وأهميته في الانضمام إلى الوفد الإيراني في فيينا.
وأبرزت مواقع إخبارية إيرانية مقربة من روحاني وجود فريدون في المفاوضات في إشارة إلى عزم روحاني على التوصل إلى اتفاق. ولكن يظل السؤال حول ما إذا كان وزير الخارجية ظريف لا يملك السلطة الكافية نيابة عن الرئيس لقيادة المفاوضات أم إن هناك أسبابا أخرى.
وصرح فريدون مجلسي، الدبلوماسي الإيراني السابق لـ«الشرق الأوسط» بأن «مشاركة حسين فريدون في مباحثات فيينا تعني أن روحاني عازم على الوصول إلى اتفاق قبل الموعد النهائي المحدد في 20 يوليو» الحالي. وأشار مجلسي أيضا إلى أنه «جرى تكليف حسين فريدون أخيرا بحمل رسالة من روحاني إلى رئيس الصين بخصوص الملف النووي، وهو مطلع ولديه صلاحيات في هذه القضية».
كما أوردت «شبكة أخبار فارس» الإيرانية أمس أن عضوا في الفريق الإيراني المفاوض في فيينا أوضح أنه «بسبب جدول الأعمال المكثف لوزير الخارجية ظريف، لن يستطيع العودة إلى طهران للتشاور مع الرئيس، لذلك جرى إرسال شقيق الرئيس إلى فيينا لإبلاغ الرئيس مباشرة بمحتوى المفاوضات بأمان». في الوقت ذاته، علمت «الشرق الأوسط» من مصدر في طهران أن قرار إرسال فريدون إلى فيينا جاء لمساعدة ظريف، حيث إن هناك قضايا ذات اهتمام مشترك بين القوى الغربية وإيران لم يُكلَف وزير الخارجية بالتفاوض بشأنها، وهي الوضع في العراق وسوريا وحزب الله. ويسمح وجود فريدون باتباع مسار ثان في المباحثات حول جميع القضايا المهمة بين إيران والغرب مع إمكانية الوصول إلى حلول وسط.
وأضاف المصدر قائلا: «حسين فريدون كان الوسيط الرئيس في ترتيب الحديث الهاتفي غير المسبوق بين رئيسي إيران والولايات المتحدة في سبتمبر (أيلول) 2013».
يذكر أن فريدون عين مساعدا خاصا للرئيس للشؤون التنفيذية في 28 أغسطس (آب) عام 2013، بعد فترة وجيزة من تولي روحاني الرئاسة. واستحوذ حسين فريدون في وسائل الإعلام الإيرانية على مدار العقود الثلاثة الأخيرة على بعض الاهتمام لأنه لم يغير لقب العائلة مثل شقيقه من فريدون إلى روحاني كما فعل.
يقال إن فريدون كان عضوا في الحرس الذي كان يعمل على تأمين آية الله الخميني منذ الأيام الأولى لاندلاع ثورة 1979، ثم أصبح حاكما لمقاطعتي نيشابور والكرج الواقعتين في شمال شرقي ووسط إيران بالترتيب. كما يتردد أنه كان يعمل في قسم المشتريات العسكرية السرية لإيران طوال الحرب الإيرانية - العراقية التي استمرت ثمانية أعوام.
بعد الحرب تولى فريدون منصب سفير إيران لدى ماليزيا لمدة ثمانية أعوام، ثم أمضى عدة أعوام في تمثيل إيران لدى الأمم المتحدة. وبعد عودته إلى إيران، تم تعيينه مستشارا لشقيقه الذي يعمل في مركز الأبحاث الاستراتيجية التابع لمجلس تشخيص مصلحة النظام، عندما كان حسن روحاني أمينا للمجلس ويعمل تحت رئاسة هاشمي رافسنجاني.



اليمنيون تحت وطأة الأوبئة بمناطق سيطرة الحوثيين

المستشفيات في مناطق سيطرة الحوثيين تعتمد على تبرعات رجال الأعمال (إكس)
المستشفيات في مناطق سيطرة الحوثيين تعتمد على تبرعات رجال الأعمال (إكس)
TT

اليمنيون تحت وطأة الأوبئة بمناطق سيطرة الحوثيين

المستشفيات في مناطق سيطرة الحوثيين تعتمد على تبرعات رجال الأعمال (إكس)
المستشفيات في مناطق سيطرة الحوثيين تعتمد على تبرعات رجال الأعمال (إكس)

كشفت مصادر طبية يمنية عن تفشي موجة جديدة من الأوبئة في مناطق عدة خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، في مقدمها «الكوليرا» و«الإسهالات المائية» ومختلف أنواع الحُميات، وسط تحذيرات من كارثة صحية تهدد ملايين السكان، في ظل الانهيار المستمر للقطاع الصحي وتدهور خدمات المياه والصرف الصحي.

وأفادت المصادر بظهور تقارير وبلاغات يومية تُسجل مئات الإصابات بالحُميات وحالات الاشتباه في الكوليرا والإسهالات الحادة بعدد من المحافظات الواقعة تحت سيطرة الجماعة، وسط عجز متصاعد عن توفير الرعاية الصحية، واتهامات للحوثيين بمواصلة استهداف القطاع الصحي، وعدم تنفيذ حملات استجابة طارئة تحد من تفشي الأمراض وتوفر بيئة صحية مناسبة للسكان.

ووفق تقارير طبية، فإن معدلات الإصابة بهذه الأمراض تشهد ارتفاعاً متسارعاً خلال الأشهر الأخيرة، مع تسجيل آلاف الحالات المشتبه فيها بمحافظات: صنعاء، وحجة، والحديدة، وإب، وعمران، وذمار.

الحوثيون يواصلون إخفاء أرقام ضحايا الكوليرا بمناطق سيطرتهم (أطباء بلا حدود)

ويؤكد أطباء وعاملون صحيون أن تدهور شبكات المياه والصرف الصحي، وتراكم النفايات، وغياب الرقابة الصحية، أسهمت جميعها في اتساع رقعة انتشار الأوبئة، بالتزامن مع نقص حاد في الأدوية والمحاليل الوريدية والمستلزمات الطبية الأساسية.

ولفت هؤلاء إلى أن غالبية المرافق الصحية باتت عاجزة عن استيعاب الأعداد المتصاعدة من المرضى، خصوصاً الأطفال وكبار السن؛ في ظل انقطاع المرتبات، وهجرة الكوادر الطبية، وتراجع الدعم الإنساني الدولي، فضلاً عن استمرار تخصيص الجماعة عدداً من المستشفيات لخدمة أتباعها.

ويُعدّ اليمن من أعلى دول العالم تضرراً من وباء الكوليرا خلال السنوات الأخيرة؛ إذ تسبب الانقلاب والحرب المستمرة منذ سنوات في انهيار شبه كامل للبنية التحتية الصحية والخدمية؛ مما جعل ملايين السكان عرضة للأوبئة والأمراض المُعدية.

3 آلاف إصابة

في تقرير حديث، كشفت «منظمة الصحة العالمية» عن تسجيل أكثر من 3 آلاف حالة جديدة مشتبه في إصابتها بالكوليرا والإسهال المائي الحاد في اليمن خلال الربع الأول من العام الحالي، في مؤشر على استمرار تفشي الوباء وتداعياته الصحية على السكان.

ورصدت المنظمة نحو 3177 حالة إصابة مشتبه فيها منذ مطلع يناير (كانون الثاني) وحتى نهاية مارس (آذار) الماضيين، إلى جانب 3 حالات وفاة مرتبطة بالوباء خلال الفترة نفسها.

الحوثيون متهمون بتسخير موارد القطاع الصحي للمجهود الحربي (أطباء بلا حدود)

ووفقاً للتقرير، فقد حل اليمن في المرتبة الـ5 عالمياً من حيث عدد الإصابات المسجلة بالكوليرا خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام، كما جاء ثانياً على مستوى إقليم شرق المتوسط بعد أفغانستان من حيث عدد الإصابات والوفيات.

وشهد شهر مارس الماضي وحده تسجيل 969 إصابة جديدة، بينها حالتا وفاة، ليصبح اليمن رابع أعلى دولة عالمياً من حيث عدد الحالات الجديدة المسجلة خلال ذلك الشهر.

مخاوف من موجة وبائية

يخشى مراقبون وعاملون في القطاع الصحي اليمني من تحوّل الوضع موجةً وبائيةً واسعةً مع دخول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة، وهي ظروف تهيئ بيئة مناسبة لانتشار الأمراض المنقولة عبر المياه الملوثة.

ودعت منظماتٌ إنسانية المجتمعَ الدولي إلى التدخل العاجل لدعم القطاع الصحي في اليمن، وتوفير التمويل اللازم لبرامج مكافحة الكوليرا وتحسين خدمات المياه والإصحاح البيئي، محذرة بأن استمرار الحرب، والأزمة الإنسانية، يزيدان من تعقيد جهود احتواء الوباء والسيطرة عليه.

ويتزامن ذلك مع مواصلة «مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية» تقديم دعمه للقطاع الصحي في اليمن عبر برامج طبية وإغاثية؛ تستهدف تعزيز الخدمات الصحية والحد من انتشار الأوبئة في المناطق الأكبر احتياجاً.

ووفق تقارير محلية، فقد شهدت الفترة ما بين 25 و31 مارس 2026 تقديم خدمات طبية وإغاثية لأكثر من 10 آلاف و466 مستفيداً، ضمن جهود مشتركة من «مركز الطوارئ لمكافحة الأمراض الوبائية» بمحافظة حجة، و«مشروع الاستجابة العاجلة لمكافحة الكوليرا» في عدد من المحافظات اليمنية.


أطفال صنعاء يستقبلون العيد بأحلام مؤجلة وابتسامات تقاوم الحرب

نصف الأسر اليمنية اضطرت إلى الاقتراض لتوفير الغذاء (الأمم المتحدة)
نصف الأسر اليمنية اضطرت إلى الاقتراض لتوفير الغذاء (الأمم المتحدة)
TT

أطفال صنعاء يستقبلون العيد بأحلام مؤجلة وابتسامات تقاوم الحرب

نصف الأسر اليمنية اضطرت إلى الاقتراض لتوفير الغذاء (الأمم المتحدة)
نصف الأسر اليمنية اضطرت إلى الاقتراض لتوفير الغذاء (الأمم المتحدة)

في حي شعبي شمال العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، يقف محمد، ذو الأحد عشر عاماً، أمام «فرشة» صغيرة لبيع الألعاب، يراقب أترابه وهم يختارون ما يريدون بفرح، بينما اكتفى هو بالنظر بصمت قبل أن يغادر ممسكاً بيد شقيقه الأصغر.

يقول محمد لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أتمنى أن أشتري سيارة لعبة وأن ألبس ملابس جديدة للعيد، لكنَّ أبي قال إن الوضع صعب، وربما يشتريها لي في السنة المقبلة».

ومع اقتراب عيد الأضحى، تبدو فرحة العيد في صنعاء وبقية المدن الخاضعة لسيطرة الحوثيين، باهتة لدى كثير من الأطفال الذين أثقلت الحرب كاهل أسرهم، وحوَّلت أحلامهم البسيطة إلى أمنيات مؤجلة. فالظروف المعيشية والاقتصادية المتدهورة، وارتفاع الأسعار، وغياب الرواتب، وندرة فرص العمل، دفعت آلاف العائلات إلى الاكتفاء بتأمين الغذاء، فيما أصبحت ملابس العيد والألعاب رفاهية بعيدة المنال.

وأجرت «الشرق الأوسط» جولة في بعض شوارع وأسواق صنعاء، ورصدت مشاهد تختصر حجم المعاناة والحرمان اللذين يعيشهما مئات الأطفال، في ظل ازدياد معدلات الفقر وتراجع القدرة الشرائية، وهو ما ينعكس مباشرةً على احتياجات الصغار الأساسية.

في سوق «السنينة» بمديرية معين وسط المدينة، كانت الطفلة ريم (9 أعوام) تساعد والدتها على بيع بعض الحلويات المنزلية، بينما تراقب فساتين العيد المعلقة على واجهات المحلات.

الأطفال في اليمن يتحملون المشقة لمساعدة عائلاتهم (الشرق الأوسط)

وتقول الطفلة: «أتمنى أن ألبس فستاناً وردياً وأن أخرج للعب مع البنات، لكنَّ أمي تعجز دائماً عن توفير ذلك».

وفي حي الحصبة شمال صنعاء، يجلس الطفل سليم إلى جوار والده داخل «فرشة» صغيرة لبيع الخضراوات، وهو يعبث بطائرة ورقية صنعها بنفسه.

ويقول: «أحلم بأن أكون مهندساً وأن أبني متجراً كبيراً لأبي، وأساعده يومياً في البيع والشراء حتى يستطيع تأمين كل احتياجاتي من الملابس والألعاب وغيرها».

ورغم قسوة الواقع، لا يزال الأطفال في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين يتمسكون بأحلامهم الصغيرة، ويحاولون صناعة فرحتهم بوسائل بسيطة. ففي بعض الحارات الشعبية، يجتمع الصغار للعب بالكرات الورقية أو الألعاب القديمة، بينما تحاول أسر الحفاظ على الحد الأدنى من طقوس العيد، عبر تقديم مبالغ رمزية للأطفال أو إعداد وجبات منزلية متواضعة.

آثار نفسية ومعيشية

تؤكد تقارير إنسانية أن الأطفال في اليمن هم الأكثر تضرراً من الأزمة الممتدة، حيث يعاني كثير منهم من سوء التغذية وغياب الخدمات الأساسية، فضلاً عن الآثار النفسية التي خلفتها الحرب والفقر الناتجين عن الانقلاب الحوثي.

ويرى مختصون اجتماعيون أن الأعياد في اليمن فقدت جزءاً كبيراً من ملامحها التقليدية خلال السنوات الأخيرة، بعدما انعكست الأزمة الاقتصادية والحرب المستمرة على حياة الأسر، خصوصاً الأطفال.

طفلة يمنية تراجع دروسها برفقة ميزان في أحد شوارع صنعاء (إكس)

ويؤكد هؤلاء أن كثيراً من الأطفال في صنعاء ومدن أخرى تحت سيطرة الحوثيين باتوا يواجهون واقعاً قاسياً حرمهم من أبسط مظاهر الفرح المرتبطة بالعيد، مثل الملابس الجديدة أو الخروج إلى الحدائق وشراء الألعاب.

وحسب التقارير الدولية، فإن استمرار الحرب والأزمة الإنسانية في اليمن تركا آثاراً نفسية ومعيشية عميقة على الأطفال، الذين كبر كثير منهم قبل أوانهم، وأصبحوا أكثر إدراكاً لمعاني الحرمان والخوف وعدم الاستقرار.

تحذيرات أممية

في موازاة ذلك، يشير الطفل أيهم (15 عاماً)، الذي يقطن مع عائلته في حي القاع بصنعاء، إلى أن الأطفال باتوا أكثر وعياً بالظروف القاسية التي تمر بها أسرهم، الأمر الذي يدفعهم إلى كتمان رغباتهم أو تأجيل أحلامهم الصغيرة مراعاةً لأوضاع آبائهم.

ويضيف: «أمنيتي الوحيدة أن يأتي يوم أحتفل فيه مع أسرتي بعيد بلا حرب، وبأحلام لا تؤجلها الحاجة».

ويتزامن ذلك مع تحذير برنامج الغذاء العالمي من استمرار الارتفاع المقلق في معدلات سوء التغذية بين الأطفال دون سن الثانية في اليمن، مع تسجيل مستويات أكثر حدة في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين.

يمنيون في صنعاء يبتكرون ألعاباً لأطفالهم خلال أيام العيد (الشرق الأوسط)

وأوضح البرنامج الأممي أن بيانات الرصد من بُعد تشير إلى أن الفقر الغذائي الحاد بين الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 6 و23 شهراً لا يزال عند مستويات مرتفعة خلال عام 2026، رغم تسجيل تحسن طفيف في مارس (آذار) الماضي.

وحسب التقرير، لا يزال الوضع الإنساني في اليمن بالغ الخطورة، إذ يُقدَّر أن نحو 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة يعانون من سوء التغذية الحاد، بينهم أكثر من 516 ألف طفل يعانون من سوء التغذية الحاد الوخيم، إلى جانب توقعات بتعرض نحو 1.3 مليون امرأة حامل ومرضعة لسوء التغذية خلال العام الجاري.

Your Premium trial has ended


ملايين اليمنيين عاجزون عن تأمين الغذاء

60 % من الأسر اليمنية تعتمد على الزراعة... والإنتاج لا يلبي سوى 30 % من الاحتياجات (الأمم المتحدة)
60 % من الأسر اليمنية تعتمد على الزراعة... والإنتاج لا يلبي سوى 30 % من الاحتياجات (الأمم المتحدة)
TT

ملايين اليمنيين عاجزون عن تأمين الغذاء

60 % من الأسر اليمنية تعتمد على الزراعة... والإنتاج لا يلبي سوى 30 % من الاحتياجات (الأمم المتحدة)
60 % من الأسر اليمنية تعتمد على الزراعة... والإنتاج لا يلبي سوى 30 % من الاحتياجات (الأمم المتحدة)

أكدت بيانات أممية حديثة أن واحداً من كل شخصين في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية يعاني من مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد، في ظل استمرار التدهور الاقتصادي وتراجع المساعدات الإنسانية واتساع آثار الصراع؛ الأمر الذي جعل ملايين السكان غير قادرين على تلبية احتياجاتهم الغذائية الأساسية.

ووفق تقرير أممي حديث بشأن مستويات الأمن الغذائي، فإن نحو 5 ملايين يمني يعيشون حالياً في «المرحلة الثالثة أو ما فوقها» من «التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي»، وهي مرحلة «الأزمة» أو «ما هو أسوأ»، حتى الشهر الحالي.

«حالة الطوارئ»

وأظهرت البيانات أن نحو 1.4 مليون يمني دخلوا المرحلة الرابعة؛ «حالة الطوارئ»، في مؤشر على اتساع فجوات استهلاك الغذاء، واضطرار كثير من الأسر إلى اتباع استراتيجيات تكيف قاسية، مثل بيع الممتلكات أو المواشي أو اللجوء إلى التسول، للبقاء على قيد الحياة.

وأشار التقرير إلى أنه لولا المساعدات الإنسانية المحدودة التي قُدمت لنحو 1.7 مليون شخص خلال الفترة الماضية، لكانت مستويات انعدام الأمن الغذائي أشد سوءاً، موضحاً أن 47 في المائة من السكان الذين شملهم التحليل، البالغ عددهم 10.5 مليون نسمة، يعانون من «المرحلة الثالثة أو أعلى» من «التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي».

انخفاض حاد في المساعدات الإنسانية بالمناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية (الأمم المتحدة)

وعلى الرغم من حدة الأزمة، فإن التقرير تحدث عن تحسن موسمي طفيف في توافر الغذاء وإمكانية الحصول عليه مقارنة بالفترة السابقة، التي بلغ فيها عدد السكان في «المرحلة الرابعة» نحو 1.6 مليون يمني.

وعزا التقرير هذا التحسن المحدود إلى زيادة الإنتاج الزراعي والرعوي المحلي اليمني، وتوسع نطاق المساعدات الإنسانية، إضافة إلى ارتفاع الدعم المجتمعي عبر الزكاة والصدقات خلال الفترة الأخيرة، رغم تأكيده أن هذه العوامل لا تزال غير كافية لمعالجة الفجوات الغذائية المتصاعدة.

وأكدت البيانات أن نحو 60 في المائة من الأسر اليمنية تعتمد على الزراعة مصدراً رئيسياً للعيش، في حين لا يغطي الإنتاج المحلي سوى ما بين 25 و30 في المائة من الاحتياجات الغذائية الوطنية؛ مما يجعل اليمن أكبر عرضة لتقلبات أسعار الغذاء العالمية واضطرابات سلاسل الإمداد المرتبطة بالصراع الإقليمي.

وصنف التقرير جميع المحافظات اليمنية الـ12 الخاضعة لسيطرة الحكومة ضمن «المرحلة الثالثة أو أعلى» من «التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي»، في مؤشر على اتساع مواطن الضعف الهيكلية وتراجع قدرة الأسر على امتصاص الصدمات الاقتصادية والمعيشية.

وأوضح أن النازحين اليمنيين داخلياً والفئات المهمشة والأسر الأشد فقراً هم الأكبر تضرراً من ارتفاع الأسعار وتراجع فرص العمل وانخفاض حجم المساعدات الإنسانية.

مخاوف من تفاقم الأزمة

نبهت الأمم المتحدة إلى أن أي تصعيد إضافي في النزاع أو استمرار خفض التمويل الإنساني في اليمن سيؤدي إلى اتساع الفجوات الغذائية وتسارع لجوء السكان إلى آليات تكيف أكبر هشاشة خلال الأشهر المقبلة.

وتوقعت البيانات أن يتدهور الوضع الغذائي سريعاً خلال موسم الجفاف الممتد من يونيو (حزيران) إلى سبتمبر (أيلول) المقبلين، مع ارتفاع عدد السكان في «المرحلة الثالثة أو أعلى» إلى 5.4 مليون شخص، يمثلون 51 في المائة من السكان الذين شملهم التحليل، بينهم 1.6 مليون شخص في «المرحلة الرابعة».

1.8 مليون يمني وصلوا إلى «المرحلة الرابعة» من انعدام الأمن الغذائي (الأمم المتحدة)

وتمثل هذه الأرقام زيادة بنحو 400 ألف شخص مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، مع تحذيرات بأن النقص الحاد في التمويل سيؤدي إلى تقليص برامج الأمن الغذائي في اليمن لتشمل نحو 1.2 مليون شخص فقط، بثلث الحصة الغذائية القياسية.

وأشار التقرير إلى أن الصدمات المناخية، بما فيها الفيضانات المفاجئة، وتأخر مواسم الزراعة، وانتشار الآفات الزراعية، وارتفاع تكاليف المدخلات، ستؤدي إلى مزيد من تراجع الإنتاج الزراعي وانخفاض دخول الأسر اليمنية.

تراجع القدرة الشرائية

أكد التقرير الأممي أن استمرار عدم انتظام صرف الرواتب، وشح فرص العمل، يواصلان تقويض القدرة الشرائية للأسر اليمنية، في وقت يسهم فيه نقص السيولة المحلية والقيود المصرفية في زيادة صعوبة الحصول على الغذاء، خصوصاً للأسر المعتمدة على التحويلات المالية.

كما أشار إلى أن التوترات المرتبطة بـ«البنك المركزي»، وقيود السحب النقدي، وعدم الاستقرار المالي، تعرقل أنشطة التجار وتفاقم الضغوط الاقتصادية على السكان.

واحد من كل شخصين يمنيين يعاني من «انعدام الأمن الغذائي الحاد» (الأمم المتحدة)

وأوضح التقرير أن المساعدات الغذائية الإنسانية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية شهدت انخفاضاً حاداً منذ مطلع العام الحالي؛ نتيجة تخفيضات التمويل، حيث من المقرر أن يحصل 1.7 مليون شخص فقط على الدعم بمستويات متفاوتة من التغطية الغذائية.

وأكد أن محدودية التغطية، وانخفاض قيمة التحويلات، وتراجع وتيرة توزيع المساعدات، تؤدي إلى اتساع فجوات استهلاك الغذاء لدى الأسر المعتمدة على هذا الدعم.

وتوقع التقرير أن تتفاقم الأزمة خلال الربع الأخير من العام الحالي، مع ارتفاع عدد السكان المصنفين في «المرحلة الرابعة (حالة الطوارئ)» إلى نحو 1.8 مليون شخص، بزيادة تبلغ نحو 150 ألف شخص مقارنة بالمستويات الحالية.

وأشارت البيانات الأممية إلى أن هذا التدهور المتوقع في اليمن يعكس الاعتماد الكبير للسكان على المساعدات الإنسانية الخارجية لتأمين الحد الأدنى من الاحتياجات الغذائية، إلى جانب هشاشة سبل العيش والاقتصاد المحلي.