تهاوي العملة اليمنية يشعل غضباً شعبياً... ومساع حكومية لاحتواء الأزمة

الميليشيات تتوعد التجار وتقصر العمل المصرفي على الموالين لها

رجل يمر بدراجة نارية قرب إطارات أشعلها غاضبون من الوضع الاقتصادي في عدن أمس (أ.ف.ب)
رجل يمر بدراجة نارية قرب إطارات أشعلها غاضبون من الوضع الاقتصادي في عدن أمس (أ.ف.ب)
TT

تهاوي العملة اليمنية يشعل غضباً شعبياً... ومساع حكومية لاحتواء الأزمة

رجل يمر بدراجة نارية قرب إطارات أشعلها غاضبون من الوضع الاقتصادي في عدن أمس (أ.ف.ب)
رجل يمر بدراجة نارية قرب إطارات أشعلها غاضبون من الوضع الاقتصادي في عدن أمس (أ.ف.ب)

أشعل استمرار تهاوي العملة اليمنية (الريال)، أمس، غضباً شعبياً، واحتجاجات شملت عدة مدن، وسط مطالبات للحكومة الشرعية بالتدخل من أجل وضع حد لانهيار الاقتصاد، ووقف الارتفاع الجنوني في أسعار السلع الغذائية.
جاء ذلك في وقت دعت فيه الحكومة إلى انعقاد اجتماع استثنائي لبحث الحلول الممكنة من أجل إعادة الاستقرار إلى السوق المصرفية، واتخاذ الإجراءات الكفيلة بضمان عودة الأسعار إلى سابق عهدها، وذلك بالتزامن مع انعقاد أول اجتماع مرتقب للجنة الاقتصادية، التي صدر أخيراً قرار رئاسي بتشكيلها، برئاسة مستشار الرئيس اليمني حافظ معياد.
وشملت الاحتجاجات الغاضبة، أمس، مدن عدن والضالع ولحج وشبوة، وأدت إلى مقتل أحد الأشخاص، في إطلاق نار خلال مظاهرة خرجت في مدينة قعطبة (شمال محافظة الضالع)، التي قطع المتظاهرون فيها الطرق الرئيسية، وسط ترديد شعارات غاضبة تطالب الحكومة بإيجاد حلول فورية لانهيار العملة. وشلت المظاهرات، أمس، مدينة عدن في ساعات الصباح، حيث قطع المحتجون الشوارع، وأغلقت المحلات أبوابها، قبل أن تعود الأوضاع إلى الهدوء في ساعات المساء. كما شهدت صنعاء، الواقعة تحت سيطرة الميليشيات الحوثية، إغلاقاً لمحلات الصرافة، وسط حملات حوثية لقصر عملية بيع وشراء العملات الصعبة على الشركات الموالية للجماعة.
ويرجح مراقبون اقتصاديون أن سلوك الميليشيات الحوثية، وسعيها إلى المضاربة بالعملة، فضلاً عن تهافتها على اكتناز العملات الصعبة، وتهريبها إلى الخارج لشراء الأسلحة، في صدارة الأسباب التي قادت إلى انهيار العملة اليمنية، ووصولها إلى مستويات متدنية غير مسبوقة أمام العملات الأجنبية.
وإلى جانب الأسباب التي قادت إلى انهيار العملة اليمنية على هذا النحو، كانت الميليشيات الحوثية قد فرضت قيوداً مشددة على انتقال الأوراق النقدية بين مناطق سيطرتها ومناطق سيطرة الشرعية، كما أصدرت تعميماً يمنع تداول الطبعات الجديدة من العملة الصادرة عن البنك المركزي في عدن.
وبحسب مصرفيين تحدثوا مع «الشرق الأوسط» أمس، سجل الدولار الأميركي والعملات الأجنبية الأخرى أرقاماً قياسية أمام الريال اليمني، إذ بلغ سعر صرف الدولار الواحد أكثر من 600 ريال يمني، حيث فقد الأخير نحو ثلثي قيمته منذ الانقلاب الحوثي على الشرعية في 2014.
وطالب المحتجون في محافظات عدن وشبوة والضالع ولحج الحكومة الشرعية بالإسراع في وضع حلول عاجلة لإنقاذ العملة، ووقف الانهيار التام للاقتصاد. ورصدت «الشرق الأوسط» قيام أغلب تجار الجملة بإغلاق محلاتهم، ووقف بيع السلع، بسبب الانهيار المتواصل في سعر العملة المحلية.
وأكد تجار تجزئة في صنعاء لـ«الشرق الأوسط» أن تجار الجملة رفضوا بيع البضائع أمس بالعملة المحلية، مشترطين الدفع بأي عملة أجنبية أخرى، وسط تهديدات للميليشيات الحوثية بشن حملات اعتقال بحقهم. وعممت جمعية الصرافين اليمنيين، الخاضعة للحوثيين، في صنعاء، أمس، لائحة بأسماء عدد من شركات الصرافة، طالبة عدم التعامل معها، في حين حصرت بيع وشراء العملات الصعبة والتحويلات المالية على عدد من الشركات الخاضعة لها، لضمان استمرار الجماعة في الحصول عليها من أجل احتكار استيراد الوقود الذي تتحكم بتجارته، ولجهة شراء الأسلحة المهربة إليها عبر البحر الأحمر.
وعلى وقع الاحتجاجات الغاضبة في المدن المحررة، أفادت مصادر حكومية لـ«الشرق الأوسط» بأن رئيس مجلس الوزراء أحمد عبيد بن دغر دعا أعضاء حكومته بالكامل إلى عقد اجتماع طارئ في الرياض، لتدارس الموقف المتأزم في الشارع، والبحث عن حلول عاجلة لوقف تدهور سعر العملة.
وسبق أن أقدم البنك المركزي في عدن على عدد من الإجراءات لمواجهة تهاوي العملة، ومن ذلك إعلانه عن تدخله المباشر لضخ العملة الصعبة في السوق، وإعادة الدعم لاستيراد السلع الأساسية، إلى جانب شن حملات لإغلاق محلات الصرافة غير المرخصة، غير أن هذه الإجراءات جميعها لم تفلح في وقف التدهور المتسارع.
وكان مستشار الرئيس هادي رئيس اللجنة الاقتصادية المعين حديثاً، حافظ معياد، قد صرح بأن أعضاء اللجنة سيعقدون في الرياض، هذا الأسبوع، أول اجتماع لهم لبحث تداعيات انهيار العملة، واقتراح المعالجات الضرورية الواجب اتخاذها على الرئيس هادي لإصدار قرار بتنفيذها.
وجاء تعيين اللجنة الاقتصادية من قبل هادي في سياق سعيه لإيجاد حلول اقتصادية، مستفيداً من الخبرة المصرفية لحافظ معياد، الذي كان يعد أيام حكم صالح واحداً من الأذرع الاقتصادية الناجحة في نظامه، على مستوى الإدارة ومستوى الأداء المالي. ويشكك مراقبون اقتصاديون تحدثوا إلى «الشرق الأوسط» في جدوى أي إجراء حكومي لوقف تدهور الريال اليمني، ما لم تشمل هذه الإجراءات إعادة تصدير النفط والغاز بالقدرة الكاملة من كل القطاعات، للحصول على السيولة اللازمة من العملة الصعبة، إلى جانب إيجاد آلية معينة لاستيراد السلع، وتفعيل الموارد المحلية الأخرى، مثل الضرائب والجمارك، مع ضمان عدم استمرار السلوك الحوثي في المضاربة بالعملة.
وألقى تدهور سعر الريال بظلاله على أسعار المواد الغذائية ومختلف السلع، حيث ارتفعت أسعار المشتقات النفطية، وانعكس ذلك بالزيادة في أجور النقل والمواصلات، بينما بلغت أسعار المواد الغذائية مستويات غير مسبوقة، مقتربة من ضعف السعر في بعض المواد.
في غضون ذلك، أعلنت شركة النفط في العاصمة المؤقتة عدن وقف بيع الوقود في المحطات التابعة لها بسبب انهيار سعر العملة الوطنية، وحملت في بيان، اطلعت عليه «الشرق الأوسط»، الحكومة مسؤولية إيجاد حلول عاجلة تضمن استقرار العملة. وطالبت الشركة في بيانها «الحكومة بالتدخل السريع والعاجل لضبط عملية التلاعب بأسعار صرف العملة الصعبة، لكون استمرار هذا الأمر إنما يؤثر - وبشكل مباشر - على معيشة المواطن، سواء من خلال شرائه للمشتقات النفطية أو الغذائية أو حصوله على أي خدمات أخرى مرتبطة بحياته اليومية».
وعلى الرغم من أن الشركة التي تعد المزود الرسمي للمشتقات النفطية في عدن والمناطق المحررة أكدت أنها قادرة على شراء المشتقات، وأنها تتوفر لديها السيولة الكافية لذلك، فإنها قالت إنها «علّقت البيع، مؤقتاً على الأقل، في الوقت الراهن حتى تستقر العملة وأسعار الصرف، حتى لا تثقل على كاهل المواطن، وتحمله أعباء إضافية تفوق مقدرته». وكان سعر الصفيحة (سعة 20 لتراً) من البنزين، كما هو في محطات الشركة، بـ6600 ريال، غير أن الأسعار في السوق السوداء تصل إلى 8 آلاف ريال، في الوقت الذي اعتمدت فيه الميليشيات الحوثية في مناطق سيطرتها سعراً رسمياً يقارب 9 آلاف ريال (نحو 15 دولاراً).
يشار إلى أن بن دغر دعا في وقت سابق إلى مساندة الإجراءات الحكومية لوقف تهاوي العملة عبر اعتماد التحويلات المالية الآتية من الخارج عبر المصارف الحكومية فقط، لضمان توفر النقد الأجنبي لديها، ومنعه من الوصول إلى أيادي المضاربين والميليشيات الحوثية.
ويعيش سكان المناطق المحررة حالا أفضل من ناحية انتظام صرف رواتب الموظفين من قبل الحكومة، بعكس موظفي المناطق الخاضعة للحوثيين الذين أوقفوا دفع رواتبهم منذ عامين، رغم أن انخفاض قيمة الريال، واستمرار تهاويه، بات ينذر بعدم جدوى الراتب الضئيل الذي يقول الموظفون في عدن إنه لا يكاد يسد نصف احتياجاتهم الشهرية.


مقالات ذات صلة

انفجار أسعار في مناطق سيطرة الحوثيين يخنق معيشة السكان

العالم العربي يمنيان يبيعان الحبوب المنتجة محلياً في سوق بوسط صنعاء (إ.ب.أ)

انفجار أسعار في مناطق سيطرة الحوثيين يخنق معيشة السكان

التهمت موجة غلاء جديدة ما تبقّى من قدرة السكان الشرائية، في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يضاعفون الجبايات، بالتوازي مع تراجع عالمي في أسعار المواد الاستهلاكية

وضاح الجليل (عدن)
المشرق العربي أكد طارق صالح أن الظروف الراهنة مواتية لصالح حسم المعركة واستعادة الدولة ومؤسساتها (سبأ)

مسؤولان يمنيان يرفعان جاهزية الجبهات العسكرية

يعتقد المسؤولون اليمنيون أن جماعة الحوثي هي العدو الرئيسي والوحيد للشعب اليمني، وأن الظروف الراهنة مواتية لصالح حسم المعركة، واستعادة الدولة ومؤسساتها.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي الجماعة الحوثية منحت مهدي المشاط رئيس مجلس حكمها شهادة الماجستير (إعلام حوثي)

هوس قادة الحوثيين بالشهادات العليا يفاقم انهيار التعليم الجامعي

يتعرض طلاب الدراسات العليا في الجامعات اليمنية لابتزاز قادة حوثيين لإعداد رسائلهم للماجستير، والدكتوراه، في حين يجري إغراق التعليم الجامعي بممارسات كسب الولاء

وضاح الجليل (عدن)
العالم العربي طائرة أميركية مسيرة من طراز «إم كيو - 9» (أرشيفية - أ.ب)

اليمن: مقتل قيادي بارز بـ«القاعدة» بغارة أميركية في مأرب

أكد مصدر أمني يمني، مساء السبت، مقتل قيادي بارز في تنظيم «القاعدة»، في ضربة بطائرة أميركية من دون طيار في محافظة مأرب، شرق البلاد.

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي عناصر حوثيون أمام شاشة كبيرة تنقل صوراً لهجمات نفَّذتها الجماعة في البحر الأحمر (غيتي)

سباق الظلام… الحوثيون يحاولون تجاوز اختراقهم من إسرائيل

لجأ الحوثيون لتشديد إجراءاتهم الأمنية لحماية قياداتهم من الاستهداف الإسرائيلي، كتعطيل كاميرات المراقبة وتغيير هوياتهم يومياً وتنويع وسائل تنقلهم وتمويه تحركاتهم

وضاح الجليل (عدن)

دعم سعودي شامل ومستدام للتعليم في اليمن

أحد المشاريع التعليمية التي يمولها «البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن» (الشرق الأوسط)
أحد المشاريع التعليمية التي يمولها «البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن» (الشرق الأوسط)
TT

دعم سعودي شامل ومستدام للتعليم في اليمن

أحد المشاريع التعليمية التي يمولها «البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن» (الشرق الأوسط)
أحد المشاريع التعليمية التي يمولها «البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن» (الشرق الأوسط)

انطلاقاً من إيمان السعودية بأن التعليم هو حجر الأساس في بناء الشعوب وصناعة التنمية، واصلت الرياض تقديم دعم واسع وشامل للقطاع التعليمي في اليمن، عبر «البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن»، الذي نفّذ خلال السنوات الماضية سلسلة من المشاريع والمبادرات النوعية، أسهمت في تحسين بيئة التعليم وتعزيز قدرته على تلبية احتياجات الطلاب والكوادر الأكاديمية في مختلف المحافظات.

يأتي هذا الدعم، امتداداً لالتزام سعودي راسخ بدعم استقرار اليمن وتنميته، وإدراكاً للدور الحيوي الذي يؤديه التعليم في تعزيز رأس المال البشري ودفع عجلة التنمية الشاملة.

وبحسب بيانات رسمية، نفّذ البرنامج السعودي، 5 مشروعات ومبادرات تعليمية شملت التعليم العام والعالي، والتدريب الفني والمهني، موزّعة على 11 محافظة يمنية، ضمن جهود السعودية لدعم القطاعات الحيوية في اليمن.

في قطاع التعليم العام، ركّز البرنامج على بناء بيئة تعليمية حديثة وآمنة للطلاب، من خلال إنشاء وتجهيز أكثر من 30 مدرسة نموذجية في عدد من المحافظات. وتضمّ هذه المدارس فصولاً دراسية متطورة ومعامل حديثة للكيمياء والحاسب الآلي، بما يرفع مستوى جودة التعليم ويحفّز الطلاب على التعلم النشط واكتساب المهارات العلمية.

ولضمان استمرارية التعليم، قدّم البرنامج خدمات النقل المدرسي والجامعي عبر حافلات مخصّصة، ما أسهم في تخفيف أعباء التنقل عن آلاف الأسر وساعد في انتظام الطلاب والطالبات في الدراسة، خصوصاً في المناطق التي تعاني ضعف البنية التحتية وصعوبة الوصول إلى المؤسسات التعليمية.

دعم الجامعات

على مستوى التعليم العالي، نفّذ البرنامج مشاريع نوعية لتحسين البنية التحتية للجامعات ورفع جودة البيئة الأكاديمية. فقد شمل دعمه جامعة عدن من خلال تجهيز 28 مختبراً حديثاً في كلية الصيدلة، تغطي تخصصات الكيمياء والتكنولوجيا الحيوية وعلم الأدوية، إلى جانب إنشاء مختبر بحث جنائي هو الأول من نوعه في اليمن، ما يشكّل إضافة مهمة للعمل الأكاديمي والبحثي.

كما يعمل البرنامج، على تجهيز كليات الطب والصيدلة والتمريض في جامعة تعز، لما يمثله ذلك من دور محوري في سد النقص الكبير في الكوادر الصحية وتعزيز قدرات القطاع الطبي في البلاد. ويتوقع أن تسهم هذه المشاريع في تطوير البحث العلمي ورفع مستوى التعليم الأكاديمي المتخصص.

وفي محافظة مأرب، أسهم البرنامج في معالجة التحديات التي تواجه جامعة إقليم سبأ، من خلال تنفيذ مشروع تطوير يشمل إنشاء مبنيين يضمان 16 قاعة دراسية، ومبنى إدارياً، وتأثيث مباني الطلاب وأعضاء هيئة التدريس، ما يسهم في استيعاب الأعداد المتزايدة من الطلبة وتحسين جودة التعليم الجامعي.

التدريب المهني والتعليم الريفي

في مجال التدريب الفني والمهني، يعمل البرنامج السعودي على إنشاء وتجهيز المعهد الفني وكلية التربية في سقطرى، بقدرة استيعابية تشمل 38 قاعة دراسية ومعامل متخصصة للحاسوب والكيمياء، ما يساعد في توفير بيئة تعليمية ملائمة للطلبة والمتدربين.

كما دعم البرنامج، مشروعاً مشتركاً مع «مؤسسة العون للتنمية»، لتعزيز تعليم الفتيات في الريف، واختُتم بمنح 150 فتاة، شهادة دبلوم المعلمين، ما يسهم في رفع معدلات تعليم الفتيات وتشجيعهن على مواصلة التعليم العالي.

يُذكر، أن «البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن»، نفّذ حتى الآن 268 مشروعاً ومبادرة في ثمانية قطاعات حيوية تشمل التعليم والصحة والطاقة والمياه والزراعة والنقل، ودعم قدرات الحكومة والبرامج التنموية، ما يجعل دوره من أهم المساهمات الإقليمية في دعم استقرار وتنمية اليمن.


التزام أميركي وبريطاني بدعم مجلس القيادة الرئاسي اليمني

لقاء في الرياض جمع العليمي مع سفراء بريطانيا وأميركا وفرنسا (إعلام حكومي)
لقاء في الرياض جمع العليمي مع سفراء بريطانيا وأميركا وفرنسا (إعلام حكومي)
TT

التزام أميركي وبريطاني بدعم مجلس القيادة الرئاسي اليمني

لقاء في الرياض جمع العليمي مع سفراء بريطانيا وأميركا وفرنسا (إعلام حكومي)
لقاء في الرياض جمع العليمي مع سفراء بريطانيا وأميركا وفرنسا (إعلام حكومي)

جدّدت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، التزامهما الثابت بدعم مجلس القيادة الرئاسي والحكومة اليمنية، في ظل التطورات المتصاعدة التي شهدتها محافظتا حضرموت والمهرة شرق البلاد خلال الأيام الماضية، وما رافقها من تحركات عسكرية أحادية نفذتها قوات موالية لـ«المجلس الانتقالي الجنوبي».

وأكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن عبدة شريف، في تغريدة على منصة «إكس»، أن بلادها «ملتزمة بدعم الحكومة اليمنية ومجلس القيادة الرئاسي، وتعزيز أمن اليمن واستقراره». وأضافت أنها عقدت اجتماعاً «جيداً جداً» مع رئيس المجلس رشاد محمد العليمي، نوقشت خلاله الشواغل المشتركة تجاه ما استجد من تطورات في المحافظتين الشرقيتين.

على الصعيد ذاته، قالت السفارة الأميركية في اليمن عبر منصة «إكس»، إن واشنطن تدعم مجلس القيادة الرئاسي والحكومة اليمنية «لتعزيز الأمن والاستقرار»، ونقلت عن القائم بالأعمال جوناثان بيتشيا قوله، إنه ناقش مع الرئيس العليمي «القلق المشترك إزاء التطورات الأخيرة في حضرموت والمهرة»، مؤكداً الترحيب بكل الجهود الهادفة إلى «خفض التصعيد».

وجاءت هذه المواقف، عقب اللقاء الذي عقده العليمي، الاثنين، في الرياض، مع سفراء الدول الراعية للعملية السياسية في اليمن، حيث وضعهم في صورة ما جرى في المحافظتين من تحركات خارج إطار مؤسسات الدولة.

وأكد في الاجتماع، رفض أي إجراءات أحادية «تقوّض المركز القانوني للدولة» أو تخلق «واقعاً موازياً» خارج مرجعيات المرحلة الانتقالية، وفي مقدمتها إعلان نقل السلطة واتفاق الرياض.

وشدد العليمي، على ضرورة عودة أي قوات مستقدمة من خارج المحافظات الشرقية إلى ثكناتها، وتمكين السلطات المحلية من أداء مهامها في حفظ الأمن والاستقرار وحماية المنشآت السيادية.

كما أشار إلى «الانعكاسات الخطيرة للتحركات الأحادية، على جهود التهدئة والإصلاحات الاقتصادية واستقرار العملة وصرف المرتبات»، مؤكداً أن الدولة تعمل على توثيق الانتهاكات التي رافقت تلك التحركات، وضمان حماية المدنيين بعدّ ذلك «ثوابت لا يمكن التهاون بشأنها».


الحوثيون يدفعون بتعزيزات عسكرية نحو الضالع وتعز

موارد المؤسسات اليمنية الخاضعة للحوثيين تستغلها الجماعة للتعبئة والحشد (أرشيفية - إ.ب.أ)
موارد المؤسسات اليمنية الخاضعة للحوثيين تستغلها الجماعة للتعبئة والحشد (أرشيفية - إ.ب.أ)
TT

الحوثيون يدفعون بتعزيزات عسكرية نحو الضالع وتعز

موارد المؤسسات اليمنية الخاضعة للحوثيين تستغلها الجماعة للتعبئة والحشد (أرشيفية - إ.ب.أ)
موارد المؤسسات اليمنية الخاضعة للحوثيين تستغلها الجماعة للتعبئة والحشد (أرشيفية - إ.ب.أ)

دفعت الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية، بتعزيزات عسكرية جديدة من صنعاء وذمار نحو خطوط التماس في محافظتي الضالع وتعز في خطوة أثارت توجساً من جولة قتال جديدة، وأكدت مخاوف محلية ودولية، من رفض الجماعة لأي مسار يفضي إلى السلام، وإصرارها على توسيع نطاق الحرب وتقويض جهود التهدئة الأممية.

ووفق مصادر يمنية مطلعة، حشدت الجماعة عشرات العربات العسكرية والشاحنات المحملة بمئات المجندين الجدد ممن استقطبتهم عبر حملات تجنيد قسرية نفذتها عناصرها في القرى والأحياء الواقعة تحت سيطرتها في صنعاء وذمار. وتقول المصادر إن هذه الحشود وصلت على شكل دفعات متلاحقة، ضمن تحركات سريعة ومكثفة.

وتؤكد المصادر أن محافظة ذمار وحدها (100 كيلومتر جنوب صنعاء) شهدت خلال اليومين الماضيين، خروج أكثر من 11 آلية عسكرية و8 شاحنات محملة بمقاتلين جدد نحو جبهات الضالع، بالتزامن مع تعزيزات مماثلة دُفعت باتجاه الجبهات الشمالية لتعز.

ويؤكد شهود عيان في محافظة إب، أنهم رصدوا مرور قوافل عسكرية للحوثيين – بعضها تحمل مقاتلين بزي عسكري – وهي تتجه صوب الضالع عبر الخط الرابط بين المحافظتين.

عبر الانتماء السلالي والمذهبي تمكن الحوثيون من الهيمنة على الأجهزة الأمنية (إكس)

ويرى مراقبون أن هذا الحشد الجديد يمثل مؤشراً واضحاً على نية الحوثيين الاستعداد لمرحلة تصعيد جديدة، بخاصة أن الخطوة جاءت في توقيت يشهد حالة انسداد سياسي، وسط تحذيرات أممية من انهيار فرص السلام واستمرار تدهور الأوضاع الإنسانية.

ويذهب هؤلاء إلى أن الجماعة المدعومة من إيران، تسعى إلى فرض واقع عسكري ميداني أكثر ضغطاً، يضمن لها أوراق قوة إضافية في أي مفاوضات مقبلة.

وترافقت التحركات الحوثية مع استحداث مواقع وثكنات عسكرية جديدة، وشق طرقات فرعية لتأمين مرور الإمدادات، إضافة إلى عمليات رصد واستطلاع متواصلة عبر الطائرات المسيَّرة في محيط خطوط التماس.

وبحسب مصادر عسكرية، فقد شهدت محاور عدّة في الضالع اشتباكات متقطعة تزامنت مع وصول التعزيزات الجديدة.

مراوغة متكررة

وتتهم الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، الجماعة الحوثية باستغلال فترات التهدئة لإعادة ترتيب صفوفها، وتجديد مخزونها البشري والعسكري عبر حملات تجنيد مكثفة تستهدف القاصرين والشبان العاطلين عن العمل. وتشير بيانات الجيش اليمني، إلى توثيق أكثر من 1924 خرقاً للتهدئة خلال 12 يوماً فقط، بينها 50 خرقاً في جبهات الضالع، بينما توزعت بقية الخروق بين مأرب وتعز والحديدة.

وتنوعت تلك الخروق، بين عمليات قنص واستهداف بالأسلحة المتوسطة والثقيلة، وشن هجمات محدودة على مواقع الجيش، والتحليق بالطيران المسيّر، واستحداث حفر وخنادق وتحصينات جديدة. كما يستمر الحوثيون بزراعة الألغام الأرضية في محيط القرى والطرقات، ما يفاقم معاناة المدنيين ويزيد من أعداد الضحايا.

حوثيون في أحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)

وسبق للقوات الحكومية، أن استهدفت خلال فترات سابقة تعزيزات حوثية قادمة من إب وذمار نحو الضالع، وأحبطت محاولات تسلل متكررة إلى مواقعها. كما شهدت صفوف المقاتلين الحوثيين مواجهات داخلية بسبب رفض كثير من المجندين، تنفيذ أوامر هجومية نتيجة نقص الإمدادات وحرمانهم من المرتبات، إلى جانب الاستياء المتصاعد من الممارسات العنصرية، وتفضيل المنتمين إلى سلالة زعيم الجماعة، في التعيينات والامتيازات.

تعز... تصعيد متواصل

بالتزامن مع تصعيد الحوثيين في الضالع، شهدت محافظة تعز (جنوب غربي)، موجة جديدة من الاشتباكات، أسفرت – بحسب مصادر عسكرية – عن مقتل جنديين من «اللواء 22» هما، وهب علي عبد الله الصبري، ويعقوب عبده دحان العاقل، في الجبهة الشرقية للمدينة.

وتقول المصادر، إن الجبهات الشرقية شهدت على مدى اليومين الماضيين، تبادلاً للقصف المدفعي، فيما دفعت الجماعة بتعزيزات بشرية وآليات قتالية إلى أطراف المدينة، واستحدثت معسكراً جديداً في الجهة الشمالية لتعز، في خطوة عدّتها القوات الحكومية، مؤشراً على خطة هجومية يجري التحضير لها.

مراهقون من خريجي المخيمات الصيفية الحوثية في جبهات القتال (إعلام حوثي)

وفي السياق ذاته، تواصل الجماعة استهداف المناطق السكنية في تعز بالقذائف، ما أدى إلى إصابة طفلين بشظايا متفرقة، وذلك ضمن نمط متكرر يستهدف المدنيين في المدينة المحاصرة منذ سنوات.

وتتصاعد المخاوف من أن تؤدي هذه التحشيدات، إلى اندلاع موجة واسعة من القتال في الضالع وتعز، في وقت يعيش ملايين اليمنيين تحت خط الفقر المدقع، وسط تدهور الخدمات وانقطاع الرواتب، واتساع رقعة المجاعة في مناطق سيطرة الحوثيين.

ويرى مراقبون، أن استمرار الحوثيين في الدفع بالمزيد من المقاتلين – معظمهم مجندون قسرياً – يعكس سياسة تقوم على إدامة الحرب، وتعميق المعاناة الإنسانية، بدلاً من الانخراط في أي حلول سياسية.

وفي ظل غياب الضغط الدولي الفاعل، تبقى هذه التحركات الحوثية مؤشراً على مرحلة مفتوحة من التصعيد، قد تجر اليمن إلى جولة جديدة من الحرب الشاملة، وهي المخاوف نفسها التي عبر عنها المبعوث الأممي هانس غروندبرغ في تصريحاته الأخيرة.