كمال داود صاحب «البشرة السوداء والقناع الأبيض»

يبدو الرجل وكأنّه أصيب بالانفصام فانقلب إلى سحنة لا تشبه جيناتها

كمال داود
كمال داود
TT

كمال داود صاحب «البشرة السوداء والقناع الأبيض»

كمال داود
كمال داود

قبل ثلاثة أعوام لفت كاتب جزائري مغمور اسمه كمال داود الأنظار في فضاء الثقافة الفرانكوفونيّة عندما صدرت روايته (قضيّة ميرسو)، وما لبثت أن طبعت عدة مرات وترجمت إلى عدّة لغات وأثارت الكثير من الجدل في الصحف ومجلات الثقافة. فميرسو هذا الذي استدعاه داود كان بالفعل بطل رواية ألبير كامو الذائعة الصيت (الغريب - 1942) التي يعدّها كثيرون الأنموذج الأعلى لروايات الاغتراب وأدب العبث. لكن داود اختار أن يعيد سرد أحداث تلك الرواية، وهذه المرّة على لسان شقيق الرجل الذي قتله ميرسو في نص كامو. نظريّة داود في تفكيك (غريب) كامو وإعادة قراءة أحداث نصه، أن مؤلفها المعروف عالمياً بمواقفه السياسيّة التقدميّة، سقط في الرواية التي خطّها ضحيّة لنظرة كولونياليّة تسربت إلى لا وعي الفرنسيين، فجعلتهم يُهمشون شخصيّة الجزائري – الآخر - ويتعاطون معها بوصفها مجرد خلفيّة لصراعات الأبطال الغربيين. لمَسَ طرح داود الجريء هذا أوتاراً حسّاسة عند المؤسسة الأدبيّة الفرنسيّة، التي طالما اعتبرت كامو – ربما دون مواقفه السياسيّة – نجم الرّواية الفرنسية في النّصف الثاني من القرن العشرين، ليصبح داود - وروايته التي ولدت من تحت عباءة (الغريب) - موضع أخذ وشدّ بين النقاد، وما لبثت أن ذاعت شهرتها بوصفها تحريراً للرّواية الشهيرة من أدران الثقافة الكولونياليّة ذات النظرة الاستعلائيّة تجاه أهل البلاد الأصليين.
الروائي الجزائري المغمور الذي تجرأ على إعادة تركيب كامو بعد تفكيكه أصبح في يوم وليلة نجم الرواية الفرنسيّة المعاصرة، وفتحت له (قضيّة ميرسو) أبواب الصحف الفرنسيّة الكبرى لينشر فيها مقالات يوميّة تتناقل بعضها «نيويورك تايمز» – صحيفة أميركا الأولى -، وقد جمعت بعضها في كتاب صدر حديثاً بالفرنسيّة والإنجليزيّة.
كان الجميع بانتظار التهام وجبات الأفكار اليوميّة لصوت جزائر ما بعد الكولونياليّة لا سيّما في أجواء الحروب الثقافيّة بين الحضارات التي يشهدها الغرب نتاج صعود الفاشيات الجديدة وتفشي كراهيّة الإسلام والعداء للمهاجرين من الجنوب. لكن الرجل وكأنّه أصيب بالانفصام فانقلب سحنة إنسانية أخرى تماماً لا تشبه جيناتها، يكتب نصّاً نزقاً ومنفعلاً وغارقاً لأذنيه في لجة تسطيحات استشراقيّة على أسوأ ما في الاستشراق من مثالب التسطيح.
لم يوفّر داود أحداً من سهام نقده. فهاجم سياسة التعريب التي تبنتها النخبة الجزائريّة الحاكمة بعد الاستقلال عام 1962. معتبراً إيّاها مشروعاً استعماريّاً آخر - إلى جوار المشروع الاستعماري الفرنسي على حد تعبيره -، وضع الجزائريين في حمأة مأزق لغوي فأصبحوا تائهين بين الفرنسيّة والعربيّة الفصحى واللهجات المحليّة، فلا هم فرنساويون ولا عرب ولا جزائريون، وإنما خليط ملفق من كل هؤلاء. كما صبّ غضباً كثيراً على النخبة الجزائريّة الحاكمة، وعلى القوميّة العربيّة، وعلى الشعبويّة الآخذة بزمام الأوروبيين نحو أزمنة مظلمة.
النفور المتبادل بين السّلطات الجزائريّة وداود لا يعني أن ذلك الأخير يَقْصُر اهتمامه على نقد السّلطة، إذ هو يسلق بألسنة حداد بني قومه الجزائريين العاديين، مديناً هلاميتهم وانعدام القدرة على الفعل لديهم في مواجهة جبروت الدّولة، وتعلّقهم بلعبتهم المفضّلة تحويل اللّوم عن مآسيهم – ودائماً بحسب داود - نحو الاستعمار الغربي دون أي مساءلة للذّات أو استعداد لتحمّل المسؤوليّة عمّا آلت إليه بلادهم. وهو بذات المكيال يرفض التضامن مع الفلسطينيين سوى على الصعيد الإنساني المحض، معتبراً أن القضيّة الفلسطينيّة ليست إلا مرآة لفشل العالم العربي المتراكم وتفشي الأصوليّة الإسلاميّة فيه.
في عالم الثقافة المعاصرة التي ما زالت دائبة على نزع القداسة عن كل التابوهات وإخضاعها لمشارط الفكر، فإن مساءلة السّقف العالي لداود، أو الفضاء المفتوح الذي قدّمته له أهم صحف الغرب للانتقاد والتفكيك وإعادة التكوين دون محرمات تبدو شكلاً وكأنها في سياق نظري سليم متوافق مع وقائع الحاضر وروحه. لكن النصّ الداودي – كما في مقالاته المتتابعة في صحف باريس – يبدو مثقلاً بعيوب فكريّة بنيوية، ومفتقداً إلى أي منهجيّة نظريّة محكمة في تقييمه للأحداث، ومكتفياً بلعب دور صدى مقعّر لاتجاهات اليمين الأوروبي المتطرّف مع مبالغة غير مقبولة في استخدام التنميطات الاستشراقيّة الطابع، والتعميمات عديمة المعنى التي لا تستند على أرجل، والآراء الذاتيّة التي تعتمد على تجربة الكاتب الشخصيّة المحضة وحتى المعلومات المغلوطة تاريخيّاً أو واقعيّاً.
داود - الذي كان أصوليّاً إسلاميّاً أيام شبابه قبل أن يتفرنس - يتعاطى في مقالاته مع المسلمين جميعهم وكأنهم كتلة مصمتة متعادلة الكثافة بين أجزائها، تتشارك جميعا في ذات الاستجابات الثقافيّة تجاه الذّات وتجاه الغرب، مهملاً على الإطلاق إمكان النّظر في الظروف الموضوعيّة المحليّة التي تفصل بين المسلمين في بلادهم المتعددة، ويوجه انتقادات لاذعة للمهاجرين المسلمين إلى الغرب يُشفق الغربيّون أنفسهم من قولها بألسنتهم، لا سيّما مقالته بعد حادثة كولون بألمانيا عندما تورطت مجموعة كبيرة من المهاجرين في اعتداءات جنسيّة، وهي المقالة التي تسببت وقتها بجدل واسع داخل فرنسا بعدما أصدر أكاديميون بياناً أدانوا فيه داود «الذي بدل أن يحلل ماذا حصل في كولون، اكتفى بإيراد أكليشيهات استشراقيّة الطابع تغذي مشاعر الإسلاموفوبيا لدى قطاعات من المجتمع الأوروبي».
داود صاحب «البشرة السوداء والقناع الأبيض» – على ما كان فرانز فانون يدعو أمثاله -، الذي يشتاط غضباً من كل نقد موضوعي يوجه لكتاباته، يجد مصفقين له وأكبر المدافعين عنه بين عتاة اليمين الفرنسي تحديداً، الذين يرضيهم أن يجدوا من بين بني جلدتنا من يقوم بمهماتهم التي تفوح منها رائحة العنصريّة، فيقدمونهم إلى جمهورهم بوصفهم التأكيد الملموس على صحة تحذيراتهم من رهاب الإسلام وبدائيّة سلوك المسلمين.
لا شكّ طبعاً أن كل المجتمعات العربيّة والمسلمة تعاني من مصاعب فكريّة وأزمات ثقافيّة بدرجات متفاوتة، وأن عيوباً كثيرة شابت مرحلة ما بعد رحيل القوى الاستعماريّة عنها وفي مقدمها وطن داود الأصلي الجزائر التي نالت استقلالاً باهظاً معمداً ببحر دماء بعد أكثر من 132 عاماً على استعمار استيطاني مبرمج استهدف قبل كل شيء إلغاء معالم الهوّية الجزائريّة وفرنستها بالكامل. ولا شكّ أن هذي المجتمعات على تنوع تجاربها بحاجة ماسّة دوماً إلى نقّاد يمكنهم تفكيك أسباب الضعف والتخلّف، والتلويح لها باتجاه القادم الأفضل. لكن تجربة كمال داود تومئ إلى أن النّقد لن يكون يوماً محايدا سياسيا على الإطلاق، وأن المثقف العربي – مع استثناءات قليلة - ليس بريئاً من الأمراض الثقافيّة والاجتماعيّة التي يحاول أن يهجوها، بل هو مهزوم داخلياً أمام الغرب يبتاع أوهامه المعلبة عن (صراع الحضارات) دون كبير تمحيص.
بروايته الأهم (قضيّة ميرسو) الرّواية المضادة لـ(الغريب)، صعد داود الروائي على أكتاف كامو لينسج خيوط شمس شهرته، لكنه عندما ارتدى بزة الصحافي وقع في بحر من هفوات وتعميماتٍ ثقافيّة مستشرقة، كان ألبير كامو لو اطلع على بعضها لوجد فيها زاداً كثيراً لتفكيك كمال داود وإعادة كتابة (قضيته) من جديد.



«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز
TT

«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز

لاحظ الناقد الأميركي ذو الأصل الفلسطيني إدوارد سعيد يوماً ما أن «تناول الكثير من حياة المنفى يتم بالتعويض عن خسارة محيّرة من خلال إقامة عالم جديد يفرض سيطرته». وأعتقد أن هذا ربما يفسر الحقيقة المثيرة للفضول بأن كثيراً من المغتربين يلعبون الشطرنج أو يؤلفون روايات. وذلك كتب إدوارد سعيد أن المنفي أو المغترب يصل إلى عالم جديد «غير طبيعي» ويكتشف أن «عدم واقعيته تشبه القصة الروائية المتخيلة».

ربما يكون لاعب الشطرنج أو الروائي من بين مغتربين ومنفيين كثيرين موجودين رواية «حرب زائفة»، وهي الرواية الثانية التي تشبه الحلم للكاتب الكوبي كارلوس مانويل ألفاريز، الذي دارت روايته الأولى «ذا فولين» (الساقطون)، التي تُرجمت إلى الإنجليزية عام 2020، حول حياة شخص كوبي مهاجر منقسم بين جيل قديم ذي شخصيات مثالية ثورية وجيل شاب أيقظه الفقر والقهر من ضلالات الأوهام. روايته «حرب زائفة» تدور في أماكن أخرى، وهي ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا الجزيرة. ويُعتقد أن نحو مليوني كوبي قد هاجروا منذ 2021، وهو عدد يقارب ثمانية أمثال من هاجروا خلال السنوات الأربع التي أعقبت الثورة.

وإذا كان يُقال إن حياة المنفى والاغتراب محيرة ومشتتة ومتفككة، فيبدو أن ألفاريز قد قرر تصوير تلك التجربة للقارئ بشكل قريب من الواقع. يوجد في الرواية عشرات الشخصيات، الكثير منها إما بلا اسم أو يحملون أسماء مختلفة في لحظات مختلفة. وتُروى قصصهم في أجزاء متفرقة مختلطة مضطربة تتنقل بسرعة بين الماضي والحاضر والحلم والواقع.

من الأمثلة على ذلك، هناك حلاق غادر كوبا على متن قارب في نهاية السبعينات، واستقر به المُقام في مدينة هياليه بولاية فلوريدا، حيث شهد مرض الإيدز يهلك ويفني الناس. وهناك أيضاً شخصية لاعب شطرنج اُعتقل في غوانتانامو يقضي أيامه في لعب مباريات مع الحراس، وثمة رجل هناك أتى إلى ميامي بعد وفاة خطيبته في زلزال في مكسيكو سيتي، وهو يؤلف رواية متعددة المستويات بشكل معقد يأمل أن يصف فيها «مهجر بلا حنين».

لقد قرأت رواية «حرب زائفة» مرتين حتى الآن، وأعترف أنني ما زلت غير قادر على استيعاب كل الشخصيات جيداً. مع ذلك من الأمور الممتعة في أي رواية هي كيف تحولك، وتحدث ضبابية في حدود الأشياء، وتتحايل على ذاكرتك وتخدعها. ومن الأمور الأخرى الممتعة أيضاً الأسلوب السردي الراقي الرشيق المكثف. لا يمكن مقارنتها إلا بقصيدة لجون آشبيري: «في الخارج تتحرك سيارة أجرة باللون الأخضر الداكن بشكل متعرج وفجأة تنقلب في وسط الشارع. وعلى ملاءة سريره البيضاء، وهو بين اليقظة والمنام، لا يمكن أن نصف فريدي أولموس بالقبيح ولا الجميل. في حلمه كان مجموعة من أشخاص يعرفهم يرسمون علامة الصليب في الهواء ويقفزون في الماء». يختبر أولئك المغتربون الحياة كشيء عشوائي لا شكل له، ولقد تعلموا التعامل مع كل شعور بالحميمية على أنه شعور عابر سريع الزوال. جاء على لسان إحدى الشخصيات وهي تتأمل: «راودني شعور بأننا رُسمنا على ورقة وتم إضرام النار في حافة تلك الورقة»، وهو وصف ملائم لما تبدو عليه تجربة قراءة هذه الرواية.

مع ذلك، أكثر ما يدهشني، وللغرابة، هو المزاج العام للرواية.

رواية «حرب زائفة» تدور في ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا جزيرة كوبا

لقد منحتنا العولمة نوعين من روايات الهجرة على الأقل، نوع عن الشتات، هو يكون عرضة أحياناً إلى شعور بالاشتياق يحمل طابع الورع، والنوع الآخر عن مغتربين من الغرب ينتمون إلى طبقة المهنيين المتخصصين المبتلين باغتراب وضياع عالمي مضجر. وتحمل رواية «حرب زائفة»، في نسختها التي ترجمتها ناتاشا ويمر، عناصر من النوعين، لكن مع مزاج خاص بها يتسم بالمرح والمزاح والوقاحة والتهكم والغضب.

وسبب الغضب فيها راجع إلى «وابل سوء الحظ الذي يمطر باستمرار على رؤوس أهل كوبا الذين لا حول لهم ولا قوة»، حياة المهاجرين المحفوفة بالمخاطر في أميركا، حيث لا يهم مدى كدحك في العمل، ففي النهاية سيحدث «شيء ما» فقد يصدمك أحدهم على طريق بالميتو السريع، أو تجد خصم مبلغ مالي بلا سبب مفهوم على بطاقتك، أو يرتفع سعر الوقود، أو يحمل الرئيس الجديد في نفسه ضغينة تجاهك وينوي إيذائك. لقد كتب ألفاريز رواية تتناول البحث عن بيت في عالم تحكمه القوة. وهذا هو آخر ما لديه ليقوله: «إنك لا تنتمي إلى مكان حتى تشعر نحوه بالازدراء».

* تشارلي لي محرر مراجعات نقدية

في مجلة «هاربرز ماغازين» ويكتب أيضاً لـ«ذا هاربرز إنديكس»

* خدمة «نيويورك تايمز»

 


مصارعة جماعية في جدارية أموية مبتكرة

مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
TT

مصارعة جماعية في جدارية أموية مبتكرة

مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن

زاول العرب مختلف أنواع ألعاب القوى، كما زاولوا المصارعة بأشكال متعدّدة، ورفعوا شأنها، وعُرفت هذه الرياضة بأسماء عدة، منها «المراوغة»، كما جاء في «تاج العروس»، وبات لكل حركة من الحركات التي تتميّز بها تعبير خاص به، ومنها الظُّهَارِيَّة والشَّغْزَبِيَّة، أي رمي الخصم أرضاً على الظهر، وشدّه إلى الخلف، كما جاء في «لسان العرب». تجد هذه الرياضة ترجمتها التشكيلية في لوحة كبيرة تشكّل جزءاً من جداريات قصير عمرة الأموي في بادية الأردن، وتبدو هذه اللوحة فريدة من نوعها من حيث التأليف؛ إذ لا نجد ما يماثلها فيما وصلنا من شواهد الفنون الأموية التصويرية بفروعها المتعدّدة.

ينفتح قصير عمرة على قاعة كبيرة مكونة من ثلاثة إيوانات متوازية، ونقع على اللوحة الخاصة بالمبارزة الرياضية في الإيوان الغربي، حيث تحلّ على الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة، تعلوها لوحة عريضة تمتدّ أفقياّ. تمثّل هذه اللوحة كما يبدو مبارزة جماعية يشارك فيها ثمانية رجال يظهرون في وضعيّة نصف جانبية، وكلّهم شبه عُراة، وتقتصر ثيابهم الرياضية على سروال أبيض قصير يكشف عن الفخذين. تجري هذه المبارزة في الهواء الطلق، داخل حلبة على شكل سهل مسطّح مجرّد، تعلوه تلال متعرّجة، تحدّها شتول نباتية خضراء، ترتفع وسط سماء زرقاء صافية. يتميّز هذا المشهد الجماعي بحركة حية لا تستكين؛ إذ يتفرّد كل بطل من أبطاله بوضعية خاصة به، ويتحرّك وسط حلبة تتشابك فيها القامات وتتصارع في حلقة من مباراة حيّة لم تشهد بعد خاتمتها.

تنطلق الحركة في هذه الحلقة من جهة اليسار، حيث يظهر رجل رياضي مفتول العضلات، فوق درجات عتبة صغيرة خطّت باللون الأزرق، في زاوية تحتل طرف الحلبة الأسفل. يقف هذا الشاب على ساقه اليمنى، ويمدّ ساقه اليسرى نحو الفراغ، منحنياً نحو الأمام، باسطاً ذراعيه الممدودتين في الفراغ. في مواجهة هذا الرياضي ذي البشرة البيضاء، يظهر رياضي ذو بشرة داكنة يتقدّم منه في حركة معاكسة، باسطاً ذراعيه في حركة موازية، وكأنّه يهمّ بالدخول في صراع معه.

بين هذين الرجلين المتصارعَين، يظهر شاب يبدو أصغر حجماً من حيث مقاييس التصوير، منحنياً كذلك في اتجاه اليمين، ممسكاً بقضيب عالٍ أبيض اللون يرتفع عموديّاً في وسط ساحة المعركة. حافظ وجه هذا الشاب ذي البشرة البيضاء على ملامحه، وهي محدّدة بدقة، وتمثّل فتى أمرد، يحدّق بعينيه الشاخصتين في اتجاه شاب يتهاوى أرضاً من أمامه. فقد هذا الجزء من اللوحة الكثير من مكوّناته، وما بقي منه يُظهر قامة ذات بشرة داكنة، ينوء صاحبها ويسقط تحت ضربات عصا غريمه.

في الجانب الآخر من هذه اللوحة، يظهر شابان في مشهد يمثّل حلقة ثالثة من هذا الصراع الجماعي. مرة أخرى يدخل رجل ذو بشرة بيضاء في نزاع مع رجل ذي بشرة داكنة، ويظهر وهو يمسك رأس خصمه بيده اليسرى، رافعاً قبضته نحو الأعلى، وكأنه يهم بالانقضاض بها على غريمه. في طرف هذا المشهد، يقف رجل ثالث يشارك في هذه الحلقة، ويلعب فيها كما يبدو دور الحكم؛ إذ نراه يمسك بيده اليمنى كتف المصارع، رافعاً يده اليسرى في اتجاه معاكس.

ينتمي هذا الرجل كذلك إلى العرق الأبيض، ويماثل في قامته كما في بنيته وفي لباسه اللاعبين الحاضرين في هذه اللوحة الجماعية، غير أنه يتميّز بشارب بسيط يعلو فمه وبلحية قصيرة تحدّ ذقنه.

يكتمل هذا المشهد بظهور شاب أمرد ينتصب وحده بين الفريقين المتحاربين، شاخصاً في اتجاه المصارع الذي يقف على درجات عتبة هذه الحلبة الرياضية. يتابع هذا الشاب الفتي الصراع الذي يدور من أمامه، ممسكاً بقبضتيه قضيباً قصيراً، ولا نعرف إن كان يلعب هنا دور الحكم، أو أنه ينتظر دوره للدخول في هذه الحلبة المفتوحة. نراه هنا وسط جمع من المتصارعين، في حلقة تمثل رياضة شكّلت قطباً من أقطاب ألعاب القوى واللياقة البدنية التي أولاها خلفاء بني أمية اهتماماً كبيراً. كما هو معروف، زاول حكام هذه السلالة هذه الألعاب، كما زاولوا الصيد بمختلف أنواعه، ونجد في حلل قصير عمرة التصويرية تعبيراً عن هذه المزاولة المتعدّدة الوجوه.

تتبنّى اللوحة المخصّصة لفن المصارعة الجمالية الكلاسيكية الرومانية في أرفع تجلياتها. يشكل الجسد البشري قوام هذه الجمالية، ويحضر في قامات حية تتعاقب وتتعدد في وضعيات جديدة، بعيداً من الجمالية «الشرقية» التي غالباً ما تلتزم الثبات والجمود والسكون والتأمّل.

تبدو هذه الجدارية فريدة من نوعها في ميدان الفنون الأموية؛ إذ لا نقع على ما يشابهها فيما ظهر إلى يومنا هذا من شواهد في هذا الميدان. من جهة أخرى، يحاكي هذا العمل المتقن بالتأكيد أعمالاً متوسطية تناولت هذا الموضوع في أشكال شتّى، شكّلت معاً صنفاً من صنوف الأعمال التصويرية الرياضية.

في الخلاصة، تنتمي هذه الجدارية الأموية الاستثنائية من حيث الموضوع إلى تقليد معروف، غير أنها تتميّز بتأليفها وبقالبها التشكيلي الخاص، وتعكس بلغة فنية بديعة صنفاً من أصناف الرياضة التي راجت في زمن الأمويين.


محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

محمد سليمان
محمد سليمان
TT

محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

محمد سليمان
محمد سليمان

رحل عن عالمنا، مساء الاثنين، الشاعر المصري محمد سليمان، أحد أهم شعراء جيل شعراء السبعينيات في مصر، عن عمر يناهز 80 عاماً، بعد صراع مع المرض، عقب مسيرة مميزة وطويلة مع الشعر، تجاوزت أكثر من نصف قرن، أصدر خلالها عدداً من الدواوين الشعرية اللافتة، التي حظيت بتقدير نقدي كبير.

ولد الشاعر الراحل عام 1946 بمحافظة المنوفية، شمال القاهرة، وكان أحد مؤسسي جماعة «أصوات»، إلى جوار الشعراء أحمد طه وعبد المنعم رمضان وعبد المقصود عبد الكريم ومحمد عيد إبراهيم، وكانت جماعتهم بمثابة الجناح الثاني في حركة شعر السبعينيات في مصر، وتأسست بعد جماعة «إضاءة 77»، التي كانت الأسبق والأكثر تأثيراً بما صدر عنها من منشورات ومجلات وبيانات شعرية وجمالية، وجاءت «أصوات» نوعاً من التقاطع معها، وحاول أعضاؤها تقديم تجربة شعرية مختلفة عن زميلتها الكبرى.

بدأ سليمان مسيرته الشعرية في نهاية الستينات ومطلع السبعينات من القرن الماضي، واقترب كثيراً من الجيل السابق عليه من شعراء الخمسينات والستينات، كما كان منتمياً لجيله من شعراء السبعينات الذين أحدثوا ثورة شعرية على المنجز السابق لهم، في اللغة ومفهوم الشعر والصورة، وعلاقة الذات بالعالم، وغيرها من الموضوعات التي ظلت طويلاً محل جدال كبير، ورغم كونهم انتظموا في الجماعتين الكبيرتين («إضاءة 77»، ثم «أصوات») فإن كلاً منهما كان له صوته الخاص، ومشروعه الشعري الذي لا يشبه مشروع الآخر.

كان سليمان صاحب صوت مميز، ونبرة شعرية خاصة، هادئة ورصينة، لكنها نافذة، وتصيب هدفها من أقصر الطرق، بكثير من التقشف، والبعد عن الزوائد أو الصور المجانية، فكانت قصيدته مموسقة، لكنها غير صاخبة ولا مزعجة، حتى لا تفقد جوهر الشعر، ربما لأنه درس الصيدلة وعمل طيلة حياته «صيدلانياً»، فكان عارفاً بـ«كيمياء القصيدة»، متمكناً من صنعتها وتركيبتها، بتوازن دقيق ومحكم، حتى لا تتحول إلى مادة فاقدة للفاعلية.

أصدر على مدار مسيرته أكثر من أربعة عشر ديواناً، منها «سليمان الملك»، و«أعشاب صالحة للمضغ»، و«بالأصابع التي كالمشط»، و«هواء قديم»، و«تحت سماء أخرى»، و«قصائد أولى»، و«اسمي ليس أنا»، و«دفاتر الغبار»، و«أوراق شخصية»، و«أكتب لأحييك»، و«إضاءات»، و«كالرسل أتوا»، و«أسفار»، وأخيراً أحدث دواوينه المنشورة «لا أحد هنا سيميل عليك». كما صدرت له أكثر من مجموعة مختارات بعناوين مختلفة، أولها «لم أبن كخوفو هرماً» عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة» عام 2013، و«فضاءات» عن «دار المعارف» في عام 2015، في حين صدرت أعماله الشعرية في ثلاثة أجزاء عن «الهيئة المصرية العامة للكتاب» عام 2014، وضمت الدواوين التي صدرت حتى ذلك الوقت. وفي المسرح الشعري أصدر عام 1995 كتاباً ضم مسرحيتين شعريتين بعنوان «العادلون.. الشعلة».

وعن تجربته الشعرية، قال الراحل في حوار سابق له: «تجربتي الأساسية تبدأ بديوان (سليمان الملك) وما قبله كانت القصائد الأولى التي يمكن للباحث أن يجد فيها البذور الأساسية للدواوين التالية، وأعتقد أن كل ديوان لي هو نص واحد يتشكل تحت عناوين مختلفة، هو سياق شعري، في مضمار تجربة واحدة».

ظل سليمان طوال مشواره الشعري يحفر ويعبد طريقه الخاص، ويبحث عن جماليات قصيدة تشبهه، لا تخاصم الموسيقى وأوزانها وإيقاعاتها الخليلية، لكنها في الوقت نفسه ليست نظماً رناناً وإيقاعات صاخبة، بل محاولة لنفخ الروح في القصيدة، ومن ثم كان بحثه الدائم عن موسيقى تخص قصيدته، ومستكشفاً أطراً وطرائق جمالية جديدة، تجعل النص هامساً، ومسكوناً بشواغل وأسئلة وجودية وفلسفية، تدمج بين هموم الذات وهموم الواقع. ربما لذلك ظلت قصائده على مدار كثير من دواوينه مسكونة بعزلة الذات واغترابها، هرباً من بؤس الواقع السياسي والاجتماعي، فلا تخلو دواوينه من حضور النقد السياسي، والعلاقة الملتبسة مع الآخر، ومحاولة تفكيك ونقد العالم وما يكتنفه من تحولات، لكن في إطار مشروعه الشعري الهامس، دون نبرة عالية أو صراخ، ولعل هذا ضمن الخصائص التي تسم مشروعه الجمالي، فهو لا يخاصم الموضوعات السياسية كما فعل بعض أبناء جيله، لكنه في الوقت نفسه لا يصرخ مثل صرخات أمل دنقل مثلاً، بل حاول طوال الوقت أن يقف على التخوم، ويجمع كثيراً ما بدا أنه متناقضات: الذات/ والواقع، السياسة/ والهمس الشعري، البحور الخليلية/ والسرد الشعري، التفاصيل الصغيرة/ والقضايا الكبرى، فلم يقع في فخ الانحياز الكامل لأي طرف من أطراف هذه الثنائيات، والنفور من طرفها الآخر، فهو لم يرها ثنائيات ضدية، بل قابلة لأن تمتزج وتتداخل، وتنتج سبيكة جديدة وطازجة، هي قصيدته الخاصة.

وشهدت الدورة الأخيرة من معرض القاهرة الدولي للكتاب احتفاءً خاصاً بمسيرة الشاعر الراحل بعنوان «ثمانون عاماً.. والشعر يروي محمد سليمان»، لكنه لم يحضرها بسبب ظروفه الصحية آنذاك، كما فاز ديوانه الأخير «لا أحد هنا سيميل عليك» بجائزة أفضل ديوان شعري في المعرض، ما بدا أنه بمثابة تعويض أخير عن تجاهل طويل من المؤسسات الرسمية للشاعر الراحل طوال مسيرته، إذ لم يسبق له الفوز بجوائز من المؤسسات الثقافية الرسمية قبل هذه الجائزة، رغم جدارته الشعرية ودواوينه اللافتة. وكان سليمان معروفاً بابتعاده عن الأضواء ورفضه السعي إلى التكريمات أو الفعاليات الاحتفالية، وآسر التفرغ لمشروعه الشعري، بروح زاهد يقيم في محراب القصيدة، مستغنياً عن كل ما هو خارج هذه الصومعة من صخب وأضواء وأموال، فكان هذا اختياراً واعياً منه، وعبر عنه في أول قصيدة من الديوان الأخير، في مقطع لافت، يقول فيها:

أقرّ

مثل النيل

لم أفز بجائزة

ومثله غدوت ربما قديما

وأستحق أن أواصل الرحيل هكذا

وحيداً وفارغ اليدين

كالثوار والخرافيين

الذين لم تعد ظلالهم تتبعهم

أما القصيدة الأخيرة من الديوان نفسه، وعنوانها «آن لي»، فقد بدت بمثابة تلويحة وداع، ورغم كثافتها وإيجازها الشديدين كانت أقرب إلى مرثية قصيرة لذاته، فكما عاش متصالحاً مع وحدته ومتقبلاً لها، رحل متصالحاً مع الموت، ومتقبلاً له، وكأنه كان يستشرف اقتراب الرحيل، ويعرف أنه جاء في موعده، خاصة بعد أن شعر أن رحلته مع الشعر قد انتهت، فالشعر والحياة لديه كانا مترادفين، ويقول فيها:

آن لي

أن أَلُم طيوري

وأن أدع الريح ترتاح

في كوخها

المرايا تكرر يومي

والأساطير أعلامها

ولم يعد الشعر بحراً

يسوق الكنوز إلى غرفتي

ويحتل نصف سريري.

Your Premium trial has ended