«بريد القراء» أول باب تفاعلي إعلامي منذ القرن الـ18

الوسائط الاجتماعية تزاحمه بأسلوب عصري

تنشر الصحف تعليقات القراء وفق أسلوب نشرها للمقالات ويلجأ بعضها  إلى نشر نبذة مختصرة لبعض من بريد القراء الذي يصلها بأعداد هائلة
تنشر الصحف تعليقات القراء وفق أسلوب نشرها للمقالات ويلجأ بعضها إلى نشر نبذة مختصرة لبعض من بريد القراء الذي يصلها بأعداد هائلة
TT

«بريد القراء» أول باب تفاعلي إعلامي منذ القرن الـ18

تنشر الصحف تعليقات القراء وفق أسلوب نشرها للمقالات ويلجأ بعضها  إلى نشر نبذة مختصرة لبعض من بريد القراء الذي يصلها بأعداد هائلة
تنشر الصحف تعليقات القراء وفق أسلوب نشرها للمقالات ويلجأ بعضها إلى نشر نبذة مختصرة لبعض من بريد القراء الذي يصلها بأعداد هائلة

قبل أكثر من قرنين من الزمان كان باب التفاعل الوحيد بين الصحف، منذ بداياتها، وبين القراء، هو باب «بريد القراء». ومن خلال هذا الباب كان القراء يعبرون عن آرائهم فيما ينشر من أخبار وتعليقات. وبين الاستحسان والاعتراض كان الصحافيون يعرفون موقف القراء من الصحيفة، ويتفاعلون معهم بنشر الرسائل وأحياناً بالرد عليها.
وتطور الوضع الآن إلى رسائل إلكترونية ترسل إلى مواقع الصحف الإلكترونية للتعقيب على المقالات والأخبار مباشرة، بالإضافة إلى البريد العادي، وأيضاً النشر المستقل على وسائط التواصل الاجتماعي مع تعليقات مباشرة لا تخضع لإشراف الصحف، وتكون في بعضها ركيكة اللغة، ولا تلتزم بشروط النشر المحترف.
المحتوى العام لـ«بريد القراء» متنوع، ويشمل التعليق على أخبار سياسية أو اجتماعية، أو الاعتراض على وجهات نظر كتاب الصحيفة أو تشجيعها، وأحياناً تكون بغرض وضع الأمور في نصابها الصحيح من وجهة نظر القارئ، أو تصحيح ما يراه قد جانب الصواب من كتابات الصحافيين. وفي الغالب يكون الدافع إلى الاعتراض أقوى من الاستحسان في «بريد القراء». يكون هدف بعض القراء تصحيح ما يرونه من أخطاء في النشر.
وتنشر الصحف تعليقات القراء، وفق أسلوب نشرها للمقالات. وتلجأ الصحف الكبرى إلى نشر نبذة مختصرة لبعض من «بريد القراء» الذي يصلها بأعداد هائلة. بينما تلجأ الصحف الصغرى والمحلية لنشر نسبة أكبر من البريد الذي يصلها بأعداد قليلة.
ويشرف محرر متخصص على «بريد القراء»، بحيث يخضع لمعايير النشر من حيث سلامة اللغة والالتزام بالأصول الصحافية بعدم التعدي أو اتهام أشخاص بلا دليل، أو تناول قضايا من جانب واحد يغفل حقوق الطرف الآخر. وفي الغالب يختصر المحرر رسائل البريد طويلة الحجم، بحيث لا تزيد عن ما بين 200 و500 كلمة بحد أقصى. ويغفل المحرر المسؤول الرسائل التي تأتي بلا توقيع أو تحتوي على لغة بذيئة لا تصلح للنشر.
مما يذكر أن «بريد القراء» لا يقتصر على الصحف وحدها، بل يرسل أيضاً إلى محطات التلفزيون والراديو، كما يرسل لمواقع الصحف الإلكترونية. ويتم بث هذه الرسائل في برامج خاصة تبث دورياً.

تاريخ حافل

يعود تاريخ «بريد القراء» إلى نشأة الصحف نفسها، وبدأت كفكرة متضمنة في صحف بدائية بدأت تنتشر في الغرب منذ منتصف القرن الثامن عشر. وخلال القرن التاسع عشر كان المتعارف عليه أن «بريد القراء» يأتي تعقيباً على «عمود رأي» الصحيفة في قضايا محلية أو وطنية وفق خريطة توزيعها. ومنذ ذلك التاريخ، وخلال القرن العشرين، كان المتعارف عليه أن ينشر «بريد القراء» بجوار «عمود الرأي» في الصحيفة.
وفي الماضي كان من المقبول إرسال رسائل بلا توقيع، على اعتبار أنها من أسس حرية الرأي. ولكن رؤساء تحرير الصحف اعتبروا هذا التوجه سلبياً في سبعينات القرن الماضي. ومع نهاية القرن العشرين كانت الأغلبية الساحقة من الرسائل مجهولة المصدر لا تأخذ طريقها إلى النشر. ولكن من الممكن أن يطلب القارئ عدم نشر اسمه مع الرسالة مع الإفصاح عن الاسم والعنوان للمحرر.
ومع ذلك وجد هواة إرسال البريد مجهول المصدر ضالتهم في منصات الحوار الإلكتروني التي يدخلونها بأسماء مستعارة، وينشرون من خلالها آراءهم التي يمكن اعتبار بعضها دون مستوى النشر المعتاد. وهي تماثل في مجموعها «بريد القراء» الذي كان ينشر في الصحف التاريخية من قرون سابقة.
وبمفهوم القرن الحادي والعشرين، فإن معظم التفاعل بين وسائل الإعلام، وبين القراء أو المستمعين أو المشاهدين، يكون عبر الإنترنت. وتتلقى وسائل الإعلام تعليقات القراء عبر البريد الإلكتروني أو تطبيقات مثل «تويتر» و«فيسبوك» و«آنستغرام». ولأن النشر الإلكتروني عبر الإنترنت فتح مجال القراءة لملايين القراء، بالإضافة إلى من يشترون النسخ الورقية، فإن التعليقات زادت في حجمها عن قدرة بعض الصحف على قراءة كل التعليقات أو نشرها، كما أن بعض المواقع الإلكترونية انهارت تحت ضغط الإقبال عليها.
وفي صورته الحديثة، يعتبر «بريد القراء» وسيلة تفاعلية فورية بين الإعلام وجمهوره، ولكن مع بعض الظواهر السلبية التي تتمثل في محاولات تأثير وهمية عبر كتابة أعداد هائلة من الرسائل التي تصب في موضوع واحد، وإرسالها على أنها من قراء متعددين، وهي حملات يرصدها الصحافيون المشرفون على «بريد القراء» بسهولة، ويتعاملون معها بحسم.
واشتهر رونالد كلارك رئيس تحرير صحيفة «سان بول بيونير برس» تاريخياً بالقول: إن «بريد القراء» هو بارومتر التفاعل بين الصحيفة وجمهورها، وكلما زاد البريد كلما كانت الصحيفة ناجحة في التفاعل مع جمهورها، أما إذا تراجع حجم البريد فهذا يعني أن الصحيفة خاملة، ولا تثير قراءها.
ورصدت محاولات لاستغلال «بريد القراء» لمصالح ذاتية، منها حالة السياسي الكندي بول رايتسما الذي كان يرسل العديد من رسائل «بريد القراء» إلى الصحف الكندية بأسماء مستعارة لكيل المديح إلى شخصه ومهاجمة معارضيه. وعندما كشفت صحيفة محلية أمره نشرت في صدر صفحتها الأولى عنوان «رايتسما كاذب، ولدينا الإثبات». وكان هذا بمثابة نهاية رايتسما سياسياً.
وتلجأ بعض الصحف والمجلات إلى تشجيع «بريد القراء» باختيار أفضل الرسائل ونشرها في موقع بارز، وأحياناً بتخصيص بعض الجوائز لأفضل الرسائل، منها تقديم أقلام فاخرة للقراء.

نماذج غريبة

تشتهر بعض النماذج الغريبة من «بريد القراء»، سواء على الجانب العربي أو الأجنبي. وفي مصر اشتهر محمد حسين حجازي المعروف باسم «مجنون أم كلثوم» بمراسلة الصحف المصرية على مدى ما يقرب من نصف قرن خلال حياة أم كلثوم وبعدها، لتصحيح أي معلومات منشورة عنها أو عن أغانيها. ثم استهواه أمر إرسال الرسائل التي تنشر باسمه فانتقل باهتمامه إلى القضايا العامة.
وفي بريطانيا نشرت صحيفة «دايلي ميل» رسالة من قارئ كتب فيها: أنه يشاهد مباريات «الكريكت» بين فريق بلاده والفريق الهندي، ولاحظ أن الجمهور الهندي الكبير الذي يشاهد هذه المباريات يرتدي الملابس المزركشة وتتحلى النساء بالحلي الذهبية. ثم يسأل في نهاية رسالته لماذا ترسل بريطانيا مساعدات إلى الهند وهي بلد ثري. وطالب بوقف المساعدات فوراً.
قارئ آخر اسمه بن كورماك من قرية في الساحل الجنوبي البريطاني شكا لصحيفة «التايمز» من مزارع الرياح التي تتكون من مراوح هائلة في الحجم. ويقول بن في رسالته: «لدينا ما يكفي من الرياح ولا نحتاج إلى تبديد المزيد من الكهرباء لتوليد المزيد من الرياح، فهذا تبديد لأموال دافعي الضرائب».

توجهات حديثة

السؤال الذي يشغل بال أكثر من رئيس تحرير هو: هل هناك أهمية للمحافظة على ركن «بريد القراء»؟ فالطبعات الإلكترونية تتيح فرصة التعليق من القراء على كل المقالات والأخبار مباشرة، بحيث يمكن القول: إن البريد تسلل إلى كل أبواب الصحيفة ولم يعد يقتصر على ركن خاص به.
وهناك حالات لقراء تحولوا إلى صحافيين، مع تكرار الكتابة إلى الصحف عبر أبواب «بريد القراء». كما تدعو بعض الصحف الآن قراءها لإرسال الأخبار والتحقيقات إليها من أجل الاستفادة من معلوماتهم الخاصة بقضايا معينة أو مناطق محلية يعرفونها جيداً.
بعض الصحف أيضاً، مثل صحيفة «التلغراف» البريطانية، تجمع رسائل القراء الساخرة التي لم تنشر، وتصدر بها كتاباً دورياً. من رسائل قراء «التلغراف» من يقترح فض مظاهرات الطلبة باستخدام مدافع المياه، على أن تخلط خزانات المياه ببعض الصابون، لتنظيف الطلبة وتشجيعهم على الاستحمام.
وفي رد على وزير داخلية بريطاني سابق؛ نصح المواطنين بالدفاع عن منازلهم حتى ولو بطعن اللص المقتحم، سأل روبرت وارنر من مقاطعة باركشير الصحيفة إذا كان من الممكن صعق اللص كهربائياً بدلاً من طعنه حتى لا تتسخ سجادة المنزل بالدماء.

من التعليق والاحتجاج إلى مشاكل القلوب

في تحول ملحوظ لأبواب «بريد القراء»، اكتشفت بعض الصحف المصرية أن القراء يقبلون أيضاً على قراءة «بريد القراء»، فخصصت صفحات كاملة للرسائل التي تبحث عن حلول لمشاكل شخصية، معظمها من النوع العاطفي. وتعددت أسماء هذه الصفحات من «بريد الجمعة» إلى «أريد حلاً» و«قلوب جريحة».
من أشهر هذه الأبواب ما كانت صحيفة «الأهرام» القاهرية تنشره أسبوعياً تحت عنوان «بريد الجمعة». واشتهر هذا الباب عندما تولاه الصحافي عبد الوهاب مطاوع بين عام 1982 وحتى رحيله عام 2004. ولكن شعبية الصفحة تراجعت من بعده، نظراً لاختفاء أسلوب مطاوع في الرد الراقي على الرسائل التي كان يختارها للنشر من بين مئات الرسائل التي كان يتلقاها.
وقد تميزت أيضاً مجلة «سيدتي» بأبواب «بريد القراء»، والإجابة على تساؤلات حائرة من القارئات كانت تجيب عليها الكاتبة الراحلة فوزية سلامة. وتحتاج مثل هذه الأبواب إلى اكتساب ثقة القراء والتواصل بمصداقية عبر سنوات طويلة من العطاء والنصيحة.

«الشرق الأوسط» فتحت قلبها للقراء من البداية

من التجارب الفريدة في التفاعل مع القراء ما طبقته صحيفة «الشرق الأوسط» منذ بداياتها في نهاية سبعينات القرن الماضي، حيث فتحت صفحة للقراء للتعبير عن الآراء والخلجات ليس فقط في التعليق على موضوعات أو افتتاحيات الصحيفة، وإنما عن كل ما يروق لهم الكتابة عنه. واختارت الصحيفة يومياً رسالة بها وجهة نظر جديدة لكي تكون «رسالة اليوم». كما خصصت ركناً للردود السريعة.
وأتاحت «الشرق الأوسط» فرصة للقراء لنشر أشعار من تأليفهم، والكتابة في موضوعات مختلفة تتراوح بين شرح ما هو «الحب الأول»، وتعليق على «ضعاف النفوس». وشملت الموضوعات الاحتفال بشهر رمضان المبارك وتعقيبات على الثورة الفلسطينية وضرورة القيام بمسيرة فلسطينية.
وفي طبعتها العصرية لم يعد «بريد القراء» يقتصر على ركن أو صفحة واحدة، وإنما تتاح الفرصة للقراء للتعليق على كافة محتويات الصحيفة مباشرة على موقعها الإلكتروني. وتشمل فرصة التعليق أيضاً على مقالات الرأي، وليس فقط على المقالات المنشورة. مع خدمات إضافية للحصول على محتويات من الصحيفة أو كتابات الرأي مباشرة على «إيميل» القارئ.
وتعد «الشرق الأوسط» هي الصحيفة التي تمثل الرأي العام العربي، وينتشر قراؤها حول العالم، ويتفاعلون معها سواءً بشراء الطبعة الورقية، أو المتابعة على الإنترنت.


مقالات ذات صلة

«صار الوقت» يوظّف الذكاء الاصطناعي في خطوة متقدّمة تلفزيونياً

يوميات الشرق مارسيل غانم تفاعل مع الفكرة منذ اللحظة الأولى لتطبيقها (برنامج صار الوقت)

«صار الوقت» يوظّف الذكاء الاصطناعي في خطوة متقدّمة تلفزيونياً

استعان برنامج «صار الوقت»، على شاشة «إم تي في»، بالذكاء الاصطناعي لتطوير التحضير للحلقات ومقارنة تصريحات الضيوف بمواقفهم السابقة.

فيفيان حداد (بيروت)
الولايات المتحدة​ الصحافي الأميركي بوب وودوارد (أ.ب- أرشيفية)

كاشف أسرار واشنطن... بوب وودوارد يزيح الستار عن مصادره السرية

يكشف الصحافي المخضرم بوب وودوارد في مذكراته الجديدة هويات مصادره السرية، وكواليس تحقيقاته عن أسرار واشنطن، ويوجِّه انتقادات إلى جيف بيزوس.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
إعلام شعار «ميتا» (رويترز)

مخاوف حيال تعديل شروط استخدام الحسابات على «فيسبوك» و«إنستغرام»

أجرت شركة «ميتا» تعديلاً على شروط الاستخدام قد يمنحها صلاحيات واسعة للوصول إلى محتوى المواقع الإخبارية ونسخه وإعادة استخدامه

إيمان مبروك (القاهرة)
يوميات الشرق أُقيم مؤتمر «نساء على خطوط المواجهة» بحضور رئيس مجلس الوزراء نواف سلام (الجهة المنظّمة)

«نساء على خطوط المواجهة» في نسخته الـ13 يواكب التحوّلات الراهنة

اختُتم المؤتمر بتلاوة توصيات شدّدت على ضرورة أن تقود الدولة عملية التعافي ضمن إطار وطني منسّق...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق يشمل الإطلاق أكثر من 100 فصل من السلسلة الشهيرة (الشرق الأوسط)

«مانجا العربية» تُطلق «ون بيس» باللغة العربية رسمياً للمرة الأولى

أطلقت «مانجا العربية»، إحدى شركات «المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG)»، سلسلة «ون بيس» اليابانية باللغة العربية للمرة الأولى رسمياً.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

توجّهات آيديولوجية تغطّي على مقاربة الصحافة لاضطرابات فرنسا

جانب من التغطية التلفزيونية للأحداث (باريس 24)
جانب من التغطية التلفزيونية للأحداث (باريس 24)
TT

توجّهات آيديولوجية تغطّي على مقاربة الصحافة لاضطرابات فرنسا

جانب من التغطية التلفزيونية للأحداث (باريس 24)
جانب من التغطية التلفزيونية للأحداث (باريس 24)

ليست المرة الأولى التي تعرف فيها فرنسا حالةً من الغليان الذي يُترجَم في الشارع من خلال المظاهرات والمسيرات، ولكن أيضاً عبر الصدامات مع القوى الأمنية التي تواكبها، بشكل منهجي، حرائق السيارات واستهداف المؤسسات العامة والممتلكات الخاصة والقبض على مئات الأشخاص وتقديمهم للعدالة.

يترافق ذلك كله بحفلات التراشق السياسي بين اليمين واليسار وما يتوسطهما. وبما أن الصحافة، أكانت مكتوبة أم مسموعة ومرئية، ليست سوى صورة لحالة المجتمع وتجاذباته، فإن ما تنتجه يعكس بطبيعة الحال، من جهة، انقساماته العميقة، ومن جهة ثانية، مصالح وطموحات القوى السياسية التي تمول وتصدر الوسائل الإعلامية.

ولعل أبرز مثال على ذلك التغطية الصحافية للأحداث التي عاشتها فرنسا في الأسبوعين الأخيرين: الأولى، مع حراك طلاب المرحلتين الثانوية والجامعية الذي انطلق قبل نحو الشهر من ضاحيتين قريبتين من باريس. والثانية، مع ما صدر عنها بعد «السبت الأسود» و«الأحد الرمادي» اللذين تميَّزا بعنف استثنائي إن على صعيد الصدامات بين المجموعات المتطرفة والقوى الأمنية أو أعمال الشغب والسرقة والنهب والاعتداءات. وهذه ضربت المدن الفرنسية الثلاث الكبرى، باريس وليون ومرسيليا، ومدناً كثيرة غيرها مثل تولوز وبوردو وليموج ورين وليل.

ألسنة اللهب في الشوارع (أ.ف.ب)

مواقف الصحافة اليومية

لنأخذ كنقطة الانطلاق، لمقارنة توجهات الصحافة اليومية، ما صدر عنها يوم الاثنين الذي أعقب يومي «السبت الأسود» و«الأحد الرمادي» مع التركيز على الصحف «الوطنية» الأكثر انتشاراً، أي «لو موند»، و«ليبراسيون»، و«لوفيغارو»، و«لوبينيون»، إضافة إلى الصحيفة الأسبوعية «لو جورنال دو ديمانش» التي تصدر مرة واحدة في الأسبوع، أي يوم الأحد، كما يدل عليها اسمها.

عمّا يقوله اليمين، البداية مع صحيفة «لو فيغارو» التي تنطق باسم اليمين المحافظ. إذ تصدَّرت صفحتها الأولى صورة حريق مبنى بلدية مدينة ليموج، بوسط فرنسا، وفوقها عنوان يقول: «بعد الفوضى... العار والغضب».

وفي الصفحة نفسها افتتاحية بالغة الشدة، تشكِّل مضبَطة اتهامات للدولة واليسار وجان لوك ميلونشون، زعيم حزب «فرنسا الأبيّة» اليساري المتشدد والمرشح للانتخابات الرئاسية.

ومما جاء فيها: «الدولة مُهانة داخل مباني بلدياتها ومحافظاتها ومراكز شرطتها. والفرنسيون مذعورون ومستاؤون من هذا الغضب العارم الذي يشوّه بلدهم بعنفه البشع. ورجال الشرطة بلغوا أقصى طاقتهم، شجعانٌ لكنهم عاجزون عن احتواء الوضع».

وتضيف: «التجار يائسون بعد أعمال النهب. والصحافيون يتعرَّضون للتهديد والاعتداء. ومباني إذاعة (أوروبا 1) وقناة (سي نيوز) وصحيفة (لو جورنال دو ديمانش) - وكلها تتبع لرجل الأعمال فانسان بولوريه المتمترس قرب اليمين المتطرف - تتعرَّض لهجوم مباشر».

وتكمل: «في ألسنة اللهب التي اجتاحت هذا اليوم الأسود، احترق نظام كامل من القيم. وتحت الرماد تكمن عقود من الجبن والامتثال الأعمى وانعدام البصيرة. واحتقار كل سلطة تمنح الفرد شعوراً بأنه قادر على فعل كل شيء. وضغائن تاريخية واجتماعية وثقافية تغذّي النزعات الثورية. وعدالة تتساهل مع المجرم، لكنها لا ترحم المواطنين الشرفاء. وامتياز غير مفهوم تتمتع به ميليشيات اليسار المتطرف، التي تحطّم وتحرق وتقتل من دون أن تُحاسَب، وهجرة خارجة عن السيطرة، يقف جزء منها في وجه البلد الذي يستضيفه. ومدرسة جرى تفريغها من العقل والمعرفة. وحركة سياسية، من ميلونشون إلى باغايوكو، تتعمّد تأجيج الحمى الروبسبييرية» - في إشارة إلى ماكسميليان روبسبيير، رجل أحكام المقاصل إبان الثورة الفرنسية.

اتهام يميني لميلونشون

وفي الصفحات الداخلية مادة تتهم ميلونشون بـ«الغموض» في إدانة العنف، لا بل تتهمه بالمسؤولية عنه. ويتضمَّن العدد مطالبات بمزيد من التَّشدُّد البوليسي، ومقترحات اليمين، ومنها حظر حزب ميلونشون، التي أطلقها رئيس حزب «الجمهوريون» اليميني المعتدل ورئيس مجلس الشيوخ جيرار لارشيه، المنتمي إلى الحزب نفسه، وكذلك مقترح غبريال أتال، رئيس الوزراء السابق الذي دعا إلى إنزال الجيش لحفظ الأمن.

وفي السياق الآيديولوجي عينه تندرج تغطية «لو جورنال دو ديمانش»، التي صدرت صفحتها الأولى بعنوان: «الفوضى: اليسار المتطرف يدير المشهد من وراء الكواليس... أعمال شغب ذات طابع تمرّدي ويوم أشبه بنهاية العالم». وفي الداخل، خصّصت الصحيفة مادةً مطوّلةً أصحبتها بصورة لميلونشون وقادة من حزبه اليساري في أثناء مشاركتهم في مظاهرة الأحد الماضي، ومن بينهم بالي باغايوكو، عمدة مدينة سان دوني (الواقعة ضمن باريس الكبرى)، الذي قال يوماً «إن العنف يمكن أن يكون مشروعاً».

ونقلت الصحيفة عن ميلونشون تحميله القوى الأمنية «مسؤولية الفوضى» بسبب استراتيجية حفظ الأمن التي تعمل بموجبها. وبشكل عام، يتهم قادة حزب «فرنسا الأبيّة» الحكومة باللعب بورقة كسب الوقت بانتظار تفكّك الحركة المطلبية، ورهانها أيضاً على تأثير الفرصة المدرسية التي تنتهي بداية الشهر المقبل على التلامذة والطلاب، وأحياناً أخرى على تساقط الأمطار الذي قد يردع الناس عن النزول إلى الشوارع للتظاهر.

ويأخذ الحزب المذكور على الحكومة أنها تهمل المطالب المرفوعة، وتمتنع عن تقديم «حلول سياسية» مفضِّلةً عليها سياسة الهراوة أو «الردود الأمنية».

ميلونشون وحزبه في مرمى الصحافة اليمينية... وإعلام اليسار والوسط يميل لتحميل السلطات المسؤولية

الرأي الآخر

على الجانب الآيديولوجي المقابل، تتغيَّر المقاربات، الأمر الذي يبدو بارزاً في تغطية صحيفة «ليبراسيون»، المُصنَّفة يسارية، للأحداث. ففي عددها الصادر بعد يومَي الحراك، تطرح الصحيفة تساؤلات حول «استراتيجية الحفاظ على الأمن» التي تصفها بـ«غير المناسبة»، وتندِّد بعمليات التحطيم والنهب «على نطاق واسع» في حين تعبِّر عن حزنها بسبب التغطية على «آلاف الأشخاص الذين تظاهروا بطريقة سلمية».

وفي مقال مُسهب، تشرح الصحيفة تعاطي القوى الأمنية مع الحراك، الذي تعدّه «لا يتوافق» مع الوضع، لا بل يمكن اعتباره «خطيراً»، وهذا في حين وصف سيباستيان روش، العالم السوسيولوجي، ما قامت به الشرطة بـ«تعامل هواة». وأعربت الصحيفة في افتتاحيتها عن «الأسى» إزاء ردود الطبقة السياسية على الأحداث، كونها «تفكّر أولاً بالانتخابات المقبلة وكيفية تجيير ما يحصل لصالحها»، وإزاء غياب الطروحات الجدية حول التحديات التي تواجه المجتمع الفرنسي أو التي يمكن أن تعبئ الشباب لتحقيقها.

جدية «لو موند» ووقارها

ما بين اليمين واليسار تتموضع صحيفة «لو موند» المستقلة مع ميل طفيف إلى الجهة اليسرى. واللافت في تغطية هذه الصحيفة الوقورة أنها تكرّس مواد عدة لتشريح تعاطي السلطات مع الحركة المطلبية، وتتساءل عن غياب «الأجوبة السياسية» عن المطالب المرفوعة بوجه الدولة وسلطاتها بينما يشارف عهد الرئيس إيمانويل ماكرون على نهايته؛ إذ إنه سيرحل عن قصر الإليزيه بعد أقل من 200 يوم.

ورغم تنديد الصحيفة، في أكثر من مادة وتحليل، بالعنف والاشتباكات وبالمشاغبين وبمَن «يقتنص فرص المظاهرات لزرع الفوضى واللجوء إلى النهب، إلى جانب أهداف اليسار الأكثر تطرفاً»، فإنها عدَّت في مادة تحليلية أن «العنف ثمرة نظام سياسي راديكالي وسلطة مُعدمة». ما سبق غيض من فيض وصورة مصغرة عن الانقسامات السياسية في مقاربة الأحداث الخطيرة التي تعيشها فرنسا. وهذا التجاذب يظهر بقوة على شاشات التلفزيون، وفي برامجها الحوارية حيث اللغة معلّبة والحجج المسوقة معروفة سلفاً بحيث يكفي التعرّف على هوية المتكلّم لتوقّع ما سيصدر عنه من غير عناء الاستماع إليه.


مخاوف حيال تعديل شروط استخدام الحسابات على «فيسبوك» و«إنستغرام»

شعار «ميتا» (رويترز)
شعار «ميتا» (رويترز)
TT

مخاوف حيال تعديل شروط استخدام الحسابات على «فيسبوك» و«إنستغرام»

شعار «ميتا» (رويترز)
شعار «ميتا» (رويترز)

أجرت شركة «ميتا» تعديلاً على شروط الاستخدام قد يمنحها صلاحيات واسعة للوصول إلى محتوى المواقع الإخبارية ونسخه وإعادة استخدامه، واللافت أن الشركة العملاقة أمهلت الناشرين حتى نهاية أكتوبر (تشرين الأول) الحالي ليقرّروا بين قبول الشروط الجديدة أو الخروج من منصّات الشركة.

الشروط التي أعلنت عنها «ميتا» في 19 أكتوبر الحالي تتيح للشركة «استخدام أدوات آلية كالزواحف والروبوتات للوصول إلى المحتوى ونسخه وتحليله واسترجاعه من الصفحات المرتبطة بمنتجاتها وخدماتها أو التي تُشارك عبر منصاتها».

كذلك تسمح هذه الشروط باستخدام هذا المحتوى في تطوير منتجاتها وتحسينها والبحث فيها وتدريبها، لكن الشركة حذفت لاحقاً كلمة «تدريب» من الصياغة.

في هذه الأثناء، نقلت صحيفة «بريس غازيت» عن مات توبيك، المحامي الأميركي المتخصص في قضايا الإعلام، قوله إن الصياغة المعدّلة ما زالت تتيح لـ«ميتا» استخدام المحتوى المجمّع لـ«تطوير» أي «منتج تجاري»، معتبراً أن كلمة «تطوير» واسعة بما يكفي لتشمل التدريب.

من جهة ثانية، نصحت الحركة الناشرين بـ«حذف حساباتهم التجارية قبل نهاية الشهر الحالي، وتعديل شروط مواقعهم، لحظر أي جمع آلي للمحتوى والنص على أنه مقابل رسوم». ويرى مراقبون أن الناشرين الذين يستخدمون خدمتي «فيسبوك» أو «إنستغرام» - التابعتين للشركة - قد يمنحون الشركة، عملياً، حقوقاً متعلقة بالذكاء الاصطناعي على محتوى منشور خارج منصّاتها وفقاً للشروط الجديدة، أو سيضطرون إلى المغادرة، وهو الأمر الذي قد يضعهم أمام أكبر خسارة في القاعدة الجماهيرية التي تكوّنت لهم عبر سنوات. ووفق إفادات صحافية، وصف الرئيس التنفيذي لرابطة الإعلام الإخباري في بريطانيا، ثيو بامبر، الخطوة بأنها «استيلاء فاضح» على المحتوى، ودعا الوزراء والجهات التنظيمية إلى التصدّي لـ«ميتا» ومنعها من ترسيخ سابقة.

أما جيمس روزويل، مدير مجموعة «حركة من أجل ويب مفتوح» البريطانية فحذّر أخيراً من أن الضرر سيكون «فورياً ولا رجعة فيه» بمجرّد أن يُمتص المحتوى داخل نماذج الذكاء الاصطناعي، وكشف عن إعداد طعن قانوني عبر المفوضية الأوروبية وهيئة المنافسة والأسواق البريطانية.

عربياً، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، قال فادي عمروش، الباحث المتخصص في التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي التوليدي، إنه ليس لدى الناشرين رفاهية مغادرة منصات «ميتا». وأردف أن «هذه المنصات أصبحت من أهم قنوات الوصول إلى الجمهور، وبالتالي، فالانسحاب منها قد يعني خسارة جزء كبير من الانتشار والإيرادات الإعلانية وفرص جذب المشتركين».

وتابع عمروش أن «حجم الخسارة يختلف من مؤسسة إلى أخرى بحسب اعتمادها على المنصتين (فيسبوك) و(إنستغرام)، والمفارقة أن الناشرين أصبحوا يعتمدون على منصّات تتحكّم في وصولهم إلى الجمهور، بينما تتراجع الزيارات التي تحولها تلك المنصات إلى مواقعهم». ونصح من ثم «بتجنب الانسحاب، ولكن مع تقليص الاعتماد تدريجياً على (ميتا)، والاستثمار في المواقع والتطبيقات والنشرات البريدية لبناء علاقة مباشرة مع الجمهور». وللعلم، كانت «ميتا» قد حذفت منتصف الشهر الحالي الإشارة الصريحة إلى «التدريب» من شروطها الجديدة، لكنها أبقت على صلاحيات لجمع محتوى المواقع المرتبطة بالحسابات التجارية لأغراض تطوير منتجاتها. ولذا لا تزال هناك تساؤلات قانونية مشروعة حول حدود هذه الصلاحيات.

وتعليقاً على هذه النقطة، قال عمروش: «صحيح أن ثمة تساؤلات عديدة تطرح نفسها بعد الشروط التي تفرضها (ميتا) على الناشرين، غير أن هناك حلولاً غير الانسحاب قد تكون أكثر جدوى». ثم قدم مقترحاً للمؤسسات الإعلامية، هو أنه «على المستوى التقني يجب ضبط ملف (روبوتس. تكست) لمنع برامج الزحف غير المرغوبة، مع استخدام أنظمة حماية الخوادم مثل (كلاود فلير) لمراقبة الزحف وتقييده من دون تعطيل ظهور الأخبار ومعاينة روابطها على المنصات».


«ديزني+»: قطاع الترفيه السعودي يفتح آفاقاً جديدة للشركات العالمية

الفنانون السعوديون الذين شاركوا في دبلجة فيلم «حكاية لعبة 5»... خلال الحفل (الشرق الأوسط)
الفنانون السعوديون الذين شاركوا في دبلجة فيلم «حكاية لعبة 5»... خلال الحفل (الشرق الأوسط)
TT

«ديزني+»: قطاع الترفيه السعودي يفتح آفاقاً جديدة للشركات العالمية

الفنانون السعوديون الذين شاركوا في دبلجة فيلم «حكاية لعبة 5»... خلال الحفل (الشرق الأوسط)
الفنانون السعوديون الذين شاركوا في دبلجة فيلم «حكاية لعبة 5»... خلال الحفل (الشرق الأوسط)

تتجه شركة «ديزني» إلى تعزيز حضورها في السوق السعودية، مستفيدة من النمو الذي يشهده قطاع الترفيه والإعلام في المملكة، وتطوّر الكفاءات الإبداعية المحلية، في حين تسعى إلى توسيع شراكاتها الإقليمية وتطوير خدماتها الرقمية لمواكبة التحولات في سلوك المشاهدين.

تميم فارس، رئيس «ديزني» في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، قال خلال حوار مع «الشرق الأوسط» إن التحوّلات التي يشهدها قطاع الترفيه في المملكة العربية السعودية، ضمن «رؤية 2030»، أسهمت في إيجاد بيئة تدعم توسع الشركات العالمية، وتفتح المجال أمام مشاركة المواهب السعودية في مشاريع الإنتاج والمحتوى الترفيهي.

وأوضح فارس أن «عدد الشركات العاملة في القطاع ارتفع من نحو 10 شركات قبل عام 2016 إلى أكثر من أربعة آلاف شركة حالياً، في حين يستهدف القطاع الإسهام في توفير 450 ألف وظيفة ضمن مستهدفات (رؤية 2030). ولقد واكبت (ديزني) تطور صناعة الترفيه السعودية منذ إعادة افتتاح دور السينما، عندما كان فيلم (بلاك بانثر) Black Panther الذي أنتجته (مارفل) التابعة للشركة، أول فيلم يُعرض مع عودة النشاط السينمائي إلى المملكة».

الكفاءات

وتابع تميم فارس، أن نمو القطاع «أتاح فرصاً جديدة للتعاون مع الكفاءات المحلية»، لافتاً إلى أن الشركة «وجدت خلال إعداد أحدث مشاريعها في المملكة عدداً من المواهب يفوق توقعاتها؛ الأمر الذي يعكس تطور البيئة الإبداعية السعودية وقدرتها على المشاركة في مشاريع عالمية».

وفي هذا السياق، كشف عن أن الشركة عملت خلال الأشهر الستة الماضية مع أكثر من 40 موهبة سعودية من الممثلين والكتّاب وصنّاع المحتوى والتقنيين، لتنفيذ أول مشروع لدبلجة أحد أفلامها باللهجة السعودية، وذلك من خلال فيلم «حكاية لعبة 5» (Toy Story 5).

وذكر فارس أن «تعدد الكفاءات المحلية جعل اختيار المشاركين في المشروع من أبرز التحدّيات التي واجهت فريق العمل»، معرباً عن تطلّعه إلى أن تكون هذه التجربة بداية لمزيد من المشاريع التي تستفيد من المواهب السعودية خلال السنوات المقبلة.

الشراكات المحلية

فيما يتعلق باستراتيجية الشركة الأميركية العملاقة لتعزيز حضورها في المملكة، شدد فارس على أهمية الشراكات مع المؤسسات المحلية والإقليمية، ومن بينها «إس تي سي» و«إم بي سي»، في تسهيل وصول خدمات «ديزني» إلى الجمهور السعودي، وتوسيع انتشار المنصة في المنطقة.

وبالتوازي، أوضح أن الشركة تعمل على تطوير أساليب تقديم محتواها العالمي بما يتناسب مع اهتمامات الجمهور المحلي، مركّزاً على أن امتلاك «ديزني» تاريخاً يمتد أكثر من مائة سنة في صناعة الترفيه «لا يعفيها من ضرورة مواصلة العمل لكسب ثقة المشاهدين في ظل المنافسة المتزايدة بين منصات البث الرقمي».

ثم أشار إلى أن الشركة «تسعى إلى تحقيق ذلك من خلال توسيع مكتبة المحتوى، وتطوير تجربة المستخدم، وتقديم أعمال أكثر ارتباطاً باهتمامات الجمهور العربي، إلى جانب الاستفادة من الشراكات المحلية لتسهيل الوصول إلى المشتركين».

تجربة المشاهدة

جدير بالذكر، أن «ديزني» أطلقت منصة جديدة بداية شهر أكتوبر (تشرين الأول) الحالي تتضمّن توسيع مكتبة المحتوى، خصوصاً الإنتاجين التركي والكوري، إلى جانب تطوير تجربة المشاهدة وإضافة مزايا تستهدف العائلات والأطفال.

وهنا، أوضح فارس أن الشركة «تولي أهمية خاصة لملاءمة المحتوى المعروض في العالم العربي مع الثقافة والقيم المحلية»، مشيراً إلى أن «جميع الأعمال تخضع للمراجعة، بما يشمل المشاهد والحوارات والمواد المدبلجة، مع استبعاد ما لا يتناسب مع خصوصية المنطقة».

وأضاف أن المنصة الجديدة ستتضمن مساحة مخصّصة للأطفال تحت اسم «عالم الصغار»، توفّر واجهة مبسطة تسهّل عليهم التنقّل بين البرامج والأفلام، وتمنح أولياء الأمور خيارات أوسع للتحكم في طبيعة المحتوى الذي يشاهده أطفالهم.

وتوقع فارس أن تشهد المرحلة المقبلة «تركيزاً أكبر على تطوير تجربة المشاهدة، وتقديم القصص العالمية بأساليب تتناسب مع الجمهور العربي، والاستفادة من نمو صناعة الترفيه في المملكة لتوسيع التعاون مع المواهب المحلية».

تميم فارس رئيس «ديزني+» في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خلال الحفل الذي أُقيم أخيراً في الرياض (الشرق الأوسط)

«ديزني» توسّع حضورها سعودياً

وحقاً، كما سبقت الإشارة، كانت منصة «ديزني» قد أعلنت في وقت سابق تقديم أول فيلم من إنتاج شركة «ديزني» مدبلج باللهجة السعودية، عبر فيلم «حكاية لعبة 5» (Toy Story 5) بمشاركة مجموعة من الممثلين والكوميديين وصنّاع المحتوى المحليين، في خطوة تعكس اهتمام الشركة بالاستفادة من تطور صناعة الترفيه في المملكة وتنامي الكفاءات الفنية والإبداعية.

وجاء الإعلان خلال فعالية نظّمتها الشركة في حي جاكس بالرياض، وكشفت خلالها عن إطلاق تطبيق جديد في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ابتداءً من 6 أكتوبر، يتضمن تحديثات لتخصيص المحتوى، وإتاحة المشاهدة خلال السفر، وتحسين أدوات الرقابة الأبوية، إلى جانب توسيع مكتبة الأعمال العالمية.

هذا، وشارك في أداء أصوات شخصيات «حكاية لعبة 5» باللهجة السعودية كل من إبراهيم الخير الله في دور «باز يطير»، وصهيب قدس في دور «وودي»، وريم الحبيب في دور «جيسي»، ومالك نجر في دور «سمارتي بانتس»، وأسيل سراج في دور «ليلي باد»، وياسر السقف في دور «أطلس»، إلى جانب مجموعة أخرى من الفنّانين وصنّاع المحتوى السعوديين. ولقد أوضحت الشركة أن إعداد النسخة السعودية راعى الخصائص اللغوية والفكاهة والسياق الثقافي المحلي، مع المحافظة على مضمون الفيلم الأصلي وشخصياته، في تجربة تستهدف تقريب المحتوى العالمي من الجمهور السعودي، وإتاحة فرص جديدة أمام المواهب المحلية للمشاركة في الإنتاجات العالمية.

تطوّر صناعة السينما

من جهة أخرى، وفي حديث سابق لـ«الشرق الأوسط»، قال الفنان السعودي إبراهيم الخير الله، الذي يؤدي صوت شخصية «باز يطير»، إن «دبلجة الفيلم باللهجة السعودية تعكس التطور الذي تشهده صناعة السينما في المملكة، وتنامي اهتمام الجمهور بالأعمال التي تعبّر عن ثقافته وتفاصيل حياته اليومية». ورأى «أن تقديم شخصيات عالمية معروفة بأصوات سعودية يمثّل خطوة مهمة للفنانين المحليين».

وعلى صعيد الخدمات الرقمية، تشمل تحديثات التطبيق الجديد تطوير نظام التوصيات ليصبح أكثر ارتباطاً بتفضيلات المشاهدة الفردية، وإتاحة مشاهدة المحتوى خلال السفر في الشرق الأوسط وأوروبا والولايات المتحدة ومناطق أخرى.

كذلك، تتضمن التحديثات توفير مساحة مخصصة للأطفال تحت اسم «عالم الصغار»، إلى جانب تطوير أدوات الرقابة الأبوية، وإتاحة إنشاء ملفات شخصية محمية برمز تعريف شخصي، وتحديد صلاحيات الوصول إلى المحتوى المخصص للبالغين، بما يمنح العائلات تحكماً أكبر في تجربة المشاهدة.

وفي إطار المنافسة المتزايدة بين منصات البث الرقمي، تسعى «ديزني» إلى توسيع خيارات المحتوى المتاحة للمشتركين في المنطقة، عبر تقديم مزيد من الإنتاجات التركية والكورية، إلى جانب أعمال جديدة من استوديوهات «ديزني» و«بيكسار» و«مارفل» وغيرها.

الأعمال المرتقبة

هذا، وقد استعرضت الشركة خلال فعاليتها في الرياض التي أقيمت أخيراً مجموعة من الأعمال المرتقبة، من بينها الموسم الثاني من المسلسل التركي «الخليفة»، والمسلسل الكوري «انتقام إمبراطورة»، المقرر عرضه في 4 نوفمبر (تشرين الثاني)، والموسم الثاني من «صُنِع في كوريا»، فضلاً عن النسخة الحية من فيلم «موانا»، والموسم الثالث والعشرون من المسلسل الطبي «غرايز أناتومي»، ومسلسل «مهمة فيجن» من إنتاج «مارفل».

وتأتي هذه الخطوات مع اتجاه الشركة إلى الجمع بين توسيع مكتبتها العالمية وتطوير تجربة مشاهدة تتناسب مع اهتمامات الجمهور المحلي، مستفيدة من نمو قطاع الترفيه السعودي، وتطوّر الشراكات مع المؤسسات المحلية، وتزايد الطلب على المحتوى الرقمي في المنطقة.

الشركة عملت خلال الأشهر الماضية مع أكثر من 40 موهبة محلية لدبلجة أحد أفلامها باللهجة السعودية