«بريد القراء» أول باب تفاعلي إعلامي منذ القرن الـ18

الوسائط الاجتماعية تزاحمه بأسلوب عصري

تنشر الصحف تعليقات القراء وفق أسلوب نشرها للمقالات ويلجأ بعضها  إلى نشر نبذة مختصرة لبعض من بريد القراء الذي يصلها بأعداد هائلة
تنشر الصحف تعليقات القراء وفق أسلوب نشرها للمقالات ويلجأ بعضها إلى نشر نبذة مختصرة لبعض من بريد القراء الذي يصلها بأعداد هائلة
TT

«بريد القراء» أول باب تفاعلي إعلامي منذ القرن الـ18

تنشر الصحف تعليقات القراء وفق أسلوب نشرها للمقالات ويلجأ بعضها  إلى نشر نبذة مختصرة لبعض من بريد القراء الذي يصلها بأعداد هائلة
تنشر الصحف تعليقات القراء وفق أسلوب نشرها للمقالات ويلجأ بعضها إلى نشر نبذة مختصرة لبعض من بريد القراء الذي يصلها بأعداد هائلة

قبل أكثر من قرنين من الزمان كان باب التفاعل الوحيد بين الصحف، منذ بداياتها، وبين القراء، هو باب «بريد القراء». ومن خلال هذا الباب كان القراء يعبرون عن آرائهم فيما ينشر من أخبار وتعليقات. وبين الاستحسان والاعتراض كان الصحافيون يعرفون موقف القراء من الصحيفة، ويتفاعلون معهم بنشر الرسائل وأحياناً بالرد عليها.
وتطور الوضع الآن إلى رسائل إلكترونية ترسل إلى مواقع الصحف الإلكترونية للتعقيب على المقالات والأخبار مباشرة، بالإضافة إلى البريد العادي، وأيضاً النشر المستقل على وسائط التواصل الاجتماعي مع تعليقات مباشرة لا تخضع لإشراف الصحف، وتكون في بعضها ركيكة اللغة، ولا تلتزم بشروط النشر المحترف.
المحتوى العام لـ«بريد القراء» متنوع، ويشمل التعليق على أخبار سياسية أو اجتماعية، أو الاعتراض على وجهات نظر كتاب الصحيفة أو تشجيعها، وأحياناً تكون بغرض وضع الأمور في نصابها الصحيح من وجهة نظر القارئ، أو تصحيح ما يراه قد جانب الصواب من كتابات الصحافيين. وفي الغالب يكون الدافع إلى الاعتراض أقوى من الاستحسان في «بريد القراء». يكون هدف بعض القراء تصحيح ما يرونه من أخطاء في النشر.
وتنشر الصحف تعليقات القراء، وفق أسلوب نشرها للمقالات. وتلجأ الصحف الكبرى إلى نشر نبذة مختصرة لبعض من «بريد القراء» الذي يصلها بأعداد هائلة. بينما تلجأ الصحف الصغرى والمحلية لنشر نسبة أكبر من البريد الذي يصلها بأعداد قليلة.
ويشرف محرر متخصص على «بريد القراء»، بحيث يخضع لمعايير النشر من حيث سلامة اللغة والالتزام بالأصول الصحافية بعدم التعدي أو اتهام أشخاص بلا دليل، أو تناول قضايا من جانب واحد يغفل حقوق الطرف الآخر. وفي الغالب يختصر المحرر رسائل البريد طويلة الحجم، بحيث لا تزيد عن ما بين 200 و500 كلمة بحد أقصى. ويغفل المحرر المسؤول الرسائل التي تأتي بلا توقيع أو تحتوي على لغة بذيئة لا تصلح للنشر.
مما يذكر أن «بريد القراء» لا يقتصر على الصحف وحدها، بل يرسل أيضاً إلى محطات التلفزيون والراديو، كما يرسل لمواقع الصحف الإلكترونية. ويتم بث هذه الرسائل في برامج خاصة تبث دورياً.

تاريخ حافل

يعود تاريخ «بريد القراء» إلى نشأة الصحف نفسها، وبدأت كفكرة متضمنة في صحف بدائية بدأت تنتشر في الغرب منذ منتصف القرن الثامن عشر. وخلال القرن التاسع عشر كان المتعارف عليه أن «بريد القراء» يأتي تعقيباً على «عمود رأي» الصحيفة في قضايا محلية أو وطنية وفق خريطة توزيعها. ومنذ ذلك التاريخ، وخلال القرن العشرين، كان المتعارف عليه أن ينشر «بريد القراء» بجوار «عمود الرأي» في الصحيفة.
وفي الماضي كان من المقبول إرسال رسائل بلا توقيع، على اعتبار أنها من أسس حرية الرأي. ولكن رؤساء تحرير الصحف اعتبروا هذا التوجه سلبياً في سبعينات القرن الماضي. ومع نهاية القرن العشرين كانت الأغلبية الساحقة من الرسائل مجهولة المصدر لا تأخذ طريقها إلى النشر. ولكن من الممكن أن يطلب القارئ عدم نشر اسمه مع الرسالة مع الإفصاح عن الاسم والعنوان للمحرر.
ومع ذلك وجد هواة إرسال البريد مجهول المصدر ضالتهم في منصات الحوار الإلكتروني التي يدخلونها بأسماء مستعارة، وينشرون من خلالها آراءهم التي يمكن اعتبار بعضها دون مستوى النشر المعتاد. وهي تماثل في مجموعها «بريد القراء» الذي كان ينشر في الصحف التاريخية من قرون سابقة.
وبمفهوم القرن الحادي والعشرين، فإن معظم التفاعل بين وسائل الإعلام، وبين القراء أو المستمعين أو المشاهدين، يكون عبر الإنترنت. وتتلقى وسائل الإعلام تعليقات القراء عبر البريد الإلكتروني أو تطبيقات مثل «تويتر» و«فيسبوك» و«آنستغرام». ولأن النشر الإلكتروني عبر الإنترنت فتح مجال القراءة لملايين القراء، بالإضافة إلى من يشترون النسخ الورقية، فإن التعليقات زادت في حجمها عن قدرة بعض الصحف على قراءة كل التعليقات أو نشرها، كما أن بعض المواقع الإلكترونية انهارت تحت ضغط الإقبال عليها.
وفي صورته الحديثة، يعتبر «بريد القراء» وسيلة تفاعلية فورية بين الإعلام وجمهوره، ولكن مع بعض الظواهر السلبية التي تتمثل في محاولات تأثير وهمية عبر كتابة أعداد هائلة من الرسائل التي تصب في موضوع واحد، وإرسالها على أنها من قراء متعددين، وهي حملات يرصدها الصحافيون المشرفون على «بريد القراء» بسهولة، ويتعاملون معها بحسم.
واشتهر رونالد كلارك رئيس تحرير صحيفة «سان بول بيونير برس» تاريخياً بالقول: إن «بريد القراء» هو بارومتر التفاعل بين الصحيفة وجمهورها، وكلما زاد البريد كلما كانت الصحيفة ناجحة في التفاعل مع جمهورها، أما إذا تراجع حجم البريد فهذا يعني أن الصحيفة خاملة، ولا تثير قراءها.
ورصدت محاولات لاستغلال «بريد القراء» لمصالح ذاتية، منها حالة السياسي الكندي بول رايتسما الذي كان يرسل العديد من رسائل «بريد القراء» إلى الصحف الكندية بأسماء مستعارة لكيل المديح إلى شخصه ومهاجمة معارضيه. وعندما كشفت صحيفة محلية أمره نشرت في صدر صفحتها الأولى عنوان «رايتسما كاذب، ولدينا الإثبات». وكان هذا بمثابة نهاية رايتسما سياسياً.
وتلجأ بعض الصحف والمجلات إلى تشجيع «بريد القراء» باختيار أفضل الرسائل ونشرها في موقع بارز، وأحياناً بتخصيص بعض الجوائز لأفضل الرسائل، منها تقديم أقلام فاخرة للقراء.

نماذج غريبة

تشتهر بعض النماذج الغريبة من «بريد القراء»، سواء على الجانب العربي أو الأجنبي. وفي مصر اشتهر محمد حسين حجازي المعروف باسم «مجنون أم كلثوم» بمراسلة الصحف المصرية على مدى ما يقرب من نصف قرن خلال حياة أم كلثوم وبعدها، لتصحيح أي معلومات منشورة عنها أو عن أغانيها. ثم استهواه أمر إرسال الرسائل التي تنشر باسمه فانتقل باهتمامه إلى القضايا العامة.
وفي بريطانيا نشرت صحيفة «دايلي ميل» رسالة من قارئ كتب فيها: أنه يشاهد مباريات «الكريكت» بين فريق بلاده والفريق الهندي، ولاحظ أن الجمهور الهندي الكبير الذي يشاهد هذه المباريات يرتدي الملابس المزركشة وتتحلى النساء بالحلي الذهبية. ثم يسأل في نهاية رسالته لماذا ترسل بريطانيا مساعدات إلى الهند وهي بلد ثري. وطالب بوقف المساعدات فوراً.
قارئ آخر اسمه بن كورماك من قرية في الساحل الجنوبي البريطاني شكا لصحيفة «التايمز» من مزارع الرياح التي تتكون من مراوح هائلة في الحجم. ويقول بن في رسالته: «لدينا ما يكفي من الرياح ولا نحتاج إلى تبديد المزيد من الكهرباء لتوليد المزيد من الرياح، فهذا تبديد لأموال دافعي الضرائب».

توجهات حديثة

السؤال الذي يشغل بال أكثر من رئيس تحرير هو: هل هناك أهمية للمحافظة على ركن «بريد القراء»؟ فالطبعات الإلكترونية تتيح فرصة التعليق من القراء على كل المقالات والأخبار مباشرة، بحيث يمكن القول: إن البريد تسلل إلى كل أبواب الصحيفة ولم يعد يقتصر على ركن خاص به.
وهناك حالات لقراء تحولوا إلى صحافيين، مع تكرار الكتابة إلى الصحف عبر أبواب «بريد القراء». كما تدعو بعض الصحف الآن قراءها لإرسال الأخبار والتحقيقات إليها من أجل الاستفادة من معلوماتهم الخاصة بقضايا معينة أو مناطق محلية يعرفونها جيداً.
بعض الصحف أيضاً، مثل صحيفة «التلغراف» البريطانية، تجمع رسائل القراء الساخرة التي لم تنشر، وتصدر بها كتاباً دورياً. من رسائل قراء «التلغراف» من يقترح فض مظاهرات الطلبة باستخدام مدافع المياه، على أن تخلط خزانات المياه ببعض الصابون، لتنظيف الطلبة وتشجيعهم على الاستحمام.
وفي رد على وزير داخلية بريطاني سابق؛ نصح المواطنين بالدفاع عن منازلهم حتى ولو بطعن اللص المقتحم، سأل روبرت وارنر من مقاطعة باركشير الصحيفة إذا كان من الممكن صعق اللص كهربائياً بدلاً من طعنه حتى لا تتسخ سجادة المنزل بالدماء.

من التعليق والاحتجاج إلى مشاكل القلوب

في تحول ملحوظ لأبواب «بريد القراء»، اكتشفت بعض الصحف المصرية أن القراء يقبلون أيضاً على قراءة «بريد القراء»، فخصصت صفحات كاملة للرسائل التي تبحث عن حلول لمشاكل شخصية، معظمها من النوع العاطفي. وتعددت أسماء هذه الصفحات من «بريد الجمعة» إلى «أريد حلاً» و«قلوب جريحة».
من أشهر هذه الأبواب ما كانت صحيفة «الأهرام» القاهرية تنشره أسبوعياً تحت عنوان «بريد الجمعة». واشتهر هذا الباب عندما تولاه الصحافي عبد الوهاب مطاوع بين عام 1982 وحتى رحيله عام 2004. ولكن شعبية الصفحة تراجعت من بعده، نظراً لاختفاء أسلوب مطاوع في الرد الراقي على الرسائل التي كان يختارها للنشر من بين مئات الرسائل التي كان يتلقاها.
وقد تميزت أيضاً مجلة «سيدتي» بأبواب «بريد القراء»، والإجابة على تساؤلات حائرة من القارئات كانت تجيب عليها الكاتبة الراحلة فوزية سلامة. وتحتاج مثل هذه الأبواب إلى اكتساب ثقة القراء والتواصل بمصداقية عبر سنوات طويلة من العطاء والنصيحة.

«الشرق الأوسط» فتحت قلبها للقراء من البداية

من التجارب الفريدة في التفاعل مع القراء ما طبقته صحيفة «الشرق الأوسط» منذ بداياتها في نهاية سبعينات القرن الماضي، حيث فتحت صفحة للقراء للتعبير عن الآراء والخلجات ليس فقط في التعليق على موضوعات أو افتتاحيات الصحيفة، وإنما عن كل ما يروق لهم الكتابة عنه. واختارت الصحيفة يومياً رسالة بها وجهة نظر جديدة لكي تكون «رسالة اليوم». كما خصصت ركناً للردود السريعة.
وأتاحت «الشرق الأوسط» فرصة للقراء لنشر أشعار من تأليفهم، والكتابة في موضوعات مختلفة تتراوح بين شرح ما هو «الحب الأول»، وتعليق على «ضعاف النفوس». وشملت الموضوعات الاحتفال بشهر رمضان المبارك وتعقيبات على الثورة الفلسطينية وضرورة القيام بمسيرة فلسطينية.
وفي طبعتها العصرية لم يعد «بريد القراء» يقتصر على ركن أو صفحة واحدة، وإنما تتاح الفرصة للقراء للتعليق على كافة محتويات الصحيفة مباشرة على موقعها الإلكتروني. وتشمل فرصة التعليق أيضاً على مقالات الرأي، وليس فقط على المقالات المنشورة. مع خدمات إضافية للحصول على محتويات من الصحيفة أو كتابات الرأي مباشرة على «إيميل» القارئ.
وتعد «الشرق الأوسط» هي الصحيفة التي تمثل الرأي العام العربي، وينتشر قراؤها حول العالم، ويتفاعلون معها سواءً بشراء الطبعة الورقية، أو المتابعة على الإنترنت.


مقالات ذات صلة

وزير الإعلام السعودي: نقف صفاً واحداً في مواجهة العدوان

الخليج سلمان الدوسري وزير الإعلام السعودي (الشرق الأوسط)

وزير الإعلام السعودي: نقف صفاً واحداً في مواجهة العدوان

دعا سلمان الدوسري وزير الإعلام السعودي، الإعلاميين والإعلاميات في دول مجلس التعاون الخليجي لمواجهة كل من يستهدف أمنها واستقرارها عبر خطابٍ واحدٍ وإعلامٍ مسؤول.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق جانب من توقيع العقد المشترك برعاية المستشار تركي آل الشيخ في القاهرة الخميس (هيئة الترفيه)

«الترفيه» السعودية و«إم بي سي مصر» لإنتاج محتوى نوعي يواكب تطلعات الجمهور

أبرمت هيئة الترفيه السعودية عقد إنتاج مشترك مع قناة «إم بي سي مصر»، في خطوة تعزز مسارات التعاون الهادف إلى تقديم محتوى نوعي يواكب تطلعات الجمهور المصري.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق مصر تودع الإذاعي الكبير فهمي عمر (الهيئة الوطنية للإعلام بمصر)

مصر تودع «شيخ الإذاعيين» فهمي عمر

فقد الإعلام المصري قامة إذاعية كبيرة برحيل «شيخ الإذاعيين» فهمي عمر الذي وافته المنية الأربعاء عن  98 عاماً والذي يُعد أحد الأصوات الذهبية.

انتصار دردير (القاهرة)
العالم سترات واقية من الرصاص وكاميرات على جثث صحافيين قُتلوا في غزة (رويترز)

مقتل 129 صحافياً في 2025 معظمهم بنيران إسرائيلية

قالت لجنة حماية الصحافيين، الأربعاء، إن 129 من الصحافيين والعاملين في مجال الإعلام قُتلوا خلال أداء عملهم العام الماضي، وإن ثلثي القتلى سقطوا بنيران إسرائيلية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق الاتفاق على تعزيز التعاون الإعلامي والثقافي والفني بين السعودية ومصر (فيسبوك المستشار تركي آل الشيخ)

السعودية ومصر لتعزيز التعاون في الإعلام والثقافة والفنون

تسعى السعودية ومصر لتعزيز التعاون بينهما في مجالات الإعلام والثقافة والفنون وفق ما تناوله لقاء جمع ضياء رشوان والمستشار تركي آل الشيخ.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )

لبنان: «الترند» مفهوم يتحكّم بإيقاع الرأي العام

جاد شحرور (الشرق الأوسط)
جاد شحرور (الشرق الأوسط)
TT

لبنان: «الترند» مفهوم يتحكّم بإيقاع الرأي العام

جاد شحرور (الشرق الأوسط)
جاد شحرور (الشرق الأوسط)

منذ نحو 10 سنوات دخل مصطلح «الترند» إلى لغتنا اليومية، فأصبح جزءاً من الخطاب الإعلامي والشعبي.

هذا المصطلح يعني «الاتجاه» الدارج في أوساط الناس، ويُستخدم للدلالة على حدث يكتسب انتشاراً واسعاً خلال فترة زمنية قصيرة. وإعلامياً، ارتبط شيوع مفهوم «الترند» ارتباطاً وثيقاً بانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، حيث أسهمت منصات مثل «فيسبوك» و«إنستغرام» و«إكس» و«تيك توك» في منحه مساحة واسعة من الاهتمام، عاكسةً اهتمامات الناس وميولهم.

في لبنان، ارتبط أحدث «الترندات» بمناقشة ميزانية عام 2026 في مجلس النواب، إلى جانب تلك المتعلقة بأحوال الطقس من عواصف ثلجية وهطول كثيف للأمطار. كذلك تصدّرت فضيحة «أبو عمر» السياسية، واجهة «الترندات» لأيام متتالية، ولا تزال شريحة من اللبنانيين تتفاعل معها حتى اليوم. ولا تزال الأخبار المرتبطة بالشأن السوري تسجّل تفاعلاً مشابهاً، إضافة إلى ما أُطلق عليه «قانون الفجوة الاقتصادية».

وفي السياق نفسه، تُعدّ أغنية الفنانة هيفاء وهبي «بدنا نروق» من أبرز الأعمال الفنية التي تحوّلت إلى «ترند»، محققة تفاعلاً بالملايين، إلى حدّ أن عضو البرلمان النائبة سينتيا زرازير استخدمتها خلال مداخلتها المتعلقة بميزانية 2026.

أما عالمياً فقد انتشرت مقاطع فيديو (ريل) بشكل لافت تداولها الملايين. ومن بينها تلك التي ظهر فيها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وهو يردد عبارة «فور شور» بالإنجليزية. واستخدمت في حفلات السهر بحيث راح يمرّرها الموسيقيون في حفلاتهم الموسيقية لإثارة الحماس بين الساهرين.

في الحقيقة، لا يقتصر استخدام «الترند» اليوم على السياسة أو الفن، بل يمتدّ أيضاً إلى مجالات متعدّدة كالأزياء (الموضة) والاقتصاد والتكنولوجيا، حيث بات يُستخدم للدلالة على الأنماط السائدة والفئات الرائجة. وفي الفترة الأخيرة، خصّصت محطات التلفزيون فقرات ثابتة لـ«التراندات» تُشكّل مسك ختام نشراتها الإخبارية، وينتظرها اللبنانيون مساءً للاطلاع على أبرز ما يتصدّر المشهد محلياً وعالمياً. ومن بين هذه الفقرات «كونيكتد» على شاشة «إم تي في»، و«ريفريش» عبر شاشة «الجديد».

«الترند» صوت الناس

«كلمة ترند تعني، بالأساس، مساراً تغييرياً أو اتجاهاً جديداً مخالفاً لما درجت عليه العادة. وجرى اختزال هذا المصطلح بأمور متعدّدة ومختلفة لإعطائه ما كان لهذا المصطلح من أهمية في فهم تغيرات، وتوقع مسارات مستقبلية». بهذه الكلمات يختصر طارق عمّار، مدير «شركة آراء» للبحوث والاستشارات هذه الظاهرة. وفي رأيه، تكمن أهميته في المدة التي يستخدم خلالها، وتأثيرها على المجموعات المختلفة.

طارق عمّار (الشرق الأوسط)

عمّار أعطى مثالاً على ذلك عبارة «كلّن يعني كلّن» (كلّهم يعني كلّهم) التي انتشرت بشكل لافت، وبقي تأثيرها كـ«ترند» فعال منذ بدايته في عام 2015 حتى اليوم. وأضاف في لقاء مع «الشرق الأوسط» أن أهمية هذا «الترند» تنبع من كونه نتج من القاعدة الشعبية، لا بقرار يعبّر عن رأي شريحة ضيقة، وسرعان ما تبنته شرائح مختلفة من الشعب. وكثيرون راهناً يحاولون البناء على قوة «الترندات» أو مواجهتها عبر خلق العديد منها، معتمدين على حسابات وهمية وشركات متخصّصة في بناء الوهم. لكن تعدّد المستخدمين وانتشارهم ووجود مؤسسات تتابع هذه الأعمال... عوامل أسهمت في إضعاف هذه النيات وتأثيرها على المدى الطويل.

واختتم عمّار: «باختصار، يمكن لأي جهة البناء على قوة المنصّات الرقمية، إلا أن ما يجعل الترند منتشراً ومستديماً ومؤثراً هو تعبيره عن حاجات دفينة لدى جموع الناس، تتفاعل معه وتتأثر به، ويغير من سلوكياتهم... وصحيح أن كثيرين يحاولون البناء عليه أو ضربه، إلا أن الترند يظل صوت الناس الذي يعلو من خلال تداول الوسم وتعزيزه بروابط محددة، فيؤدي إلى تغيير في آراء وسلوكيات المتابعين».

الإعلام تطوّر مع التكنولوجيا

من جهته، قال جاد شحرور، المسؤول والمدرب الإعلامي في «مؤسسة سمير قصير للإعلام» (سكايز)، في حوار مع «الشرق الأوسط»، إن الإعلام شهد تطوراً ملحوظاً بفضل التكنولوجيا، و«بعد التسعينات، ومع دخول الإنترنت الحيز العام، فرض نفسه على هذا المجال. ثم، بعد ولادة المواقع الإلكترونية، ظهرت منصات التواصل الاجتماعي مثل (إنستغرام) و(تيك توك) وغيرهما. وهذا ما دفع الإعلام للدخول على خط هذه الوسائل بشكل مباشر».

وأردف شحرور: «بدأ الإعلام بإنشاء صفحات خاصة على هذه المنصّات، خصوصاً مع فورة انتشار الوسوم (الهاشتاغات). وأدخلت نشرات الأخبار والبرامج التلفزيونية فقرة الهاشتاغ، بينما اعتمد (تلفزيون المستقبل) قبلها فقرة (كلمة اليوم) لتكون بمثابة (فوكس بوب) مباشر من الواقع». وتابع: «تطوّر الأمر لاحقاً ليشمل الترويج لشخصيات أو أزمات معيّنة، كلها تدور تحت هذا العنوان. وبذا قرّر العديد من المحطات تخصيص فقرة في نشراتها الإخبارية لأهم الأحداث، تحت عنوان (ترند)، فصار جزءاً لا يتجزأ من سياسة صناعة المحتوى الإعلامي».

«ريفريش» يتابعها الملايين

أما نعيم برجاوي، رئيس تحرير المحتوى الرقمي في تلفزيون «الجديد»، فأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن إدراج فقرة خاصة بـ«الترند» ضمن نشرات الأخبار بات أمراً ضرورياً. وذكر أنه «كان من الطبيعي إدخال هذه الفقرة إلى النشرات لمواكبة العصر، فأحياناً يولد الترند من تقرير مصوّر أو خبر سياسي. ثم إن متابعة ما يتداوله روّاد وسائل التواصل الاجتماعي تلبّي اهتمام شريحة لا يُستهان بها من مشاهدي التلفزيون، وتضعهم على تماس مع ما يشغل المتابعين».

نعيم برجاوي (الشرق الأوسط)

واستطرد: «إننا نختار محتوى الفقرة بما يتناسب مع رغبات جمهورنا واهتماماته. والأمثلة كثيرة، كتقارير عن الطقس العاصف، أو انهيار مبنى، أو ارتكاب جريمة، أو خبر اغتيال. وسواء تألف المحتوى من تقارير مصوّرة أو لقطات من برامج تُعرض على شاشتنا، فهي تشكّل جزءاً من خياراتنا التحريرية».

استخدام «الترند» ما عاد مقتصراً على السياسة أو الفن، بل يمتدّ أيضاً إلى مجالات متعدّدة كالأزياء والاقتصاد والتكنولوجيا

سلطة ناعمة تفرض أجندة معيّنة

الدكتور محمود طربية، الأستاذ الجامعي المتخصص في الإعلام الرقمي، أدلى بدلوه في حوار مع «الشرق الأوسط»، فقال إن لـ«الترند» حسناته وسيئاته في آن معاً، «فهو من ناحية يضع جمهوراً واسعاً في حالة تفاعل مع أبرز الأحداث العالمية والمحلية...

د محمود طربيه (الشرق الأوسط)

لكنه، من ناحية أخرى، ينطوي على خطورة ما يُعرف بـ(نظرية القطيع)، حيث ينساق الناس خلف محتوى معيّن بدافع التقليد اللا واعي، فيتحوّل إلى عدوى رقمية تشبه الفيروسات، ولكن بطبيعة افتراضية». وأضاف: «(الترند) نمط أو موضة سريعة الانتشار وظرفية بطبيعتها». ومن منظور إعلامي، يمكن اعتباره مؤسِّساً لتفكير جماعي ونظريات معيّنة تُروَّج على نطاق واسع، فتتلقّفها الجماهير من دون نقاش. كما أن شريحة كبيرة من الناس تعاني مما يُعرف بـ«فوبيا» (FOMO)، أي رهاب تفويت أي معلومة رائجة «Fear of missing out».

وتابع أن «الترند» في الإعلام بات أشبه بـ«سلطة ناعمة» تفرض أجندات وسلوكيات معيّنة، وتؤثر في خيارات الناس عبر الخوارزميات والوسوم (الهاشتاغات) التي تحكم وسائل التواصل الاجتماعي، التي تقوم على تكرار عبارة أو شريط (ريل) معيّن... وفي بعض الأحيان نلاحظ انتشار «ترند» غير ذي قيمة، فيكون مفتعلاً عبر جيوش إلكترونية أو حملات موجّهة. أما الجانب الإيجابي لـ«الترند» فلخّصه طربيه، بالقول: «إنه يوفّر مساحة للتسلية والترفيه، ويُعدّ مؤشراً على حيويّة المجتمع وانخراطه في الشأن العام، كما يعكس نبض الشارع والاهتمامات التي تشغله».


تزايد الإقبال على «البودكاست» يصعّد المنافسة مع الراديو

زيادة إقبال الجمهور على الاستماع للبودكاست (متداولة)
زيادة إقبال الجمهور على الاستماع للبودكاست (متداولة)
TT

تزايد الإقبال على «البودكاست» يصعّد المنافسة مع الراديو

زيادة إقبال الجمهور على الاستماع للبودكاست (متداولة)
زيادة إقبال الجمهور على الاستماع للبودكاست (متداولة)

تجاوز «البودكاست»، للمرة الأولى، الإذاعة بوصفها إحدى أبرز الوسائل الشعبية للاستماع للمحتوى الصوتي، ما يدفع بالمنافسة بينهما لمزيد من الاحتدام. وفي حين تشير البيانات إلى أن السوق تتجه إلى مزيد من الاعتماد على «البودكاست»، قال خبراء التقتهم «الشرق الأوسط» إن الراديو لا يزال يتمتع بمزايا تنافسية وفرص لجذب الجمهور.

مؤسسة «إديسون ريسيرش» الأميركية كانت قد أجرت مسحاً ونشرت نتائجه في نهاية فبراير (شباط) الماضي، وكشفت النتائج عن زيادة إقبال الجمهور على الاستماع لـ«البودكاست» ليتجاوز للمرة الأولى جمهور الإذاعة.

وأكدت المؤسسة، المتخصصة في استطلاعات الرأي ودراسات السوق والإعلام، أن الباحثين ظلوا على مدار العقد الماضي، يتتبعون سلوك الجمهور فيما يتعلق بالمحتوى الصوتي وتفضيلاته. ورصدوا، بالفعل، نمواً مستمراً في نسبة الوقت المخصص للاستماع إلى «البودكاست»، مقابل تراجع في حصة الوقت المخصص للإذاعة، لينتهي الأمر بتفوق «البودكاست» بنسبة 40 في المائة من إجمالي وقت الاستماع، مقابل 39 في المائة للإذاعة. وهنا تجدر الإشارة إلى أن هذه النسبة تتعلق بالإذاعة الحوارية فقط، ويستثنى منها وقت الاستماع للموسيقى مقابل «البودكاست المصور».

من ناحية أخرى، مع أن الفارق لا يزال محدوداً، فإن الخبراء أثاروا تساؤلات حول التنامي الذي لا يمكن إنكاره لهذا النمط من المحتوى الصوتي، لا سيما في ظل دخول منصّات مثل «سبوتيفاي» و«يوتيوب» في المنافسة، ما يمثل توجهاً محورياً في الصناعة.

هيفاء البنا، الصحافية اللبنانية والمدربة في الإعلام ومواقع التواصل، رأت أن تجاوز «البودكاست» للإذاعة التقليدية القائمة على البث الخطي، يعكس تحولاً بالأساس في سلوك الجمهور. وأوضحت أن «التحول مرتبط أساساً بتغير عادات استهلاك المحتوى بشكل عام، وليس الصوت فقط».

وتابعت البنا أن الجمهور اليوم اعتاد نموذج «المحتوى عند الطلب» في كل شيء تقريباً، من الفيديو إلى الموسيقى، ومن ثمّ أصبح من الطبيعي أن يتوقع التجربة نفسها مع المحتوى الصوتي. وتابعت أن «البودكاست» يمنح المستمع التحكم الكامل، اختيار الموضوع، الحلقة، والتوقيت، بينما يظل الراديو التقليدي «مرتبطاً بجدول بث ثابت يفرض على المستمع التكيف معه».

أيضاً أشارت البنا إلى «عامل التخصص»، فقالت إن «البودكاست» يسمح بوجود برامج شديدة التخصص، تستهدف اهتمامات محددة، وهو ما يصعب تحقيقه في الإذاعات العامة التي تخاطب جمهوراً واسعاً. وذكرت أن انتشار أنظمة الترفيه الذكية في السيارات وربط الهواتف الذكية بالسيارة، ساهما في الوصول بسهولة إلى تطبيقات «البودكاست» أو الموسيقى أو الكتب الصوتية.

في سياق متصل، وفي خطوة تعكس تغيراً واضحاً في اتجاهات صناعة الإعلام، أبرمت شركة «نتفليكس» صفقات مع مؤسستي «آي هارت ميديا» و«بارستول سبورتس» لعرض إنتاجاتهما من «البودكاست» عبر المنصة بصيغة بصرية متطورة تتجاوز القوالب التقليدية.

وتتوافق هذه الخطوة مع البيانات الصادرة عن «يوتيوب» في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، التي أفادت بنمو ملحوظ في مشاهدة «البودكاست المصور» عبر أجهزة التلفاز الذكية، إذ سجلت المنصة 700 مليون ساعة مشاهدة شهرية خلال عام 2025 ارتفاعاً من 400 مليون ساعة في عام 2024.

وهنا، قال الحسيني موسى، خبير تحليلات الإعلام الرقمي وقياس الأداء، إننا أمام محتوى واحد يُقدم من خلال نموذجين مختلفين، من حيث الإنتاج والتوزيع وشكل العلاقة مع الجمهور. وأوضح أن «هناك اختلافات جوهرية في النموذجين، ففي حين تتميز المنظومة الإذاعية بالدقة والمهنية والتحقق من المعلومات، وهذا يجعل نسب الخطأ أو التضليل أقل، يتمتع البودكاست بمساحات من الحرية تكسر القوالب التقليدية؛ لكن في الوقت نفسه قد يَعرض محتوى مضللاً دون رقيب».

وفي سياق المقارنة، أورد موسى أن ما يميز «البودكاست» هو اعتماده على «ارتباط شخصي وثيق» بالمستمع أو المشاهد، وأن «البودكاست يقدم حلقات طويلة تمتد لبضع ساعات أحياناً، وهذا النموذج يشعر الجمهور بثقة منشؤها التواصل الإنساني المستمر وليس بالضرورة البراهين المادية».

في المقابل، رغم البيانات التي قد تقوّض فرص الإذاعة، رأى موسى أنه لا تزال الإذاعة لديها فرص ومزايا تنافسية، وأن «نقطة القوة الأولى هي الثقة، فجمهور الراديو يشعر بطمأنينة تجاه المحتوى المقدم، ويثق بأنه تم تدقيقه وتحريره باحترافية».

وأردف: «الميزة الثانية هي الآنية، إذ تعد الإذاعة من أقوى وسائل الإعلام في مساحة الخبر العاجل، بينما يظل البودكاست بعيداً عن هذه الميزة». وأما الميزة الثالثة بحسب موسى فهي التحوّل للديجيتال (الرقمية)، شارحاً «حان الوقت ألا تكتفي الإذاعة بالبث التقليدي، وتنطلق نحو إعادة توزيع محتواها بشكل ذكي قريب من الديجيتال، وهذا سيساهم في الوصول للجمهور الأصغر سناً».


فضيحة بقناة ألمانية بسبب الذكاء الاصطناعي

لقطة من التقرير (زد دي إف)
لقطة من التقرير (زد دي إف)
TT

فضيحة بقناة ألمانية بسبب الذكاء الاصطناعي

لقطة من التقرير (زد دي إف)
لقطة من التقرير (زد دي إف)

وقعت قناة ألمانية في فخ الذكاء الاصطناعي؛ ما فتح الباب أمام موجة واسعة من الانتقادات والتساؤلات حول مصداقية الإعلام في ألمانيا، وكيفية التحقق من الأخبار قبل نشرها. وكانت القصة قد بدأت عندما نشرت القناة الألمانية الثانية «زد دي إف» ZDF، التي هي واحدة من أكبر القنوات العامة في البلاد، تقريراً في نشرتها الإخبارية المسائية الرئيسة، ظهر فيها فيديو من إنتاج الذكاء الاصطناعي.

يتكلم التقرير، الذي عُرض يوم 15 فبراير (شباط) عن حملة الاعتقالات التي تنفذها وكالة «إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك» ICE في الولايات المتحدة، وظهر فيه شريطان تبين لاحقاً أن الأول مزيف والآخر قديم ويعود إلى قصة مختلفة.

الفيديو الأول ظهرت فيه امرأة آسيوية يقتادها عنصران من شرطة الهجرة وهي تبكي ويداها مكبلتان، بينما يتمسك ولداها بها وهما يبكيان ويتوسلان الشرطيين لإطلاق سراحها. وكان واضحاً في يسار الشريط المزيّف طبعة «سورا»، وهو البرنامج المعروف بإنتاج فيديوهات بالذكاء الاصطناعي، ومع ذلك نُشر في التقرير على أنه حقيقي، ولم تشر لا المقدمة ولا الصحافي إلى أن الشريط مزيف.

المراسلة نيكولا ألبريشت (زد دي إف)

أما الشريط الآخر، فكان لفتى يبلغ 11 سنة من العمر يقتاده رجل شرطة وهو مكبل اليدين. وظهر في التقرير صوت يقول إن دائرة الهجرة تعتقل الأطفال وترحّلهم. ولكن تبين لاحقاً أن الشريط قديم يعود إلى عام 2022، وأن الفتى إنما اعتُقل بعدما هدّد بإطلاق النار داخل مدرسة.

أما ما أثار ارتباكاً وتعجباً أكبر، فهو أن تمهيد التقرير، الذي قرأته المذيعة المعروفة دنيا هيالي، أشار إلى «وجود الكثير من الفيديوهات على وسائل التواصل الاجتماعي تظهر عمل وكالة الهجرة في الولايات المتحدة»، وأضاف أن «ليست كل الفيديوهات المنشورة حقيقية، ولكن الكثير منها حقيقي».

سحب واعتذار متأخران

القناة تأخرت يومين قبل تقديم اعتذار وسحب التقرير. ثم نشرت يوم الثلاثاء اعتذاراً تقول فيه إن التقرير الذي عُرض مساء الأحد تضمّن «أخطاءً في الوقائع»، وإن «القناة فتحت تحقيقاً في المسألة». ومن جهة أخرى، علقت نائبة رئيسة التحرير بالقول إن عرض التقرير «يتنافى مع جهود القناة بتأمين أخبار موثوق بها، وأنها أخفقت هذه المرة بذلك». وأردفت أن القناة «تقدم اعتذارها للمشاهدين؛ لأن التقرير لم يرقَ إلى معاييرنا المرتفعة».

ثم عادت القناة وأصدرت بيانين في اليومين التاليين، ذكرت فيهما أن الخطأ جاء من مكتب القناة في مدينة نيويورك، حيث أضيف الفيديوهان الخطأ من دون التأكد من مصدريهما ولا تاريخيهما. وأعلنت أيضاً، عن إعفاء مراسلتها في نيويورك نيكولا ألبريشت (50 سنة) من منصبها وعن استدعائها للعمل داخل القناة التي تتخذ من مدينة ماينز (غرب ألمانيا) مقراً لها، عوضاً عن طردها.

مقر المحطة والقناة (زد دي إف)

رئيسة تحرير القناة بتينا شاوستن برّرت الإحجام عن طرد المراسلة من القناة والاكتفاء باستدعائها، بالقول إنه كان يجب التنبّه للخطأ داخل مقر القناة بعدما أرسل التقرير، وكان واضحاً لأنه يحتوي على فيديوهات من الإنترنت. وتابعت شاوستن في مقابلة مع صحيفة «تسود دويتشه تزايتونغ» بأنه «يجب الآن بذل جهود إضافية في عملية التحقق قبل البث».

ولكن، راينر هاسلهوف، أحد أعضاء مجلس إدارة القناة، صرّح بأن طرد المراسلة «لا يمكن إلا أن يكون الخطوة الأولى لتحقيق منهجي في الذي حصل». وتابع إن الأمر يتعلق «بمصداقية القناة»، وشدد على أن للمواطنين «الحق في الحصول على المعلومة الصحيحة». وللعلم، يجري تمويل هذه القناة من أموال دافعي الضرائب عبر ضريبة خاصة يدفعها المواطنون تُعرَف بـ«ضريبة البث».

وفي اليوم الثاني، عادت القناة لتعلن إجراءات إضافية بعد الفضيحة، منها تطوير آليات عمل جديدة تلزم الصحافيين باعتمادها من أجل التأكد من صحة الفيديوهات قبل استخدامها. كذلك، أعلنت القناة عن إخضاع العاملين فيها لدورات تدريبية لتوعيتهم على المعايير الواجب اعتمادها لتفادي الوقوع في أفخاخ شبيهة في المستقبل.

مطالبات رسمية وتحذير

من جانب آخر، طالب نثانيل ليمنسكي، وزير الإعلام في ولاية شمال الراين-وستفاليا، بـ«بذل المزيد... ومنذ الآن، من الأساسي مراجعة وتطوير العمليات الداخلية وآليات الرقابة؛ كي لا يتكرر مثل هذا الخطأ الفادح في المستقبل». ثم أضاف «يجب التحقيق بشكل معمق في كيفية حدوث ذلك؛ لأن من يدفع ضريبة البث يجب أن يكون مطمئناً إلى وجود آليات رقابية وتصحيحية فعالة ضمن قطاع البث العام».

بدورها، حذّرت وزيرة الدولة في المستشارية كريستيان شندرلاين، أيضاً، بأن «على البث العام أن يعمل وفقاً لأعلى معايير الجودة وأن يقيس نفسه بهذه المعايير».

وهذا، في حين علقت وسائل إعلام أخرى محذّرة من مخاطر الوقوع «في» فخ الذكاء الاصطناعي على مصداقية الإعلام. إذ نشرت صحيفة «تاغس شبيغل» اليومية الصادرة في برلين مقال رأي وصف القناة الألمانية الثانية بأنها «خانت أهم ركائز الصحافة، ألا وهي الصدقية». وأضاف المقال أن «مجرد الاعتذار والتصحيح لا يكفيان، وعلى مجلس البث - وهو الهيئة الرقابية للقناة - أن يجري دراسة نقدية لما حصل، كما يجب على المدير العام أن يصدر توجيهات لا لبس فيها لاتخاذ الإجراءات اللازمة على جميع مستويات صنع القرار» لمنع تكرار ما حدث.

وأشار كاتب المقال إلى أن ما يحصل في الولايات المتحدة مع وكالة «إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك» قد يكون أسوأ مما عُرض، ولكن «ليس من عمل برنامج إخباري أن يوجّه المشاهدين حول الظلم، بمشاهد متلاعب بها، ومن يفعل يقلل من قيمة المشاهدين».

القناة تأخرت يومين قبل تقديم اعتذار وسحب التقرير

أهمية الاعتراف بالخطأ

في السياق عينه، انتقد آخرون طريقة تعامل القناة مع الخطأ وتأخرها في الاعتذار وسحب التقرير، فكتب موقع «أوبر ميدين»، وهو موقع يراقب الإعلام الألماني، بعد أيام على رفض القناة الاعتراف بالخطأ: «لماذا لا تعترف القناة بأنها افتعلت خطأً سخيفاً؟ لماذا تحاول تبرير الأخطاء وجعل الأمور أسوأ؟ ما يحصل لا يساعد إلا الداعين لإغلاق القناتين الأولى والثانية، وبالنسبة للباقين فهي تضر بأي ثقة متبقية». ورأى الموقع أن «خطورة» استخدام صور وفيديوهات مصنَّعة بالذكاء الاصطناعي «ليس فقط أنها تنشر أكاذيب وواقعاً غير موجود، بل هي أيضاً تتسبب بشكوك حول مدى صحة الصور الحقيقية، وهذا أمر خطير».

كذلك، فور نشر التقرير وبدء الانتقادات، ذكر الموقع أنه تواصل مع المحطة، سائلاً عن آلية التحقق من الفيديوهات قبل نشرها، لكنه لم يحصل على جواب.

في أي حال، يوجّه إعلام أقصى اليمين في ألمانيا انتقادات للإعلام العام بأنه يعتمد «سياسة يسارية»، وأنه «ليس حيادياً في تغطياته»؛ ولذا يدعو كثيرون من هذا التيار إلى وقف تمويل الإعلام العام وإغلاق المحطتين بسبب «انحيازهما» في نقل الأخبار، كما يزعمون. لكم مما لا شك فيه أن أخطاءً كالتي وقعت فيها القناة الألمانية الثانية لا تساعد الإعلام الألماني العام الذي بات في حاجة ملحة إلى آليات للتعامل مع التحديات المتزايدة للذكاء الاصطناعي في عالم الإعلام.