إنتاج النصِّ المكتوب وعزف القطعة الموسيقيَّة

«العالم والنص والناقد» لإدوارد سعيد يصدر بعد أيام عن «دار الآداب»

إنتاج النصِّ المكتوب وعزف القطعة الموسيقيَّة
TT

إنتاج النصِّ المكتوب وعزف القطعة الموسيقيَّة

إنتاج النصِّ المكتوب وعزف القطعة الموسيقيَّة

بعد أيام تصدر عن «دار الآداب» في بيروت الترجمة العربية لكتاب إدوارد سعيد «العالم والنص والناقد». وهي مناسبة لمحبيه بلغة الضاد، لاكتشاف المزيد عن آرائه في النقد ومدارسه ومساره الحديث ومعوقاته التطبيقية. يتبنَّى مؤلِّفُ «الاستشراق» في كتابه الشيق هذا الذي ترجمه إلى العربية محمد عصفور، وراجعه وقدم له محمد شاهين، فكرة تقول إنَّ الخطاب النقدي الحديث قد تعزّز بفضل كتابات دريدا وفوكو مثلاً، وبتأثيرات الماركسيَّة والبنيويَّة والألسنيَّة والعلم النفسيّ؛ إلَّا أنَّ الأساليب والمدارس النقديَّة كانت ذاتَ تأثيرات معوِّقة أيضاً لكونها أَخضعت الأعمالَ الأدبيَّة لمتطلِّبات النظريَّة، متجاهلة العلائقَ المعقَّدة التي تربط تلك الأعمالَ بالعالم. ويُظهر سعيد أنَّ على الناقد أن يحتفظ بمسافة عن النظريَّات النقديَّة والعقائد المسيطرة.
ويسأل الكتاب أسئلة جريئة، ويقدِّم معاني جديدة، مرهقة ولكنَّها قويَّة، لمؤسَّسة النقد في المجتمع الحديث. وتنفرد «الشرق الأوسط» بنشر جزء من الفصل الأول من هذا الكتاب الذي يبدأ توزيعه في بيروت منتصف الأسبوع على أن يصبح متوفراً في الدول العربية بدءاً من نهاية الشهر.
قَصَرَ عازف البيانو الكندي ﮔﻠِﻦْ ﮔﻮلْد (Glenn Gould) عمله على تسجيل الأسطوانات والعمل في محطّات التلفزة والإذاعة منذ أن هَجَرَ القاعات المخصَّصة للحفلات الموسيقيَّة في سنة 1964. ويختلف النقَّاد أحياناً عمَّا إذا كان عزفُ ﮔﻮلْد هذه القطعة الموسيقيَّة المكتوبة للبيانو أو تلك مقنعاً دائماً أو أحياناً فقط، ولكن لا شكَّ في أنَّ كلَّ عزفٍ قدَّمه، له على الأقلّ طابعُه الخاصّ به. ومن المناسب في سياقنا الرَّاهن أن نشير إلى مثالٍ يوضِّح لنا طريقة العمل التي أخذ ﮔﻮلْد يتَّبعها مؤخراً. فقد أصدر في سنة 1970 تسجيلاً عَزَفَ فيه سيمفونيَّة بيتهوفن الخامسة بالصيغة التي كتبها لِسْت للبيانو المنفرد. وإذا ما ضربنا صفحاً عمَّا يثيره اختيار ﮔﻮلْد الغريب هذا فينا من دهشة (وقد كان هذا الاختيار أغرب من المعتاد حتَّى بالنسبة إلى هذا العازف الغريب الأطوار الذي ارتبط أداؤه المثير للجدل إمَّا بالموسيقى الكلاسيكيَّة وإمَّا بالموسيقى المعاصرة)، فإنَّنا لا نملك إلَّا أن نلاحظ عدداً من الأمور الغريبة في هذا الإصدار بالذات. فصياغة لِسْت لسيمفونيات بيتهوفن لتُعزف على البيانو المنفرد لم تكن مطبوعة بطابع القرن التاسع عشر فقط، بل بأسوأ ما في ذلك القرن من موسيقى تُكتَب للبيانو، إذ إنَّ تلك الصِّيغة لم تكتفِ بتحويل التجربة الموسيقيَّة التي يحصل عليها عشَّاق الموسيقى في قاعة الحفل الموسيقي إلى وليمة يستعرِض فيها العازف الحاذق قدراته، بل غَزَتْ ما كُتِبَ لآلات موسيقيَّة أخرى وحوَّلت موسيقاها إلى مناسبة باذخة لعرْض مواهب العازف. وتنحو معظم الصِّياغات إلى أن تبدو للمستمع كثيفة عَكِرَة لأنَّ آلة البيانو كثيراً ما تحاول تقليد الأثر الذي يُحدثه النَّسيج الأوركستراليّ. وقد كانت صياغة لِسْت للسيمفونيَّة الخامسة أقلَّ إثارة للاستياء من معظم الصِّياغات الأخرى، وذلك بالدَّرجة الأولى، لأنَّ لِسْت أبدع في تشذيبها لتُعزف على البيانو، ولكنَّ الصَّوت à حتَّى في أصفى لحظاته à لم يكن هو الصَّوت الذي اعتاد ﮔﻮلْد على إنتاجه. فالصَّوت عنده كان أوضح وأنقى من ذلك الذي تجده عند كلِّ مَن عداه من عازفي البيانو، وهذا هو السَّبب الذي مكَّنه من تحويل تناغمات باخ إلى ما يقرب من التجربة البَصَريَّة. نقول باختصار إنَّ صياغة لِسْت كانت بالنسبة إليه لُغَة مختلفة تمام الاختلاف. ومع ذلك فإنَّ نجاح ﮔﻮلْد في عزفها كان نجاحاً عظيماً ترك فينا الإحساس بأنَّ ﮔﻮلْد لِسْتي الطابع مثلما كان في الماضي قد ترك فينا الإحساس بأنَّه باخِيٌّ.
ولم يكن ذلك كلَّ ما في الأمر. فقد رافقت الأسطوانة الرئيسة أسطوانة أخرى سُجِّلت عليها مقابلة طويلة خَلَتْ من الطابع الرَّسمي بين ﮔﻮلْد وأحد المسؤولين في الشركة التي أصدرت التسجيل فيما أذكر. وفيها أخبر ﮔﻮلْد محدِّثه بأنَّ أحد أسباب هروبه من العزف المباشر أنَّه كانت قد نشأت لديه عادة سيِّئة في أثناء العزف؛ عادة أقربُ إلى المبالغة الأسلوبيَّة. فقد لاحظ أنَّه في جولاته في الاتِّحاد السوفياتي مثلاً، كانت القاعات الكبيرة تجعله يشوِّه عباراتٍ من بارتيتا لباخ مثلاً (وهنا مثَّل على قوله بعزف العبارات المشوَّهة) ليتمكَّن من جذب انتباه الجالسين في شرفات الطابق الثالث والتوجُّه إليهم على نحوٍ أفضل. ثمَّ عزف العبارات ذاتها ليوضِّح كيف يعزف تلك العبارات في غياب الجمهور عزفاً أدقَّ وأقلَّ سعياً لغواية مستمعيه.
قد يبدو إبرازُ المفارقات الطفيفة في هذا الموقف، بما فيه من صياغة، ومقابلة، وعزف لتوضيح الأساليب، أمراً مبالغاً فيه. ولكنَّ الموقف يخدم فكرتي الأساسيَّة، وهي أنَّ مناسبة تتضمَّن وثيقة وتجربة أدبيَّة أو استطيقيَّة من ناحية، والنَّاقد و«دُنْيَوِيَّتَه» من ناحية ثانية، لا يمكن أن تكون مناسبة بسيطة. فاستراتيجيَّة ﮔﻮلْد أقربُ إلى المحاكاة السَّاخرة لكلِّ الاتِّجاهات التي قد نسلكها للاقتراب مما يحدث بين العالم والشيء الاستطيقي أو النَّصّيّ. فلدينا هنا عازفُ بيانو مثَّل في يوم من الأيَّام شخصيَّة العازف الزاهد (في استعراض القدرات) خدمة للموسيقى، وقد تحوَّل إلى عازفٍ لا يخجل من استعراض هذه القدرات على نحوٍ لا يمتاز فيه موقفُه الإستطيقي عن موقف المومس الموسيقيَّة في شيء؛ كلُّ ذلك من رجل يُسَوِّق أسطوانته على أنَّها «الأولى» من نوعها، ثمَّ لا يضيف إليها مزيداً من الموسيقى، بل نوعاً من المباشرة الهادفة إلى جذب الأنظار عن طريق المقابلة الشَّخصيَّة. وقد ثُبِّتَ كلُّ ذلك على شيءٍ قابلٍ للتكرار الميكانيكيّ؛ شيءٍ يتحكَّم في كلِّ علائم المباشرة الواضحة (صوت ﮔﻮلْد، الأسلوب الطاووسي لصياغة لِسْت، المقابلة التي تتخلّى عن أسلوب الخطاب الرَّسميّ، إلى جانبِ عزفٍ فُصِل عن عازفه)، أي على أسطوانة بلاستيكيَّة سوداء، صمَّاء، لا اسم لها يمكن التخلُّص منها بسهولة.
ولو فكَّر المرءُ في ﮔﻮلد وأسطوانته، فإنَّه سيكتشف توازيات مع الظُّروف التي تحيط بالأداء المكتوب. فهناك أوَّلاً الوجودُ المادِّي للنصِّ، وهو وجودٌ قابلٌ للاستنساخ مرَّاتٍ يفوق عددُها الخيال في أحدث مرحلة من مراحل عصر وولتَر بِنْجَمِن. لكنَّ التسجيلَ والشيءَ المطبوع يخضعان لضوابطَ قانونيَّة وسياسيَّة واقتصاديَّة واجتماعيَّة عندما يتعلَّق الأمر بالاستمرار في إنتاجهما وتوزيعهما. أمَّا سبب توزيعهما وكيفيَّة هذا التوزيع فهما أمران مختلفان. والشَّيء المهمُّ هو أنَّ النصَّ المكتوبَ الذي ينتمي إلى النُّصوص التي تعنينا، هو في الأصل نتيجة للاتصال المباشر بين المؤلِّف وواسطة التعبير. أمَّا بعد ذلك فإنَّ من الممكن تكراره لفائدة العالم وفق شروط يضعها العالم في هذا العالم. وعلى الرّغم من كلّ اعتراضات المؤلِّف على ما يتلقّاه من اهتمام وسائل الإعلام به، فإنَّ عمله يصبح جزءاً من العالم وخارج حدود سيطرته بمجرَّد أن يُعمل من النصِّ أكثر من نسخة واحدة.
ثانياً، إنَّ إنتاج النصِّ المكتوب وعزف القطعة الموسيقيَّة مثالان من أمثلة الأسلوب بأبسط معاني هذه الظاهرة البالغة التعقيد وأقلِّها مدعاة للإشادة. وهنا أيضاً سأتعسَّف وأستبعد سلسلة كاملة من التعقيدات المهمَّة للتَّركيز في الأسلوب بصفته، من وجهة نظر المرسل والمستقبل، العلامة الفارقة القابلة للتكرار والحفظ لمؤلِّفٍ يتعامل مع جمهور. فأسلوب المؤلِّف هو في جانبٍ من جوانبه ظاهرة تعتمد على التكرار والتلقّي، سواء اقتصر الجمهور على شخص واحد أو شمل العالم بأسره. ولكن ما يجعل الأسلوب قابلاً للتلقّي بصفته بصمة مبدعِهِ، مجموعة من الخصائص التي قد نسمِّيها لهجة الكاتب الخاصَّة أو صوتَه أو تفرُّدَه عن سواه، تفرُّداً لا يقبل الاختزال. وتكمن المفارقة في أنَّ شيئاً مجرَّداً كالنَّصّ أو الأسطوانة المسجَّلة يمكنه مع ذلك أن يعطينا لمحة أو أثراً من شيء يبلغ من حيويَّته ومباشرته وسرعة زواله ما يتَّصف به «الصوت» الإنسانيّ. وما تفعله المقابلة التي أجريت مع ﮔﻮلْد هو أنَّها تكشف على نحوٍ جارح عن حاجة النصّ الضمنيَّة المتكرِّرة لأن يجري تلقِّيه والتعرُّف إليه حتَّى في أصفى أشكاله، وقد حُفِظَ في تسجيل ما. ومن أشكال هذه الحاجة المألوفة «ترتيبُ» لقاء (أو «تسجيل» لقاء كهذا) يتحدَّث فيه صوتٌ ما وهو يخاطب شخصاً آخر في وقت محدَّد وفي مكان معيَّن. وإذا ما نُظِرَ إلى الأسلوب على هذا النحو، فإنَّ الأسلوب يقوِّض فكرة الوجود الصامت المنفصل عن العالم للنصِّ المفرد الذي لا يخضع للظروف. وليس السَّبب أنَّ أي نصٍّ من النصوص (إذا لم يجرِ إتلافُه مباشرة) يتكوَّن من شبكة من القوى المتصارعة فقط، بل إنَّ النصَّ، بحكم كونه نصاً، هو أيضاً نصٌّ في العالم، ولذ فهو نصٌّ يخاطب كلَّ من يقرأ، تماماً مثلما يفعل ﮔﻮلْد طوال الأسطوانة نفسها التي قُصِدَ منها أن تمثِّل انسحابَه من العالم وأسلوبَه الصامتَ «الجديد» في العزف بلا جمهور يستمع إليه على الهواء مباشرة.
وما لا شكَّ فيه أنَّ النصوص لا تتكلَّم بالمعنى المألوف للكلمة. ولكن أي قولٍ يضع الكلام (وهو فعلٌ حدودُه الموقف والإحالات على ما حوله) في موقف التعارض التامّ مع النصّ (وقد فُهم على أنَّه إيقافٌ لجريان الكلام في العالم) قولٌ مضلِّلٌ يتَّصف بالتبسيط المُخِلّ. تأمَّل ما يقوله بول ريكور عن هذا التعارض الذي يقول إنَّه وضعه من أجل التوضيح:
ترتبط وظيفة الإحالات في أثناء الكلام بالدَّور الذي يؤدِّيه الموقف الخطابي ضمن تبادل اللُّغة نفسها: ففي تبادل الكلام يكون المتكلِّمان حاضرين، أحدُهما في مقابل الآخر، ولكن أيضاً تجاه ظروف الخطاب المحيطة بهما بما تتضمنه من خلفيَّة ثقافيَّة معروفة للمتكلِّمَيْن، وليس بما تتضمنه تلك الظروف من محسوسات فقط. ولا يكتمل معنى الخطاب إلَّا من حيث صلتُه بهذا الموقف. وما الإحالة على الواقع في نهاية المطاف سوى إحالة على الواقع الذي يمكن أن يشار إليه «بشأن» ذلك الخطاب بالذات، إن جاز التعبير. فاللُّغة... وكلّ الإشارات التي يُفهم منها أنَّها تحيل على اللُّغة تعمل على تثبيت الخطاب في ظروف الواقع الذي يحيط بذلك الخطاب. ولهذا، فإنَّ المعنى المثالي لما قد يقوله المرء يتَّجه نحو الإحالة الواقعيَّة، أي إلى ذلك الشيء الذي يجري الحديث عنه...
ولكن هذا لا ينطبق على النصّ عندما يحلُّ محلَّ الكلام... فالنصُّ لا يخلو من الإحالة. وواجب القراءة بصفتها تفسيراً أن تجعل الإحالة واقعاً. فالنصُّ يكون في أثناء التوقُّف الذي تؤجَّل فيه الإحالة «معلَّقاً في الهواء» بشكلٍ من الأشكال، خارجَ العالم أو بلا عالم. ويكون كلُّ نصٍّ بهذا الطمس لكلِّ العلاقات التي تربطه بالعالم حراً لأن يدخل في علاقات مع كلِّ النُّصوص الأخرى التي تأتي لتحلَّ محلّ الظروف الواقعيَّة التي يُظهِرها الكلام المباشر.
والكلام والواقع المحيط بنا يوجدان، وَفقاً لريكور، في حالة حضور، بينما توجد الكتابة والنَّص في حالة معلَّقة، أي خارج الواقع المحيط بنا، إلى أن يتحوَّلا إلى واقعٍ له صفة الحضور على يد القارئ النَّاقد. ويجعل ريكور الأمر يبدو كما لو أنَّ النصَّ والواقع المحيط بنا، أو ما سأدعوه بالدُّنيويَّة، يلعبان لعبة الكراسي الموسيقيَّة، بحيث يعترضُ أحدُهما الآخرَ ويحلّ محلَّه وفقاً لإشاراتٍ بالغة الوضوح. ولكنَّ هذه اللُّعبة تجري في رأس المفسِّر، وهو مكان نفترض أنَّه يخلو من صفة الدُّنيويَّة أو الظروف المحيطة. وبذا يتحوَّل وضعُ النَّاقدِ المفسِّر إلى شيءٍ أشبهَ بالبورصة المركزيَّة التي يجري في قاعتها تبادلٌ يتبيَّن فيه أنَّ النصَّ يعني س بينما هو يقول ص. ولكن ما الذي يحدث لما يدعوه ريكور الإحالة المؤجَّلة في أثناء التفسير؟ كلُّ ما يحدث، بحسب نموذج التبادل المباشر، هو أنَّ الإحالة تعود إلينا وقد اكتملت وتحقَّق وجودها بقراءة الناقد.


مقالات ذات صلة

ضياع «المركز الثقافي للكتاب» بعد قصفه في بيروت

ثقافة وفنون ضياع «المركز الثقافي للكتاب» بعد قصفه في بيروت

ضياع «المركز الثقافي للكتاب» بعد قصفه في بيروت

لا يزال بسّام كردي، صاحب دار نشر «المركز الثقافي للكتاب» تحت هول الصدمة. فقد أتى القصف الإسرائيلي على مستودع كتبه، ومقره اللبناني، في الضاحية الجنوبية لبيروت.

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة

لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة

ضمن سلسلة «الدراسات الشعبية» الصادرة عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة صدر كتاب «سيوة... واحة الأحلام والأساطير- دراسة إثنوغرافية» للباحث محمد عبد الصمد

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون كارلوس مانويل ألفاريز

«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

لاحظ الناقد الأميركي ذو الأصل الفلسطيني إدوارد سعيد يوماً ما أن «تناول الكثير من حياة المنفى يتم بالتعويض عن خسارة محيّرة من خلال إقامة عالم جديد يفرض سيطرته».

تشارلي لي
ثقافة وفنون حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

رغم أن جذورها تعود إلى حقبة ما قبل الميلاد، فإن دمية العروس في مصر تحمل في نسختها الشعبية العديدَ من الأشكال والمفارقات، تتنوع ما بين دلالات وطقوس وحكايات...

رشا أحمد (القاهرة)
ثقافة وفنون الشخصية القبطية في الأدب المصري

الشخصية القبطية في الأدب المصري

صدر عن دار «العين» للنشر في القاهرة كتاب «الشخصية القبطية في الأدب المصري» للدكتورة نيفين مسعد، أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

ضياع «المركز الثقافي للكتاب» بعد قصفه في بيروت

بسام كردي في دار «المركز الثقافي للكتاب» قبل التدمير
بسام كردي في دار «المركز الثقافي للكتاب» قبل التدمير
TT

ضياع «المركز الثقافي للكتاب» بعد قصفه في بيروت

بسام كردي في دار «المركز الثقافي للكتاب» قبل التدمير
بسام كردي في دار «المركز الثقافي للكتاب» قبل التدمير

لا يزال بسّام كردي، صاحب دار نشر «المركز الثقافي للكتاب» تحت هول الصدمة. فقد أتى القصف الإسرائيلي على مستودع كتبه، ومقره اللبناني، في حارة حريك، في الضاحية الجنوبية لبيروت. تم تدمير المبنى المكون من 14 طابقاً، في أثناء إحدى الغارات الإسرائيلية، احترق برمته، ودفن تحت ركامه ورماده مئات العناوين، بنسخها، وفكرها، وتعب كتّابها، وكدّ ناشرها.

الناشر لا يشعر بأمل في إنقاذ أي بقايا من تعب العمر. «كنت قد زودت المستودع الموجود تحت الأرض، بخزانات ماء ونظام إنذار مضاد للحرائق. فكيف أصبحت حال الكتب وقد هوت العمارة عن بكرة أبيها، لا بد أن المياه أغرقت محتويات المستودع»، يقول كردي لـ«الشرق الأوسط».

«المركز الثقافي للكتاب» دار نشر مغربية، ارتأى صاحبها أن يكون له مستودع في بيروت لتبقى العناوين التي يطبعها، قريبة من معارض الكتب، والنقل أخفّ تكلفة. ويشرح: «كان هدفي من إنشاء الدار، تعريف المثقف العربي في المشرق بالكتاب المغربي. غالباً ما كانت كتب المشرق هي التي تصلنا، ولا يحدث العكس، فأحببت أن أقوم بهذه المهمة».

ما آل اليه مبنى من 12 طابقاً وتحته مستودعا «المركز الثقافي للكتاب» و«مؤمنون بلا حدود»

تطبع الدار في المغرب لكبار الأسماء، وتأتي بكتبهم إلى بيروت، حيث توضع في هذا المستودع الذي فقدت محتوياته. «أما الكتب ذات البعد العربي أو اللبناني فتطبع في بيروت، وتنقل منها نسخ إلى المغرب». هكذا يعمل الناشر كردي، بين بلدين محاولاً تغطية المنطقة العربية. لكن «غالبية الكتب هي التي كانت موجودة في بيروت، لأنها من هنا تشارك في المعارض المختلفة. فأنا أعتبر بيروت نقطة تلاقٍ للعالم العربي. في بيروت وضعت كل ما أملك، شقاء العمر، وخمسين سنة من الكدّ في عالم النشر. هذه المهنة التي مارستها كل حياتي ولا أجيد غيرها، وها أنا أفقد كل شيء».

كان بسّام كردي، مديراً عاماً في المغرب ولبنان لـ«المركز الثقافي العربي» طوال 38 عاماً، قبل أن يؤسس داره «المركز الثقافي للكتاب» عام 2016، التي يصفها بأنها دار مغربية، لكنها في بيروت تجد امتدادها الجغرافي.

يصعب على الناشر تصديق ما وقع له، أو أن يقدّر عدد النسخ أو العناوين التي فقدها. «لا أزال غير قادر على إجراء جردة، أو حصر الأضرار. يلزمني عدة أيام، كي أستفيق من الصدمة، وأقدّر الموجودات التي تبخرت. لكن الخسارة هي حتماً تفوق المليوني دولار». يصف ما حدث بأنه «ضربة للمغرب والثقافة المغربية، وضربة لوجودي في المعارض العربية، وضربة لي شخصياً، وللبنان طبعاً».

قضى بسّام كردي عمره كله ناشراً يقوم بالمهمات كلها، «أتسلم المخطوطة، أقرأها، أتناقش مع الكاتب، نجري التعديلات، أدفع بها إلى الطبع، وأصححها، حتى تخرج بحلتها النهائية».

بسّام كردي يقيم في المغرب، وعرف بالخبر الأليم عن بعد «ولم أتمكن حتى الآن من إرسال أحدٍ لتفقد الوضع. كل ما أعرفه هو ما يخبرني به الأصدقاء هناك والصور التي أتسلمها. ولم يتمكن أحد من من المخاطرة والوصول إلى المبنى المنهار».

في الضاحية الجنوبية التي تتعرض لقصف كثيف بشكل شبه يومي، العديد من المكتبات احترقت واختفت بسبب الحرب، وتضررت دور نشر منها «مؤمنون بلا حدود» الموجودة في المبنى نفسه، ملاصقة لـ«المركز الثقافي للكتاب» ودفنت كتبها أيضاً تحت الركام.

كان بسّام كردي على علم منذ مدة أن ثمة خطر حرب يلوح في الأفق. «ذهبت وحاولت نقل محتويات المستودع. جاء جيراني في المنطقة، ولاموني. أقنعوني أن أبقى وأن لا شيء يستحق عناء الانتقال. ملت إلى هذا الحلّ، لأن الإيجارات في الضاحية لا تقارن بخارجها. فإذا كنت أدفع ألف دولار فسأضطر لأن أضرب المبلغ بثلاثة أضعاف في حال قررت الذهاب إلى مكان آخر. لهذا أبقيت المستودع حيث هو وعدت أدراجي إلى المغرب، وكانت النتيجة ما وصلنا إليه».

نعم، دور كثيرة تأثرت بهذه الكوارث التدميرية، يقول كردي، «لكن أغلبهم عندهم أكثر من مستودع، يفقدون أحدها فيبقى لهم مستودع أو اثنان. أما أنا فقد وضعت كل ما عندي في مكان واحد، ومن هنا حجم الكارثة التي تعرضت لها».

وإذا ما أضفنا إلى الخسارة التي وقعت على الدار، أن حال النشر متراجعة جداً، والسوق ليست على ما كانت عليها، كما يؤكد لنا كردي الذي يشارك في غالبية المعارض العربية، نفهم الصعوبات الجمّة التي على ناشر أن يذللها.

يطبع «المركز الثقافي للكتاب» لكبار كتّاب المغرب، لديه الأعمال الكاملة لمحمد عابد الجابري، وكتب سعيد بنكراد، حسن أوريد، الغالي أحرشاو، وأحمد المديني وغيرهم. وكان المديني من أوائل من نشروا خبر ضياع مركز الدار في بيروت تحت عنوان «شخصيات روايتي شهيدة القصف الإسرائيلي» وطالب بالتنديد بهذا العمل الهمجي وبالتضامن مع ناشره. وعدّ المديني على صفحته «فيسبوك» أن ما خسرناه هو «رصيد كبير وفخم» لخيرة الكتاب العرب مغاربة ومشارقة، مبدعين وباحثين. وقال عن الكتب وشخصياتها التي عدّها «شهيدة الأدب»: «أسمعها تصرخ قتيلة الكلمات، تبعثرت أشلاءً، والصور رفاتاً ووجوهها دماءً. إنما يقيناً سوف يبعثون بإرادة كاتبها وعزم وتصميم ناشرها، وبتضامن القراء والكتاب والناشرين العرب أجمعين والجهات الثقافية العربية الرسمية والمدنية». وختم: «لا يجوز السكوت على هذه الجريمة الشنعاء وأدعوهم لشجبها ودعم المركز الثقافي للكتاب بكل الوسائل الممكنة».

يصف صاحب «المركز الثقافي للكتاب» ما حدث بأنه «ضربة للمغرب والثقافة المغربية... وللبنان»

الناشر كان قد اتخذ كل الاحتياطات اللازمة، فعدا نظام مكافحة الحريق، لديه عقد تأمين «لكن الشركات لا تعوض عن دمار الحروب. هذا موجود كأول بند. هم يعوضون عن الغريق والحريق والكوارث الطبيعية، لكن الحروب ليست مشمولة. لماذا إذن نتكلف عناء التأمين، لست أدري؟». هكذا يتساءل كردي، الذي لا يتوقف هاتفه عن الرنين منذ انتشر الخبر. كتّاب، ناشرون، قرّاء، أصدقاء، الجميع يحاول أن يخفف عنه وقع الخسارة. فعلاقته مع كتّابه وثيقة، ويعتقد أنه لا بد لما تلف أن يتم تعويضه «فمن ألّف الكتاب الأول والثاني، بمقدوره أن يكتب الثالث. لكن في النهاية، التضامن معي والذي أقدره كثيراً هو عاطفي. أنا لا أتوقع، كما أنني لا أطلب، ولن أقبل بمساعدة مادية من أحد، إلا إذا كانت مؤسسة كبيرة، تعرض الدخول في مشروع معي».

ليس واضحاً بعد عند ناشر «المركز الثقافي للكتاب» ما يمكن أن يفعله للخروج من هذه المحنة. فبعض الكتب ضاع، وبعضها الآخر، بقي بنسخ محدودة. «سأعيد طباعة الكتب الموجودة، بكميات قليلة، أسميها (طبعة حرب) أو (طبعة استثنائية)، وربما (طبعة قصف)، لست أدري؟ كتبي لها طبيعة استثنائية، هي كتب حداثية، لا تتوجه للجمهور العريض، جامعية، تخصصية أو فلسفية، وكتّابي هم أصدقاء يتفهمون ما وقع ويتضامنون ويشجعون».

إعادة بناء مؤسسة من الصفر أو ما أشبه لرجل ضيّع خميرة خمسين سنة، أمر يصفه بأنه «صعب ومكلف جداً»، ولا بد أنه يحتاج إلى شجاعة استثنائية. بسّام كردي رغم بحّة الحزن في صوته، يحتفظ بالأمل والعزيمة، ويقول إنه يبحث عن موقع جديد في لبنان، بعيد عن المناطق الأكثر خطراً، شرط أن يكون السعر مقبولاً.

وعندما نسأله إن كان قد قرر تغيير البلد كلياً يقول: «أنا باقٍ في لبنان، ليس هذا ما أناقشه. الأمر محسوم بالنسبة لي، ولا بديل. إنما أبحث عن مستودع جديد يكون في مكانٍ أكثر أمناً، وأعيد التأسيس رويداً رويداً، كي أسترجع ما خسرته». يضيف: «أسست عبر سنوات طويلة، علاقات، أصدقاء، مؤلفين. هذا لا يلغي أنني في صدمة، وقد أصبح مخزوني صفراً بعد نصف سنة من العمل. سأبدأ من جديد، لأنه ليس أمامي من خيار آخر».

يصف ما حدث بأنه «عملية محو لذاكرة مغربية» في هذا الجزء من العالم العربي، ولا بد من استعادتها. «أعتقد رغم كبر مصيبتي، أنها أسهل من حال من فقد بيته، أو ابنه أو عائلته بأكملها. أنا عائلتي بخير، ورصيدي محبة الناس لي، وتقديرهم، وهذا هو رأس مالي الأكبر».


لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة

لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة
TT

لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة

لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة

ضمن سلسلة «الدراسات الشعبية» الصادرة عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة صدر كتاب «سيوة... واحة الأحلام والأساطير- دراسة إثنوغرافية» للباحث محمد أمين عبد الصمد. والكتاب، كما هو واضح من العنوان، يشير إلى تلك الواحة الشهيرة التي تقع في شمالي غرب مصر على بعد نحو 340 كم من ساحل البحر المتوسط وعلى بعد 450 كم من وادي النيل وتقترب بشدة من الحدود السياسية لليبيا، ويتحدث سكانها اللغة الأمازيغية «باللهجة الشاوية» بجانب اللغة العربية المتداولة رسمياً.

يعتمد أهل سيوة في حياتهم الاقتصادية على الزراعة ويشتهرون بإنتاج أنواع متعددة من البلح، وذلك لانتشار النخيل وزراعته في الواحة بأنواعه المتعددة، حيث كان تعداد النخيل في سيوة عام 1960 نحو 100 ألف نخلة، فضلاً عن 30 ألف شجرة زيتون تعطي بعد عصرها 200 طن من زيت الزيتون.

ويبدي المؤلف اهتماماً خاصاً، بواحدة من أشهر الأحداث التاريخية التي ارتبطت بسيوة، وهي زيارة الإسكندر الأكبر للواحة، في واقعة نادرة اكتنفها الكثير من الغموض، بهدف أن يستقي الكثير من معارفه منها ومن كهنتها ومعبودها «آمون»، كما قوي حضوره وذاع صيته بعد إعلانه من جانب الكهنة ابناً لهذا الإله الشهير بين آلهة مصر القديمة.

اتجه الإسكندر الأكبر إلى واحة سيوة في شتاء عام 331، قبل الميلاد، وذلك بعد أن وضع تخطيطاً لمدينة تحمل اسمه وهي الإسكندرية، فوصل أولاً إلى مدينة «باراتونيوم» وهي مكان مدينة «مرسى مطروح» حالياً وتلقى هدايا رسل ملوك المدن الليبية وإعلان طاعتهم له، ثم انطلق بعدها جنوباً قاصداً الواحة.

ويذكر مؤرخ بلاط الإسكندر الذي رافقه في هذه الرحلة أنهم تعرضوا للهلاك عطشاً أثناء الرحلة بعد نفاد الماء منهم، ولم ينقذهم سوى سقوط أمطار بشكل مفاجئ فارتووا منها وخزنوا بعضها لبقية الطريق، كما تعرضوا للهلاك مرة ثانية بعد أن ضلوا الطريق ولم ينقذهم سوى ظهور غراب في السماء فأمرهم الإسكندر بتتبعه والاتجاه معه فوصلوا الواحة بعد سبعة أيام واعتبرت حاشية الإسكندر أن نجاة الإسكندر ونجاة من معه من معجزات الإله آمون.

وصل الإسكندر بركبه إلى «معبد النبوءات» فاستقبله كهنة آمون واحتفوا به وبمن معه وتلقى الكهنة تساؤلات مرافقي الإسكندر الأكبر وأجابوهم عنها في بهو المعبد الشهير، أما الإسكندر الأكبر فقد طلب من الكهنة أن يسأل الإله آمون في خلوة فاصطحبه رئيس الكهنة إلى الهيكل ولم يرافقه أحد من حاشيته وسأل ما شاء من أسئلة وعندما خرج من الهيكل إلى رفاقه لم يخبرهم بأي شيء مما دار معه في الداخل واكتفى فقط بقوله: «سمعت من الإله آمون ما طابت له نفسي».

ولم يذكر التاريخ أو يسجِّل لنا أي شيء عما دار داخل الهيكل أو غرفة النبوءات تصريحاً أو تلميحاً وكل ما سجله التاريخ هو ما كتبه الإسكندر الأكبر في رسالته إلى والدته «أوليمبياس» عن تلك الزيارة فقال: «إنه سمع من الإله أشياء مهمة جداً لا يستطيع أن يذكرها في خطابه وسيرويها لها عندما يراها» ولكن هذا اللقاء لم يتم، فقد مات الإسكندر الأكبر وأخذ معه سره وسر ما قيل له في غرفة النبوءات.

يذكر المؤرخون حرص الإسكندر الأكبر فيما بعد على زيارة سيوة وإرسال رسله ليسأل كهنة آمون كلما كان مقدماً على أمر مهم، وهو ما يدل على الأثر الكبير الذي تركه آمون وكهنته في نفسه، حتى إنه عندما كان يعاني من سكرات الموت في مرضه الأخير في مدينة بابل تقدم إليه صديقه المقرب أريدوس وسأله: هل يوصي بشيء بخصوص ابنه وزوجته؟ فأعرض عنه الإسكندر الأكبر، فجاءه أريدوس مرة أخرى وسأله عمن يخلفه في القيادة بعد موته فأجابه بأن القيادة للأقوى منهم.

سأله «أريدوس» إن كان له طلب خاص ففتح الإسكندر الأكبر عينيه وقال إنه «يوصي بأن يدفنوه إلى جوار أبيه آمون في واحة سيوة». تم وضع الجثمان في تابوت ذهبي وسار وراءه الجيش كله منكس الرأس والسلاح والأعلام من مدينة بالمي في العراق حتى وصل إلى مدينة منف في مصر وكانت كل مدينة يمر عليها موكب الجنازة تخرج لتحييه وتبجل رحيله.

وعندما أراد اليونانيون استكمال مسيرتهم إلى واحة سيوة، أقنعهم بطليموس الذي كان يحكم مصر باسم الإسكندر الأكبر بأن يدفنوه في مدينة الإسكندرية التي دشن بناءها الإسكندر نفسه فاقتنع قادة الجيش اليوناني ووافقوا على دفن الإسكندر الأكبر في الإسكندرية.


«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز
TT

«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز

لاحظ الناقد الأميركي ذو الأصل الفلسطيني إدوارد سعيد يوماً ما أن «تناول الكثير من حياة المنفى يتم بالتعويض عن خسارة محيّرة من خلال إقامة عالم جديد يفرض سيطرته». وأعتقد أن هذا ربما يفسر الحقيقة المثيرة للفضول بأن كثيراً من المغتربين يلعبون الشطرنج أو يؤلفون روايات. وذلك كتب إدوارد سعيد أن المنفي أو المغترب يصل إلى عالم جديد «غير طبيعي» ويكتشف أن «عدم واقعيته تشبه القصة الروائية المتخيلة».

ربما يكون لاعب الشطرنج أو الروائي من بين مغتربين ومنفيين كثيرين موجودين رواية «حرب زائفة»، وهي الرواية الثانية التي تشبه الحلم للكاتب الكوبي كارلوس مانويل ألفاريز، الذي دارت روايته الأولى «ذا فولين» (الساقطون)، التي تُرجمت إلى الإنجليزية عام 2020، حول حياة شخص كوبي مهاجر منقسم بين جيل قديم ذي شخصيات مثالية ثورية وجيل شاب أيقظه الفقر والقهر من ضلالات الأوهام. روايته «حرب زائفة» تدور في أماكن أخرى، وهي ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا الجزيرة. ويُعتقد أن نحو مليوني كوبي قد هاجروا منذ 2021، وهو عدد يقارب ثمانية أمثال من هاجروا خلال السنوات الأربع التي أعقبت الثورة.

وإذا كان يُقال إن حياة المنفى والاغتراب محيرة ومشتتة ومتفككة، فيبدو أن ألفاريز قد قرر تصوير تلك التجربة للقارئ بشكل قريب من الواقع. يوجد في الرواية عشرات الشخصيات، الكثير منها إما بلا اسم أو يحملون أسماء مختلفة في لحظات مختلفة. وتُروى قصصهم في أجزاء متفرقة مختلطة مضطربة تتنقل بسرعة بين الماضي والحاضر والحلم والواقع.

من الأمثلة على ذلك، هناك حلاق غادر كوبا على متن قارب في نهاية السبعينات، واستقر به المُقام في مدينة هياليه بولاية فلوريدا، حيث شهد مرض الإيدز يهلك ويفني الناس. وهناك أيضاً شخصية لاعب شطرنج اُعتقل في غوانتانامو يقضي أيامه في لعب مباريات مع الحراس، وثمة رجل هناك أتى إلى ميامي بعد وفاة خطيبته في زلزال في مكسيكو سيتي، وهو يؤلف رواية متعددة المستويات بشكل معقد يأمل أن يصف فيها «مهجر بلا حنين».

لقد قرأت رواية «حرب زائفة» مرتين حتى الآن، وأعترف أنني ما زلت غير قادر على استيعاب كل الشخصيات جيداً. مع ذلك من الأمور الممتعة في أي رواية هي كيف تحولك، وتحدث ضبابية في حدود الأشياء، وتتحايل على ذاكرتك وتخدعها. ومن الأمور الأخرى الممتعة أيضاً الأسلوب السردي الراقي الرشيق المكثف. لا يمكن مقارنتها إلا بقصيدة لجون آشبيري: «في الخارج تتحرك سيارة أجرة باللون الأخضر الداكن بشكل متعرج وفجأة تنقلب في وسط الشارع. وعلى ملاءة سريره البيضاء، وهو بين اليقظة والمنام، لا يمكن أن نصف فريدي أولموس بالقبيح ولا الجميل. في حلمه كان مجموعة من أشخاص يعرفهم يرسمون علامة الصليب في الهواء ويقفزون في الماء». يختبر أولئك المغتربون الحياة كشيء عشوائي لا شكل له، ولقد تعلموا التعامل مع كل شعور بالحميمية على أنه شعور عابر سريع الزوال. جاء على لسان إحدى الشخصيات وهي تتأمل: «راودني شعور بأننا رُسمنا على ورقة وتم إضرام النار في حافة تلك الورقة»، وهو وصف ملائم لما تبدو عليه تجربة قراءة هذه الرواية.

مع ذلك، أكثر ما يدهشني، وللغرابة، هو المزاج العام للرواية.

رواية «حرب زائفة» تدور في ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا جزيرة كوبا

لقد منحتنا العولمة نوعين من روايات الهجرة على الأقل، نوع عن الشتات، هو يكون عرضة أحياناً إلى شعور بالاشتياق يحمل طابع الورع، والنوع الآخر عن مغتربين من الغرب ينتمون إلى طبقة المهنيين المتخصصين المبتلين باغتراب وضياع عالمي مضجر. وتحمل رواية «حرب زائفة»، في نسختها التي ترجمتها ناتاشا ويمر، عناصر من النوعين، لكن مع مزاج خاص بها يتسم بالمرح والمزاح والوقاحة والتهكم والغضب.

وسبب الغضب فيها راجع إلى «وابل سوء الحظ الذي يمطر باستمرار على رؤوس أهل كوبا الذين لا حول لهم ولا قوة»، حياة المهاجرين المحفوفة بالمخاطر في أميركا، حيث لا يهم مدى كدحك في العمل، ففي النهاية سيحدث «شيء ما» فقد يصدمك أحدهم على طريق بالميتو السريع، أو تجد خصم مبلغ مالي بلا سبب مفهوم على بطاقتك، أو يرتفع سعر الوقود، أو يحمل الرئيس الجديد في نفسه ضغينة تجاهك وينوي إيذائك. لقد كتب ألفاريز رواية تتناول البحث عن بيت في عالم تحكمه القوة. وهذا هو آخر ما لديه ليقوله: «إنك لا تنتمي إلى مكان حتى تشعر نحوه بالازدراء».

* تشارلي لي محرر مراجعات نقدية

في مجلة «هاربرز ماغازين» ويكتب أيضاً لـ«ذا هاربرز إنديكس»

* خدمة «نيويورك تايمز»