معان الأردنية.. مدينة «خارجة عن القانون»

سكانها أكدوا لـ {الشرق الأوسط} رفض إلباسهم «ثوب داعش»

سكانها أكدوا لـ {الشرق الأوسط} رفض إلباسهم «ثوب داعش»
سكانها أكدوا لـ {الشرق الأوسط} رفض إلباسهم «ثوب داعش»
TT

معان الأردنية.. مدينة «خارجة عن القانون»

سكانها أكدوا لـ {الشرق الأوسط} رفض إلباسهم «ثوب داعش»
سكانها أكدوا لـ {الشرق الأوسط} رفض إلباسهم «ثوب داعش»

قد يتبادر إلى ذهن الزائر إلى مدينة معان الأردنية عبر الطريق الدولي، الذي بات شبة مهترئ من قلة الصيانة، أنه على وشك دخول مدينة هادئة يعمها السكون والأمن والسلام، حيث تخلو الشوارع من المارة بينما تخفت حركة السيارات بشكل ملحوظ، لكن سرعان ما يتبدل هذا الانطباع بعد أن يشاهد العربات المصفحة لقوات الدرك الأردنية وهي تطوق مباني دار المحافظة والمحكمة ومقرات الأجهزة الأمنية، باستثناء مبنى البلدية الذي يخلو من هذه الحراسة، مما يعطي انطباعا بأن موقف البلدية ورئيسها ماجد الشراري آل خطاب ينسجم مع خطاب الشارع في معان.
وخلال جولة «الشرق الأوسط» داخل المدينة، التي تقع جنوب الأردن، خلت الشوارع من رجال المرور والشرطة، وبوسع الزائر أن يشاهد حجم الدمار الذي لحق بعدد من المباني الحكومية ومدينة الحجاج، التي يستريح الحجاج فيها لتأدية الصلاة وشراء بعض احتياجاتهم، إضافة إلى حرق مبنى بنك الإسكان والبنك العربي، والذي رفعت عليه لافتة كتب عليها «معان فلوجة الأردن تبارك للأمة الإسلامية بالفتوحات العمرية التي من الله بها على الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)»، ولافتة أخرى تقول «جمعة نصرة الدولة الإسلامية في العراق والشام.. معان فلوجة الأردن تنصر دولة الإسلام»، لكن البنك العربي الإسلامي والبنك الإسلامي الأردني لم يطلهما أي أذى.
وتشهد مدينة معان، التي يبلغ عدد سكانها نحو 55 ألف نسمة، مواجهات بين السكان وقوات الأمن بين فينة وأخرى يرجعها كثيرون إلى الفقر والبطالة، لكن آخرين يشيرون إلى وجود تيارات إسلامية متشددة، بينما يحاول البعض أن يلبس المدينة ثوب «داعش»، لا سيما بعد تعليق تلك اللافتات التي تبايع التنظيم ورفع رايات «داعش» السوداء خلال مسيرات خرجت قبل أيام، ناهيك عن نشاط التيار السلفي في المدينة.
تاريخيا، شكلت مدينة معان مفصلا مهما في تأسيس الدولة الأردنية منذ قدوم الهاشميين من الحجاز، ولعبت دورا سياسيا وقتها بأن كانت العاصمة الأولى لهذه الدولة قبل الانتقال إلى العاصمة الحالية عمان، ورفدت من أبنائها آلافا في السلك العسكري مع أبناء البادية المجاورة لتكون دعامة للنظام الأردني منذ تأسيس الإمارة عام 1923 حتى ثمانينات القرن الماضي عندما ثار مواطنون احتجاجا على رفع أسعار المحروقات. وأطلق على تلك المظاهرات اسم «هبة نيسان» لأنها أعادت الحياة الديمقراطية التي تمخضت عنها انتخابات مجلس نيابي في المملكة.
ومنذ ذلك الحين دخلت المدينة في نفق المعارضة، وخرجت من عقد الموالاة بعد أن كانت في الصدارة، وباتت، حسبما يقول السكان، في ذيل اهتمامات الحكومات المتعاقبة، مما زاد من نسب الفقر والبطالة. وشهدت المدينة اضطرابات أمنية متفاوتة منذ عام 1989، منها أخذ صفة المطالبة برفع «ظلم» الحكومات، وأخرى متأثرة بأحداث المنطقة سواء في العراق أو الانتفاضة الفلسطينية، إلى الأزمة السورية. لكن أحداث معان الأخيرة التي بدأت خلال شهر رمضان الماضي احتجاجا على مقتل مطلوب للأمن والتنكيل بجثته من خلال شريط فيديو سرب إلى الأهالي، أحدثت شرخا كبيرا مع الأجهزة الأمنية، بعد أن أسفرت عن مقتل عشرة من أبناء المدينة، آخرهم قبل نحو أسبوع عندما توفيت سيدة أربعينية متأثرة بجراحها خلال مداهمات.
ويشكو سكان المدينة من تراجع أوضاعهم المعيشية، ويقول أحد التجار لـ«الشرق الأوسط» إن إقبال أبناء القرى والبادية خف كثيرا على المدينة جراء الفوضى وغياب الأمن وإطلاق النار المفاجئ، إضافة إلى اعتماد هؤلاء على مناطقهم، ولم يعد حضورهم كما في كان السابق إلا لأسباب ضرورية.
بينما يشكو أحمد أبو طويلة، صاحب محل مواد غذائية في سوق البدو، من أن مبيعاته كانت تصل إلى 700 دينار يوميا، أما في الآونة الأخيرة فقد هبطت نتيجة الوضع الأمني «لا بل ماتت حركة البيع لتنخفض المبيعات إلى 50 دينارا يوميا». وأضاف أن «عددا من تجار الجملة بدأوا يفكرون جديا في الانتقال إلى مناطق خارج المدينة نتيجة الخسائر الفادحة التي يتكبدونها، إضافة إلى أن تجار التجزئة بدأوا في التوجه إلى مدينة العقبة أو الطفيلة». كما أشار إلى أن «حجم الخسائر الناجمة عن الركود الاقتصادي جعل بعض التجار عاجزين عن تسديد ديونهم، كما ازداد حجم الشيكات المرتجعة نتيجة تراجع المبيعات».
أما أحمد كريشان، صاحب مطعم وجبات سريعة من الحمص والفول والفلافل، فقال لـ«الشرق الأوسط» إن حركة البيع تراجعت نتيجة الظروف الأمنية، وإن عمليات إطلاق النيران العشوائية في الليل أدت إلى تراجع حركة خروج المتسوقين ليلا. وأضاف «حاليا ندبر أمورنا بالاعتماد على إقبال طلبة جامعة الحسين الذين يدرسون الفصل الصيفي، وأن عدد هؤلاء يصل إلى ستة آلاف من خارج المحافظة. لكن إذا ما بقي الوضع على ما هو عليه فإننا سنغلق المطعم فور انتهاء الفصل الدراسي الصيفي حتى بداية الدوام في مطلع أكتوبر (تشرين الأول) المقبل».
بدوره، يقول قاسم الخطيب، إعلامي في إذاعة جامعة الحسين (صوت الجنوب)، إن سكان معان يعتمدون في اقتصادهم على قطاع النقل إذ إن هناك 1500 شاحنة يعتاش أصحابها منها، إضافة إلى العمل في سكة حديد العقبة ومناجم الفوسفات وكذلك الوظائف الحكومية. ويضيف أن «معظم أبناء المدينة انخرطوا في القوات المسلحة والدفاع المدني، ولذلك ترى أن أفراد القوات المسلحة مرحب بهم في المدينة، على عكس قوات الدرك والشرطة الذين أصبحوا هدفا للمطلوبين المسلحين».
غير أن محافظ المدينة، غالب الشمايلة، يرى أن هناك من يحاول «شيطنة مدينة معان ووصفها بأنها خارجة عن القانون»، ويقول لـ«الشرق الأوسط»، إن «هناك تيارات سياسية متشددة تحاول إلصاق التهمة بالمدينة ووصفها بالمتمردة».
ويضيف أنه «قبل عدة أيام خرجت مسيرة ترفع الأعلام السوداء ورايات تنظيم داعش من بعض المغرر بهم من التنظيم السلفي المتشدد تضم 46 شخصا منهم خمسة أعضاء في التنظيم والبقية من الأطفال». ويوضح: «المسيرة ضخمت في الإعلام العربي والدولي وبعض المواقع الإخبارية».
وأكد أن «منظم هذه المسيرة أحضر إلى هنا (مقر المحافظة) وقدم اعتذارا شخصيا لي، كما أن الزعيم في التنظيم السلفي محمد الشلبي أبو سياف تراجع عن هذه المسيرة ولم يؤيدها». واتهم «بعض الأحزاب الإسلامية واليسارية وغيرها من التنظيمات المتشددة» بالخروج مع هذه المسيرة ومسيرات أخرى «كي تلمع نفسها أو تركب الموجة من أجل الظهور في المشهد وتستغل ذلك كي تبني لها شعبية».
وقال إن ما يجري حاليا في مدينة معان «حملة أمنية للقبض على مطلوبين خطرين على المجتمع، خصوصا أنهم مسلحون وباتوا يهاجمون دوريات الدرك والأمن بالأسلحة الخفيفة ويطلقون النيران بين الحين والآخر، ولا سيما بعد منتصف الليل على قوات الدرك المتمركزة أمام المباني الحكومية».
وكشف لـ«الشرق الأوسط» عن أن عدد المطلوبين الذين قبض عليهم بلغ نحو 200 شخص منذ بدء الأحداث الأخيرة. وأضاف أن «الحملة الأمنية التي انطلقت قبل ثلاثة أشهر كانت تستهدف 19 مطلوبا، أما الآن فارتفع العدد إلى 31 مطلوبا بعد أن انضم عدد من الأشخاص إلى المطلوبين وبدأوا يشاركونهم في إطلاق النيران على رجال الدرك خلال المداهمات الأمنية». وأكد إلقاء القبض على خمسة من هؤلاء المطلوبين، بينما سلم أحدهم نفسه طواعية.
وفي زيارة إلى مكتب رئيس البلدية ماجد الشراري آل خطاب، بدا المقر خاليا من الحراسات. ويعد آل خطاب أحداث معان الأخيرة التي انطلقت منذ 13 شهرا بأنها «مفتعلة من قبل الأجهزة الرسمية».
وزعم في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «بعض المسؤولين يحاول شيطنة أهل معان وإعطاء صورة داخلية وخارجية أن المدينة خارجة عن القانون». واتهم «الأجهزة الأمنية بتهيئة الظروف لأعضاء في التيار السلفي وغيرها من التنظيمات والأحزاب المتشددة للوصول إلى ما وصلت إليه الآن».
ويستدرك قائلا: «مع ذلك فنحن لم نصل إلى مرحلة أن يكون لهؤلاء سيطرة على الشارع المعاني مثلما يحاول إظهاره جهاز المخابرات وبعض المواقع الإعلامية الإلكترونية والإعلاميين الرسميين الذين يضخمون الأحداث ولا ينقلون الأحداث على طبيعتها». وطالب بفتح حوار مع الحكومة وأن يكون هناك «طروحات منطقية وألا تربط الأجهزة الأمنية هيبة الدولة بقضية معان لأن هيبة الدولة لن تجدها في معان نهائيا».
من جانبه، قال القيادي في التيار السلفي محمد الشلبي أبو سياف، إن «الحديث عن وجود تنظيم داعش أو جبهة النصرة في معان فيه ظلم على أهل المدينة»، مؤكدا أن «مشكلة معان كغيرها من المشكلات فيها مطلوبون يحتمون بين أفراد المجتمع ونحن في معان متفقون على أن هؤلاء المطلوبين يجب أن يسلموا أنفسهم ولكن ليس بهذه الطريقة». وأضاف أن الأجهزة الأمنية تلقى القبض على مطلوبين في أي مدينة أردنية ولم نسمع بإطلاق النيران على مطلوب في عمان أو الزرقاء أو السلط أو غيرها من المدن الأردنية كما يجري في معان. وأشار إلى أن هناك «أساليب معروفة يمكن للأجهزة الأمنية أن تصل من خلالها إلى المطلوبين وأن تلقى القبض عليهم دون خسائر». وأضاف أن «هناك قناعة لدى أهل معان أن رجل الأمن لا يستطيع إطلاق رصاصة دون أوامر من قيادته العليا خاصة بعد أن قتل أكثر من شخص خلال المداهمات».
وينفي القيادي أبو سياف تهمة احتضان المدينة تنظيم «داعش» أو «جبهة النصرة»، ويقول إن «هناك من يتعاطف ويناصر التنظيمين مثلما هو الحال من يتعاطف مع الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، أما أن تحسب المدينة على (داعش) أو جبهة النصرة فهو كلام غير صحيح ومنافٍ للواقع».
وبالنسبة للمسيرة التي خرجت قبل أيام تأييدا لـ«داعش» قال إن «عددا من شباب التيار نظموا ذلك دون الرجوع إلينا، وقد انضم إليهم بعض الأشخاص من الذين غرر بهم وأصدر التيار بيانا عبر فيه عن رفضه لهذه المسيرة مثلما الحال أبناء المدينة الذين رفضوا هذا التصرف».
غير أنه أقر بإرسال عدد من شباب التيار في معان إلى سوريا، مشيرا إلى أن عدد الأشخاص الذين يذهبون بمفردهم بلغ أكثر من 1500 شخص.
وبالنسبة لإعلان «الخلافة» في العراق والشام، قال أبو سياف: «إننا كتيار سمعنا من بعض العلماء والأحزاب وغيرها، أن الوقت غير مناسب لذلك، ونحن مرجعيتنا في هذا الموضوع هو العلامة الشيخ أبو محمد المقدسي شيخ المنهج الذي أفتى بأنها (خلافة داعش) مستكرهة».
وعن صلاتهم بقيادة تنظيم «داعش»، قال أبو سياف: «هناك قنوات شخصية مع بعض قيادات (داعش)، أي أننا نعرف بعض الشخصيات ممن يتولون المسؤولية، أما على المستوى الرسمي فلا يوجد أي اتصال معهم».
من جانبه، طالب رئيس لجنة متابعة أحداث معان الناشط السياسي الدكتور محمد أبو صالح بـ«إقالة الحكومة المحلية والإفراج عن جميع المعتقلين على خلفية تلك الأحداث والتحقيق في عمليات القتل الميدانية من قبل القضاء وإزالة اللبس في هذه القضايا وليس ترحيل هذه الملفات، كما حدث في الماضي، ومحاكمة جميع من أخطأ، سواء كان مواطنا أو رجل أمن». ودعا إلى وضع خطة تنموية لمدة عشر سنوات مقبلة لحل نسبة البطالة التي تصل إلى 28 في المائة بين الشباب، وكذلك التعويض عن حجم الأضرار للمحال التي تضررت من الأحداث، سواء بالحرق أو التكسير أو الضرر من خلال التمركز الأمني أمامها.
وتمنى أبو صالح أن تلقى رؤيتهم للحل «أذنا صاغية من المسؤولين أصحاب القرار في الحكومة الأردنية وأن يعتمدوا لغة الحوار، لأن أبناء معان يريدون أن يعيشوا بكرامة أو يموتوا بكرامة».



غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
TT

غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)

قدّم المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن، هانس غروندبرغ، الخميس، إحاطته الدورية أمام مجلس الأمن، واضعاً في صدارة حديثه التحسن النسبي في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، لكنه ربطه بتحذير صريح من هشاشة هذه المكاسب وإمكانية الانزلاق إلى صراع أوسع.

وبينما أعاد غروندبرغ التذكير بوجود 73 موظفاً أممياً في سجون الحوثيين، جدد الدعوة إلى الإفراج الفوري عنهم دون قيد أو شرط، مطالباً الجهات الإقليمية والدولية باستخدام نفوذها لتحقيق ذلك.

وأشار المبعوث إلى مؤشرات إيجابية في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، من بينها تحسن إمدادات الكهرباء وصرف رواتب القطاع العام، معتبراً أن الخطوات الرامية إلى تحسين ظروف المعيشة «تكتسب أهمية بالغة»؛ لأنها تعيد قدراً من الاستقرار وقابلية التنبؤ في حياة اليمنيين. ولفت إلى أن هذه الإجراءات، إذا ما ترسخت في مؤسسات خاضعة للمساءلة، يمكن أن تمهّد لبيئة أكثر ملاءمة لتسوية سياسية أوسع.

غير أن غروندبرغ لم يغفل عن هشاشة الوضع، محذراً من أن استمرار التوترات والحوادث الأمنية، إلى جانب المظاهرات التي شهد بعضها أعمال عنف وسقوط ضحايا، يعكس قابلية هذه المكاسب للتراجع.

المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ (الأمم المتحدة)

وفي هذا السياق، حمّل المبعوث الحكومة الجديدة بقيادة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مسؤولية حماية المكاسب عبر «ترسيخها في مؤسسات معززة وإصلاحات اقتصادية»، مشدداً على ضرورة توفير بيئة تحمي مجلس الوزراء والبنك المركزي من التسييس وتعيد بناء ثقة الجمهور.

كما أشاد بتعيين ثلاث وزيرات بعد سنوات من غياب النساء عن مجلس الوزراء اليمني، معتبراً أن إشراك النساء بصورة كاملة وفعالة يعزز شرعية أي عملية سلام، ويزيد فرص استدامتها.

إطلاق عملية سياسية

انتقل المبعوث بعد ذلك إلى جوهر الإحاطة، وهي الحاجة إلى إعادة إطلاق عملية سياسية جامعة برعاية الأمم المتحدة، وأكد أن النزاع أصبح أكثر تعقيداً، مع تعدد خطوط التنازع وتداخل الديناميكيات المحلية والوطنية، فضلاً عن تأثير التوترات الإقليمية المتبادلة.

وشدد على أن الهدف المشترك لم يتغير، وهو التوصل إلى تسوية سياسية تفاوضية تنهي النزاع بشكل مستدام، لكنه دعا الأطراف إلى تبني «نهج مستقبلي» يقوم على البناء على ما لا يزال ناجعاً، وإعادة النظر في الافتراضات القديمة، وتصميم عملية تعكس واقع اليوم لا خرائط الأمس.

وطرح المبعوث ثلاث نقاط رئيسية للمضي قدماً؛ أولاها الاعتراف بتعقيدات الحرب وتطوراتها وعدم الاكتفاء بأطر سابقة لم تعد تستجيب بالكامل للتحولات، وثانيها ضرورة التعامل المتزامن مع الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية، محذراً من أن معالجتها بمعزل عن بعضها لن تؤدي إلا إلى نتائج جزئية وغير مستدامة، ومؤكداً أهمية عدم ربط الانخراط في مسار بالتقدم في مسار آخر.

سيارة أممية ضمن موكب المبعوث الأممي غروندبرغ خلال زيارة سابقة لصنعاء (إ.ب.أ)

وتمثلت النقطة الثالثة في اشتراط أن تحقق أي عملية ذات مصداقية نتائج ملموسة على مستويين زمنيين؛ الأول من خلال اتفاقات قريبة المدى تخفف المعاناة وتظهر تقدماً عملياً، بما في ذلك تدابير لخفض التصعيد الاقتصادي، والثاني عبر مسار أطول أمداً يتيح التفاوض حول قضايا جوهرية مثل شكل الدولة والترتيبات الأمنية ومبادئ الحوكمة.

وفي هذا الإطار، قدّم غروندبرغ ملف الأسرى والمحتجزين نموذجاً لما يمكن أن يحققه الحوار. وأشار إلى المفاوضات المباشرة الجارية في عمّان لاستكمال قوائم المحتجزين تمهيداً للإفراج، داعياً الأطراف إلى إنجاز العناصر المتبقية «دون تأخير»، والمضي نحو التنفيذ، ولا سيما مع اقتراب شهر رمضان، بما يتيح للعائلات لمّ الشمل. كما جدد الدعوة إلى الالتزام بمبدأ «الكل مقابل الكل»، مثمّناً دور الأردن واللجنة الدولية للصليب الأحمر.

تحذير من مواجهة أوسع

من ضمن أكثر فقرات الإحاطة أهمية، تطرق غروندبرغ إلى تصاعد التوترات الإقليمية، معرباً عن أمله في خفض التصعيد، لكنه شدد على ضرورة ألا يُجرّ اليمن إلى مواجهة أوسع. كما شدد على أن مسألة السلم والحرب «في جوهرها مسألة وطنية»، لا يمكن تفويضها أو احتكارها من قبل جهة واحدة، ولا يحق لأي طرف يمني جرّ البلاد من جانب واحد إلى صراع إقليمي، وفق تعبيره.

وأكد المبعوث أن المسؤولية الأولى تقع على عاتق صانعي القرار اليمنيين تجاه أمن الشعب وسبل عيشه ومستقبله، داعياً إلى أن تبقى حماية المصالح الوطنية وتطلعات جميع اليمنيين هي البوصلة في أوقات التوتر. وختم هذه الرسالة بالتشديد على أن «ضبط النفس، في هذا السياق، واجب».

ولفت إلى استمرار الحوثيين في احتجاز 73 من موظفي الأمم المتحدة، إضافة إلى آخرين من المجتمع المدني والبعثات الدبلوماسية، بعضهم بمعزل عن العالم الخارجي، مع إحالة بعضهم إلى المحكمة الجزائية المتخصصة في إجراءات «لا ترقى إلى مستوى الإجراءات القانونية الواجبة».

وأكد غروندبرغ أن الاستقرار الدائم يتطلب بناء مؤسسات تخدم اليمنيين على قدم المساواة، بحيث تُدار الخلافات عبر الحوار والمشاركة السياسية السلمية بدلاً من العنف.


تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
TT

تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)

في خطوة تعكس تصاعد الاهتمام الرسمي بحماية التراث الثقافي والمعماري، تدخلت الجهات القضائية في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن لوقف ممارسات عبث وتعديلات غير قانونية طالت مباني تاريخية ومعالم أثرية، في مقدمتها مواقع في حي كريتر بمديرية صيرة، إضافة إلى محاولة اعتداء على معبد هندوسي يُعد من أبرز شواهد التعايش الديني في المدينة.

ويُعد حي كريتر من أقدم أحياء عدن وأكثرها ثراءً من حيث القيمة التاريخية والمعمارية، إذ يضم عشرات المباني والمواقع التي تعكس ملامح النمط العدني الأصيل، الممتد عبر مراحل مختلفة من تاريخ المدينة. ومع اقتراب شهر رمضان، كثّف مختصون في الحفاظ على التراث جهودهم لترميم عدد من هذه المباني، بدعم من جهات محلية ودولية، في محاولة لإعادة الاعتبار للهوية المعمارية للمدينة القديمة.

غير أن هذه الجهود اصطدمت، حسب مصادر مختصة، بتجاوزات قام بها بعض الملاك، الذين أقدموا على إدخال تعديلات حديثة لا تنسجم مع الطابع التاريخي للمباني التي خضعت للترميم، ما استدعى تدخلاً قضائياً حاسماً لوضع حد لتلك المخالفات.

وأكدت نيابة الآثار في عدن دعمها الكامل للجهود الحكومية والمجتمعية الرامية إلى حماية المباني التاريخية؛ حيث نفّذ وكيل نيابة الآثار، عشال المسبحي، نزولاً ميدانياً إلى عدد من المواقع الأثرية لمتابعة مستوى الالتزام بالمعايير المعتمدة في الحفاظ على الطابع التراثي.

كنائس عدن شاهد على عقود من التعايش بين مختلف الديانات (إعلام محلي)

وأوضح المسبحي أن بعض المباني التي جرى ترميمها بدعم من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) تعرّضت لاحقاً لتعديلات مخالفة، أبرزها تركيب نوافذ مصنوعة من الألمنيوم بدلاً من الخشبية التقليدية، وهو ما يُعد تشويهاً مباشراً للهوية المعمارية التاريخية للمدينة القديمة.

وشدد وكيل النيابة على ضرورة التزام الملاك بإعادة تركيب العناصر المعمارية الأصلية، وفي مقدمتها النوافذ الخشبية، بما يتوافق مع الطابع العدني الأصيل، مؤكداً أن النيابة لن تتهاون في اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين.

وأشار إلى أن بعض السكان رفضوا إزالة التعديلات غير القانونية، ما دفع النيابة إلى الشروع في استدعائهم رسمياً، مع التلويح بإحالتهم إلى القضاء في حال استمرار المخالفات، استناداً إلى القوانين النافذة الخاصة بحماية الآثار والمدن التاريخية.

منع الاعتداءات

وفي سياق متصل بهذه التطورات، ترأس وكيل نيابة الآثار فريقاً من السلطة المحلية للتصدي لمحاولة اعتداء على محيط معبد «هنجراج متاجي» الهندوسي الأثري في منطقة الخساف، بعد ادعاء أحد الأشخاص ملكيته لحرم الموقع الذي تبلغ مساحته نحو 4200 متر مربع.

وأكدت النيابة أن المعبد مسجّل رسمياً ضمن قائمة المعالم الأثرية، وأن أي محاولة للتعدي على حرمه أو الاستيلاء عليه هي مخالفة صريحة للقانون. وأوضحت أن الجهات المختصة باشرت اتخاذ إجراءات رادعة بحق المتورطين، لضمان حماية الموقع وصون قيمته التاريخية.

جانب من أكبر معبد هندوسي في عدن (الشرق الأوسط)

ووفق مسؤولين محليين، رُصدت خلال الفترة الماضية أعمال عبث داخل محيط المعبد، شملت سرقة أبواب ومقتنيات واقتلاع بعض أحجار البناء، إلى جانب تراكم النفايات، في مشهد يعكس حجم التهديد الذي يواجه أحد أبرز رموز التعايش الديني في عدن. وأكدوا أن النيابة ستواصل متابعة القضية حتى استكمال الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة.

دور رقابي

وعلى صلة بالقضية، شدد وديع أمان، مدير مركز تراث عدن، على أن المعبد يُمثل شاهداً حياً على تاريخ التعايش الديني في المدينة، مشيراً إلى أن حماية هذا الموقع تأتي في إطار الدفاع عن هوية عدن المتعددة ثقافياً ودينياً.

وأضاف أن الجهود ستتواصل، كما حدث سابقاً في الدفاع عن معبد «جين سويتامبر»، لحماية جميع مواقع التراث الديني، كونها معالم حضارية وإنسانية تتجاوز رمزيتها البُعد الديني.

مع الدعم السعودي في كل المجالات تتجه عدن لاستعادة الاستقرار الأمني وتحسين الخدمات (إعلام حكومي)

وأكد مسؤولون محليون أن هذا التحرك القضائي يندرج ضمن الدور الرقابي للنيابة العامة في حماية المواقع الأثرية ومنع التعديات، وتعزيز سيادة القانون للحفاظ على الممتلكات العامة. كما أوضح مركز تراث عدن وملتقى الحفاظ على المعالم الأثرية أنهما يعملان بالتنسيق مع الجهات الرسمية لمواجهة أي تهديد يطول هذه المواقع.

يُذكر أن المعبد الهندوسي أُغلق نهائياً عام 2015 عقب سيطرة الحوثيين على عدن، وتعرّض لأعمال تدمير جزئي، شأنه شأن عدد من المباني الدينية. ويعود تاريخ بنائه إلى نحو عام 1865، خلال فترة الحكم البريطاني التي شهدت ازدهاراً للتنوع الديني والثقافي في المدينة، وهو ما تسعى عدن اليوم إلى استعادته وحمايته بوصفه جزءاً من ذاكرتها التاريخية.


الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)

تبدأ الحكومة اليمنية الجديدة أداء مهامها وسط أوضاع سياسية واقتصادية شديدة التعقيد، بعد توجيهات رئاسية لها بصناعة نموذج مختلف واستعادة ثقة المجتمع، في ظلّ تراجع حضور مؤسسات الدولة.

ورغم الرضا الشعبي عمّا أسفر عنه إنهاء تمرد المجلس الانتقالي الجنوبي من تحسن ملحوظ، فإن التحديات المعيشية والأمنية أكثر عمقاً، والمطالب المجتمعية أشدّ إلحاحاً من قدرة أي سلطة تنفيذية على تحقيق اختراقات سريعة.

فعلى المستوى الخدمي، تتراكم أمام الحكومة أزمات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، إلى جانب تعثّر انتظام صرف المرتبات في عدد من المناطق، وتمثل هذه الملفات اختباراً عملياً لأداء الحكومة، في ظل محدودية الموارد المالية، والتهديدات الحوثية باستهداف مصادرها، وتفاوت السيطرة الإدارية، وضعف البنية التحتية التي تأثرت بسنوات من النزاع.

واقتصادياً، ترى الحكومة مؤشرات مقلقة تشمل تراجع الإيرادات العامة، ومخاطر كبيرة تهدد استقرار سعر العملة المحلية، وارتفاع مستويات التضخم والفقر. وبينما يربط شركاء دوليون أي دعم محتمل بتنفيذ إصلاحات مالية وإدارية؛ تبقى قدرة الحكومة على إبطاء التدهور الاقتصادي رهناً بتوازنات سياسية وأمنية معقدة تتجاوز نطاق السياسات الاقتصادية وحدها.

الأزمة الإنسانية إحدى أولويات الحكومة اليمنية في ظل تراجع التمويل الدولي (غيتي)

وفي لقائه الأول بالحكومة بعد أدائها اليمين الدستورية، الاثنين الماضي، أكد رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، أن المرحلة الحالية لا تحتمل إدارة تقليدية، وأن الحكومة مطالبة بـ«صناعة نموذج» يعيد بناء ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، كجزء من المعركة الوطنية الشاملة، والبناء على التحسن النسبي في بعض الخدمات الأساسية خلال الفترة الماضية.

ووضع العليمي تنمية الموارد العامة في صدارة الأولويات، بصفتها شرطاً موازياً للجبهة العسكرية في تغيير ميزان القوى، منوهاً إلى الاختلالات الاقتصادية المتراكمة، والتضخم المتصاعد، والتراجع في الثقة بإدارة المال العام، مشدداً على الانضباط المالي الصارم، ودعم استقلالية البنك المركزي؛ لكبح التضخم وحماية العملة وضمان حد أدنى من الاستقرار المعيشي. كما ورد في الخطاب التوجيهي.

اختبار الاستقرار والخدمات

تقف الحكومة اليمنية حالياً أمام ضغوط شعبية ودولية للعودة بأعضائها كافة إلى العاصمة المؤقتة عدن لممارسة مهامها بشكل مباشر وتفعيل المؤسسات الخدمية والرقابية.

من لقاء العليمي بالحكومة الجديدة بعد أدائها اليمين الدستورية (سبأ)

ويرى يوسف شمسان، الباحث الأكاديمي في الاقتصاد السياسي للحرب، أن خطاب العليمي أثبت إدراكه العميق للمشاكل الاقتصادية والخدمية، وإحساسه بمعاناة الدولة منها؛ ما يشير إلى تراكم الخبرة القيادية لديه، حيث لامس القضايا الاقتصادية المهمة والملحة بشكل مستفيض، وربط الإصلاحات بإدارة الدولة، وتطرق إلى اقتصاد الحرب للربط بين إسقاط التمرد وتحقيق ثنائية الدولة والحوكمة.

ويمثل خطاب العليمي، حسب حديث شمسان لـ«الشرق الأوسط»، خروجاً لافتاً عن الخطاب السياسي التقليدي في بلد أنهكته الحرب، فبدلاً من الاكتفاء بسرد المواقف أو إعادة إنتاج خطاب الشرعية، قدّم العليمي إطاراً أقرب إلى برنامج إدارة دولة في زمن نزاع، واضعاً الاقتصاد والخدمات في قلب المعركة السياسية والأمنية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي على أن يُقاس أداء الحكومة بقدرتها على دفع الرواتب بانتظام، وتوفير الكهرباء والمياه، وضبط الأسعار، وعدم تسييس الخدمات، وعلى أهمية توجيه الدعم والمنح عبر القنوات الرسمية، ودعم القطاع الخاص، وحماية قطاعات الزراعة والثروة السمكية والصناعات التحويلية والاتصالات والنقل.

يقول عتيق باحقيبة، القيادي الاشتراكي في محافظة حضرموت، لـ«الشرق الأوسط» إن أهالي المحافظة ينتظرون من هذه الحكومة التي جاءت بعد فترة صراع سياسي وعنف عسكري شهدته محافظة حضرموت تحقيق الكثير من المطالب المشروعة، ومنها دعم الأجهزة الأمنية والعسكرية في الجوانب المادية واللوجيستية كافة والتدريب والتأهيل لجميع منتسبيها؛ حتى تتمكن من تأمين كل مدنها ومناطقها المترامية الأطراف.

القطاع الصحي في اليمن ينتظر إصلاحات عاجلة وتدخلات حكومية فاعلة (أ.ب)

ويضيف: «كما يأمل الحضارم دعم الخِدْمات كافة مع أولوية خاصة للكهرباء والمياه والصحة والتعليم، وانتظام دفع المرتبات لموظفي الدولة، وتطوير البنى التحتية لتهيئة المحافظة لتكون ملاذاً آمناً للاستثمار، ويسعون إلى الحصول على مشاركة فاعلة وعادلة في كل مؤسسات الدولة المركزية، بعد إنهاء آثار الصراع كافة بفضل الدعم السعودي».

رهانات الحوكمة

ركز العليمي في خطابه أمام الحكومة الجديدة على أنه لا دولة دون أمن وسيادة قانون، داعياً إلى انتقال واضح من المعالجة اللاحقة إلى العمل الاستباقي، عبر انتشار أمني مدروس، وضبط السلاح المنفلت، وتجفيف بؤر الجريمة، وحماية المواطنين دون تمييز.

وعدّ العليمي الشراكة مع السعودية ركيزة أساسية لتوحيد القرار الأمني والعسكري، وصناعة الفارق في العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المحررة، بما يعزز حضور الدولة ويمنع تقويض المكاسب المحققة.

ويعلق بشير عزوز، وهو أحد موظفي إعلام قطاع الصحة في محافظة مأرب، آمالاً على الحكومة بمواجهة الأزمة الإنسانية التي تبرز كأكبر تحدٍ يقف أمامها؛ حيث تشير تقارير الأمم المتحدة الحديثة إلى ما يُسمى «نقطة الانكسار الصحي» التي وصلت إليها البلاد، مع تراجع التمويل الدولي، ليصبح أكثر من 1000 مرفق صحي مهدداً بالإغلاق؛ ما يضع حياة ملايين الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد على المحك.

آمال شعبية يمنية في استثمار الدعم السعودي لزيادة الجودة واستدامة الخدمات (واس)

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن كل محافظة وكل مديرية تواجه منفردة أزمات واختلالات خاصة بها صنعتها الحرب والانقسامات الأمنية والاقتصادية، إلى جانب الأزمات الطويلة في كل البلاد بفعل استمرار الصراع، وعدم التوصل إلى حسم عسكري مع الجماعة الحوثية أو الدخول معها في اتفاق سلام جاد وحقيقي.

وتجد الحكومة الجديدة نفسها مطالبة بالانتقال من «الاعتماد الكامل على الإغاثة» إلى «الإدارة الذاتية للموارد»، وهو تحدٍ معقد في ظل اقتصاد منهك وعملة متدهورة.

يشيد الأكاديمي شمسان بانتقاد العليمي الواضح، ولأول مرة، للدور الهدام للمؤسسات الدولية، وفرضها قيود التجارة العالمية وقيود التعويم في أسعار الصرف، وهو نقد شجاع ويكشف عن نقلة مهمة في خطاب الرئيس ووعي تام بوضع اليمن الهش الذي يعيش اقتصاد الحرب، والذي لا ينطبق عليه شروط هذه المنظمات الدولية وإملاءاتها.

من المنتظر أن تسعى الحكومة الجديدة بشكل عاجل إلى تثبيت الأمن وتعزيز حضور الدولة ومؤسساتها (غيتي)

كما عدّ حديث العليمي عن وقف الريع الحربي، وضرورة كسر مصالح اقتصاد الحرب، خطوة متقدمة تبين إدراكاً عميقاً لأسباب معاناة اليمن واليمنيين خلال السنوات الماضية؛ وهو ما يفرض على الحكومة التعامل مع هذا الخطاب بوصفه برنامج عمل للمرحلة المقبلة.

ويبرز انسداد أفق السلام وتعثر المسار السياسي مع الجماعة الحوثية كأحد أبرز التحديات أمام الحكومة الجديدة، في ظل انعدام فاعلية المبادرات الدولية والتوترات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط.