«سيرة الرواية المحرمة» أصبحت سيرة محفوظ من «نوبل» إلى طعنة الرقبة

محمد شعير يعيدنا إلى مسار الصحافة السردية من بوابة «أولاد حارتنا»

نجيب محفوظ
نجيب محفوظ
TT

«سيرة الرواية المحرمة» أصبحت سيرة محفوظ من «نوبل» إلى طعنة الرقبة

نجيب محفوظ
نجيب محفوظ

ولدت الصحافة العربية في حضن الأدب قبل أن تستقر تقاليدها الخاصة بوصفها «حرفة». كان الأدباء هم كتاب المقالات السياسية، ومع الوقت انحسروا في الصحافة الثقافية. وحتى الآن يندر أن يكون المحرر الثقافي محرراً فقط. البعض كان شاعراً أو قاصاً قبل أن يحترف الصحافة، والبعض الآخر يشعر بعد سنوات من العمل أنه لم يعد يليق به أن يكتفي بمتابعة إبداعات الآخرين، وعليه أن يختار بين الشعر والرواية أو يجمع بينهما مع حرفته.
الصحافي المصري محمد شعير واحد من عدد قليل من المحررين الأدبيين الذين لم يتجهوا لكتابة الشعر أو الرواية، مكتفياً بلقب الصحافي، وكأنه يذكِّر بأساتذة المهنة الكبار، وبالمهنة عندما كانت مهيبة ومُرضية لمزاوليها.
ولم يكن على خطأ، إذ بات جهده محسوساً، وهو يواصل نضجه في تعميق مسار الصحافة السردية التي تعد طوق النجاة للصحافة المكتوبة، فهي التي يمكن أن تميز الصحيفة عن وسائل الاتصال الأحدث التي انتزعت منها الخبر السريع. وقد نال هذا الفن اعتراف مؤسسة نوبل التي منحت جائزة الأدب عام 2015 للروسية سفيتلانا أليكسييفيتش.
ومن حسن الحظ أن الجوائز العربية، وهي عادة أقرب إلى الظلم منها إلى العدل، أحست بما يقدمه شعير؛ ففاز بجائزة دبي وجائزة نقابة الصحافيين المصريين لمرات متعددة.
صدر لشعير مؤخراً عن دار العين بالقاهرة كتاب ينتمي لهذا الفن «الصحافة السردية» بعنوان «أولاد حارتنا... سيرة الرواية المحرمة» ويمكن كذلك تصنيفه ضمن فرع التاريخ الأدبي والسياسي، منتصراً للسرد والتحليل والجهد الاستقصائي.
تفتقر المكتبة العربية لهذا النوع من التأليف وقد يكون هذا أحد أسباب ما تعانيه ثقافتنا من انقطاع بين الأجيال، بينما يمثل حضوره في الثقافات الأخرى سبباً مهماً في استمرار كتابها الكلاسيكيين على قيد الحياة، ومن الأمثلة البارزة على ذلك شكسبير ومارسيل بروست.
لدينا بالطبع بعض الكتب تصدر بين وقت وآخر تحمل مراسلات الأدباء، أو أوراقا جديدة من سيرتهم، لكنها تكون بمثابة نشر للأرشيف الميت. ولكن شعير بث الحياة في المادة الأرشيفية، واستكملها بلقاءات أجراها مع أطراف قضيته الذين لا يزالون على قيد الحياة. وقد اتخذ من «أولاد حارتنا» منطلقاً لكتابة سيرة جديدة لمحفوظ ومنطلقاً لإعادة فهم عصر ومجتمع، بنية النظام السياسي وطريقة تفكيره وتفكير النخبة الثقافية، ولا نخرج من الكتاب إلا وقد عرفنا لماذا وكيف تخطت مجال الأدب لتصبح ورقة في الصراع السياسي والديني منذ صدورها مسلسلة في صحيفة الأهرام إلى اليوم!
دون مقدمة يبدأ الكتاب، كما تبدأ الروايات. الفصل الأول بعنوان «21 سبتمبر (أيلول) 1959» وهذا التاريخ هو اليوم الذي نشرت فيه الأهرام الحلقة الأولى من الرواية، ويبدأ الفصل هكذا:«انخفاض مفاجئ في درجات الحرارة، الجو أقرب إلى البرودة، والسحب الخريفية تغطي سماء القاهرة، الشيوعيون في سجن المحاريق بالواحات، بينما تتواصل الحملات الإعلامية ضدهم. لص مجهول يسطو على كرمة ابن هانئ، بيت الشاعر أحمد شوقي على نيل الجيزة. العناوين الرئيسية للصحف تتحدث عن مظاهرات حاشدة ضد عبد الكريم قاسم، بعد تنفيذ حكم الإعدام في عدد من قادة ثورة الشواف».
حملت صحافة ذلك اليوم الكثير من الأحداث الأخرى: الصورة الرئيسية لجمال عبد الناصر مع عبد الحكيم عامر بعد خطاب ألقاه في اليوم السابق بمدينة رشيد تحدث فيه عن الحرب مع الإنجليز والحرب على الإقطاع، وقد وزع ناصر في الاحتفال ذاته الماشية على الفلاحين وسلم جوائز مسابقة للقصة بعنوان «في سبيل الحرية» وقد قامت الصحف بواجبها في مهاجمة الكتاب الكبار لأنهم لم يتقدموا بنصوص للمسابقة!
كانت عناوين الصحف تتناول كذلك خطاب نيكيتا خروتشوف أمام الأمم المتحدة وتركز على مطالبته بإلغاء الجيوش والكليات العسكرية والاكتفاء بمجموعات صغيرة لحفظ الأمن الداخلي! وهناك كذلك حملة صحافية على «أتباع جيمس دين» وهم مجموعة من الشباب المعجبين بالممثل الأميركي (1931 - 1955) وقد جعلهم رحيله الفاجع يقلدون مظهره!
سنعرف كذلك ما كان يعرضه المسرح القومي في ذلك الوقت، وخبر انتهاء السنباطي من تلحين أغنية «الحب كده» التي ستفتتح بها أم كلثوم موسمها الغنائي.
يأخذنا السرد في فصول تالية لنعرف أن اللص الذي سرق فيلا أمير الشعراء، سيتابع أعمال السطو، ويصبح لغزاً أمنياً يهز المجتمع ويجذب نجيب محفوظ ليكتب رواية أخرى هي «اللص والكلاب».
يحكي شعير ما ذكره محفوظ عن اللحظة التي ألهمته كتابة «أولاد حارتنا» أما نشر المسلسل فقد كان مقرراً أن يكون في مجلة «الإذاعة والتلفزيون» ونشرت المجلة إعلانا يعد القراء بالرواية، لكنها لم تنشرها ونشرتها «الأهرام». ويتتبع الكاتب هذا التحول من خلال روايات الأطراف: الكاتب نفسه، حلمي سالم رئيس تحرير المجلة، ومحمد حسنين هيكل رئيس مجلس إدارة الأهرام، ومثلما انتقل مجد السبق الصحافي من مجلة محدودة التوزيع إلى الصحيفة الكبرى، انتقلت الرواية من مربع الاحتفاء إلى مربع الاتهام، وأصبحت محلاً للتقارير الدينية والسياسية والمكائد الأدبية التي لاحقتها ولم تزل!
لكن كيف بدأت المشكلات؟ حسب رواية محمد حسنين هيكل فقد كانت البداية رسائل من قراء غاضبين وصلت إلى الأهرام ورئاسة الجمهورية. رجاء النقاش، في كتابه الشهير الذي يعد بمثابة سيرة لمحفوظ، نسب إلى محفوظ قوله إن البداية كانت خبراً نشرته جريدة «الجمهورية» يلفت النظر إلى أن الرواية تتضمن تعريضاً بالأنبياء، وبعدها بدأت رسائل تحريض اشترك فيها أدباء للأسف. ويعود محفوظ في آخر حوار له مع عادل حمودة ونشرته «الأهرام» ليقول إن الرواية لم تكن لتتعرض لما تعرضت له لولا وشاية كاتب يساري في «الجمهورية» ربما كان أحمد عباس صالح أو سعد الدين وهبة. ولا يترك شعير الأمر لذاكرتي هيكل ومحفوظ فيواصل البحث عن البداية ليكتشف أن أول هجوم على الرواية خرج من مجلة «المصور» في رسالة من قارئ يدعى محمد أمين إلى باب «أدب وفن» الذي يحرره الشاعر صالح جودت. ويبحث شعير عن محمد أمين حسب العنوان المنشور على رسالته فيجد من يخبره بأن هذا العقار كان يسكنه شخص اسمه محمد الأمين لا علاقة له بالأدب. كان مصارعاً. هل كانت الرسالة مفبركة باسم الملاكم، مع قليل من التصرف في اسمه؟!
الضجة الصحافية ستتفاعل وتصبح جدلاً دينياً عنيفاً. وفي فصل بعنوان كيف يقرأ المشايخ الأدب يستقصي شعير رحلة الرواية في دهاليز الأزهر ولجانه، ومن حسن الحظ أن أديباً كان حاضراً بينهم، هو سليمان فياض الذي كان طالباً بالأزهر، وكان موعوداً من الشيخ محمد الغزالي بتعيينه إماماً لمسجد السيدة زينب، لكنه رفض هذا المكان الذي يدر مبالغ طائلة من صندوق النذور، موقع «تتقطع دونه الرقاب» بتعبير الغزالي. بالطبع فضَّل فياض الأدب، وصار كاتباً وشهادته حول الرواية مثيرة، فيها ما فيها عن الترصد وتكتلات المشايخ ضد الرواية!
يرجح شعير أن هيكل لم يكن ليمضي في نشر الرواية دون موافقة عبد الناصر، ويسأل سامي شرف إن كان ناصر قد قرأ المخطوط قبل النشر، فيجيبه إنه كان حريصاً على قراءة محفوظ لكنه لم يقرأ مخطوط أولاد حارتنا.
على أية حال، فقد تسببت الضجة المصاحبة والتالية للنشر المتسلسل في منع نشر الرواية داخل كتاب، حتى تلقى محفوظ عرض دار الآداب ببيروت التي نشرت أولاد حارتنا في ديسمبر (كانون الأول) عام 1967 نسخة مطابقة لما نشرته الأهرام مع حذف جمل قليلة. وفي رحلة بحثه عن المخطوط الأصلي للرواية، يصل شعير إلى شهادة فيليب ستيوارت أول مترجميها إلى الإنجليزية، الذي ترجم النص عن نص «الأهرام» كذلك، واستكمل من محفوظ بعض الكلمات التي سقطت في النشر الصحافي، وقال إن محفوظ أخبره بأنه لم يحتفظ بصورة من الأصل الذي سلمه للأهرام!
ويقول ستيوارت إن ترجمته للرواية التي أثارت كل هذا الضجيج لم توزع أكثر من 400 نسخة!
يضيق المجال عن تتبع مسارات السرد في الكتاب الذي يحمل عنوان «سيرة الرواية المحرمة» فإذا به يصبح سيرة جديدة لنجيب محفوظ ومن عاصر وما عاصر من سلاطين وملوك ورؤساء، ونكبة ونكسة ونصر وصلح... ومن الحجب إلى «نوبل» ومن «نوبل» إلى الطعنة في الرقبة. مسيرة تأتي على حكايات كتاب آخرين مع المنع والتكفير، حيث تبرز أسماء مثل فتحي غانم ونصر حامد أبو زيد.
هو الزمن الدائري بلا تقدم، زمن الاستبداد وأعوان الاستبداد، وفي الصف الأول من الأعوان أدباء ومشايخ!


مقالات ذات صلة

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

كتب دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً ...

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر

رشا أحمد (القاهرة)
كتب تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

يستعرض كتاب «الأدب الصيني بالعربية - الترجمة والتلقي والانتشار» للشاعر والكاتب علي عطا، الصادر عن دار «بيت الحكمة» بالقاهرة، أبرز خصائص الأدب الصيني الحديث

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً.

جيمس إس إيه كوري
ثقافة وفنون بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

تحمس النقاد لرواية «نادي بهجة الحظ»، الصادرة عن «دار الكرمة» بالقاهرة، للكاتبة الأميركية من أصل صيني إمي تان بشكل لافت حتى أنهم وصفوها بـ«القوية كالأسطورة»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
TT

إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور

بعد أربعين عاماً على صدور كتاب إدوارد سعيد «بعد السماء الأخيرة»، أحسنت فعلاً «دار الساقي» أن أعادت نشر ترجمته العربية في هذا الوقت بالذات، الذي تصبح فيه قراءة التاريخ بأعين حاذقة متفكرة، حاجة عربية. سعيد ليس مجرد كاتب يسرد الأحداث، بل هو مبدع متعمق في قضية فلسطين التي شغلته العمر كله. وفي هذا الكتاب يستجمع مهاراته كونه ناقداً، وعالماً ومحللاً، ليقدم نصاً يدمج بين الحدث التاريخي، والسيرة العائلية والذاتية. في الكتاب يأتي نص إدوارد سعيد (1935 - 2003) منسجماً ومتكاملاً مع صور السويسري جان مور التي التقطها بالأبيض والأسود، وهو يوثِّق الحياة اليومية الفلسطينية في بلادها والشتات. وقد وجد فيه سعيد، المصور الذي «رآنا كما لم يرنا أي شخص آخر». فالصور التي اختارها لنشرها في الكتاب تعيد الاعتبار للرواية الفلسطينية بتفاصيلها بعيداً عن فجاجة السردية السياسية. الناس عند ما يمارسون مهنهم، ينتظرون على قارعة الطريق، ينصرفون إلى فرح، يقطفون الزهر، يتأملون في جلسة استراحة. هكذا يعيد إلى شعب أغفلت إنسانيته نبض الحياة، ويعرّف به في انسجاميته مع محيطه الطبيعي.

شراكة الكاتب والمصوّر

الشراكة بين سعيد ومور ولدت عام 1983، أثناء مؤتمر للأمم المتحدة في جنيف، أراد له سعيد أن يقترن بعرض لصور مور. لكن الموافقة جاءت غريبة، وهو أن تبقى الصور من دون أي تعليق عليها. إجحاف، ومحاولة لطمس أي ذكر واضح لفلسطين، مما استفزَّ إدوارد سعيد واستدعى منه فيضاً من الكلام جاء في هذا الكتاب أشبه باستعادة لكل ما يجول في خاطره. حتى ليبدو للقارئ أن سعيد ينخرط في كتابة سيرته مندغمة بسيرة شعبه، وهو يعيد قراءة تجربته وتكوينه الشخصي، عبر فهم المسار الفلسطيني العام. «هو كتاب منفى» يقول سعيد، الذي يعبّر عن ألم ومرارة شديدين، بسبب الظروف التي عاشها منذ كان تلميذاً صغيراً، ورأى عائلته تعاني التهجير والضياع، حتى لنشعر أن كل النجاحات الأكاديمية والفكرية التي حصدها خلال مساره المهني، لم تكن قادرة على إسكات قلق الهوية الذي بقي يعانى منه طوال حياته.

فمنذ غادرت عائلته القدس عام 1947 وكان في الثانية عشرة من عمره، لم يعد سعيد إلى فلسطين إلا عام 1992 مع زوجته وولديه. يومها تمكَّن وبعد 45 عاماً، من زيارة أماكنه الأولى التي لم يعد فيها أحد من أقاربه. لكن بقي لديه شيء من أمل بسبب الانتفاضة التي كانت مشتعلة في تلك الفترة.

النكبة بداية الجحيم

العودة الكاملة للوطن، بقيت حلماً معلقاً، بينما المشهد كله يتغير، حتى ليبدو أن الماضي الذي يعرفه ينسف من جذوره. وهذا هو ما أحب أن يكتب عنه، ليس فقط ليسجل ما حدث، وإنما ليوضح كيف أن الفعل الأول، أي النكبة، جرَّت وراءها تاريخاً من التحولات العظمى، حيث سيصبح من المستحيل استعادة ما فقد. لهذا فإن الكتاب يزاوج بين الأحداث وانعكاساتها، ومسار سعيد وعائلته وحياتهم في المهاجر، وهي تتداخل بحيوات من هم في الصور المرافقة للكتاب. نشاهد البلدة القديمة في القدس، عمال مصنع للصابون في نابلس، نجار من عكا، أطفال يلعبون في مخيم البداوي اللبناني، وفلسطينيون في ميناء عكا، شخص يجلس على الرصيف في الناصرة، وآخرون في غزة. وجوه معروفة، وأخرى تكتسب أهميتها من قدرتها على شحذ الذكريات والأفكار في ذهن إدوارد سعيد، بصرف النظر عن جماليتها.

تتفرع الموضوعات في كل اتجاه. وهي تنطلق في بدء الكتاب من صورة التقطت في مخيم البداوي للاجئين الفلسطينيين في شمال لبنان، فيها عروسان يوم زفافهما يهمان بالصعود إلى سيارة مرسيدس قديمة، ومعهما عدد قليل من الأشخاص، وبقربهما ولدان يلعبان. ويعلِّق سعيد بعد شرح مطول: «لا يمكنني الوصول إلى الأشخاص الفعليين الذين تم تصويرهم إلا من خلال مصور أوروبي رآهم نيابة عني وأتخيل أنه بدوره تحدث اليهم، من خلال مترجم. ومع ذلك، فإن الشيء الوحيد الذي أعرفه على وجه اليقين هو أنهم عاملوه بأدب، ولكن كشخص جاء من قبل، أو ربما تصرف بتوجيه من أولئك الذين وضعوهم في مكانهم البائس هذا».

سرقة الأرض بالتدريج

إنها النكبة التي ولَّدت المصائب المتسلسلة. في تلك السنة المشؤومة لم يكن لليهود من أراضي فلسطين سوى 7 في المائة، لكنهم رغم ذلك، فرضوا وجودهم وطردوا أهل البلاد. وبالتدريج، وعبر السنين، سنُّوا القوانين التي جردت الفلسطينيين من حقوقهم، وأرغمت الكثيرين منهم على الهجرة، حتى فرغت الأرض منهم، ليحلِّ مكانهم غرباء، طامعون. خلال كل تلك الحقبات السوداء المتلاحقة، كان الفلسطينيون يتحولون إلى شتات مشرذم في بلدان مختلفة. يحاول الكاتب أن يعيد تجميع هذا البزل البشري المتشظي، متحدثاً عن صعوبة قصوى في إعادة بناء ما تفتت. يحكي قصص الفلسطينيين في الداخل، مساراتهم، معاناتهم. يروي ما يعرفه عن أعمامه وأولادهم ثم عائلة والدته، التي تركت فلسطين بعد أسرة والده بقليل، منهم من ذهب إلى مصر، وبعض آخر إلى الأردن. يتحدث عن الإرهاق، عن الصدمة التي رافقتهم، عن محاولات فهم ما سيكون عليه مستقبلهم وقد فقدوا بيوتهم وحاضرهم. عمة إدوارد التي وصلت إلى مصر تحوَّلت إلى دينامو، لا همّ لها سوى مساعدة اللاجئين الذين لم يجدوا من يُعنَى بهم. تمكنت من أن تكون همزة الوصل بين أغنياء الفلسطينيين النازحين وفقرائهم. يتحدث عنها وعن جهودها بإعجاب شديد لعلو إنجازاتها، التي بقي صداها يتردد طويلاً حتى خارج مصر.

كتابات كثيرة ومفعول ضئيل

رغم الكتابات الكثيرة عن الفلسطينيين فإنهم بقوا مجهولين، خاصة في الغرب. فالشعب الفلسطيني، لم يلق الكتابة التي توازي كثافة التجربة. «أننا أكثر هذراً وإثارة للمتاعب من أن نختصر بمجرد كوننا كتلة من اللاجئين البائسين». لهذا، ربما، لا بد من كتابات تجاري هذه الكينونة الصعبة والمركبة. وبما أن مهمة الكتاب هي محاولة الإحاطة بواقع معقد، لتجربة فريدة في اللجوء، كان لا بد من أشكال تعبيرية غير تقليدية تتوافق مع حالة هجينة ومتشظية.

يكاد سعيد لا يترك ناحية إلا ويتكلم عنها، البيوت الفلسطينية، المنتوجات الزراعية التي باتت تصدر باسم المحتلّ، الذكريات التي حملها معهم النازحون من بيوتهم من مفاتيح وتطريز وأقمشة، وتعلقهم بذاك التراث الذي يذكرهم ببلادهم، ووالده الذي تجنَّب هذه الرموز، حذراً من الحنين. يعود الكاتب إلى اللكنات الفلسطينية التي بقيت صامدة على الألسن وتطعمت بلهجات دول اللجوء. يُعرِّج على العادات التي ظلَّت راسخة رغم مرور الأيام. يذكرنا بالاضطرابات العائلية التي عاشتها الأسر بسبب التمزق والفرقة وصعوبة الالتقاء، هو الذي حرم لسنين من رؤية والدته التي أصرَّت على البقاء في بيروت في فترة الحرب الأهلية.

الاختزال والتقزيم

يسأله صديق له، لما يعنى بالفلسطينيين في هذا الزمن. «فمن يهتم بأولئك الذين يأكلون على الأرض بأيديهم؟» يزيد إصرار سعيد على إكمال كتابه هذا «بالتحديد، لأردّ على هذا النوع من الحماقات». كم هي صعبة الإحاطة بكل ما يتعلق بالفلسطينيين «لا يوجد إحصاء سكاني فلسطيني. لا يمكن رسم خطّ يصل فلسطينياً بآخر من دون أن يبدو أنه يتداخل مع المخططات السياسية لدولة أو لأخرى». هو مؤلف تجريبي لا يروي أحداثاً متسلسلة، ولا يشكل مقالاً سياسياً، بل يحاول أن يتلاءم وطبيعة الموضوع الذي يصعب القبض عليه كون الفلسطينيين الذين يتحدث عنهم بلا دولة، ولا مركز، مجموعات «مسلوبة». يقول: «حوصرنا في مساحات مصممة لاختزالنا أو تقزيمنا، ولطالما شُوِّهنا بسبب ضغوط وقوى كانت أكبر من طاقتنا».

رد الاعتبار بالكتابة

لا يخفي الكاتب أنه إنما يردُّ الاعتبار لشعبه على طريقته. فالمأساة بدأت قبل النكبة، التي دفعت بعائلته وأسر أخرى إلى المجهول. ثم جاءت النكسة عام 1967، ولا ينسى تجربة منظمة التحرير الفلسطينية. وفي الكتاب مقاطع طويلة عن بيروت التي بقدر ما يعرفها سعيد، اضطر أن يغيب عنها بسبب الحرب. يتحدث عن عذابات لبنان المتتابعة، عن عيوب أهله وطائفيتهم البغيضة، عن تجاربهم المريرة المتلاحقة، يعرج على بعض الكتاب الفلسطينيين مثل إميل حبيبي وجبرا إبراهيم جبرا ومحمود درويش الذي من ديوانه «ورد أقل» استعار اسم الكتاب وصدَّره بعبارة من قصيدة «تضيق بنا الأرض». حقاً لقد ضاقت الأرض بالشعب الفلسطيني!


«سر الأسرار» لدان براون بالعربية

«سر الأسرار» لدان براون بالعربية
TT

«سر الأسرار» لدان براون بالعربية

«سر الأسرار» لدان براون بالعربية

خلال رحلته برفقة العالمة المرموقة كاثرين سولومون التي دُعيت لإلقاء محاضرة في العاصمة التشيكية براغ، يجد العالم روبرت لانغدون نفسه في دوامة تخرج عن السيطرة حين تختفي كاثرين من غرفتهما في الفندق من دون أثر، فيضطر إلى مواجهة قوى مجهولة لاستعادة المرأة التي يحبها.

بهذه الحبكة البوليسية القائمة على التشويق، يعود مؤلف الإثارة والغموض الشهير دان براون إلى قرّائه حول العالم عبر رواية «سر الأسرار» الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة، ترجمة زينة إدريس، في نص ينتمي إلى الخيال العلمي، ويتسم بسرعة الإيقاع رغم ضخامته اللافتة؛ إذ يقع في 582 صفحة من القطع الكبير، موزعة على 138 فصلاً، بالإضافة إلى مقدمة وخاتمة.

تبرز الرواية خصوصية براغ كمدينة حضارية موغلة في القدم تزخر بالأساطير ويكتنفها الغموض، فعلى مدى ألفي عام تقاذفتها أمواج التاريخ فتركت في حجارتها صدى ما مضى من أحداث وتقلبات؛ إذ لم يكن لانغدون يدرك أن طيفاً من ماضي المدينة المظلم يراقبه عن كثب، غير أنه يجد نفسه مرغماً على الاستعانة بكل ما في جعبته من معارف غامضة لفك رموز ذلك العالم من حوله قبل أن تبتلعه هو الآخر دوامات الخداع والخيانة التي ابتلعت كاثرين.

يجد البطل، عالم الرموز في جامعة هارفارد، نفسه في مدينة سرية تختبئ في وضح النهار، مدينة احتفظت بأسرارها قروناً طويلة ولم تفصح عنها بسهولة، فتتحول النزهة البريئة ذات الطابع شبه السياحي إلى ما يشبه ساحة معركة لم يشهد لها أحد مثيلاً.

ودان براون هو مؤلف ثماني روايات تصدرت جميعها قوائم المبيعات، من بينها «شيفرة دافنشي» التي أصبحت من أكثر الكتب مبيعاً، إلى جانب روايات «الأصل» و«الجحيم» و«الرمز المفقود» و«ملائكة وشياطين».

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«لا بد أنني فارقت الحياة.. هذا ما فكرت فيه المرأة وهي تنجرف عالياً فوق أبراج المدينة القديمة، تحتها كانت أبراج كاتدرائية القديس فيتوس المتلألئة تشع وسط بحر من الأضواء البراقة. تتبعت بنظرها، هذا إذا كانت لا تزال تملك عينين، الانحدار بلطف نحو قلب العاصمة البوهيمية، هناك تمتد متاهة من الأزقة المتعرجة المغطاة ببساط من الثلج المتساقط حديثاً.

شعرت بالضياع وبذلت جهداً لتفهم ما حلّ بها، قالت في محاولة لتطمئن نفسها: أنا عالمة أعصاب وأتمتع بكامل قواي العقلية، غير أن هذا الادعاء الثاني بدا لها موضع شك، الأمر الوحيد الذي كانت الدكتورة بريغيتا غسنر واثقة منه أنها معلقة الآن فوق مسقط رأسها مدينة براغ، لم يكن جسدها معها بل كانت بلا كتلة ولا شكل ومع ذلك كانت بقية كيانها؛ أي ذاتها الحقيقية ووعيها، سليمة ومتقدة تنجرف ببطء في الهواء باتجاه نهر فلتافا.

لم تستطع غسنر أن تتذكر شيئاً من ماضيها القريب، باستثناء ذكرى باهتة من الألم الجسدي، لكن بدا لها الآن أن جسدها لا يتكون إلا من الهواء الذي تنساب عبره. كان الإحساس فريداً لم يسبق لها أن خبرته، وعلى الرغم من كل ما تعرفه بوصفها عالمة لم تجد لذلك سوى تفسير واحد: مت وأنا الآن في العالم الآخر!

لكنها سرعان ما رفضت هذه الفكرة، في الواقع بوصفها طبيبة كانت على دراية وثيقة بالموت؛ ففي كلية الطب وفي أثناء تشريح الأدمغة البشرية، فهمت غسنر أن كل ما يجعلنا ما نحن عليه؛ أي آمالنا ومخاوفنا وأحلامنا وذكرياتنا، ليس إلا مركبات كيميائية معلقة بشحنات كهربائية. وعندما يموت الإنسان ينقطع مصدر الطاقة في دماغه وتذوب تلك المركبات وتتحول إلى بركة سائلة بلا معنى، لكنها الآن تشعر بأنها حية تماماً».


الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية
TT

الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية ليستا توصيفين زمنيّين بقدر ما هما طريقتان في العيش داخل الزمان. ليست المسألة أن تكون الدولة قديمة أو حديثة، بل كيف تفهم نفسها، وكيف تُدير علاقتها بالماضي والحاضر والمستقبل. هناك دول تجعل الماضي مادةً للفهم، وتبني مشروعها على ما يمكن أن يكون، وهناك دول تجعل الماضي مرجعاً أعلى، وتعيد إنتاجه في الحاضر بوصفه معياراً للحكم.

يمكن أن نلاحظ هذا المعنى في تجارب مثل الولايات المتحدة الأميركية والمملكة العربية السعودية الجديدة. كلتاهما حديثة نسبياً من حيث التكوين السياسي، فأعمارهما تتراوح بين المائتين والثلاثمائة سنة، وهذا منح كل واحدة منهما خاصية مهمة، هي أن مشروع كلٍّ منهما لم يُبنَ على استعادة ماضٍ بعيد، بل على تأسيس معنى جديد للحاضر. لم يكن هناك ثقل تاريخي يفرض نفسه بوصفه مرجعاً نهائياً، بل كان المجال مفتوحاً لبناء الشرعية على الإنجاز، وعلى القدرة على التشكّل.

الدولة الحية لا تنكر تاريخها، لكنها لا تسكن فيه. تتعامل مع الماضي بوصفه خبرة قابلة للتحليل، وأنه ليس سردية ملزمة. لذلك تكون هويتها مرنة، وشرعيتها قائمة على الفعل، وليست على الذاكرة. وهي لهذا لا تخاف التغيير، لأن التغيير جزء من بنيتها.

في الجهة المقابلة، تبدأ المشكلة حين يتحول التاريخ إلى سلطة. عندها لا يعود الماضي مادة للفهم، بل يصبح معياراً يُقاس عليه كل شيء، فتتشكل بنية كاملة من التعثر تمتد عبر الاقتصاد والتعليم والإدارة والثقافة. تُدار الموارد بعقلية الحفظ والخوف لا بعقلية المبادرة، ويُعاد إنتاج المعرفة بدل توليدها، وتتقدم الاستمرارية على الكفاءة، ويُستبدل بالإبداع التمجيد. وهنا لا يكون الفشل حادثة عابرة، بل يكون نمطاً يتكرر عبر العقود، لأن المنطلق واحد، وهو رد الحاضر دائماً إلى نموذج سابق.

ومع هذا النمط تتشكل طبقة أعمق، طبقة الوعي. فالمشكلة لا تبقى في المؤسسات، بل تمتد إلى طريقة إدراك الناس للعالم وتصورهم لأنفسهم فيه. بينهم يتكون وعي يميل إلى الخطاب أكثر من الفعل، وتُروى الحكايات بلغة الانتصار الذي لم يقع، حتى في لحظات الفشل العميق، وتُضخَّم الوقائع الصغيرة لتؤدي وظيفة نفسية، لا معرفية.

ويظهر هنا نوع من التكيّف المفرط، قدرة عالية على الاحتمال، لكنها تنقلب أحياناً إلى قبول طويل بالأوضاع بدل السعي إلى تغييرها. يعرف الفرد في داخله أن هناك خللاً، لكنه يتعامل معه بازدواجية، فيُبقي هذا الإدراك في مستوى صامت، بينما يشارك في خطاب علني يخففه أو ينفيه.

هذا الانفصال لا يأتي من جهل، بل من آلية دفاع. فالصورة المثالية عن الذات تُصبح شرطاً نفسياً للاستمرار، ولذلك يُعاد إنتاجها باستمرار، حتى لو كانت لا تنسجم مع الواقع وحتى إن كان الناس يقتاتون على أكاذيب ويعيشون في أوهام. وهنا تتشكل بطولات رمزية، وتُستعاد أمجاد آلاف السنين، ويُعاد تفسير الأحداث الواقعية بحيث تحافظ على تماسك هذه الصورة.

وفي هذا السياق، يصبح الحس الفكاهي وخفة الظل أداة مزدوجة، يخفف الضغط من جهة، لكنه قد يتحول إلى وسيلة للهروب من المواجهة من جهة أخرى. ومع الوقت، يتشكل حسّ حساس تجاه النقد، لا لأنه غير صحيح، بل لأنه يُفهم بوصفه تهديداً للصورة الجمعية. فيُستعاض عن المساءلة بالتبرير، وتُفسَّر الإخفاقات بعوامل خارجية، أو يُعاد تأويلها بما يحفظ المعنى العام للسردية. هنا لا يكون الكذب فعلاً واعياً بالضرورة، بل بنية يعيش داخلها التاريخيون. يعرفون في قرارة أنفسهم أن هناك فجوة بين الواقع وما يُقال، لكنهم يستمرون في إعادة إنتاج هذا الخطاب، لأنه يمنحهم شعوراً بالتماسك. وهكذا يصبح الانفصال عن الواقع شرطاً نفسياً للاستقرار، لكنه في الوقت نفسه يُعمّق الأزمة.

ويضاف إلى ذلك أن هذا النمط يعيش على استعراض عمر الدولة الطويل بوصفه دليلاً على العظمة، مع أن معظم المواطنين تعساء، ومع أن هذا العمر لم يُترجم إلى قدرة فعلية على البناء. تُذكر آلاف السنين كما لو كانت إنجازاً قائماً، بينما الحاضر عاجز عن تحقيق أبسط ما تحققه دول أصغر سناً بكثير. تتكرر المقارنة في الخطاب لا في الواقع، ويُستدعى التاريخ لتعويض فجوة الإنجاز. ومع وفرة الموارد، يبقى العائد محدوداً، لأن المشكلة ليست في الإمكانات، بل في طريقة النظر إليها، حيث تُستهلك دون أن تتحول إلى مشروع منتج يغيّر ملامح الواقع.

أما الدولة الشابة الحية، فتسير في الاتجاه المعاكس. لا تحتاج إلى حماية صورة مثالية، لأنها لا تدّعي الاكتمال. تقبل بالنقص، وترى في الاعتراف بالخلل بداية للإصلاح. تبني شرعيتها على الفعل، لا على الحكايات والأساطير، ولا تسمح لذاكرتها بأن تتحول إلى معيار يحكم قراراتها اليومية. لهذا تظل قادرة على التغير، لأن وعيها مفتوح، لا مغلق. ولا تعيش داخل سردية جاهزة، بل تصنع سرديتها مع كل خطوة.

وفي النهاية، لا تنهار الدول لأنها فقيرة في تاريخها، بل لأنها تُخطئ النظر إلى واقعها. الدولة الحية ترى ما هو كائن، فتُحسِن التعامل معه، وتبني عليه ما يمكن أن يكون. أما الدولة التاريخية، فتُصرّ على أن ترى ما تتمنى، فتفقد القدرة على الفعل، وتكتفي بالتعويض الرمزي، والخطاب العالي، والبطولات المتخيَّلة. هنا لا يكون الماضي ذاكرةً تُعين على الفهم، بل يصبح عبئاً يُعطّل الحاضر، ويُغلق أفق المستقبل. لذلك، فمصير الدولة لا يُحسم في أرشيفها، بل في وعيها. ليس السؤال كم عاشت، بل كيف تعيش؟ هل تُقيم في العالم كما هو، أو في صورةٍ عنه تُرضي نرجسيتها؟ في هذا الاختيار الصامت، الذي لا يُعلن نفسه، يتقرر كل شيء.

* كاتب سعودي