الهجرة الفنزويلية على أبواب كارثة إنسانية

أكثر من 2.5 مليون نازح عبروا حدود دول الجوار منذ بداية الأزمة في 2014

الفيس كارييو يعبر حدود الاكوادور في طريقه الى البيرو مقصد مئات الآلاف من الفنزويليين بسبب اوضاعها الاقتصادية الجيدة (ا.ب.أ)
الفيس كارييو يعبر حدود الاكوادور في طريقه الى البيرو مقصد مئات الآلاف من الفنزويليين بسبب اوضاعها الاقتصادية الجيدة (ا.ب.أ)
TT

الهجرة الفنزويلية على أبواب كارثة إنسانية

الفيس كارييو يعبر حدود الاكوادور في طريقه الى البيرو مقصد مئات الآلاف من الفنزويليين بسبب اوضاعها الاقتصادية الجيدة (ا.ب.أ)
الفيس كارييو يعبر حدود الاكوادور في طريقه الى البيرو مقصد مئات الآلاف من الفنزويليين بسبب اوضاعها الاقتصادية الجيدة (ا.ب.أ)

عندما أطلقت الأمم المتحدة مطلع العام الماضي تحذيراً من أن الأزمة الفنزويلية على أبواب كارثة إنسانية قد لا تقلّ خطورة عن الأزمة السورية من حيث تدفّق اللاجئين إلى البلدان المجاورة وتدهور الظروف الصحيّة والاجتماعية، لم يكترث معظم المعنيين مباشرة بهذه الأزمة، وفي طليعتهم نظام الرئيس نيكولاس مادورو الذي استمرّ في تطويق المعارضة السياسية وقمعها، وإلقاء اللوم على الأطراف الخارجية التي لم يتوقّف عن اتهامها بتدبير المؤامرات لإسقاطه.
لكن التدهور السريع الذي شهدته الأزمة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في الدولة التي تنام على أكبر مخزون نفطي في العالم، حوّلها إلى أزمة إقليميّة ضاغطة في كل الاتجاهات، ودفع بالدول الكبرى في المنطقة، التي عجزت حتى الآن عن إقناع نظام كاراكاس بالحد من نزوعه التوتاليتاري وفتح قنوات الحوار السياسي مع المعارضة، إلى التداعي بسرعة من أجل معالجة كارثة تدفق اللاجئين التي تجاوزت قدراتها الاستيعابية.
وبدأت البيرو السبت تشديد إجراءات الدخول إلى أراضيها مشترطة على آلاف الفنزويليين الفارين من بلدهم الدخول إليها بجوازات سفر. وكانت البيرو أعلنت قبل أسبوع أنها لن تسمح سوى لحاملي جوازات السفر بدخول أراضيها اعتباراً من 25 أغسطس (آب).
ويعني القرار البيروفي إغلاق الباب في وجه عدد كبير من الفارين من فنزويلا، لأن الحصول على جواز سفر في هذا البلد أصبح أمراً معقداً ويحتاج إلى وقت طويل بسبب الأزمة الاقتصادية التي أدت إلى نقص في المواد الغذائية والأدوية وحتى الورق. وكان الفنزويليون لا يحتاجون لأكثر من هوياتهم.
واتخذت السلطات قراراً مماثلاً في الإكوادور التي تعاني من المشكلة نفسها وتشكل معبراً لهؤلاء المهاجرين الذين يريدون الوصول إلى البيرو وتشيلي والأرجنتين. وكانت حافلات المهاجرين التي وضعتها سلطات الإكوادور المجاورة بتصرفهم تتوجه إلى حدود البيرو في سباق حقيقي مع الزمن. وهؤلاء كانوا قد عبروا كولومبيا وفي طريقهم إلى البيرو التي تعد من الاقتصادات الأكثر حيوية في المنطقة. وقال وزير الداخلية الإكوادوري ماورو توسكانيني، كما نقلت عنه الصحافة الفرنسية، إن «35 حافلة تعبر حالياً الممر الإنساني وسنواصل العملية طالما بقي ذلك ممكناً».
آخر الإحصاءات تفيد بأن أكثر من مليوني ونصف المليون نازح فنزويلي قد عبروا الحدود إلى كولومبيا والبرازيل والمكسيك والأرجنتين والإكوادور والبيرو وكوستاريكا وتشيلي منذ بداية الأزمة عام 2014، وإن أكثر من نصفهم خرج من فنزويلا في الأشهر الستة الأخيرة، مما أدّى إلى وقوع أعمال عنف وظهور مواقف عنصرية في البلدان التي وصلت إليها دفعات كبيرة من اللاجئين الذين ضاقت بهم سبل العيش داخل فنزويلا التي تعاني منذ عامين من نقص حاد في المواد الغذائية الأساسية والأدوية والخدمات الأوليّة.
ويقول ناطق بلسان مجموعة ليما (عاصمة البيرو) التي تضمّ البلدان التي تداعت لإيجاد مخرج سياسي للأزمة الفنزويلية بعد فشل منظمة البلدان الأميركية: «إن الأوضاع قد بلغت من الخطورة على الصعيدين الإنساني والأمني ما يقتضي التحرّك بسرعة وبشكل منسّق بين كل الدول المعنية منعاً لخروج الأزمة عن السيطرة».
وتتوقع البيرو التي تسجل معدل نمو اقتصادياً يُعدّ من الأعلى في المنطقة، استقبال مائة ألف لاجئ فنزويلي في الأسابيع المقبلة، ما سيرفع عددهم الإجمالي إلى 500 ألف.
وكان مركز أغواس فيرديس الحدودي الذي يعبره نحو مائتي مسافر عادة، يواجه صعوبة مع تدفق الأعداد الكبيرة للفنزويليين بما يفوق طاقته.
وقالت كارولينا فيلاندريا (36 عاماً) التي كانت تدير سوبر ماركت ووصلت برفقة أولادها الأربعة الذين تتراوح أعمارهم بين عام واحد و15 سنة، لوكالة الصحافة الفرنسية إن «الأطفال تعبوا ويشعرون بدوار لأن الرحلة كانت معقدة».
أما الأطفال الصغار فكانوا فرحين ببالونات قدمها لهم الموظفون البيروفيون.
وتُعتبر كولومبيا المقياس الذي يُستدلّ به على خطورة الأزمة الفنزويلية، إذ دخلها حتى الآن نحو مليون نازح، معظمهم عبر المرافق الرسمية للعبور. لكن نحو خمسين ألفاً منهم دخلوا بصورة غير قانونية عبر الحدود المشتركة التي يزيد طولها عن 2000 كيلومتر، وتواجه السلطات الكولومبية صعوبة في مراقبتهم والتعاطي معهم.
ومما يزيد من خطورة أزمة اللاجئين الذين يتدفقون على كولومبيا، أن المناطق الحدودية ما زال معظمها يخضع لسيطرة الجماعات المسلحة التي تتاجر بالمخدرات والأسلحة والمحروقات والأخشاب، وهي تعاني أساساً من نقص حاد في الخدمات الصحية والاجتماعية.
وتسعى الحكومة الكولومبية الجديدة، بالتنسيق مع المكسيك والأرجنتين، إلى إشراك الأمم المتحدة، عبر مفوضّية اللاجئين والمنظمة الدولية للمهاجرين، في معالجة الأزمة التي تهدد بتداعيات خطيرة في دول الجوار، كما تسعى البرازيل إلى طلب مساعدة الاتحاد الأوروبي والدول الآسيوية. لكن يحذّر مراقبون من أن تصعيد الضغط على نظام مادورو، خصوصاً بعد جموح نسبة التضخم والأزمة النقدية، من شأنه أن يفاقم الوضع نظراً لضعف المعارضة وتشتتها والانقسامات الحادة بين أطيافها، وعدم وجود قيادة واضحة بين صفوفها، مما يحول دون أن تُثمر الجهود والضغوط الدولية.
ويقول خواكين فيّالوبوس، وهو قائد ثوري سابق في السلفادور ويرأس حاليّاً مركزاً لتسوية النزاعات «لقد أصبح مادورو يشكّل تهديداً استراتيجيّاً على المنطقة..والوضع في فنزويلا يشبه الوضع في كوبا خلال الأزمات السابقة، لكن كوبا جزيرة وليس بإمكان النظام أن يطرد الملايين إلى الخارج كما يفعل النظام في كاراكاس».
وفي الداخل الفنزويلي، الذي تحوّل إلى «سجن في الهواء الطلق»، كما قال أحد المعارضين، أدّت أزمة النزوح إلى ازدهار المافيات التي تتاجر بجوازات السفر، بعد أن فرضت معظم حكومات البلدان المجاورة على المواطنين الفنزويليين حيازة الجوازات كشرط للسماح لهم بدخول أراضيها. ورغم اعتراف وزير الداخلية بنشاط هذه المافيات وعزله رئيس الإدارة المسؤولة عن إصدار الجوازات، ما زالت هذه تباع في السوق السوداء بأسعار وصلت إلى خمسة آلاف دولار. وتشهد فنزويلا أزمة اقتصادية خانقة. فالتضخم يمكن أن يبلغ مليوناً في المائة في 2018 حسب تقديرات صندوق النقد الدولي وإجمالي الناتج الداخلي سيتراجع بنسبة 18 في المائة.

الأمم المتحدة تشكل خلية أزمة إقليمية
- ستشكل الأمم المتحدة خلية أزمة إقليمية في مواجهة ظاهرة الهجرة الفنزويلية, كما أعلن الجمعة ستيفان دوجاريك الناطق باسم الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش.
وفي بيان مشترك، دعا المفوض السامي للأمم المتحدة للاجئين فيليبو غراندي والمدير العام لمنظمة الهجرة الدولية ويليام لاسي سوينغ الأسرة الدولية إلى تقديم دعم متزايد مع «ارتفاع حجم النزوح» وعبَّرا عن «قلقهما من أحداث كثيرة وقعت أخيراً وطالت اللاجئين والمهاجرين القادمين من فنزويلا».
وذكرت هاتان الوكالتان التابعتان للأمم المتحدة خصوصاً الشروط الجديدة لتقديم جوازات سفر والدخول إلى البيرو والإكوادور والتعديلات التي أدخلت على شروط منح إقامة مؤقتة للفنزويليين في البيرو. لكن وزير الداخلية البيروفي ماورو ميدينا قال: «لا أحد يتحدث عن إغلاق الحدود والأمر يتعلق بممارسة رقابة أفضل على الهجرة لأسباب أمنية»، مشيراً إلى أن «ثمانين في المائة من الفنزويليين الذين يصلون إلى البيرو لديهم جوازات سفر».



هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.