تونس: بين «حوار الطرشان»... و«ورقة التوت» الأخيرة

مشهد سياسي جديد بعد خلافات حول قانون الإرث

تونس: بين «حوار الطرشان»... و«ورقة التوت» الأخيرة
TT

تونس: بين «حوار الطرشان»... و«ورقة التوت» الأخيرة

تونس: بين «حوار الطرشان»... و«ورقة التوت» الأخيرة

صرّح رضا بالحاج، الوزير السابق والقيادي البارز في حزب «نداء تونس» الذي أسسه رئيس الجمهورية التونسي الباجي قائد السبسي، ويعد أحد أكبر حزبين ممثلين في البرلمان، بجانب حزب «حركة النهضة» الإسلامي، بأن من بين نتائج هذا الصراع السياسي الجديد في تونس حول قانون الأحوال الشخصية المثير للجدل منذ 1956، إعادة تشكيل المشهد السياسي بين قوتين: واحدة تتمسّك بالصبغة المدنية للدولة - أي العلمانية - وبالقوانين الوضعية، والثانية تتمسك بالأحكام الفقهية وتطبيق الشريعة الإسلامية، رغم مصادقتها على دستور يناير (كانون الثاني) 2014 الذي كانت مرجعياته المواثيق الأممية والقوانين الدولية. وتابع أنه بحكم تعمق الخلافات داخل العلمانيين والليبراليين واليساريين من المتوقع بالنسبة لصناع القرار في عدد من مؤسسات الحكم والأحزاب القريبة منها، أن تؤدي هذه المواجهة الجديدة مع أنصار تطبيق الشريعة الإسلامية إلى تشكيل جبهة معارضة للتيار الإسلامي يمكن توظيفها في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية العام المقبل.
وفي السياق نفسه، اتهم الإعلامي والجامعي عبد السلام الزبيدي قيادات في حزب «نداء تونس» وداخل مؤسسات الحكم بمحاولة تغيير المشهد السياسي لصالح حزبهم، مع إحراج قيادات «حركة النهضة» بشكل غير مسبوق، وتخييرهم بين أمرين؛ أحلاهما مرّ: فإما تقديم مزيد من التنازلات لصالح التيار العلماني، وبذا يخسرون مزيداً من ناخبيهم، أو الاصطفاف مع المحافظين المعارضين للاجتهاد والتجديد وللحداثة والمشروع المجتمعي التحرّري وفصول الدستور التي تؤكد على الصبغة المدنية للدولة.
تفجّرت في تونس أخيراً عاصفة سياسية إعلامية جديدة بمناسبة الإعلان عن مشروع رئاسي سوف يعرض على البرلمان بهدف تقنين المساواة الكاملة بين الجنسين، بما في ذلك في الميراث.
وتزامنت هذه العاصفة مع الكشف عن مقترحات مثيرة للجدل، قدمتها إلى رئاسة الجمهورية «لجنة الحقوق الفردية والمساواة»، وهي لجنة من الحقوقيين والجامعيين الليبراليين واليساريين، وتشمل المقترحات إلغاء عقوبة الإعدام وعقوبات اللواط والزنا، ومنع كل المضايقات والعقوبات للمثليين. ولئن نجحت هذه العاصفة في تخفيف حدة الأزمة السياسية والاجتماعية، التي تمر بها تونس منذ سنوات، فإنها أقحمت البلاد في أجواء حملة انتخابية سابقة لأوانها تأهباً لانتخابات العام المقبل الرئاسية والبرلمانية.
وإذ يبرّر الرئيس التونسي وأنصاره مبادرتهم بتأويل لبنود الدستور التي تؤكد على المساواة وعلى مدنية الدولة والقانون، فإن خصومهم يطالبونهم باحترام مرجعيّاتهم الفقهية الإسلامية والفصل الأول من الدستور الذي نصّ على كون الدولة التونسية جمهورية مستقلة، الإسلام دينها، والعربية لغتها.
فهل تتطور علاقات حزب الرئيس، حزب «نداء تونس»، بشركائه الإسلاميين في الحكومة منذ 2014 بزعامة راشد الغنوشي نحو القطيعة والصدام، أم ينجح زعماء الحزبين الكبيرين «النداء» و«النهضة» مجدّداً مرة أخرى في احتواء الأزمة، وتجميد التناقضات الثانوية، وإنجاز توافق سياسي جديد حفاظاً على الوحدة الوطنية وعلى مسار الانتقال الديمقراطي، ولو كان الثمن التنازل عن «ورقة التوت» الأخيرة في حلبة الكيد والابتزاز السياسيين.

فرصة لإضعاف الإسلاميين
تصريحات عدد من البرلمانيين والسياسيين والقياديين في أحزاب ليبرالية ويسارية، مثل المحامي أحمد صديق، ترى أن موافقة الرئيس الباجي قائد السبسي على مبدأ المساواة الكاملة في الإرث بين الذكر والأنثى «فرصة لإضعاف أنصار التيارات الإسلامية السياسية» في تونس، بدءاً من حزب «حركة النهضة» الذي فاز بالمرتبة الأولى في الانتخابات البلدية في مايو (أيار) الماضي، وأصبح صاحب الكتلة الأولى في البرلمان نتيجة انقسام نواب الحزب الحاكم. وراهناً تمارس قيادات «الجبهة الشعبية» (أقوى قوى اليسار) بزعامة حمّة الهمّامي وزياد الأخضر والجيلاني الهمّامي ضغوطاً على رئاسة الجمهورية من أجل الموافقة على كل مقترحات تقرير «لجنة المساواة والحريات»، ورفض تقديم أي تنازلات لممثلي التيار الإسلامي.

مظاهرات ومظاهرات مضادة
من ناحية ثانية، لم تقتصر الصراعات الفكرية والسياسية العنيفة بسبب تناقض المواقف من تطبيق الشريعة الإسلامية، ومشروع قانون الإرث، على المنابر الإعلامية، بل تطوّرت إلى مسيرات ومظاهرات نظمت في شوارع العاصمة تونس وعدد من مدن البلاد بمشاركة آلاف النشطاء والسياسيين من الجانبين. واتسمت المظاهرة التي نظمت يوم السبت 11 أغسطس (آب) أمام مبنى البرلمان بمشاركة العشرات من أئمة المساجد وأساتذة التشريع والفقه الإسلامي في جامعة الزيتونة. وفي المقابل تميّزت المظاهرة التي نظّمت لمساندة مشروع قانون الإرث، بل وكل تقرير «لجنة الحريات الفردية والمساواة» بمشاركة ناشطات نسائيات وزعماء من الأحزاب اليسارية الراديكالية مثل حمّه الهمامي زعيم «الجبهة الشعبية» التي تضم اليوم 15 حزباً يسارياً وقومياً.
ولقد تجاوزت كلمات بعض الخطباء في المظاهرات «الخطوط الحمراء»، بما في ذلك من حيث النيل من كرامة رئيس الجمهورية قائد السبسي وزعيم «حركة النهضة» الغنوشي وأعضاء «لجنة الحريات الفردية والمساواة». وبلغت التهجّمات أقصاها ضد رئيسة «اللجنة» بشرى بالحاج حميدة، الحقوقية اليسارية والرئيسة السابقة لجمعية «النساء الديمقراطيات».
كذلك رُفعت خلال تحرّكات الجانبين، الإسلامي والليبرالي - اليساري، شعارات تكفير وتخوين متبادلة، إلى درجة أن الجامعي والحقوقي زهير بن يوسف اعتبر في تعليق له أن «تونس تعاني حالياً من استقطاب جديد بين علمانيين متطرفين، ومتديّنين متشدّدين ومحافظين». ورأى بن يوسف أن بعض زعماء التيارين العلماني والإسلامي «أصبحوا يريدون فرض أفكارهم بالقوة ويرفضون الحوار حولها».

رفع أعلام المثليين... لأول مرة
وفي السياق ذاته، بين ما زاد الأزمة تعقيداً وتسبب في خلط الأوراق أكثر، رفع أعلام المثليين جنسياً ويافطاتهم في مظاهرة مساندة لفرض المساواة الكاملة بين الجنسين يوم 13 أغسطس في قلب تونس العاصمة بمناسبة مظاهرات «عيد المرأة والأسرة». ولقد شاركت في المظاهرة نفسها ناشطات ونشطاء من جمعية «شمس»، وهي منظمة تونسية قانونية تدافع منذ سنتين عمّا تعتبره «حقوقاً» للمثليين جنسياً وغيرهم في تونس. وكانت من أبرز شعارات هؤلاء دعم توصيات تقرير «لجنة الحريات الفردية والمساواة»، ومن بينها تعديل القانون الجزائي التونسي بهدف إلغاء العقوبات التي تفرض على الموقوفين بسبب إقامة علاقات جنسية غير شرعية خارج مؤسسة الزواج بما فيها اللواط والسحاق والزنا.

«أجندات» استعمارية؟!
هذا، وعلى الرغم من أن خطاب رئيس الجمهورية - وكذلك تصريحات غالبية الرسميين التونسيين - لم تتعرض لهذه القضايا الخلافية، فقد ركز عليها معارضوها عليها، وشنوا حملات إعلامية واسعة في المواقع الاجتماعية والمساجد على الرئيس التونسي وأنصاره، واتهموهم بالانحراف والشذوذ وتبرير اللواط والزنا وبـ«تطبيق أجندات استعمارية غربية تريد فرض مفهوم جديد لحقوق الإنسان والنساء يسمح للشواذ جنسياً بإبرام عقود زواج في بلد عربي مسلم»، مثلما جاء على لسان عالم الاجتماع والكاتب المخضرم أبو يعرب المرزوقي.
وحقاً، ما يستحق الإشارة في هذا الإطار، أن تونس تشهد تصعيداً خطيراً للاتهامات بالخيانة الوطنية والولاء للاستعمار والسفارات الأجنبية. ووُجّهت هذه الاتهامات بالخصوص إلى رموز التيارات العلمانية وروّاد هذه المبادرة التي تدعو إلى قدر أكبر من الحريات والمساواة بين النساء والرجال من منظور مدني مرجعياته القانون الدولي، وبينهم، بجانب المحامية بشرى بالحاج حميدة، عبد المجيد الشرفي مدير عام «مؤسسة بيت الحكمة» في قرطاج والخبير في علم الأديان المقارن، والكاتب صلاح الدين الجورشي. ولقد وصف عدد من الأساتذة الجامعيين وخطباء المساجد، بينهم الوزير السابق نور الدين الخادمي والجامعي إلياس دردور، مقترحات «اللجنة» التي تبنتها المبادرة الرئاسية بـ«مبادرة الفتنة»، وحمّلوا أصحابها وكذلك رئاسة الجمهورية مسؤولية ردود الفعل التي قد تصدر بسببها.

حوار طرشان
في ضوء هذا الوضع، تجد تونس نفسها من جديد ضحية تيارين سياسيين اجتماعيين متضادين تورطا فيما يصح وصفه بـ«حوار طرشان». التيار الأول يعتبر نفسه حداثياً ومناصراً للحريات، والتيار الثاني يصف نفسه بتيار الدفاع عن الهوية الثقافية والحضارية للشعب والبلاد، ويتهم خصومه بمحاولة تمرير قوانين غريبة على دينها وثقافتها وهويتها وتقاليدها.
وبالتالي، تعيد هذه الأجواء إلى ذاكرة المراقبين انقطاع حبل التفاهم وأجواء التوتر والقطيعة عامي 2013 و2014، عندما دُفع التونسيون نحو الاصطفاف حول أحد قطبين متناقضين: الأول تزعمه الرئيس التونسي الحالي الباجي قائد السبسي ومعه ثلة من رجال الأعمال والنقابيين وزعماء قوى اليسار التونسي. واعتبر أولئك الذين اصطفوا في هذا الجانب أنفسهم حداثيين، وعارضوا حكومة «حركة النهضة» وحلفائها إلى أن نجحوا في إسقاطها. أما القطب الثاني فتزعمه أنصار تيار الهوية العربية الإسلامية بزعامة راشد الغنوشي زعيم «حركة النهضة» والرئيس السابق المنصف المرزوقي ورئيس البرلمان الانتقالي مصطفى بن جعفر. وعلى غرار ما حصل قبل انتخابات 2014 تعمّقت القطيعة بين النخب الثقافية والسياسية والنقابية. وكانت النتيجة «حوار طرشان» آخر بين النخب في وسائل الإعلام، وبين ملايين النشطاء المحافظين والليبراليين في «المواقع الاجتماعية».

رسالة الزعيم التاريخي... والمصلح
في الأثناء كان رد الرئيس التونسي قائد السبسي في خطاب «عيد المرأة والأسرة» يوم الاثنين 13 أغسطس حازماً. وتصرّف خلاله من موقع مَن يعتبر نفسه زعيماً تاريخياً ومصلحاً كبيراً، على غرار الرئيس الحبيب بورقيبة - مؤسس الدولة التونسية الحديثة ما بين 1955 و1987 - الذي كان قائد السبسي عمل تحت إمرته أكثر من عشرين سنة في مواقع عليا بالدولة، بينها توليه حقائب وزارات الداخلية والدفاع والخارجية.
الرئيس التونسي رفض الانتقادات الموجهة إليه وإلى «لجنة الحريات الفردية والمساواة» التي شكلها. ومن ثمّ، ذكّر معارضيه بكون الدولة التونسية الحديثة، بقيادة الحبيب بورقيبة، اختارت أن يكون قانون الأحوال الشخصية أوَّلَ قانونٍ تُبادرُ به، قبل إعلان الجمهورية في 25 يوليو (تموز) 1957 وإصدار دستور الجمهورية الأولى في غرة يونيو (حزيران) 1959، ويومذاك، قامت «تونس بورقيبة» بتلك الخطوة رغم اعتراضات ثلة من علماء جامع الزيتونة وعدد كبير من مشايخ الأزهر والفقهاء في العالم الإسلامي.

الفصل بين الشأنين الديني والسياسي
ورداً على الانتقادات القوية التي وجّهها رموز التيارات الدينية وعدد من خطباء المساجد إلى المبادرة الرئاسية، التي وصفوها بمخالفة العرف وتقاليد المجتمع التونسي ومرجعياته الشرعية، تمسك الرئيس قائد السبسي، في كلمة توجه بها إلى الشعب، بالفصل الثاني من الدستور التونسي، الذي نصَّ بوضوح على الصبغة المدنية للدولة والقوانين، إذ جـاء فيه النص: «تونس دولة مدنية، تقوم على المواطنة، وإرادة الشعب وعلوية القانون».
واعتبر قائد السبسي هذا الفصل الجديد أهم إصلاح وتجديد في دستور 2014 مُقارنة بدستور 1959. ذلك أنه يؤكد على الطابع المدني للدولة، بما يعنيه ذلك من أن النظام القانوني التونسي هو نظام مدني وضعي وليس دينياً.

المسكوت عنه... وخلافه
إزاء هذه التطورات المتلاحقة وخلفياتها الجدية، من الطبيعي أن يتساءل راصدو مؤشرات الحركة السياسية في تونس عن الكيفية المحتملة للخروج من هذا المأزق بالنسبة لكبار اللاعبين السياسيين في تونس، بما يضمن تنظيم الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في موعدها موفى العام المقبل؟
ثمة مَن يقول: إن غالبية القوى السياسية والبرلمانية أدركت جيداً أن من بين أهداف العاصفة السياسية والإعلامية الحالية إضعاف حزب «حركة النهضة» الذي تزايد دوره السياسي داخل تونس وفي محيطها الإقليمي.
ذلك أنه في أعقاب نجاح قيادة «حركة النهضة» في تعطيل محاولات قيادات في «نداء تونس» ونقابات العمال ورجال الأعمال الإطاحة بـ«حكومة الوحدة الوطنية» برئاسة يوسف الشاهد، قد يبدأ المنعرج بمفاوضات جديدة في قصر قرطاج الرئاسي تشمل قيادات النقابات والأحزاب الكبرى، وتؤدي إلى توافقات سياسية علنية وأخرى سرّية حول المشهد السياسي لمرحلة ما بعد العودة البرلمانية والمدرسية والجامعية. وتالياً، تبرز تساؤلات مبرّرة، مثل هل تتابع حكومة يوسف الشاهد مهامها؟ أم تشكل حكومة تكنوقراط جديدة - من غير السياسيين الحزبيين - تكون مهمتها الإشراف على التحضيرات للانتخابات في العام المقبل، وقد يكون الشاهد نفسه من بين أبرز المرشحين فيها؟
مؤشرات عديدة ترجح فرضية تدخل الزعماء للسياسيين لتدارك الأمر قبل فوات الأوان. وهنا نشير إلى أنه صدرت أخيراً عن البرلماني عماد الخميري، الناطق الرسمي باسم «حركة النهضة»، والوزير السابق لطفي زيتون المستشار السياسي لرئاسة «حركة النهضة»، ورئيس المكتب السياسي لـ«الحركة» نور الدين العرباوي، تصريحات عن إمكانية خوض جولة جديدة من الحوار بين رموز الدولة وقيادات النقابات والأحزاب. ووفق التصريحات قد يكون في رأس أهداف هذه الجولة الحوارية العمل على تجنب استدراج الشباب المتدين من جهة... وخصومهم من العلمانيين الليبراليين واليساريين من جهة ثانية، نحو مواجهات غير مأمونة العواقب، من شأنها، حتماً، تهديد إنجازات رموز التجديد الفكري والديني التونسي الحداثي وإضافات المصلحين الوطنيين خلال مرحلة الكفاح ضد الاستعمار المباشر وبناء الدولة الحديثة خلال السنوات الستين الماضية.

محطات تونسية سابقة في القوانين المنحازة للمرأة
- اختارت تونس أن تمنح للبنت حق إرث والدها باستعمال تقنية «الرّد» و«إزالة قاعدة الحجب» منذ قانون صدر في 1959.
- مسيرة «الإصلاح الفكري والتجديد الديني» في تونس الحديثة بدأت منذ انطلاق الإصلاح السياسي في 10 سبتمبر (أيلول) 1857 بإعلان «عهد الأمان» الذي منح حقوقاً بالجملة لغير المسلمين، ثم دستور 26 أبريل (نيسان) 1861 الذي كان أول دستور عربي.
- دستور الاستقلال الصادر في غرة يونيو (حزيران) 1959 منح حقوقاً بالجملة للمرأة والأسرة.
- بالتوازي مع الإصلاح السياسي، كانت هناك محطات للإصلاح الاجتماعي أيضاً، من ذلك إلغاء العبودية في 26 يناير (كانون الثاني) 1846، وإصدار «مجلة الأحوال الشخصية» في 13 أغسطس (آب) 1956 التي يعتبرها كثيرون أهم إصلاحٍ اجتماعي حدث في القرن العشرين في تونس. إذ وضعت المرأة في صُلْبِ تغيير المجتمع التونسي بأن حررتها وحفظت كرامتها ومكّنتها من الحق في الاختيار الشخصي، ومن ذلك حرية اختيار القرين التي تدعَّمت بإلغاءِ ما عُرِف بمنشور 73 في 8 سبتمبر2017.
- تَدَعَّمَت المكاسب السياسية للمرأة التونسية بإقرار التناصف العمودي والأفقي في القانون الانتخابي التونسي منذ 2011.
- دستور الثورة التونسية الجديد المصادق عليه في 26 يناير 2014 كان واضحاً وصريحاً في تنصيصه على المساواة في الحقوق والواجبات بين التونسيات والتونسيين توطئةً وفصولاً. إذ نَصَّت «التوطئة» على العزم على إقامة نظام «تضمن فيه الدولة علوية القانون واحترام حقوق الإنسان (....) والمساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين والمواطنات». كذلك جاء في الفصل 21 منه: «المواطنون والمواطنات متساوون في الحقوق والواجبات، وهم سواءٌ أمام القانون من غير تمييز». إذ إن الأصل هو المساواة على قاعدة المواطنة والانتماء للدولة من دون تمييز بمقتضى الجنس أو العرق أو اللون أو الدين.



الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
TT

الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)

آخر ما كانت موسكو ترغب فيه بينما تقترب من فرض صفقة مرضية مع واشنطن حول أوكرانيا والعلاقة الصعبة مع أوروبا، أن ينفجر «برميل بارود» في الشرق الأوسط، فيبدل الأولويات، ويخلط التوازنات والتحالفات. موسكو كانت قد سعت جاهدة إلى تجنّب خيار الحرب على أبرز شركائها الاستراتيجيين، فقدّمت عروضاً كثيرة للوساطة جرى تجاهلها تماماً. ثم عندما انفجر الصراع وجدت نفسها أمام واقع يؤكّد تراجع فرصها للتأثير على مساره وتداعياته المحتملة ليس فقط على إيران، بل وعلى كل الملفات المرتبطة بالعلاقة مع واشنطن، ومع المحيط الإقليمي الذي ازداد مشهده تعقيداً. اليوم يبدو أن خيارات الكرملين الرئيسية تنحصر في تجنّب الانزلاق في المواجهة القائمة، ورصد ارتداداتها في الفضاء القريب. ومن ثم محاولة استجلاء الفرص التي توفّرها المواجهة، بالأخص، على صعيد اتساع الهوة بين واشنطن والعواصم الأوروبية، و«دق الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي. ومن جهة ثانية، رصد التهديدات الجديدة التي برزت، لا سيما، في منطقتي حوض قزوين وجنوب القوقاز حيث ترسم ملامح توازنات جديدة.

عبارةُ الناطق الرئاسي الروسي، ديميتري بيسكوف «لا يجرؤ عاقلٌ على التنبؤ بكيفية تطور الوضع في الشرق الأوسط، لكن من الواضح أن الأمور تسير نحو الأسوأ» قد تَختصر الموقفَ الحالي، بالنسبة إلى موسكو، التي سعت طويلاً إلى تجنّب هذه الحرب، ووجدت نفسها عاجزة عن كبح جماح تطوراتها.

توسّع الحرب

منذ البداية، راوحت التقديرات الروسية عند عنصرَين أساسيين: أولهما استحالة تقويض النظام الإيراني عبر ضربات جوّية مهما بلغ حجمها وتأثيرها؛ ما يعني أن إنهاء الحرب لن يكون يسيراً من دون تدخل برّي مباشر يبدو مُكلفاً جداً للطرفين المهاجمين.

وثانيهما أن «سيناريو» وقف الأعمال العدائية سيكون مماثلاً لنتيجة «حرب الأيام الـ12» في العام الماضي. بمعنى أن كل طرف سيعلن «إنجاز الأهداف» ولكن من دون تحقيق الغايات النهائية المرجوّة، خصوصاً بالنسبة إلى الجانب الإسرائيلي، الذي لا يُخفي سعيه إلى تفكيك النظام في إيران وإنهاء وجوده.

وهذا «السيناريو» كان يصب في مصلحة الكرملين، حتى لو أسفر عن خروج إيران من الحرب منهكة وضعيفة، ولكن متماسكة وموحّدة تحت سقف قيادتها.

وعلى الرغم من التوقعات المتشائمة حالياً بشأن إمكان توسيع الرقعة الجغرافية للحرب، فإن موسكو ما زالت ترى أن طهران نجحت، حتى الآن، في امتصاص الضربة الأولى القوية للغاية. ومن ثم، حوّلت الحرب إلى مواجهة تستنزف طاقات المهاجمين وقدراتهم، مع التعويل على التطورات الداخلية المحتملة في معسكرَي واشنطن وتل أبيب، بالذات، لجهة تحرّك الأطراف المناهضة للحرب. ويضاف إلى ذلك تفاقم التباين في المواقف مع الأوروبيين وأطراف أخرى متضرِّرة من استمرار الصراع.

الرهان الروسي على قدرة إيران على الصمود برز من خلال تأكيد الكرملين المتكرر أن «العمليات العسكرية ضد إيران أدت إلى مزيد من التلاحم بين الشعب الإيراني حول قيادة البلاد». وأيضاً من خلال التأكيد على أن استمرار استهداف القيادات السياسية الإيرانية «لا يمكن أن يمر من دون عواقب وخيمة».

وفي هذا الإطار، ورغم التزامها موقفاً منتقداً لاستهداف الإيرانيين بلدان الخليج العربي، فإن موسكو كرّرت التشديد على دعم لجوء طهران إلى «الدفاع بنشاط عن نفسها ضد الهجمات على أراضيها».

وتظهر هذه العبارة التي ردّدها الكرملين، أن الرهان الروسي الأول بعد فشل جهود الوساطة يتركز الآن على صمود الموقف الداخلي الإيراني، في مقابل تفكك جبهة المهاجمين أو اصطدامها بمعارضة داخلية متصاعدة.

بوتين وخط الوساطة

كان الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، سعى في البداية إلى استغلال الوضع القائم في تعزيز أوراقه التفاوضية عبر طرح وساطة روسية سريعة لوقف الحرب. وبالفعل، أجرى في الأسبوع الأول سلسلة مكالمات هاتفية مع قادة المنطقة ركّزت على انتقاد الضربات الإيرانية على بلدان الخليج العربي، وقدرة موسكو على «توجيه رسائل مباشرة إلى طهران» في هذا الشأن.

كذلك أعاد الرئيس الروسي طرح الأفكار الروسية التي قُدمت في وقت سابق على طاولات المفاوضات في عُمان عبر المفاوضين الإيرانيين، التي عرضت دوراً روسياً مباشراً في تخفيف التوتر بشأن ملفَي «القدرات النووية الإيرانية» و«البرنامج الصاروخي» لدى طهران.

في الشق الأول، أكد الكرملين مجدداً استعداد موسكو لضبط التعامل مع الوقود المخصّب، ونقله بشكل كامل إلى الأراضي الروسية لإنهاء المخاوف بهذا الشأن. وفي الشق الثاني، عرض الكرملين ضمانة مباشرة بألا تُستخدم القدرات الصاروخية الإيرانية ضد إسرائيل وضد أراضي بلدان الجوار.

كان هذا العرض حاضراً أيضاً خلال المكالمة الهاتفية الوحيدة التي أجراها بوتين مع نظيره الأميركي، دونالد ترمب، في الأسبوع الثاني من الحرب.

لكن كما اتضح لاحقاً، فإن العرض الروسي لم يجد حماسة لدى تل أبيب، التي تصرّ على الخيار العسكري لتقويض القدرات الإيرانية في المجالين بشكل نهائي، ولا لدى واشنطن، التي عبّر ترمب عن موقفها بوضوح، عندما قال إن «على بوتين تسوية الصراع في أوكرانيا قبل البحث عن دور لتسوية صراعات أخرى».

مساعدة إيران

في هذا السياق، بدا أن خياراتِ الكرملين لتدخلٍ يُسهم في وقف الحرب محدودة للغاية. لكن الأسوأ من ذلك الاتهامات التي وُجهت إلى موسكو بأنها تقدّم مساعدات استخباراتية قيّمة إلى الإيرانيين.

ولم تقتصر الاتهامات الأميركية على «مبالغات إعلامية» أو تسريبات بعض الأجهزة؛ بل شكّل التدخل المباشر للمبعوث الرئاسي الأميركي ستيف ويتكوف - الذي وجّه تحذيراً قوياً إلى موسكو - إشارةً جدية إلى دور لعبته موسكو على هذا الصعيد. فضلاً عن أن هذا الموضوع طُرح بشكل مباشر وواضح خلال مكالمة ترمب مع بوتين.

مع هذا، فإن أوساطاً روسية ترى أن موسكو لا بديل لديها عن مواصلة تقديم عون «غير مباشر» لإيران، بالتوازي مع محاولة تجنّب إغضاب واشنطن. وترى مصادر إعلامية روسية أن هذا العون، الموجّه فقط إلى «تعزيز صمود الإيرانيين»، يصبّ في اتجاهين رئيسين:

الأول: مواصلة تقديم بعض المعلومات الاستخباراتية بشأن التحرّكات الإسرائيلية، وتجنّب الانخراط في تقديم عون قد يضرّ مباشرة بالأميركيين، وذلك حرصاً على استمرار العلاقة مع ترمب، ودوره في أي تسوية مقبلة بأوكرانيا.

والثاني: يتعلّق بدعم غير مباشر يُقدَّم عبر شركات خاصة تنشط في مجالات التقنيات السيبرانية التي حقق فيها الروس، إلى جانب الصين، تفوّقاً مهماً خلال السنوات الماضية. وهذا دعم تكلفته السياسية محدودة؛ لأنه يُقدَّم عبر مؤسسات تجارية، ولا يمكن تحميل الكرملين مباشرةً وزره.

تسوية أوكرانيا مؤجلة

الأمر الأكيد أن المواجهة الأميركية الإسرائيلية مع إيران بدأت تُلقي بظلالها على توقّعات إطالة أمد الحرب الأوكرانية، في ظل الكلام عن انشغال واشنطن بـ«أولويات أخرى».

وبعدما كان الرهان الروسي يركّز على ضغط واشنطن القوي لإحراز تقدم ملموس في العملية السياسية، ويفرض تسوية مقبولة بالنسبة إلى موسكو، بدا أن القناعة تزداد في كييف - وأيضاً في موسكو - بأن تداعيات المواجهة القائمة في الشرق الأوسط سوف تكون طويلة الأمد. وكشفت تقارير أوكرانية عن توجّه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لترتيب الوضع الداخلي في بلاده، لاحتمال مواجهة استمرار الحرب مع روسيا لفترةٍ قد تطول إلى ثلاث سنوات إضافية.

ويُذكر أن الناطق الرئاسي الروسي ديميتري بيسكوف كان قد أشار، في وقت سابق، إلى توقف أعمال الفريق الثلاثي المعنيّ بالقضايا الأمنية التي تشمل روسيا والولايات المتحدة وأوكرانيا. وأعرب لاحقاً عن أمله في استئناف المفاوضات عندما تتمكّن الولايات المتحدة من إيلاء مزيد من الاهتمام لهذه القضية والاتفاق على جداول زمنية جديدة. وأردف الناطق أن «لدى واشنطن أولويات أخرى حالياً، وهذا أمر مفهوم».

انعكاسات على أوروبا

الجانب الآخر المهم في الخيارات الروسية للتعامل مع الحرب الإيرانية، اتضح من خلال عمليات الرصد الروسي الدقيق لانعكاسات الحرب على الملف الأوكراني وعلى مواقف البلدان الأوروبية، التي ما زالت تشكل بالنسبة إلى الكرملين العقبة الرئيسية أمام إنهاء الصراع في أوكرانيا بالشروط الروسية.

هنا، لا يَخفىَ الارتياح الروسي حيال وضع أوروبا الصعب إبّان هذه الحرب، وبالتحديد، على خلفية تفاقم المخاوف تجاه ارتفاع أسعار الغاز والنفط، واضطرار «بروكسل» وواشنطن إلى اتخاذ خطوات جدية لتخفيف العقوبات على موسكو لمواجهة النقص المحتمل في الأسواق.

وحقاً، أظهرت تعليقات الكرملين ارتياحاً لحدوث تبدّل في أولويات أوروبا، خصوصاً أن «سداد فواتير الغاز والبنزين والكهرباء حلّ محل أوكرانيا، بوصفه أولوية قصوى على أجندة الحكومات الأوروبية»، وفقاً لتعليقات الرئاسة الروسية.

وفي السياق ذاته، كتب الدبلوماسي المخضرم ألكسندر ياكوفينكو أن «الأزمة الأخيرة في الشرق الأوسط شكّلت، مع التداعيات السابقة للأزمة الأوكرانية، عاملاً إضافياً محفزاً للتوتّر في العلاقات عبر الأطلسي».

ويرى ياكوفينكو، الذي كان مكلّفاً بملف العلاقات مع المنظمات الدولية والإقليمية، أن «العلاقات عبر الأطلسي تواجه راهناً أزمة حادة. والخلافات بشأن أوكرانيا تدفع النُّخَب الأوروبية إلى الرغبة في تعرض ترمب للهزيمة، ما قد يكون عاملاً حاسماً في فوز الديمقراطيين بانتخابات التجديد النصفي خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. حينئذٍ، سيمكن تجاوز موقف ترمب الخاص، وتعود العلاقات عبر الأطلسي إلى مسارها السابق من الوحدة الغربية القائمة على أساس متين مناهض لروسيا». بعبارة أخرى، يرى محلّلون وسياسيون روس أن حرب إيران دقت «الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي، مع كل ما يمكن أن يترتب على ذلك من تداعيات.

حرب إيران تهدد النفوذ الروسي في جنوب القوقاز

على صعيد مختلف، مع الفرص التي يوفّرها اتساع الشرخ بين واشنطن وأوروبا، حملت الحرب على إيران تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا.

وحقاً، ازدادت المخاوف من اتساع رقعة العمليات العسكرية في حرب إيران إلى منطقة حوض قزوين. وبينما أكد الكرملين «الرفض القاطع» لامتداد الحرب إلى هذه المنطقة، تحدثت تقارير عن مخاطر قَطع سلاسل الإمداد وتهديد مصالح حيوية لروسيا في بحر قزوين.

للعلم، كانت موسكو قد تجنبت التعليق، بشكل رسمي، على توجيه ضربة إسرائيلية إلى ميناء بندر أنزلي الإيراني على بحر قزوين. إلا أن الكرملين عاد بعد أيام للتحذير من مخاطر امتداد الصراع الدائر إلى بحر قزوين.

فلقد كان الجيش الإسرائيلي قد أعلن، يوم 19 مارس (آذار) الحالي، أنه هاجم سفناً وبنية تحتية إيرانية في بحر قزوين. وأفادت تقارير بأن العملية استندت إلى معلومات استخباراتية حول شحنة عسكرية سرّية في طريقها من روسيا الاتحادية إلى إيران.

ووفقاً للمعطيات، فكانت إحدى السفن المستهدَفة تحمل شحنة كبيرة من الطائرات المُسيّرة ومعدّات إلكترونية متطوّرة. ووفقاً للتقديرات الأولية، جرى تعطيل ما يصل إلى خمس سفن حربية كبيرة في الغارة، وإلحاق أضرار جسيمة بسفينة أخرى. وأفاد مصدر عسكري إسرائيلي رفيع المستوى بأن هذه العملية «تُعدّ أول استخدام قتالي موثَّق» لسلاح الجو الإسرائيلي في هذه المنطقة الجغرافية. والجدير بالذكر، أن الغارة نُفّذت على مقربة من ميناء أنزلي ذي الأهمية الاستراتيجية، الذي تقع بالقرب منه مراكز رئيسية للبنية التحتية للطاقة في إيران.

ورأت تقارير أن اعتراض شحنات الأسلحة أثناء تسليمها ليس مجرّد رد فعل، بل محاولة استباقية لتعطيل سلاسل الإمداد. وعلاوة على ذلك، فإن مثل هذه الضربة تبعث رسالة سياسية لا تتعلق بإيران فحسب، بل بروسيا أيضاً بوصفها مصدراً محتملاً لهذه الإمدادات.

تعليقات في موسكو

اللافت أن القلق الروسي بسبب هذه الضربة انعكس في تعليقات خبراء وتغطيات وسائل الإعلام الحكومية، إذ كتب معلِّق سياسي أن الضربة الإسرائيلية «تحمل رسالة متعددة الأوجه. فهي من ناحية ضربة مباشرة لإيران باستهداف قاعدة بحرية وسفن وبنى لوجيستية بهدف تقليص قدرة إيران العسكرية لتخفيف الضغط على الخليج. إلا أن النطاق الجغرافي للضربة في بحر قزوين، المنطقة القريبة للغاية من روسيا، منطقة النفوذ والمصالح الروسية قطعاً، والمرتبطة بخط إمداد روسيا لإيران، يتضمن رسالة إلى روسيا أيضاً واختباراً لـ«الرد الروسي المحتمل»، ولا سيما أن ذلك يطول المصالح الاستراتيجية الروسية بشكل مباشر، المتمثلة في الممر الدولي (شمال - جنوب) الذي يربط بين الهند وإيران وروسيا وأوروبا، وتحديداً المسار الأوسط للممر الذي يعتمد على بحر قزوين بصفته نقطة تحميل وشحن أساسية. وهذا الأمر يزيد الضغط على المسار الغربي للممرّ الذي يمرّ عبر روسيا - أذربيجان - إيران، والمسار الغربي الذي يمر عبر تركمانستان وكازاخستان».

ورأت تعليقات أخرى أن «ما يحدث الآن هو لعب بالنار يجري بالقرب من الحدود الروسية، وتحدٍّ فظ ومباشر للأمن القومي الروسي»

ويعكس هذا الكلام مستوى القلق الزائد لدى موسكو بسبب الحرب، واحتمالات تأثيرها على موازين القوى في منطقة جنوب القوقاز، لا سيما وأن أذربيجان تُعدّ حليفاً وشريكاً أساسياً لإسرائيل في المنطقة، وشكّلت أراضيها منطلقاً لبعض الهجمات في حرب الـ12 يوماً العام الماضي. ثم إن موسكو كانت غير راضية أصلاً عن الترتيبات التي تقودها واشنطن في هذه المنطقة، بما في ذلك عبر إضعاف النفوذ الإيراني، وتحييد روسيا في ملف الصراع الأذري الأرميني. ويبدو أن الحرب الأخيرة تهدّد موسكو برسم ملامح جديدة للتوازنات في المنطقة. الحرب على إيران تشكّل تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا


إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
TT

إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً

تولَّى الجنرال إيال زامير منصب رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، يوم 5 مارس (آذار) 2025، خلفاً لسَلَفه هيرتسي هاليفي، على خلفية الهجوم الذي شنَّته حركة «حماس» وفصائل فلسطينية أخرى على مواقع إسرائيلية في غلاف غزة يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023. وعندما قرَّر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تعيينه لهذا المنصب، فإنَّه فعل ذلك في اللحظة الأخيرة قبل مغادرة إسرائيل للقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في فبراير (شباط). وحصل ذلك، ليس فقط كي لا يعيش الجيش في فراغ بعد استقالة رئيس الأركان هاليفي، بل أيضاً للظهور أمام ترمب قائداً قوياً يستطيع أيضاً أن يحارب الجنرالات الأقوياء تحت قيادته. اختيار زامير تحديداً لهذا المنصب، مع أنَّه كان قد أصبح خارج الجيش لـ3 سنوات، هو جزء من الرسالة. والسبب أنَّ زامير يمثل بالنسبة لنتنياهو نهاية عهد وبداية عهد جديد في العلاقات بين القيادتين السياسية والعسكرية. وهذه العلاقات المتوترة، التي تعكَّرت بمبادرة من نتنياهو منذ عام 2011، باتت تلحق أضراراً بالجهتين.

كان يُؤمل من إيال زامير تولِّي «مهمة تنظيفية»، إذ يروّج في الأوساط العسكرية أن قادة الجيش الإسرائيلي فقدوا احترامهم للقيادة السياسية بتاتاً، وأن زامير هو الجنرال الوحيد في المؤسّسة الذي يكنّ قدراً من الاحترام لنتنياهو. فهو يعرفه عن قرب منذ عُيّن سكرتيراً عسكرياً لرئيس الوزراء (2012 - 2015)، ثم مديراً عاماً لوزارة الدفاع. وتولّى إبّان الحرب مهمّة شراء كميات هائلة من الذخائر والأسلحة، وعمل بتنسيق يومي مع نتنياهو. وأخيراً، وقف إلى جانب نتنياهو في أثناء خلافاته الأخيرة مع وزير الدفاع السابق يوآف غالانت.

غير أن ترميم العلاقات بين الحكومة والجيش سيكون مهمةً ثانويةً لرئيس الأركان الجديد إذا ما قورنت بالمهام والتحديات الأخرى، وأبرزها إعداد الجيش للحروب المقبلة. فقد تم بناء الجيش خلال السنوات الـ10 الأخيرة بطريقة يكون فيها «صغيراً (من حيث العديد) وحكيماً»، يستند إلى التكنولوجيا العالية. ولكن ثمّة قناعة تامة اليوم بأنه يجب أن يعود كبيراً وكلاسيكياً، ويعتمد في الاجتياحات البرّية على الدبابات والمدرّعات. وزامير هو رئيس الأركان الوحيد الآتي من سلاح المدرعات منذ أكثر من 50 سنة (آخر رئيس أركان جاء من سلاح المدرّعات كان دافيد إليعازر الذي قاد الجيش في حرب أكتوبر 1973).

دروس «حرب غزة»

ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية»، التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير الحكيم» خطأ مميتاً لا يلائم مهماته في المنطقة. وترى أن الحرب الأخيرة على غزة، وكذلك على لبنان، أظهرتا نقاط ضعف شديدة في الحرب الميدانية. وبالتالي، تؤكد أن الحرب في أوكرانيا أضحت درساً لجيوش الغرب تتعلم منها أن لا غنى عن الحرب الميدانية. ويتكلّم البعض في هذه «المدرسة» في إسرائيل اليوم عن خطر فتح «جبهة سابعة» ضد تركيا؛ بسبب التطوّرات في سوريا. ذلك أن الوجود العسكري التركي هناك يمكن أن يتحوَّل إلى صدام مع إسرائيل، والمعروف أن الجيش التركي بُني - وما زال حتى اليوم - بوصفه جيش قتال برّي. ومع أن هذه الفرضية تبدو ذات احتمالات ضعيفة، حتى الآن، فإن العسكريين والمحللين الإسرائيليين يأخذونها في الاعتبار ويثيرونها علناً.

ولقد أعجبت هذه «الرؤية» قوى اليمين المتطرّف الحاكمة فعلياً في إسرائيل، ويمثلها وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، الذي كان قد طلب - وحظي بما طلبه - المساهمة في اختيار زامير. وقال سموتريتش بعد اختيار زامير: «كلّي أمل بأن يثبت جدارته في تغيير عقيدة الجيش إلى عقيدة قتالية صارمة، تتّسم بالإقدام والالتحام وتقتلع الإرهاب الفلسطيني من جذوره». وردَّد نتنياهو الكلام نفسه لدى اتخاذ الحكومة قرارها رسمياً بالمصادقة على تعيين زامير خلال جلستها يوم الأحد 16 مارس 2025؛ إذ قال: «زامير رجل صدامي، وهو ما يحتاج إليه الجيش اليوم».

«أبو المعارك»

لقد أمضى زامير 42 سنة من عمره في الجيش باستثناء سنوات قيادته لوزارة الدفاع، التي تعدُّ خليطاً من الخدمة العسكرية والأمنية الإدارية. وخلال هذه الفترة، شارك في كل الحروب والمعارك التي خاضها الجيش، وتدرَّج في سلم القيادة، وتعرَّف على كل الجبهات. وكان نموذجه الأعلى والده، اليمني الأصل، الذي وصل إلى رتبة مقدّم في الجيش الإسرائيلي.

فقد استهل خدمته بقيادة دبابة في لبنان عام 1985. وأمضى 5 سنوات محارباً، حتى حصل على رتبة رائد. وخلالها قاتل في «الانتفاضة الفلسطينية الأولى»، ثم أُعيد إلى لبنان، وبقي هناك حتى الانسحاب عام 2000.

وتولى قيادة الجيش في منطقة جنين، في السنتين حتى 2002، حين وقعت «مجزرة جنين». وبعدها أمضى 3 سنوات يحارب في خان يونس، حتى تقرَّر الانسحاب من القطاع، وأشرف بنفسه على هذا الانسحاب. وعام 2011 تولى قيادة «قوات اليابسة» وهي قيد التأسيس. واختاره نتنياهو بعد سنة سكرتيراً عسكرياً، فأشرف معه على جولتَي الحرب على غزة في عامَي 2012 و2014.

في عام 2015 ترك زامير مكتب رئيس الحكومة ليُعيَّن قائداً للواء الجنوب، المسؤول عن قطاع غزة. وبعد شهر واحد من توليه المسؤولية بدأت حرب استنزاف مع القطاع استمرَّت 3 سنوات. وعندها تولى منصب نائب رئيس الأركان، لمدة 3 سنوات. ومن هنا أصبحت الحرب على إيران همّه الأول.

وحقاً، زامير هو واضع أسس العقيدة القائلة إنه يجب قطع أذرع إيران في المنطقة (حماس، والجهاد الإسلامي في فلسطين، وحزب الله في لبنان)، وعدم إغماض العينين عن الحوثيين في اليمن، و«حزب الله» في العراق، وردع نظام بشار الأسد في سوريا، جنباً إلى جنب مع التحضير للحرب على إيران.

وهكذا طرح عقيدته حول «الجيش الكلاسيكي» الكبير والحديث، لأنَّه يحتاج إلى قوات كبيرة تحارب على الأرض في لبنان والضفة الغربية وقطاع غزة. وكان لهذه الرؤية تأثير كبير على اختياره رئيساً للأركان.

«البطش بلا رحمة»

مع أن زامير يستخدم في خطاباته عبارة «الأخلاق العالية» للجيش، فإنَّه وضع قواعد حربية لا تلائم هذه القيم. إذ اعتمد القصف الجوي أساساً للعمليات الحربية، بوصفه «مقدمة لا بد» منها لعمليات الاجتياح البرّي، حتى في منطقة مثل قطاع غزة التي تُعدُّ من أكثر المناطق ازدحاماً في العالم. وكان بديهياً أن هذا يعني الإيقاع بأعداد ضخمة من القتلى والمصابين من المدنيين الأبرياء، بشكل واعٍ وبلا رحمة. وإذا أراد اغتيال شخصية قيادية من «حماس» ما كان يتردَّد ولو عرف أن مع هذه الشخصية سيٌقتل عددٌ من أفراد عائلته، زوجته وأطفاله وأطفال جيرانه.

هذا الأسلوب نقله حتى إلى الضفة الغربية، حيث أكثر من عمليات القصف الجوي لمخيمات اللاجئين الفلسطينيين في جنين وطولكرم، فدمَّرها وتسبَّب في تهجير 44 ألفاً من سكانها.

واتبع زامير عقيدةً قتاليةً جديدةً هي «الضربات الاستباقية»، وثمة مَن يسمِّيها «الحرب الاستباقية»، على كل الجبهات. ومفادها أنه لا ينتظر أن يهدِّد العدو بالحرب، بل بمجرد تحرُّكه في مهام قتالية ضد إسرائيل، على الجيش أن يسبقه بضربة حربية أقسى. وهذا ينطبق على الحرب ضد إيران أيضاً، وكذلك ضد «حزب الله » في لبنان.

زامير جلب أيضاً إلى الجيش الإسرائيلي «عقيدة» أخرى هي رفض الخوف من الحروب الطويلة، وحروب الاستنزاف، والتأهب لتبعات حروب مثل هذه.

«تضافر» القيادتين

لكن أكبر حدث يمكن لزامير أن يعدّه «هديةً» هو الفرصة التي سنحت له لأن يدير حرباً بالشراكة التامة مع الجيش الأميركي. فمنذ نهاية فبراير الماضي، يدير زامير مع الجنرال تشارلز كوبر، قائد القوات المشتركة في الجيش الأميركي، وقائد قوات المنطقة الوسطى بالشرق الأوسط (سنتكوم)، حرباً مشتركة تُستخدم فيها أحدث وأخطر الأسلحة ضد إيران.

فاليوم، الطيارون الأميركيون والإسرائيليون يطيرون كتفاً بكتف فوق سماء طهران، بإشراف فريق عمل واحد يعمل من تل أبيب ومن البنتاغون. ويتبادلون الخبرات ويسوِّقون للأسلحة الأميركية والإسرائيلية، التي ستباع بأسعار عالية لأنها أسلحة مجرَّبة، وبذا ترتفع مكانة إسرائيل وجيشها أمام جيوش العالم، بعدما كان الجيش قد تعرَّض لضربة كبيرة من تنظيم صغير مثل «حماس».

وزامير يقود «حملة توعية» الآن مفادها أن «إيران أرسلت ذراعاً من أذرعها لمحاربة إسرائيل، وإسرائيل حوَّلتها إلى حرب شاملة على جبهات عدة، تدفع ثمنها ليس هي وحدها بل إيران وأذرعها أيضاً وبشكل مضاعف مرات عدة».

وهو يستخدم هذه الحرب كي يعزِّز قوة الجيش أكثر فأكثر، بعدد الجنود ونوعية الأسلحة وضخامة الميزانية. والحكومة تسير معه صاغرة. وهكذا يعزِّز مكانته الشخصية أيضا بوصفه صاحب أكبر تراث حربي بين جنرالات إسرائيل.

سيرته الذاتية

وُلد إيال زامير عام 1966 وترعرع في إيلات، لعائلة ذات تربية عربية. أصوله لجهة والدته - المولودة في القدس - تعود لعائلة عبادي المعروفة بأنها عائلة يهودية من حلب السورية، وجدّه لوالده مهاجر من اليمن وصل إلى فلسطين عام 1920، وحارب في صفوف تنظيم «الإرغون» اليميني.

ودرس زامير في المدرسة الداخلية العسكرية بتل أبيب. وإبان خدمته العسكرية تخرّج في كلية القيادة والأركان المشتركة وكلية الأمن القومي. ثم حصل على درجة البكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة تل أبيب، ودرجة الماجستير في الأمن القومي من جامعة حيفا، وهو خريج برنامج الإدارة العامة للمديرين التنفيذيين الكبار في كلية وارتون لإدارة الأعمال بجامعة بنسلفانيا في الولايات المتحدة، واجتاز دورتَي تعليم عسكري كليتَي الأمن القومي في الولايات المتحدة وفرنسا.

بدأ الخدمة العسكرية في سلاح المدرعات عام 1984، ثم أكمل دورة تدريب على قيادة الدبابات. وظلَّ يتنقل من منصب قيادي حربي إلى آخر حتى صار سكرتيراً عسكرياً لرئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، عام 2012.

وبعد 3 سنوات، عاد زامير إلى الجيش، وأصبح قائداً للواء الجنوبي، ليسجِّل باسمه الجدار القوي المحكم حول قطاع غزة، الذي اخترقته «حماس» بسهولة بالغة يوم 7 أكتوبر 2023. وعام 2018 عُيِّن نائباً لرئيس الأركان، وكان منافساً على رئاسة الأركان، لكن رئيس الوزراء - يومذاك - يائير لبيد، فضَّل اختيار هيرتسي هاليفي، فترك زامير الجيش، ولكن بعد عودة نتنياهو إلى الحكم، عُيِّن مديراً عاماً لوزارة الدفاع.

الحياة المهنية

تمَّ تجنيد زامير في الجيش الإسرائيلي وانضم إلى سلاح المدرعات عام 1984. في سلاح المدرعات خضع للتدريب بصفته جندياً قتالياً، وحضر لاحقاً دورة قائد الدبابات. وأكمل دورة ضباط المدرعات، وكان قائد فصيلة وقائد سرية في اللواء 500 واللواء 460.

وفي الفترة 1992 - 1994، عمل ضابط عمليات في اللواء المدرع السابع (برتبة رائد). ومن عام 1994 إلى عام 1996، عمل قائداً للكتيبة 75 في اللواء السابع (برتبة مقدم). وعام 1996، كان قائداً لدورة قادة الدبابات في المدرسة المدرعة. وظلَّ في هذا المنصب حتى عام 1997، عندما ذهب للدراسة لمدة عام في مدرسة الحرب في فرنسا.

بعدها، بين 1998 و2000، شغل منصب ضابط عمليات في الفرقة 162. وبين 2000 و2002، كان رئيساً لقسم نظرية سلاح المدرعات في مقر رئيس ضباط المدرعات، وفي الوقت نفسه شغل منصب قائد اللواء 656، وهي فرقة احتياطية في القيادة المركزية (برتبة عقيد). وبين 2002 و2003، كان قائداً لمركز التدريب التكتيكي في المركز الوطني للتدريب على الأرض،


رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)
TT

رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)

كانت تلك صدفة... لكنها أصبحت بمفهومه «أهم هدية» لعيد ميلاده الستين. فيوم 26 يناير (كانون الثاني) الماضي لم يستيقظ الجنرال إيال زامير، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي؛ لأنه لم ينم تلك الليلة. فقد أرسل قواته إلى مقبرة فلسطينية شمال قطاع غزة، للتنقيب عن رفات الجندي ران غويلي، آخر رهينة لدى «حماس»، الذي تبين أنه دُفن بالخطأ في مقبرة جماعية ضمن رفات العشرات من الفلسطينيين الذين قتلتهم إسرائيل خلال الحرب، ولم يُتح دفنهم بشكل طبيعي. وعندما تكللت بالنجاح، بث الناطق بلسان الجيش شريط فيديو يظهر زامير وهو بسيارته يتكلم مع والدَي الجندي ويبشّرهما بالعثور على رفات ابنهما.

أما «الهدية» الثانية فكانت عندما استدعاه رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، وأبلغه بأن «الأمر حُسم عندي وعند الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، أننا سنحارب معاً، كتفاً إلى كتف، ضد إيران، في القريب. فاستعد كما يجب. أنا أعتمد عليك».

زامير، الذي يسجل في تاريخه أنه أكثر جنرال خاض وقاد حروباً في تاريخ إسرائيل، تلقف الهدية الثانية بحماسة بالغة؛ إذ كان قد خدم في عدة مواقع عسكرية وأمنية تعمل كلها على الإعداد للحرب مع إيران. فعندما عُين نائباً لرئيس الأركان في عام 2018، بلوَر عقيدة القتال مع إيران، طيلة ثلاث سنوات من البحوث والتدريبات في سلاح الجو. وعندما ترك الجيش ليصبح مديراً عاماً لوزارة الأمن، تولى مسألة إعداد الأسلحة اللازمة للحرب على بعد 1600 كيلومتر من حدود إسرائيل، والذخيرة التي تحتاجها هذه الحرب. ودخل في نقاشات حادة مع الأميركيين في عهد إدارة الرئيس جو بايدن، للحصول عليها.

من وراء الكواليس، عمل قادة اليمين الإسرائيلي المتطرف على اختيار زامير، ولكن ليس لأنه يلائم اليمين فكرياً أو سياسياً؛ بل لأنه لم يُجرّب في الضفة الغربية. ففي العادة، يتولّى قائد المنطقة الوسطى في الجيش مهمة قيادة الجيش في الضفة، ومن هنا يحدث احتكاك مع المستوطنين.

زامير لم يتولَّ هذه المهمة. ويوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كان خارج هيئة رئاسة أركان الجيش؛ ولذا رأى فيه اليمين خروجاً عن سرب القيادات العسكرية التي ينبذها. ومع هذا، ففي الأيام الأخيرة قبل تعيين زامير لوحظ حراك يميني للانقلاب على هذا التوجه. ولكن صحيفة «معاريف» كتبت عنه: «مَن يعرف زامير عن كثب عبر خدمته العسكرية يروي أنه ضابط نظيف من الخلطات، وبريء من السياسة. ضابط ينظر إلى الجيش لا كوحدة خاصة أو منظومة خاصة، بل كجهاز عظيم يحتاج أكثر من أي شيء آخر إلى يد حديدية دقيقة على الدفة. ينبغي له أن يعيد الجيش إلى المهنة العسكرية من البداية، ويجعله قريباً من الناس». وأردفت: «عليه أن يعيد إلى المهنة العسكرية شرفها والحرص على الثقافة العسكرية، وألا تنزلق إلى ثقافة معسكرات، خلطات أو تلاعبات. عليه أن يعيد إلى الجيش شرفه، وأن يعيد ثقة الجمهور به. عليه أن يحاول بناء سور يشبه سور الصين بين الجيش والسياسيين. إيال زامير سيكون رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، ودوره لن يكون أقل من تاريخي».