السعودية تعلن نجاح الحج وخلوه من الأمراض والحوادث وتوقعات بوصول 850 ألف حاج للمدينة

خالد الفيصل: لم نمنع أشقاءنا في قطر من أداء الفريضة... لكن الدوحة لم تسمح لهم

الأمير خالد الفيصل أمير مكة المكرمة خلال المؤتمر الصحافي الذي عقده أمس (و ا س)
الأمير خالد الفيصل أمير مكة المكرمة خلال المؤتمر الصحافي الذي عقده أمس (و ا س)
TT

السعودية تعلن نجاح الحج وخلوه من الأمراض والحوادث وتوقعات بوصول 850 ألف حاج للمدينة

الأمير خالد الفيصل أمير مكة المكرمة خلال المؤتمر الصحافي الذي عقده أمس (و ا س)
الأمير خالد الفيصل أمير مكة المكرمة خلال المؤتمر الصحافي الذي عقده أمس (و ا س)

أعرب الأمير خالد الفيصل، أمير منطقة مكة المكرمة، عن أسفه لمنع دولة قطر حجاجها من الحضور للأراضي المقدسة وأداء مناسك الحج، على الرغم من استعداد بلاده لاستقبال الحجاج القطريين، وقال مفنداً ما تناولته بعض الوسائل الإعلامية عن منع السعودية لحجاج قطر «إن مثل هذه الأخبار لا تؤثر علينا، والمملكة أعلنت ولأكثر من مرة استعدادها لاستقبال الحجاج من أي دولة في العالم، والشقيقة قطر كانت مدعوة للسماح لمواطنيها بالحضور إلى هذا الحج، حتى إن خادم الحرمين الشريفين ساهم وأكد إذا سمحت قطر، يمكن إرسال طائرات للحجاج لهذا الغرض... لكن للأسف الشديد دولة قطر منعت حجاجها من الحضور، ورحبنا بمن استطاع الوصول إلى السعودية أجمل ترحيب، وهم الآن معنا في حج هذا العام».
وتأتي تصريحات أمير منطقة مكة المكرمة، خلال المؤتمر الصحافي الختامي الذي عقده بعد ظهر أمس في مقر الإمارة بمشعر منى، مجدداً ترحيب بلاده بكل حجاج بيت الله الحرام وتشرفها بخدمتهم، مشيراً إلى أن حجاج إيران هذا العام بلغ 86 ألف حاج.
وفي المجال الصحي، أعلن أمس رسمياً عن خلو حج هذا العام، من الأوبئة والأحداث ذات الأثر على الصحة العامة ونجاح الخطط الصحية، على لسان الدكتور توفيق الربيعة، وزير الصحة السعودي، في حين ثمّن الأمير خالد الفيصل، الجهود التي بذلتها الجهات المعنية كافة في هذا الموسم، مقدماً شكره لخادم الحرمين الشريفين، وولي عهده الأمير محمد بن سلمان، والأمير عبد العزيز بن سعود بن نايف، وزير الداخلية رئيس لجنة الحج العليا، على التوجيهات والخطط التي أشرفوا عليها، وما قدمته السعودية لضيوف الرحمن من خدمات كانت محل اعتزاز وفخر.
وحول مفهوم الاعتدال، أكد الفيصل، أن الاعتدال «رؤية إسلامية منبثقة من الإسلام ومن تعاليمه»، مبيناً أن «قائد الاعتدال في هذه البلاد هو خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وقد أعلن عن ذلك في أكثر من كلمة وجهها لأبناء المملكة وللعالم أجمع».
وحول تحديد نسب عدد الحجاج، أكد أن هذا الأمر يتم من قبل الدول الإسلامية جميعاً، وليس من المملكة وحدها، وقال «هذه النسبة مطروحة وممارسة على الدول جميعاً، وهي متقيدة بهذه النسب، وليس من صلاحيات منطقة مكة المكرمة أو لجنة الحج تحديد النسب».
وأوضح الفيصل، أن عدد القوى العاملة التي قدمت الخدمة لحجاج بيت الله الحرام هذا العام من عسكريين ومدنيين بلغ أكثر من 250 ألف فرد، في حين لم يتجاوز عدد المخالفين للحج هذا العام 110 آلاف شخص، بينما قدر عددهم في عام 1433هـ بمليون و400 ألف حاج.
وأفاد بأن قطار المشاعر نقل هذا الموسم 360 ألف حاج، في حين تم نقل مليون و800 حاج عبر 18 ألف حافلة مجهزة، وبيّن أنه خلال الفترة من 1 ذي القعدة، إلى الخامس من ذي الحجة تم نقل 41 مليون راكب من مقار سكن الحجاج في مكة المكرمة إلى المسجد الحرام، بواسطة 2600 حافلة.
وأكد أن القيادة السعودية تتطلع مستقبلاً لتوظيف التقنية في جميع شؤون الحج، وقال «نحرص أن يعتمد مشروع تطوير المشاعر المقدسة الذي سيطرح قريباً للتنفيذ كلياً على التقنية وعلى الاتصالات السريعة».
وعن استهداف «الرؤية السعودية» لاستضافة 30 مليون معتمر و5 ملايين حاج في المستقبل، قال «سيتم تنفيذ الخطة على مراحل، وسيعلن عن مراحلها عن طريق الهيئة الملكية في مكة المكرمة والمشاعر المقدسة في أسرع وقت»، موضحاً أن «رؤية المملكة» في الحج تسعى إلى أن يصل عدد الحجاج إلى خمسة ملايين حاج في الأعوام المقبلة.
وتطرق لأبرز المشروعات المستقبلية في المشاعر المقدسة، موضحاً أن هناك مشروعاً لكامل المشاعر «منى، مزدلفة، عرفات»، وسُيشرع إن شاء الله في تنفيذه بأسرع وقت ممكن؛ إذ رفعت الدراسة الأولية للهيئة الملكية لمكة المكرمة والمشاعر المقدسة لاعتماده.
ورداً على سؤال فريق إعلامي أميركي عن مدى تناغم آلية إدارة شؤون الحج التي تباشرها أكثر من 41 جهة حكومية في المملكة، قال «التنسيق الذي وصل إلى حد التناغم في حج هذا العام وحج العام الماضي لم يسبق له مثيل» مشيراً إلى وجود لجنة عليا للحج برئاسة وزير الداخلية يجتمع فيها كل الوزراء المعنيين، إلى جانب لجنة مركزية تنفيذية لقرارات اللجنة العليا برئاسة أمير مكة المكرمة يشترك فيها كل ممثلي الوزارات الخدمية في الحج بالإضافة إلى هيئة تطوير منطقة مكة المكرمة وهيئات أخرى معنية بالحج عبر ورش عمل ومؤتمرات تعقد لتطوير الخدمات ومشروع العمل في الحج كل عام».
وأضاف يقول «نحن نبدأ بعد نهاية موسم الحج في كل عام لبحث وتطوير ومناقشة الملاحظات، ومراجعة تقارير التقييم».
ورداً للأمير خالد الفيصل على سؤال عن تقلص ظاهرة المخالفين لأنظمة الحج بعد تراجعهم من مليون و400 ألف قبل خمس سنوات إلى 110 آلاف هذا العام، بقوله «سيختفي ذلك تماماً بمشيئة الله»، موضحاً أن ذلك لا يعتمد فقط على تطبيق الأنظمة والعقوبات، وإنما على مستوى ثقافة الحاج ومدى تقيده بالتعليمات. كما تناول قصور بعض المخيمات والحملات في خدمة الحجاج بقوله «سيتم مساعدتهم على تصحيح أوضاعهم لكي ترقى للمستوى المتوقع منهم».
وأشار أمير منطقة مكة المكرمة، إلى مدى الاستفادة من التقنيات الحديثة خلال هذا الموسم في مختلف المجالات متطلعاً إلى تفعيل الجانب التقنية الحديث والأسلوب الذكي في إدارة شؤون الحج، لافتاً إلى أن المشروع المستقبلي لمكة المكرمة سيستخدم أفضل وأحدث الوسائل التقنية.
وعن مشروع «الحج عبادة»، أكد أن المشروع حقق خطوات كبيرة جداً، وأنه سيحقق أكبر من هذه الخطوات في السنوات المقبلة وسيتفق مع «الرؤية».
وجاء إعلان خلو موسم هذا الحج من الأمراض والأوبئة، ضمن البيان الصحافي الختامي للدكتور توفيق الربيعة، وزير الصحة السعودي، وذلك الذي تلاه أمس بمقر مستشفى الطوارئ بمنى، حيث أكد استعداد الوزارة مبكراً لحج هذا العام، وأنها أجرت تقييماً للاحتياجات الصحية المطلوبة في موسم الحج لضمان سلامة الحجاج.
وقال «في إطار الاستعدادات للحج، جهزت وزارة الصحة 12 مركزاً صحياً في المنافذ الحدودية»، وأفاد بأنه بالنظر للوضع الصحي في بعض الدول فقد قامت فرق الصحة العامة برصد وتدوين معلومات جميع الحجاج القادمين من الدول التي تسري فيها الأمراض الوبائية، ومنها «الإيبولا» والكوليرا، وتتبعت وضعهم الصحي بشكل مستمر بالتنسيق مع بعثاتهم الطبية.
ولفت إلى أن الوزارة وفّرت في مناطق الحج الرعاية الصحية للحجاج من خلال 25 مستشفى بسعة 5000 سرير و155 مركزاً للرعاية الأولية و180 سيارة إسعاف، إضافة إلى العيادات المتنقلة والمستشفى الميداني.
واستعرض، الأرقام التي تبيّن حجم العمل الذي قامت به الوزارة، حيث بيّن أنه تمت معاينة أكثر من مليون و600 ألف حاج في المنافذ الصحية، وإعطاء 360 ألف جرعة من لقاح شلل الأطفال في منافذ الدخول، وإعطاء 480 ألف جرعة للقاح الإنفلونزا الموسمية ولقاح الحمى الشوكية لحجاج الداخل وسكان مكة المكرمة والمدينة المنورة، ومعاينة أكثر من 12 ألف موقع للتأكد من خلوها من البعوض، إضافة إلى تنفيذ حملات شاملة لمكافحة نواقل المرض وآفات الصحة العامة في مناطق الحج.
وبيّن أن منشآت الوزارة في مناطق الحج هذا العام أجرت 579 قسطرة قلبية و36 عملية جراحية مفتوحة للقلب، و2056 جلسة غسيل كلى، و181 عملية تنظير للجهاز الهضمي، إلى جانب ما شهدته منشآت الوزارة في مكة المكرمة والمشاعر من 12 حالة ولادة.
وكانت غالبية حجاج بيت الله الحرام تمكنت يوم أمس (ثاني أيام التشريق) من رمي الجمرات الثلاث بيسر وسهولة، مبتدئين بالجمرة الصغرى فالوسطى ثم جمرة العقبة، بعدها توجه الحجاج المتعجلون إلى المسجد الحرام بمكة لأداء طواف الوداع، أما الحجاج غير المتعجلين، فيرمون اليوم قبل غروب الشمس الجمرات الثلاث، وبخروجهم من مشعر منى تنتهي شرعياً مناسك حج هذا العام.
وفي الوقت الذي بدأت فيه قوافل الحجيج المتعجلين بمغادرة مكة المكرمة، في وقت لاحق أمس عبر ووسائل النقل المتاحة، بدأت الاستعدادات في المدينة المنورة، لاستقبال ضيوف الرحمن من المتعجلين الذين يتلهفون لزيارة المسجد النبوي الشريف التشرف بالسلام على رسول - صلى الله عليه وسلم -، الذين بدأت طلائعهم في الوصول إلى المدينة المنورة قبل منتصف يوم أمس، وسط جهود مكثفة تبذُلها الجهات الحكومية والأهلية كافة المرتبطة بأعمال الحج تحت إشراف ومتابعة الأمير فيصل بن سلمان، أمير منطقة المدينة المنورة رئيس لجنة الحج والزيارة بالمنطقة.
وتأتي الاستعدادات المكثفة لاستقبال الحجاج في موسم ما بعد الحج، عشية مغادرة عدد كبير من الزوار الذين قدموا مع عوائلهم من مختلف مناطق السعودية لقضاء أيام العيد في رحاب المدينة المنورة، والصلاة في الحرم النبوي الشريف، حيث قُدّرت نسبة الإشغال في دور الإيواء وفنادق المنطقة المركزية بـ86 في المائة نتيجة إقبال زوار الداخل على طلب الوحدات السكنية، خصوصاً القريبة من الحرم النبوي.



«حساب المكاسب» لدى الحوثيين يطغى على شعار «وحدة الساحات»

حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

«حساب المكاسب» لدى الحوثيين يطغى على شعار «وحدة الساحات»

حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

خلال 40 يوماً من الحرب التي شنَّتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، ابتداءً من 28 فبراير (شباط) الماضي، ظهر موقف الجماعة الحوثية بوصفه من أكثر المواقف إثارة للتساؤل في الأوساط السياسية والعسكرية، ليس نتيجة ما قامت به الجماعة، بل بسبب ما امتنعت عنه؛ حيث لم يرتقِ دورها إلى المستوى الذي يترجم شعار «وحدة الساحات» كما الحال مع «حزب الله» اللبناني والفصائل العراقية المسلحة.

فالجماعة التي اكتسبت حضورها الإقليمي بعد السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، عبر تصعيدها في البحر الأحمر وخليج عدن والهجمات ضد إسرائيل، مع رفعها شعار «وحدة الساحات» عنواناً لتحالفاتها، بدت هذه المرة أكثر تحفظاً، مكتفية بأدوار أدائية محدودة مقارنة مع خطابها المرتفع، في سلوك يعكس -وفق تقديرات مراقبين- انتقالاً واضحاً من التعبئة الآيديولوجية إلى حسابات أكثر براغماتية تحكمها «معادلة البقاء» في المقام الأول.

في هذا السياق، اقتصر تدخل الحوثيين على تبني 5 عمليات هجومية بالصواريخ والمسيّرات، كانت ذات طابع رمزي ودون تأثير على مسار المعركة، بهدف تسجيل موقف سياسي إلى جانب إيران دون الانخراط في مواجهة واسعة، وهو ما أعاد طرح تساؤلات حول طبيعة العلاقة بين الجماعة وطهران، وحدود التزامها الفعلي، في إطار ما يُعرف بمحور «المقاومة».

عنصر حوثي يحمل سلاحاً على الكتف خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران يوم 8 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

وتشير هذه المعطيات إلى أن قيادة الجماعة أعادت ترتيب أولوياتها وفقاً لمعادلة البقاء الداخلي، التي باتت تتقدم على أي اعتبارات آيديولوجية أو تحالفات إقليمية، فبعد سنوات من الصراع، استمر الحوثيون في سيطرتهم على أجزاء واسعة من شمال اليمن، وأصبح هدفهم الأساسي يتمثل في تثبيت هذه السيطرة وتحويلها إلى واقع سياسي معترف به.

وفي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يفسّر الباحث والأكاديمي اليمني الدكتور فارس البيل هذا السلوك بأن «تلكؤ الجماعة في الانخراط الكامل ليس أمراً مستجداً، بل تكرر في حرب الـ12 يوماً (حرب أميركا وإسرائيل على إيران في صيف العام الماضي)، غير أن ذلك لا يعني استقلال قرارها عن إيران»، مشيراً إلى أن «الرد الأميركي والإسرائيلي العنيف، وتجربة الحوثيين السابقة مع الضربات، جعلا أي انخراط واسع بمثابة تهديد وجودي قد يقود إلى نهايتهم».

ومن هذا المنطلق، يرى محللون يمنيون أن انخراط الجماعة في حرب إقليمية مفتوحة دفاعاً عن إيران لم يكن خياراً واقعياً، بالنظر إلى التكلفة المرتفعة التي قد تترتب عليه. فمثل هذا الانخراط كان سيُعرّض ما تبقى من البنية العسكرية للجماعة إلى خطر التدمير، ويُهدد بإعادة خلط الأوراق داخلياً، خصوصاً في ظل احتمالية المواجهة مع القوات الحكومية وانهيار التهدئة الهشّة المستمرة منذ أبريل (نيسان) 2022.

كما أن ترسانة الجماعة الصاروخية ومن المسيّرات، التي تُمثل أحد أبرز عناصر قوتها في أي مواجهة محلية، تجعل من استخدامها في معارك بعيدة مخاطرة غير محسوبة، ولهذا تُشير التقديرات إلى أن الجماعة فضّلت الاحتفاظ بقدراتها العسكرية لخدمة أهدافها الداخلية، بدلاً من استنزافها في صراع غير مضمون العواقب.

هاجس الردع الدولي

ولعبت تجربة الحوثيين السابقة في استهداف الملاحة الدولية في البحر الأحمر دوراً محورياً في تشكيل موقفهم خلال الحرب الأميركية والإسرائيلية على إيران، فعلى الرغم من المكاسب الإعلامية التي حققتها تلك العمليات، فإنها قوبلت بردود عسكرية قوية من الولايات المتحدة وبريطانيا، قبل أن تفاقم إسرائيل الوضع عبر 19 موجة من الضربات الموجعة.

مسلح حوثي خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيم الجماعة في 10 أبريل الحالي (إ.ب.أ)

وكما يبدو، فإن هذه الضربات خلال العامين الماضيين تركت أثراً واضحاً في حسابات القيادة الحوثية التي باتت تُدرك أن التصعيد ضد المصالح الدولية قد يستدعي ردّاً واسع النطاق يتجاوز الضربات الغربية والإسرائيلية السابقة إلى عمليات أكثر شمولاً قد تُهدد وجودها، خصوصاً إذا تزامن ذلك مع منح القوات الحكومية الشرعية الضوء الأخضر لإطلاق عمليات برية لتحرير المحافظات الخاضعة للجماعة.

وفي هذا الإطار، يربط الدكتور البيل بين هذا الإدراك وحالة الضعف التي أصابت شبكة النفوذ الإيراني، مشيراً إلى أن «تشتت الأذرع، وتراجع فاعلية مراكز القيادة في (الحرس الثوري) بعد الضربات، أفقدا طهران القدرة على إدارة الساحات بشكل متماسك، وهو ما انعكس في خطاب حوثي متردد ومضطرب منذ بداية الحرب».

كما يؤكد البيل أن «إيران قد تنظر إلى اليمن بوصفه ساحة احتياط، وليس ساحة اشتباك رئيسية، في ظل محدودية تأثير الحوثيين مقارنة بفصائل أقرب جغرافياً، ما يجعل الجماعة ورقة مؤجلة تستخدم في سياق المساومة أو التصعيد المرحلي».

وفي السياق ذاته، بدا أن الجماعة اختارت استراتيجية «تجنب الاستفزاز»، من خلال تنفيذ هجمات محدودة لا تدفع نحو تصعيد كبير، وهو ما يعكس إدراكاً متزايداً لطبيعة موازين القوى، وحرصاً على تجنب الانزلاق إلى مواجهة غير متكافئة.

طبيعة العلاقة

وتعيد هذه التطورات تسليط الضوء على طبيعة العلاقة بين الحوثيين وإيران، والتي غالباً ما تُصوَّر على أنها علاقة تبعية كاملة، غير أن الأداء الفعلي للجماعة خلال الحرب أظهر قدراً من التحفظ في إظهار الولاء المطلق، على الرغم من تصريحات القيادات الإيرانية وتهديدهم بورقة البحر الأحمر وباب المندب، في إشارة إلى حليفهم الحوثي.

ويؤكد المحلل السياسي اليمني عبد الإله سلام أن الجماعة تحمل بُعداً عقائدياً يمنحها شعوراً بالخصوصية، ما يجعل قرارها «مستقلاً نسبياً» داخل المحور الإيراني، مشيراً إلى أنها تعتمد سياسة «الإبطان» تكتيكاً براغماتياً، فتقلص انخراطها عندما تشعر بتهديد وجودي أو اختلال في موازين القوى.

أشخاص يستقلون سيارة في صنعاء تمر أمام لوحة إعلانية رقمية تحمل صورة زعيم الحوثيين يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

ويضيف سلام في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن هذا السلوك، رغم ارتباط الجماعة بـ«الحرس الثوري» تدريباً وتسليحاً، «يوحي بوجود تعدد في مراكز التأثير على قرارها»، مستشهداً بتجربة «اتفاق استوكهولم»، التي أوقفت المواجهات في الحُديدة وأبقت على نفوذ الحوثيين، بما يُعزز فرضية أن الجماعة تتحرك ضمن شبكة توازنات أوسع من مجرد التبعية لطهران.

في المقابل، يقدّم رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، رؤية مغايرة، إذ يتهم الجماعة بأنها «أداة إيرانية» لزعزعة الاستقرار الإقليمي، وتهديد أمن الممرات المائية الدولية، مؤكداً أن استمرار سيطرتها على أجزاء من اليمن يجعل هذا التهديد قائماً ومتصاعداً.

ويشدد العليمي من خلال تصريحاته الرسمية الأخيرة، على أن تهديد الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن لم يعد شأناً داخلياً، بل قضية دولية تمس أمن التجارة العالمية، داعياً المجتمع الدولي إلى تبني مقاربة أكثر حزماً «تنهي التهديد، ولا تكتفي باحتوائه».

كما يتهم طهران بأنها تسعى إلى توسيع الصراع عبر استخدام الحوثيين منصةً إقليميةً، في إطار استراتيجية لإرباك المنطقة وإضعاف الدول الوطنية، وهو ما يفرض -حسب تعبيره- التعامل مع الملف اليمني ضمن سياقه الإقليمي الأوسع.

تراجع شعار «وحدة الساحات»

وكشفت حرب الأربعين يوماً عن فجوة واضحة بين الخطاب السياسي للجماعة وممارساتها على الأرض، فشعار «وحدة الساحات»، الذي استُخدم خلال الحرب في غزة لتبرير انخراطها الإقليمي، بدا في هذه الحرب أقرب إلى أداة دعائية منه إلى استراتيجية فعلية.

ففي حين رُفع هذا الشعار بقوة خلال الحرب في غزة، وترافق مع عمليات استهداف للملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن، جرى التعامل معه بمرونة ملحوظة في مواجهة الحرب ضد إيران، إذ اقتصر التفاعل الحوثي على خطوات محسوبة، تجنبت الانخراط الكامل، وراعت في الوقت ذاته عدم الظهور بمظهر المتخلي عن الحليف.

الحوثيون يحرقون العلم الإسرائيلي خلال تجمع لهم في صنعاء هذا الشهر (إ.ب.أ)

كما أن غياب الجماعة شبه التام خلال «حرب الاثني عشر يوماً» في 2025، ثم حضورها المحدود في الحرب الأخيرة، يُعزز الاستنتاج بأن قرار المشاركة لا تحكمه اعتبارات آيديولوجية بحتة، بل يخضع لحسابات دقيقة تتعلق بالمخاطر والمكاسب.

ولم تكن هذه الحسابات الحوثية مجرد استنتاجات، بل أكدتها كواليس التقييمات الأميركية، بعد أن حسم وزير الدفاع الأميركي، بيت هيغسيث، هذا الجدل في إحاطة صحافية بمقر البنتاغون الخميس الماضي؛ حيث أعلن بوضوح أن الحوثيين فضلوا البقاء خارج أتون هذا الصراع الإقليمي المباشر، واصفاً قرارهم بـ«الجيد».

وكان المبعوث الأممي إلى اليمن، هانس غروندبرغ، قد حذّر في إحاطته الأخيرة أمام مجلس الأمن من أن سلوك الحوثيين، بما في ذلك الهجمات الأخيرة، يُثير مخاوف من انزلاق اليمن إلى صراع إقليمي أوسع، رغم تجنبه هذا السيناريو حتى الآن.

ودعا غروندبرغ الجماعة إلى الامتناع عن أي تصعيد جديد، حفاظاً على فرص السلام، مؤكداً أن حماية حرية الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن تُمثل أولوية دولية، وهو ما يتقاطع مع تحذيرات الحكومة اليمنية.

من كل ذلك، يظهر أن شعار «وحدة الساحات» بالنسبة للحوثيين تحوّل إلى شعار مطاطي يُستخدم وفقاً للظروف، ويُعاد تفسيره بما يتناسب مع أولويات الجماعة، التي باتت تميل بوضوح إلى تغليب حسابات البقاء وتعظيم المكاسب الداخلية، حتى إن جاء ذلك على حساب التزاماتها المعلنة داخل المحور الإيراني.


«طريق مكة»... نموذج سعودي يختصر الطريق إلى المشاعر المقدسة

مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)
مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)
TT

«طريق مكة»... نموذج سعودي يختصر الطريق إلى المشاعر المقدسة

مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)
مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)

في مشهد يتكرر كل عام، لكنه يزداد نضجاً، واتساعاً، تتحول رحلة الحج من مجرد انتقال جغرافي إلى تجربة إنسانية متكاملة تبدأ من مطارات الدول المستفيدة، حيث تُختصر المسافات، وتزال التعقيدات، وتُستبدل بها منظومة خدمات دقيقة تعكس رؤية متقدمة في خدمة ضيوف الرحمن. هكذا تواصل مبادرة «طريق مكة» ترسيخ نموذجها الفريد الذي أعاد تعريف رحلة الحج منذ لحظتها الأولى، وجاعلاً من السلاسة عنواناً، ومن الكرامة أولوية، ومن التقنية شريكاً أساسياً في كل خطوة.

انطلاق رحلات الحجاج من أنقرة ضمن المسارات المخصصة للمبادرة (واس)

وللعام الثامن على التوالي، تواصل وزارة الداخلية السعودية تنفيذ مبادرة «طريق مكة» -إحدى مبادراتها ضمن برنامج خدمة ضيوف الرحمن، وأحد برامج «رؤية المملكة 2030»- عبر 17 منفذاً في 10 دول، تشمل المملكة المغربية، وجمهورية إندونيسيا، وماليزيا، وجمهورية باكستان الإسلامية، وجمهورية بنغلاديش الشعبية، والجمهورية التركية، وجمهورية كوت ديفوار، وجمهورية المالديف، إضافة إلى دولتي السنغال وبروناي دار السلام اللتين تشاركان للمرة الأولى.

وتهدف المبادرة إلى تيسير رحلة الحج من خلال تقديم خدمات متكاملة، وعالية الجودة، تبدأ بإصدار تأشيرة الحج إلكترونياً، مروراً بإنهاء إجراءات الجوازات في مطارات بلدان المغادرة، بعد التحقق من الاشتراطات الصحية، وأخذ الخصائص الحيوية، وترميز وفرز الأمتعة وفق ترتيبات النقل، والسكن داخل المملكة. وعند وصول الحجاج، ينتقلون مباشرة عبر مسارات مخصصة إلى الحافلات التي تقلهم إلى مقار إقامتهم في مكة المكرمة، والمدينة المنورة، فيما تتولى الجهات الشريكة إيصال أمتعتهم.

تكامل الجهات الحكومية في تقديم خدمات متقدمة لضيوف الرحمن (واس)

وفي إطار انطلاق موسم حج هذا العام، غادرت أولى رحلات المستفيدين من المبادرة من عدد من الدول، حيث انطلقت من جمهورية بنغلاديش الشعبية عبر صالة المبادرة في مطار حضرة شاه جلال الدولي متجهة إلى مطار الملك عبد العزيز الدولي بجدة، وبحضور عدد من المسؤولين، في خطوة تعكس جاهزية عالية، وتنسيقاً متكاملاً.

كما شهدت مدينة كراتشي في باكستان مغادرة أولى الرحلات عبر مطار جناح الدولي متجهة إلى مطار الأمير محمد بن عبد العزيز الدولي بالمدينة المنورة، في حين غادرت أولى الرحلات من ماليزيا عبر مطار كوالالمبور الدولي إلى الوجهة ذاتها، وسط حضور رسمي يعكس أهمية المبادرة في تعزيز تجربة الحجاج.

وامتد تنفيذ المبادرة إلى الجمهورية التركية، حيث انطلقت أولى الرحلات من مطار إيسنبوغا الدولي في أنقرة، متجهة إلى المدينة المنورة، ضمن منظومة تشغيلية موحدة تعكس تكامل الجهود بين مختلف الجهات المعنية.

خدمات تقنية ولوجيستية متكاملة تعزز تجربة الحجاج منذ المغادرة (واس)

وتنفذ وزارة الداخلية السعودية المبادرة بالتعاون مع وزارات الخارجية، والصحة، والحج والعمرة، والإعلام، والهيئة العامة للطيران المدني، وهيئة الزكاة والضريبة والجمارك، والهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، والهيئة العامة للأوقاف، وبرنامج خدمة ضيوف الرحمن، والمديرية العامة للجوازات، وبالتكامل مع الشريك الرقمي (مجموعة stc).

ومنذ إطلاقها في عام 1438هـ (2017)، أسهمت مبادرة «طريق مكة» في خدمة أكثر من 1.25 مليون حاج، في مؤشر واضح على نجاحها في تحقيق مستهدفاتها، وتطوير تجربة الحج بما يواكب تطلعات المملكة في تقديم خدمات استثنائية لضيوف الرحمن، ترتقي بتجربتهم الإيمانية، وتجسد صورة حديثة لإدارة الحشود، والخدمات اللوجيستية على مستوى عالمي.


وزير الخارجية السعودي يشارك في الاجتماع الوزاري الرباعي في أنطاليا

وزير الخارجية السعودي يشارك في الاجتماع الوزاري الرباعي في أنطاليا
TT

وزير الخارجية السعودي يشارك في الاجتماع الوزاري الرباعي في أنطاليا

وزير الخارجية السعودي يشارك في الاجتماع الوزاري الرباعي في أنطاليا

شارك الأمير فيصل بن فرحان، وزير الخارجية السعودي، في الاجتماع الوزاري الرباعي، الذي عقد في مدينة أنطاليا بتركيا، بمشاركة نائب رئيس الوزراء وزير خارجية باكستان محمد إسحاق دار، ووزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج الدكتور بدر عبد العاطي، ووزير خارجية تركيا هاكان فيدان.
وجرى خلال الاجتماع مناقشة مستجدات الأوضاع الإقليمية، ودعم جهود الوساطة الباكستانية ومساعيها في التوصل لوقف دائم لإطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة، بما يسهم في خفض حدة التصعيد ويجنب المنطقة والعالم التداعيات الأمنية والاقتصادية الخطيرة للحرب.