عباس يطلب وضع فلسطين تحت الحماية الدولية

خادم الحرمين يوجِّه بتقديم 200 مليون ريال للهلال الأحمر الفلسطيني

الرئيس الفلسطيني خلال لقائه المنسق الأمم المتحدة الخاص لعملية السلام روبرت سري في رام الله أمس حيث طالب المجتمع الدولي بحماية فلسطين (أ.ف.ب)
الرئيس الفلسطيني خلال لقائه المنسق الأمم المتحدة الخاص لعملية السلام روبرت سري في رام الله أمس حيث طالب المجتمع الدولي بحماية فلسطين (أ.ف.ب)
TT

عباس يطلب وضع فلسطين تحت الحماية الدولية

الرئيس الفلسطيني خلال لقائه المنسق الأمم المتحدة الخاص لعملية السلام روبرت سري في رام الله أمس حيث طالب المجتمع الدولي بحماية فلسطين (أ.ف.ب)
الرئيس الفلسطيني خلال لقائه المنسق الأمم المتحدة الخاص لعملية السلام روبرت سري في رام الله أمس حيث طالب المجتمع الدولي بحماية فلسطين (أ.ف.ب)

قال صائب عريقات، عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، وعضو مركزية حركة فتح، إن الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبو مازن) أرسل للأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، أمس، رسالة رسمية يطلب فيها توفير الحماية الدولية للشعب الفلسطيني بشكل فوري.
وأوضح عريقات، لـ«الشرق الأوسط»، أن الإجراء المنتظر الآن هو «أن تقوم الأمم المتحدة بإنشاء نظام خاص تضع فيه الأراضي الفلسطينية التي تتعرض لهذا العدوان الهمجي تحت نظام الحماية الدولية». وأضاف «هذا يعني أن توقف إسرائيل عدوانها فورا، ومن ثم يتدرج الأمر حتى تجلي إسرائيل قواتها عن أراضينا، ومن ثم تحضر قوات دولية لحماية شعبنا». وتابع «تكرر هذا نحو 19 مرة في مناطق العالم». وكان عباس سلم في مكتبه رسالة رسمية لبان كي مون، عبر ممثله في الأرض الفلسطينية روبرت سيري، تطالب بتوفير الحماية الدولية للشعب الفلسطيني وأرضه.
وقال عباس «قررنا الطلب رسميا من الأمم المتحدة توفير الحماية الدولية لشعب وأرض فلسطين في ظل العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة ووقوع مزيد من الشهداء ومزيد من الجرحى والتدمير». وأضاف عباس «بناء على قرار القيادة الفلسطينية قمنا باستدعاء ممثل الأمين العام للأمم المتحدة روبرت سيري، وسلمناه هذه الرسالة ليسلمها إلى الأمين العام بان كي مون». وتابع «الوضع لم يعد يحتمل الصبر أكثر من هذا، فإسرائيل أوغلت في كل شيء، ولا بد من إيقاف عدوانها على الشعب الفلسطيني الذي بدأ في الخليل ثم في مدينة القدس، ثم في باقي الضفة الغربية، وأخيرا في غزة، وهو وضع لم يعد يحتمل، وعليه أرسلنا هذه الرسالة». وأردف «هناك قرارات اتخذتها القيادة الفلسطينية ستعلن قريبا، وطلب الحماية الدولية للشعب والأرض الفلسطينية هو أول هذه القرارات».
وأوضح عريقات أن قرارات كثيرة ستكون موضع التنفيذ بعد استكمال دراستها من جميع الجوانب، وفي أعقاب اجتماع وزراء الخارجية العرب، اليوم، الذين ستدعوهم السلطة للتحرك على الصعيد الدولي لدعم طلب الحماية، بالإضافة إلى الطلب منهم الدعوة لعقد جلسة خاصة لمجلس الأمن على مستوى وزراء الخارجية، لاتخاذ قرار واضح لوضع حد للعدوان الإسرائيلي وإلزام إسرائيل بوقفه واحترام وقف إطلاق النار. وشدد عريقات على أن «الخطوة الأولى والأهم الآن هي وقف هذا العدوان الهمجي وحرب الإبادة ضد شعبنا». وكانت منظمة التحرير أصدرت بيانا أوضحت فيه أسباب الخطوة، قائلة إنها تأتي تعزيزا للجهود الهادفة إلى وضع حد لهذا العدوان ولحمل المجتمع الدولي على النهوض بمسؤولياته إزاء الانتهاكات المتواصلة من جانب إسرائيل لحقوق شعبنا ولإحكام القانون الدولي، وعلى طريق تأمين جلاء الاحتلال وتمكين دولة فلسطين من ممارسة سيادتها.
وفي مرات سابقة انتشرت قوات دولية بقرار من مجلس الأمن في الصومال، ولبنان، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وليبيريا، وسيراليون، وكوسوفو، وهايتي، وتيمور، ورواندا، وغيرها من دول العالم. ولجأت السلطة إلى هذا الحل بعدما فشلت الدبلوماسية الفلسطينية في وقف التغول الإسرائيلي في الضفة وغزة التي دخلت الحرب عليها أمس يومها السادس، وخلفت أكثر من 170 قتيلا و1200 جريح، ودمرت مئات المنازل والمنشآت، وخلقت حالة نزوح كبيرة وصلت إلى الآلاف. وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أمس، إنه لا يعرف متى ستنتهي المعركة في غزة، مضيفا في مستهل جلسة الحكومة الإسرائيلية «نحن نشن معركة عسكرية صارمة ضد حماس وسائر منظمات الإرهاب العاملة في قطاع غزة وبقوة تزداد رويدا فرويدا». وأَضاف «حماس اختارت الاعتداء على المدن الإسرائيلية بالقصف الصاروخي المكثف والعشوائي ونحن سنرد بقوة». واتهم نتنياهو قيادة حماس والقسام بالاختباء في المساجد وإقامة مستودعات للأسلحة والذخيرة في أقبية المستشفيات ومقرات قرب رياض للأطفال، مضيفا «العدو يستخدم سكان قطاع غزة كدروع بشرية ويجلب الويلات لهؤلاء السكان، وعليه فإن حركة حماس هي التي تتحمل مسؤولة أي مس بالمدنيين، في حين أن إسرائيل تأسف لذلك». وتابع «الفرق بين إسرائيل وحماس هو أننا نستخدم المنظومات المضادة للصواريخ لحماية سكان إسرائيل وهم يستخدمون سكان قطاع غزة لحماية مستودعات الصواريخ التابعة لهم».
وقتلت إسرائيل أمس أكثر من 20 فلسطينيا ليرتفع عدد القتلى منذ بدء العدوان إلى أكثر من 170 قتيلا و1200 جريحا. وكانت إسرائيل كثفت ليل السبت من غاراتها على غزة وقتلت عائلات بأكملها ردا على قصف حماس لتل أبيب بصواريخ «جي 80» الجديدة. وأكد تقرير صادر عن الأمم المتحدة أمس أن غالبية القتلى في غزة هم من المدنيين العزل ولا علاقة لهم بالعمليات العسكرية. وبحسب التقرير فإن 70 في المائة من القتلى في غزة هم من المدنيين. ودمرت إسرائيل حتى الأمس 800 منزل بشكل كامل وجزئي، وتسبب ذلك في نزوح نحو 5000 فلسطيني، فيما يعاني الآلاف من سكان القطاع من انقطاع الكهرباء والماء نتيجة استهداف إسرائيل للبنى التحتية في غزة، ويعانون من نقص الأدوية والاحتياجات الطبية في المشافي.
وواصلت القسام أمس قصف مدن إسرائيلية وأعلنت مجددا قصف حيفا، وهي أبعد نقطة وصلتها صواريخ حماس (120 كيلومترا).
وقال بيان للقسام إنهم قصفوا حيفا بصاروخ «آر 160» وتل أبيب بـ3 صواريخ «إم 75» وريشون ليتسيون بصاروخ فجر، كما استهدفوا للمرة الأولى قاعدة «بلماخيم» الجوية بـ3 صواريخ من طراز «إم 75». وتواصل القصف المتبادل فيما لم تقرر إسرائيل بعد بشأن الحرب البرية على قطاع غزة وسط محاولة فاشلة لاقتحام القطاع فجر أمس.
وحاولت وحدة كوماندوز بحرية إسرائيلية اقتحام منطقة السودانية في غزة للقيام بعمليات خاصة على الأرض، لكنها اصطدمت بمسلحين فلسطينيين واشتبكت معهم. وفي هذا الوقت تستمر الاتصالات على نطاق واسع بين الولايات المتحدة وإسرائيل ومصر وقطر والرباعية الدولية وتركيا وحماس من أجل الوصول إلى اتفاق وقف إطلاق النار وفق اتفاق التهدئة 2012. لكن لم يعرض نص متكامل وواضح حتى الأمس على الأطراف.
ويصل وزيرا خارجية ألمانيا فرانك فالتر شتاينماير وإيطاليا فيديريكا موغيريني التي تتولى بلادها رئاسة الاتحاد الأوروبي حاليا خلال الأيام المقبلة إلى الشرق الأوسط في زيارة للأردن وإسرائيل والضفة الغربية لدعم جهود وقف النار. وأعلن وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس، في فيينا حيث سيبحث مع نظرائه في الدول الكبرى الغربية الملف النووي الإيراني، أنه «في غزة كما في إسرائيل، الأولوية المطلقة هي وقف إطلاق النار». وصرح الوزير للصحافيين «في هذا السياق التصعيدي الكارثي تماما، تدعو فرنسا على غرار مجلس الأمن الدولي إلى العودة إلى هدنة 2012»، مؤكدا «أكيد أننا سنبحث في ذلك مع زملائي الحاضرين هنا».
ويلتقي وزراء خارجية الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا في العاصمة النمساوية في محاولة لتذليل العقبات مع الإيرانيين قبل أسبوع من انتهاء المهلة للتوصل إلى اتفاق حول البرنامج النووي الإيراني. لكن النزاع بين إسرائيل وحركة حماس سيكون أيضا على جدول المناقشات، وسيبحث وزراء الخارجية في تحديد «تحرك دولي عاجل ومنسق» بهدف التوصل إلى وقف إطلاق النار كما قال الوزير البريطاني ويليام هيغ. واعتبر المتحدث باسم الحكومة الألمانية شتيفن سايبرت، في مؤتمر صحافي الجمعة، أن «هذا الوضع المتوتر جدا بين إسرائيل والفلسطينيين يمكن تهدئته فقط إذا توقفت هجمات الصواريخ على مدن إسرائيلية من قطاع غزة على الفور»، فيما أدانت المستشارة أنجيلا ميركل هذا الأسبوع «إطلاق الصواريخ على إسرائيل». وتؤيد برلين «حق الإسرائيليين في الدفاع عن أنفسهم».
وقال موسى أبو مرزوق، عضو المكتب السياسي لحركة حماس، أمس «كثر الحديث عن التهدئة، وشروطها وتوقيتها، ونحن لسنا بتجار حروب.. وإذا كانت التهدئة فهذه ليست آخر المعارك واستراحة محارب، ومستمرون بعون الله».

 



ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.