حماس تخسر مليار دولار من تجارة الأنفاق

يتجاوز عددها 400 نفق

حماس تخسر مليار دولار  من تجارة الأنفاق
TT

حماس تخسر مليار دولار من تجارة الأنفاق

حماس تخسر مليار دولار  من تجارة الأنفاق

حولت العاصفة الثلجية التي ضربت الشرق الأوسط هذا الأسبوع، قطاع غزة إلى «فينيسا» جديدة، ولكن بمعايير جديدة، فسكان مدينة غزة اختاروا أن يستغلوا قوارب الصيد للانتقال من منطقة إلى أخرى، بعد السيول والأمطار التي اجتاحت المدينة أخيرا، في مشهد شبهه البعض بقوارب السياح التي تشق المدينة الإيطالية الجميلة.
كانت القوارب تعمل لإنقاذ آلاف المحاصرين في منازلهم جراء السيول التي هدمت منازل وأغرقت أخرى، وجعلت من القطاع بحرا كبيرا.
كان المشهد يختصر إلى حد كبير معاناة الغزيين، الذين لم يجدوا سوى «السخرية المرة» في مواجهة الواقع الأكثر مرارة، وهم يجربون من جديد كل أشكال الحياة البدائية، تحت «الحصار»، بلا كهرباء ولا وقود ولا ماء، بل غرقى في بحر مؤقت في مواجهة البرد، بعد 7 سنوات على حكم حركة حماس. كشفت العاصفة الثلجية، وهي الأقوى منذ سنوات طويلة، عن البنية التحتية الهشة في قطاع غزة، وزادت مأساة الغزيين مع استمرار انقطاع التيار الكهربائي عن المنازل، وفقدان الوقود اللازم، وهي أزمة مستمرة منذ أكثر من 50 يوما.
بدأت أزمة حماس قبل شهرين بإغلاق مصر للأنفاق، وهو ما منع تهريب الوقود والبضائع والأموال، لكن ذلك ترافق مع تغييرات في ميزان القوى الذي بات يهدد شرعية حماس. ومع تواصل الأزمة وجدت الحركة نفسها في عنق الزجاجة.
وطالما مر حكم الحركة الإسلامية في أزمات مشابهة، لكنها كانت في كل مرة تخرج أقوى من قبل بفضل حلفائها الأقوياء في المنطقة، وقدرتها على توظيف «المقاومة» و«الحصار» بشكل جيد لكسب تعاطف الآخرين وكسر القيود المصرية والفلسطينية، ولكن هذه المرة يبدو الأمر مختلفا.
ويمكن وصف الأزمة الحالية بالأسوأ في تاريخ حماس منذ منتصف 2006، بعدما ضحت الحركة بمعظم حلفائها الاستراتيجيين في المنطقة، وراهنت على الإخوان المسلمين فسقطوا، ثم خسرت مصر، ووجدت نفسها تحت «حصار» صعب، سياسي ومالي وإعلامي.
وتعكس الحالة المتردية للناس في قطاع غزة وضع حماس الصعب.
وتغط غزة طيلة 18 ساعة في اليوم في ظلام دامس بسبب انقطاع الكهرباء، وهو ما أدى إلى كوارث «ارتدادية»، إذ توقفت المضخات عن ضخ كميات المياه اللازمة للسكان، فيما أوقفت بعض المستشفيات عددا من غرف العمليات، والأقسام، بينما تتراكم النفايات وتزداد المكاره الصحية، جراء توقف عمل البلديات.
وتطال الأزمة الحالية كل قطاعات الغزيين تقريبا - إلا الأكثر ثراء - رجال الأمن، والطلاب، والصيادين، والأطباء، والصحافيين، وسائقي التاكسي، والمؤسسات، والوزارات، وجميع الموظفين، والعائلات في بيوتهم.
واستطلعت «الشرق الأوسط» آراء الكثير من أهالي القطاع الذين عبروا عن إحباط كبير بسبب «بدائية» الحياة وصعوبتها.
وقال صحافيون ومهندسون وأصحاب مصانع إنهم لا يستطيعون إنجاز أعمالهم بسبب الانقطاع المتواصل للكهرباء، فيما يضطر مئات الآلاف من الطلبة الفلسطينيين في غزة للدراسة على ضوء الشموع التي طالما جلبت كوارث بإشعالها حرائق أودت بحياة الأطفال.
وعبرت الطالبة في الصف العاشر، أماني أبو شنب، عن مخاوف حول مستقبل العام الدراسي بالنسبة لها بسبب انقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة. وقالت لـ«الشرق الأوسط» إنها تضطر هي وأشقاؤها الصغار للدراسة على ضوء الشموع حتى وقت متأخر من الليل.
ولجأت عدة مدارس في القطاع لتركيب لوحات شمسية تعمل على تحويل الطاقة الشمسية إلى كهربائية، لكن هذه التجربة مكلفة للبعض، كما أن مردودها محدود للغاية في فصل الشتاء.
وقال هاشم أبو ريالة (32 سنة): «الأزمات باتت تخنقنا، وتضر كثيرا بالحياة العامة هنا». وأضاف: «في بيتي لا يوجد كهرباء ولا ماء، وقاربي الصغير توقف عن العمل بسبب نقص الوقود». وتابع: «نبدو عاجزين بصراحة».
وتابع: «أنا أسكن في مخيم الشاطئ، حيث يعيش رئيس الوزراء إسماعيل هنية، والمياه تنقطع لأيام طويلة. الأزمة تضرب الجميع هنا». وتقف جهات الاختصاص حائرة وعاجزة أمام شكاوى معظم الأهالي الذين يشاركون أبو ريالة مشاكله.
وقال نقيب الصيادين في غزة، نزار عياش، لـ«الشرق الأوسط»، إنه يحاول قدر الإمكان توفير كميات محدودة جدا من الوقود للصيادين لكي يتمكنوا من العمل وكسب رزقهم. «الأزمة عامة».
أما المسؤولون في بلدية غزة، فيبررون توقف آبار المياه عن العمل بسبب حاجتها الماسة لكميات كبيرة من الوقود يوميا لكي تتمكن من العمل وضخ المياه للأحياء المختلفة.
وقال مسؤول قسم المياه في بلدية غزة المهندس، رمزي أهل، لـ«الشرق الأوسط»، إن «الآبار في مدينة غزة وحدها بحاجة إلى نحو 3 آلاف لتر سولار يوميا، ونحن لا نملك أي حلول الآن». وأضاف: «لا توجد أي حلول حتى في القريب. الأزمة ستتفاقم في الأيام المقبلة في ظل انقطاع الوقود، والسولار الاحتياطي المخزون لدى البلدية نفد بشكل كامل».
وتحتاج كل بلديات القطاع إلى 900 ألف لتر سولار شهريا لتشغيل مرافقها، وقف تصريحات لوزير الحكم المحلي في حكومة حماس، محمد الفرا. وأدى انقطاع الوقود إلى تعطيل عمل ما يقرب من 205 آبار مياه شرب و42 مضخة للصرف الصحي و4 محطات معالجة مياه للصرف الصحي و10 محطات مركزية لتحلية المياه المركزية، واضطرهم إلى ضخ 50 في المائة من الصرف الصحي دون معالجة إلى شاطئ البحر من خلال الكثير من محطات الضخ وخاصة غرب مدينة غزة.
وكان القطاع مقبلا على ما هو أسوأ من ذلك، إذ لمحت سلطة الطاقة وشركة الكهرباء في غزة إلى إمكانية تراجع عدد ساعات وصول الكهرباء إلى البيوت إلى أقل عن 6 ساعات يوميا. وحذر المسؤول في الشركة جمال الدردساوي، من عدم قدرة الشركة على السيطرة على برنامج 6 ساعات مع دخول فصل الشتاء.
وقال الدردساوي، لـ«الشرق الأوسط»، إن قطاع غزة يعاني من نسبة عجز في الكهرباء وصلت إلى 75 في المائة من نسبة الاحتياجات الفعلية، مؤكدا أنها مرشحة للازدياد إلى 80 في المائة مع دخول فصل الشتاء. وحذر الدردساوي من احتمالية انقطاع بعض الخطوط في حال دخلت المنطقة في منخفضات جوية. ويحتاج قطاع غزة، يوميا، إلى أكثر من 350 ميغاواط، ويستورد من الجانب الإسرائيلي بقيمة 120 ميغاواط، و17 ميغاواط من الجانب المصري، فيما تنتج محطة توليد الكهرباء المحلية ما قيمته 80 ميغاواط، بعجز متفاوت قد يصل إلى 150 ميغاواط. هذا مع وجود الوقود المصري رخيص الثمن. أما اليوم فتوقفت المحطة نهائيا عن توليد الطاقة.
وكانت المحطة تستهلك نحو 400 ألف لتر وقود حتى تولد الـ80 ميغاواط، أما الاحتياجات الأخرى في القطاع فتبلغ 100 ألف لتر يوميا من البنزين والسولار والمازوت.
ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل توقفت أجهزة غسل الكلى وحاضنات وغرف عمليات في بعض المستشفيات جراء نقص الكهرباء. وحذرت وزارة الصحة في حكومة حماس من نفاد مخزونها الاحتياطي بشكل كامل، ما يعني توقف كل المستشفيات والمرافق الصحية عن العمل، وخاصة أجهزة غسل الكلى وحضانات الأطفال الخدج وغيرها، كما اشتكت من نفاد كميات كبيرة من أنواع الأدوية بسبب إغلاق المعابر.
وكانت «شبكة المنظمات الأهلية» ومنظمات حقوق الإنسان في قطاع غزة حذرت من تدهور الأوضاع الإنسانية لسكان القطاع، مبدية قلقها البالغ من تفاقم أزمة انقطاع التيار الكهربائي التي تؤدي إلى الاقتراب من «حالة الكارثة الإنسانية، وتمس بشكل خطير بكل المصالح الحيوية للسكان، بما فيها خدمات المياه والصحة البيئية، وخدمات التعليم وكل الخدمات الحياتية اليومية الضرورية».
لكن تدخلا قطريا عاجلا بعد نداءات استغاثة أطلقتها السلطة الفلسطينية وحماس وجامعة الدول العربية، نجحت في التخفيف من حدة الأزمة.
واستأنفت محطة توليد الكهرباء في القطاع، هذا الأسبوع، عملها بعدما سمحت إسرائيل بإدخال كميات من الوقود الصناعي، للقطاع، عبر معبر كرم أبو سالم، كما سمحت بدخول بضائع أخرى، وقالت إنها مددت فترة فتح المعبر لاثنتي عشرة ساعة بدلا من ست ساعات. ويعتقد أن ذلك سيتواصل في الفترة المقبلة.
وسمحت منحة قطرية بشراء الوقود، بعدما خصصت لدفع ضريبة الوقود.
واتفقت القيادة القطرية مع الفلسطينية على شراء الأخيرة للوقود والتنسيق وإرساله إلى غزة لمدة شهر كامل، على أن تحول قطر ما قيمته 10 ملايين دولار، بدل قيمة الضريبة، على كمية الوقود، التي كانت محل خلاف بين السلطة وحماس.
ولا تنهي كميات الوقود التي دخلت إلى غزة الأزمة هناك، لكنها تخففها إلى حد ما. وأعلنت سلطة الطاقة والموارد الطبيعية بغزة أنه سيجري تشغيل محطة توليد الكهرباء وإدخالها إلى الخدمة بشكل تدريجي، حتى تعود إلى جدول التوزيع السابق بواقع 8 ساعات وصل، و8 ساعات قطع، وبشكل دوري. وبدأت أزمة حماس عندما سقط نظام الإخوان المسلمين في مصر، وأحكم الجيش المصري قبضته على الحدود وأغلق الأنفاق بين مصر والقطاع.
ولا يمكن فصل المنحى السياسي عن أزمة حماس في القطاع، ليس بسبب اتهامها فقط بالتدخل في شؤون مصر، وما قابله من ردة فعل مصرية، ولكن لأن الحركة أيضا رفضت التعاون مع السلطة في رام الله وتبادلتا الاتهامات فوق ذلك.
وتجد حماس صعوبة الآن في ترويج أن ما يحدث لكم (أي للناس) هو «جراء المقاومة» وبفعل «الحصار» الإسرائيلي، خصوصا أن الحركة ما توقفت لحظة عن دعم نظام الإخوان المسلمين في مصر بعد سقوط الرئيس المعزول محمد مرسي بشكل علني ومستفز، كما اتهمت من قبل جهات أمنية وسياسية مصرية، وحتى عبر حركة فتح الفلسطينية بالتدخل في شؤون مصر عبر سيناء.
ولم يطل رد مصر الجديدة، فأغلقت الأنفاق ومنعت تهريب الوقود والبضائع، وجمدت إلى حد كبير العلاقات مع حماس. ويعتقد مراقبون الآن أن حماس تدفع ثمن قراءتها الخاطئة لتطور الأحداث، منذ خسرت سوريا وإيران وراهنت على نظام الإخوان.. من ثم استعدت النظام المصري الجديد.
وفي أقل من عام واحد، خسرت حماس كل الحلفاء: سوريا وإيران والإخوان ومصر، فيما يحدث تغيير بطيء في السياسة القطرية التي طالما راهنت عليها حماس. واليوم لا مال يجود به الحلفاء، ولا أنفاق يمكن من خلالها إنعاش الحركة.
وثمة جدل كبير الآن حول ما إذا كانت حماس قد وقعت في أزمة «تعريف نفسها من جديد».
وخلال الأشهر القليلة الماضية ظهرت إشارات متناقضة لمواقف مسؤولين في الحركة. ظهر البعض أنه مع الإخوان ثم عاد البعض وأظهر رغبة في التقرب من مصر الجديدة، فيما خفف آخرون لهجتهم تجاه الرئيس السوري بشار الأسد، وراح مسؤولون من الخارج يحاولون من جديد مد الجسور مع إيران.
ورصد مركز «كارنيغي» الأميركي لـ«الشرق الأوسط» تراجع شعبية حركة حماس التي تحكم قطاع غزة، مشيرا إلى أنها تواجه الكثير من التحديات الداخلية والخارجية التي تهدد قبضتها على حكم القطاع.
وقال المركز: «إن حظوظ حماس قد تبدلت في عام واحد، حيث تلقت حماس ضربة بسبب الإطاحة بالإخوان المسلمين من حكم مصر، وعزلت عن العالم، في الوقت الذي تواجه فيه تهديدات داخلية وخارجية، وبينما تتفاقم الأوضاع الاقتصادية في غزة، يزداد شعور قادته حماس بالبارانويا ويجدون صعوبة متزايدة في الحكم».
وتحدث التقرير عن محاولات حماس التكيف مع التغييرات الدراماتيكية التي تشهدها المنطقة من حولها، وعجزها عن إعادة تعريف نفسها وسط هذه التحولات الإقليمية الكبرى، وسط تزايد التململ الشعبي وخسارتها الداعمين الأساسيين في المنطقة، وهو ما يعرض للخطر قدرتها على مواصلة حكم قطاع غزة.
ويرفض قادة حماس هذا التوصيف، ويصرون على أن حركتهم قادرة على تجاوز الأزمة، غير أن مفكرين في حماس وغيرها كان لهم موقف مخالف، إذ دعا القيادي المعروف في الحركة يحيى موسى، حركته إلى التحول إلى «حركة تحرر وطني فلسطيني»، وأن لا تبقى هياكلها التنظيمية وأطرها المؤسساتية أطرا تنظيمية إخوانية (الإخوان المسلمين).
هذه الدعوة لإعادة تعريف النفس، تبناها ودعا إليها الكاتب والمحلل السياسي هاني المصري، الذي يرى أنه لم يعد أمام حركة حماس هامش مناورة كاف كما كان عليه الحال سابقا، وكتب يقول: «هناك مخرج مضمون لحماس، لكن يبدو من الصعب أن تلجأ إليه، لأنها تأخرت في اعتماده، وكان يجب أن تستعد له مبكرا حتى في ذروة صعود الإخوان المسلمين، وهو إقامة مسافة كافية بينها وبين جماعة الإخوان المسلمين، وأن تكون جزءا من الحركة الوطنية الفلسطينية أكثر مما هي امتداد للجماعة. هذه المسافة ضرورية لأنها تستجيب لخصوصية القضية الفلسطينية بوصفها قضية تحرر وطني تحتاج وتستطيع الحصول على دعم عربي وإسلامي وإنساني وتحرري على امتداد العالم، ولا يجب أن تحسب نفسها على تيار واحد، بينما هي تستطيع الحصول على دعم جميع التيارات».
وأضاف: «إن المخرج الوحيد المتبقي هو أن تبدي حماس استعدادا جديا وحقيقيا أو تستجيب لمبادرات تدعوها إلى التخلي عن السلطة في غزة، مقابل شراكة سياسية حقيقية في السلطة والمنظمة، ولو اقتضى الأمر اتخاذ مبادرات منفردة في هذا الاتجاه، مثل الاستعداد لنقل السلطة في غزة إلى (هيئة وطنية موثوقة) وليس دعوة الفصائل إلى مشاركة حماس في السلطة؛ تمهيدا إلى الشروع في حوار وطني شامل يستهدف إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية في سياق إعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية من خلال إعادة تعريف المشروع الوطني وإعادة بناء التمثيل والمؤسسة الوطنية الجامعة التي تمثلها منظمة التحرير».
لكن هذا الخيار (أي المصالحة) يبدو الآن في «الثلاجة».
وعلى الرغم من أنه ليس من السهل أن تنهار الحركة الإسلامية في غزة، فإنها دخلت في نفق طويل. وأقر المسؤول الحمساوي غازي حمد بصعوبة الأزمة التي تمر بها حماس، وقال إنها خسرت الكثير من الدعم المالي وما زالت تبحث عن مخارج لذلك.
غير أنه لم يشر إلى حلول يمكن أن تلجأ لها حماس أو كيف تتدبر أمرها. ومع إغلاق «منابع» الدعم الكبيرة، تتلقى الحركة اليوم دعما أقل من قطر وتركيا، لكنه لا يكاد يسد حاجات «الحكم» الذي وصفه يوما رئيس المكتب السياسي للحركة خالد مشعل، بالورطة.
* ماذا خسرت حماس من إغلاق الأنفاق؟
> لم تكن مئات الأنفاق المحفورة تحت الأرض بين غزة ومصر مجرد أنفاق للتهريب وحسب، بل اتخذت هذه الأنفاق صفة المعابر الرسمية، لكنها معابر تحت الأرض، وتحولت مع الزمن إلى مصدر كبير للرزق والثراء، ودخلا مهما لخزينة الحكومة الحمساوية المقالة هناك أيضا.
وكان يدخل عبر هذه الأنفاق يوميا آلاف الأطنان من الوقود والسلع والبضائع المختلفة والأدوية، ومواد البناء، مثل الإسمنت والحديد، هذا غير تهريب السيارات والسجائر. ولا يعرف عدد دقيق للأنفاق، لكن مصادر مختلفة تقول إنها قد تصل إلى 400 نفق رئيسي، وأكثر من ألف فرعي.
والأنفاق متنوعة؛ أنفاق خاصة تابعة لحماس وأنفاق عامة للآخرين. ويكلف حفر النفق الواحد نحو 80 ألف دولار، بحسب حجمه وطوله، وإذا ما عمل بشكل متواصل فقد يصل دخل النفق الواحد إلى 150 ألف دولار في اليوم.
وقال مصدر فلسطيني مطلع لـ«الشرق الأوسط»، إن «أنفاق حماس تخص الحركة، يعمل فيها رجال محسوبون عليها، وتكون خاصة بتهريب وإدخال ما يخص حماس: سيارات، سلاح، وما شابه، ويتحرك منها رجال حماس أيضا». أما الأنفاق العامة، حسب المصدر، «فهي ملك أشخاص عاديين، ولهم شركاء أحيانا مصريون من البدو، وهذه تخضع لإشراف حماس وتخصص للبضائع والسلع».
وشكلت حماس في الأعوام السابقة لجنة خاصة للأنفاق، مهمتها الإشراف عليها وتحديد الضريبة المناسبة على كل بضاعة مهربة وجنيها من أصحاب هذه الأنفاق. وأعطت هذه اللجنة للأنفاق صفة الشرعية.
وتراقب هذه اللجنة وترصد كل النشاطات والتحركات، وتضع مراقبين على بوابات الأنفاق، وهي مختصة بمنح تراخيص لفتح أنفاق جديدة، وهذه تتطلب قدرة من المتقدم على الوفاء بالتزامات مالية كبيرة، وكثيرا ما قبلت اللجنة منح تراخيص لأنفاق جديدة، وكثيرا ما رفضت ذلك.
وتقدر مصر حجم تجارة الأنفاق بمليار دولا سنويا، بينما يقدرها خبراء اقتصاد في غزة بأقل من ذلك بقليل.
ولكن لا يعرف بالضبط كم تجني حماس من هذه التجارة، وقالت مصادر لـ«الشرق الأوسط» إن ذلك «بحسب البضائع»، وأضافت: «بعضها تفرض عليه ضريبة مقطوعة على الكيلو أو القطعة، وبعضها على الطن». وأضافت: «كانت تتقاضى نحو نصف دولار من أصل 80 سنتا هي سعر لتر البنزين عن كل لتر، و8 سنتات عن كل علبة سجائر، و15 دولارا عن كل طن حديد، و10 عن كل طن إسمنت». وتابعت المصادر القول: «بعض السلع مثل السيارات تفرض عليها ضريبة تصل إلى 25 في المائة، و2000 دولار على كل سيارة بدل إذن دخول». وهذا سار على أي بضائع تدخل إلى غزة، بما فيها الملابس واللحوم والعصائر وغيرها. كما تقتطع ضريبة من دخول العمال في الأنفاق.
وقدر مراقبون أن تجارة الأنفاق كانت تسهم بـ15 في المائة من ميزانية حماس، فيما تحصل على دخل آخر من خلال الضرائب التي يدفعها الناس، ناهيك عن الدعم الذي كانت تتلقاه من إيران وسوريا.
غير أن ذلك كله توقف الآن بانتظار كيف ستعيد حماس صياغة الموقف.



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.