ترحيل مئات المهاجرين من شمال المغرب... وألمانيا وإسبانيا مع دعمه أوروبياً

ثباتيرو حمل أخيراً رسالة لمحمد السادس من سانشيز حول الهجرة

مهاجرون غير شرعيين في مركز رياضي بلوس باريوس جنوب إسبانيا بعد إنقاذهم في مضيق جبل طارق في أغسطس الماضي (أ.ب)
مهاجرون غير شرعيين في مركز رياضي بلوس باريوس جنوب إسبانيا بعد إنقاذهم في مضيق جبل طارق في أغسطس الماضي (أ.ب)
TT

ترحيل مئات المهاجرين من شمال المغرب... وألمانيا وإسبانيا مع دعمه أوروبياً

مهاجرون غير شرعيين في مركز رياضي بلوس باريوس جنوب إسبانيا بعد إنقاذهم في مضيق جبل طارق في أغسطس الماضي (أ.ب)
مهاجرون غير شرعيين في مركز رياضي بلوس باريوس جنوب إسبانيا بعد إنقاذهم في مضيق جبل طارق في أغسطس الماضي (أ.ب)

بينما رحَّلت السلطات المغربية مئات المهاجرين خلال الأيام الماضية من مدينتي طنجة والناظور ومدن أخرى (شمال البلاد)، علمت «الشرق الأوسط» من مصادر دبلوماسية متطابقة مغربية وإسبانية أن خوسي لويس رودريغيز ثباتيرو رئيس الحكومة الإسبانية الأسبق، وميغيل أنخل موراتينوس، وزير خارجية إسبانيا الأسبق، حملا رسالة من رئيس الحكومة الإسبانية الحالي الاشتراكي بيدرو سانشيز، إلى العاهل المغربي الملك محمد السادس خلال استقباله لهما يوم 31 يوليو (تموز) الماضي عقب حفل الاستقبال الذي أقامه في قصر مرشان في طنجة بمناسبة عيد الجلوس الـ19.
وقالت المصادر ذاتها إن فحوى الرسالة تمحور حول ارتفاع وتيرة الهجرة غير الشرعية من المغرب نحو إسبانيا، كما عبّر رئيس الحكومة الإسبانية للعاهل المغربي عن رغبته في أن تقوم بلاده بالعمل على الحد من ذلك.
وتراوح عدد المرحَّلين خلال الأيام الماضية، حسبما ذكرت وكالة الصحافة الفرنسية، ما بين 1600 و1800 مهاجر غير شرعي. بينما التزمت وكالة الأنباء المغربية الرسمية الصمت إزاء عمليات الترحيل هذه. وقال متحدث باسم السلطات المحلية في طنجة إن هذه العمليات «تندرج في سياق جهود المغرب لمحاربة الهجرة غير الشرعية»، مشيراً إلى أنهم نقلوا إلى «مدن تتوافر فيها شروط حياة أفضل بالنسبة إليهم».
ويعد شمال المغرب ممراً تقليدياً للمهاجرين الساعين للوصول إلى أوروبا برّاً عبر مدينتي سبتة ومليلية اللتين تحتلهما إسبانيا شمال المغرب، أو بحراً عبر المتوسط. وشكلت إسبانيا هذا العام الوجهة الرئيسية للمهاجرين غير الشرعيين متجاوزة إيطاليا. ويتحدر أغلب المهاجرين المارين عبر المغرب من بلدان أفريقيا جنوب الصحراء.
في غضون ذلك، أعلن رئيس الحكومة الإسبانية سانشيز والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل السبت في سانلوكار دي باراميدا (إقليم قاديس) بجنوب إسبانيا، اتفاقهما على سبل مواجهة مشكلة المهاجرين، وعلى ضرورة تقديم دعم أوروبي أكبر إلى المغرب المعني مباشرة بهذه الأزمة.
وقال سانشيز خلال مؤتمر صحافي مشترك مع ميركل في ختام غداء عمل إن «المغرب يعاني من ضغوط تدفقات الهجرة من بلدان أفريقيا جنوب الصحراء، ونتيجة لذلك نحن بحاجة إلى تعزيز تعاوننا ليس فقط مع البلدان التي ينطلق منها المهاجرون، ولكن أيضاً مع دول العبور مثل المملكة المغربية».
وذكر سانشيز أن «أربعة عشر كيلومتراً تفصل بين شواطئ إسبانيا وشمال أفريقيا، إلا أن المسافة بالنسبة للنمو هي أكبر بكثير»، مضيفاً أن «ردم هذه الهوة من انعدام المساواة يجب أن يكون إحدى أبرز مهمات الاتحاد الأوروبي». وأشار سانشيز إلى أن النتائج التي توصل إليها المجلس الأوروبي خلال القمة التي عقدها في يونيو (حزيران) الماضي «تعكس التزام جميع مؤسسات الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء في الاتحاد بضرورة تعزيز وتكثيف التعاون مع المغرب، مع إعطاء المملكة الدور الرئيسي الذي تستحقه في معالجة وتدبير تدفقات الهجرة».
وأضاف سانشيز: «لقد تقاسمنا أنا والمستشارة الألمانية خلال هذا الاجتماع القناعة ذاتها بأن المغرب هو أحد الشركاء الرئيسيين للاتحاد الأوروبي وإسبانيا»، مشيراً إلى أن المفاوضات جارية حاليا مع المفوضية الأوروبية من أجل توفير الموارد المالية اللازمة لمساعدة المغرب في تدبير عملية تدفقات الهجرة.
وقال إن إسبانيا وألمانيا تدافعان عن سياسة أوروبية حول الهجرة «عمودية وأفقية وشاملة»، ترتكز بشكل أساسي على دعم وتعزيز تعاون الاتحاد الأوروبي مع الدول الأفريقية، لا سيما بلدان شمال أفريقيا ليس فقط في مجال الهجرة ولكن بشكل خاص في مجال التنمية.
من جهتها، أكدت المستشارة الألمانية ميركل أن على الاتحاد الأوروبي أن يعمل على تكثيف تعاونه مع المغرب في مجال الهجرة مع دعم وتقوية أسس ومرتكزات التعاون الموجه نحو المملكة المغربية وتونس «وهما البلدان الحدوديان اللذان يحتاجان إلى المساعدة». وقالت ميركل إن «المغرب البلد الذي يلعب دوراً مهماً ورئيسياً في قضية الهجرة، هو أيضاً شريك تجمعنا معه علاقات اقتصادية واتصالات جد وثيقة».
وأشارت ميركل إلى أن «ألمانيا التي عملت لسنوات مع المملكة المغربية حول قضايا مرتبطة بالتنمية تريد المساهمة في دعم المغرب لمواجهة تحدي الهجرة»، مضيفةً أن ألمانيا وإسبانيا تتقاسمان مقاربة مشتركة في هذا المجال.
وجاء في بيان صدر في مدريد عن اللقاء أن «سانشيز وميركل اتفقا على إبلاغ المفوضية الأوروبية بضرورة دعم الصندوق الائتماني الأوروبي لأفريقيا الذي تأتي منه الأموال الموجهة بشكل خاص إلى المغرب لمراقبة حدوده».
وذكرت ميركل أن ألمانيا دفعت مساهمتها لهذا الصندوق «من أجل تونس والمغرب لأنهما بحاجة إلى دعم في مجال الأمن الحدودي والتعاون في التنمية».
وشددت ميركل على أن قضية الهجرة تعد «تحدياً علينا أن نواجهه معاً لأنه لا يمكن لأي بلد أن يدعي أنه محصن ضد هذا التحدي. إنها قضية تطرح لنا مشكلة كبيرة كاتحاد أوروبي».
وقالت إن أوروبا « يجب ألا تتحدث فقط عن أفريقيا، بل أيضاً مع أفريقيا، من أجل الحد من ظاهرة الهجرة والوصول إلى موقف مشترك خلال قمة رؤساء الدول والحكومات المقررة في سالزبورغ في سبتمبر (أيلول) المقبل».
وتزامن لقاء ميركل - سانشيز في إسبانيا مع البدء بتنفيذ اتفاق وقع في السادس من أغسطس (آب) الماضي عندما التزمت مدريد استعادة المهاجرين الذين وصلوا إلى ألمانيا بعد أن سجلوا أسماءهم في إسبانيا بحسب قواعد البيانات الأوروبية. إلا أن هذا الاتفاق يبقى رمزياً، لأن قلة من المهاجرين الذين يصلون إلى إسبانيا انتقلوا إلى ألمانيا.
وكانت ميركل وعدت بالعمل على اتفاقات من هذا النوع داخل الاتحاد الأوروبي لإقناع وزير داخليتها هورست زيهوفر بالتخلي عن مشروعه لطرد أي طالب لجوء سبق أن تسجل في قاعدة البيانات الأوروبية في بلد آخر.
وتسعى برلين حالياً إلى إقناع إيطاليا واليونان بالموافقة أيضاً على استعادة المهاجرين الذين تسجلوا على أراضيهما قبل أن يتوجهوا إلى ألمانيا.
وفِي ردِّ فعل إزاء ترحيل السلطات المغربية للمهاجرين غير الشرعيين من شمال المغرب، قال محمد السوسي، الناشط بمركز الشمال لحقوق الإنسان بطنجة، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن العملية انطلقت عقب محاولة جماعية لاقتحام حواجز مدينة سبتة من طرف مجموعة تناهز 600 مهاجر غير قانوني نهاية يوليو الماضي، الشيء الذي أثار استنكاراً لدى إسبانيا والاتحاد الأوروبي، اللذين عبرا عن قلقهما إزاء الارتفاع المتواصل لضغط المهاجرين على الحدود مع المغرب.
وأضاف السوسي أن «العملية شملت عدة مدن شمالية على طول الساحل المتوسطي، منها الناظور وتطوان والفنيدق وطنجة ومرتيل. كما أن السلطات المغربية لم تكتفِ هذه المرة بتمشيط الغابات القريبة من هذه المدن، التي تأوي إليها جماعات المهاجرين الأفارقة، بل شملت هذه المرة الأحياء السكنية داخل المدن والعمارات التي يقطنها الأفارقة».
وحول سير العملية، قال السوسي: «لم نسجل أية ممارسة للعنف ضد المهاجرين أو تجميعهم بشكل غير لائق. عموماً كان تعامل السلطات جيداً». ويضيف السوسي: «لكننا نتساءل عن الجدوى من هذه العملية. لأن ترحيل المهاجرين عبر نقلهم بحافلات إلى مدن أخرى في البلاد لا يحل المشكلة. لأنهم حتما سيعودون. وربما أن عناصر الفوج الأول الذي رحل قبل أيام في طريقهم من جديد إلى الشمال».
من جانبه، اعتبر عمر الناجي، رئيس فرع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بمدينة الناظور، أن حملة احتجاز وترحيل المهاجرين الأفارقة تخللتها عدة خروقات. وقال الناجي لـ«الشرق الأوسط» إن احتجاز المهاجرين من طرف قوات الأمن والدرك جرى من دون أمر من النيابة العامة، كما أن النقل إلى مدن جنوبية تم من دون موافقة المعنيين، الشيء الذي تعتبره الجمعية المغربية لحقوق الإنسان خرقاً لحقوق المهاجرين.
وأوضح الناجي أن العملية انطلقت في الناظور يوم الثلاثاء 7 أغسطس، ولا تزال مستمرة، وشملت مخيمات المهاجرين في الغابة القريبة من الناظور إضافة إلى أحياء سكنية داخل المدينة. وقدرت الجمعية عدد المهاجرين الأفارقة الذين رحلوا من الناظور وحدها بنحو 600 مهاجر. وأضاف: «نعتبر أن هذه العملية لن تحل المشكلة. ونعارض أن يستمر المغرب في لعب دور الحارس الذي يبعد المهاجرين عن الحدود الأوروبية».
وأوضح الناجي أن حملة الترحيل همَّت المهاجرين الأفارقة من جنوب الصحراء فقط، ولم تشمل السوريين واليمنيين والفلسطينيين، الذين عبروا بدورهم الحدود الجزائرية في اتجاه شمال المغرب بحثاً عن فرصة للعبور إلى الضفة الأخرى للمتوسط بهدف الحصول على اللجوء.
وأوضح الناجي أن اللاجئين اليمنيين والفلسطينيين بدأوا يصلون في الآونة الأخيرة فقط إلى شمال المغرب. وقدر عدد اليمنيين الموجودين حاليا بالناظور بنحو 50 شخصا، والفلسطينيين بنحو 20.
وقال الناجي: «هؤلاء وضعهم مختلف، فهم لاجئين وليسوا مهاجرين. وهدفهم دخول مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين بغرض تسجيل أنفسهم كلاجئين».
وازداد الضغط على المغرب خلال الأشهر الأخيرة مع إغلاق طريق ليبيا في وجه المهاجرين الأفارقة. وارتفع عدد المهاجرين الذين يخترقون الحدود المغربية - الجزائرية في اتجاه شمال المغرب بحثاً عن فرصة لعبور مضيق جبل طارق.
وحسب المرصد الدولي للهجرة، فإن إسبانيا فاقت إيطاليا فيما يتعلق بوصول المهاجرين غير القانونيين عبر البحر، إذ يقدر عدد الذي عبروا الحدود الجنوبية لإسبانيا منذ بداية العام الحالي بنحو 23.5 ألف شخص، وهو رقم أعلى من الرقم المسجل خلال السنة الماضية، وقضى 304 خلال محاولتهم بلوغ سواحلها الجنوبية، وفق إحصاء لمنظمة الهجرة الدولية.
يذكر أن تقريرا أصدرته وزارة الخارجية الأميركية أخيراً سجل «استمرار السلطات المغربية في القيام بعمليات ترحيل قسري لمهاجرين في وضعية غير قانونية نحو وجهات داخل البلاد، انطلاقا من الناظور خصوصاً»، مع الإشارة في الوقت نفسه إلى تراجع هذه العمليات في السنوات الأخيرة.



الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
TT

الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)

بينما يحتفل العالم بيوم الصحة العالمي كمناسبة لتعزيز التقدم الصحي، يعاني اليمنيون من ضعف فاعلية النظم الصحية ومؤشرات التحسن والقدرة على تجنّب الانهيار، في بيئة تتكاثر فيها الأوبئة أكثر مما تنحسر.

وفي الوقت الذي تعلن منظمة الصحة العالمية عن مساعيها لجعل العلم خط الدفاع الأول عن الأرواح في اليمن، لا تتيح الصعوبات أكثر من إدارة الأزمات المتكررة، في نظام صحي مُنهك، يعتمد على الاستجابة الطارئة، ويعجز عن الاستقرار، وتفرض أوبئة كثيرة حضورها، مثل داء كلّابية الذنب (داء السوداء).

ويعكس أحدث اللقاءات، الذي جرى، الأحد، بين وزارة الصحة في الحكومة اليمنية ومنظمة الصحة العالمية هذا الواقع بوضوح؛ حيث جرى فيه التركيز على بذل الجهود لتعزيز الترصد الوبائي والاستجابة السريعة، إلى جانب تدشين حملة «رش ضبابي» لمكافحة نواقل الأمراض، في محاولة استباقية للحد من انتشار الملاريا وحمى الضنك مع اقتراب فصل الصيف الملائم لتكاثر البعوض.

وشدّد اللقاء الذي ضمّ علي أحمد الوليدي، وكيل الوزارة لقطاع الرعاية الصحية الأولية، وسيد جعفر، ممثل منظمة الصحة العالمية لدى اليمن، على أهمية تعزيز الشراكة بين الجانبين لرفع كفاءة الاستجابة الصحية، والتزام المنظمة الأممية بمواصلة تقديم الدعم اللازم للقطاع الصحي في اليمن بما يضمن استمرارية الخدمات الأساسية ومواجهة الفاشيات الوبائية، كما أورد الإعلام الرسمي.

لقاء بين مسؤولين يمنيين وأمميين لمناقشة ترتيبات حملات مكافحة نواقل الأمراض (سبأ)

لكن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، تأتي في سياق أكثر تعقيداً، حيث تشير تقارير المنظمة إلى أن التحديات الصحية في اليمن لم تعد مرتبطة بمرض واحد أو تفشٍّ محدد، بل بمنظومة أزمات متداخلة مثل الصراع المستمر والكوارث المناخية وشح التمويل.

وذكرت مصادر صحية حكومية لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة اليمنية تراقب تداعيات الحرب الإقليمية وتأثيرها على القطاع الصحي، وتنوي التوجه إلى المانحين والمنظمات المعنية بالصحة بخطط وطلبات للحصول على مساعدات عاجلة لمواجهة الأوبئة المتوقع انتشارها خلال الأشهر المقبلة.

وحذرت المصادر من تفشٍّ واسع لمرضى الكوليرا والحصبة في عدد من مديريات محافظة الحديدة غربي البلاد، مع ازدياد أعداد المصابين خلال الأيام الماضية، وتسجيل عشرات الحالات يومياً، مع مخاوف من زيادة كبيرة فيها خلال الأيام المقبلة.

المخاوف تزداد من تفشي الأوبئة الموسمية في ظل ضعف القطاع الصحي اليمني (أ.ب)

ووفقاً للمصادر، فإن هناك حالة ترقب شديدة لعودة انتشار الملاريا وحمى الضنك في محافظة ومدينة تعز، بعد هطول الأمطار الغزيرة هناك، والتي تتسبب في تكون المستنقعات والأوحال التي تمثل البيئة الملائمة لتكاثر النواقل.

ضغوط الصراع والمُناخ

واجه اليمن، خلال العام الماضي، موجات متكررة من الأمراض الوبائية، من بينها الكوليرا، والحصبة، إلى جانب الأمراض المنقولة بالنواقل، في ظل هشاشة القدرة على الاحتواء.

ورغم ذلك أظهر تقرير منظمة الصحة العالمية أن التدخلات المبنية على الأدلة أسهمت في الحد من الأضرار، حيث تم تشغيل 27 مركزاً لمعالجة الإسهالات، وأكثر من 56 ألف حالة كوليرا شديدة، إضافةً إلى تنفيذ حملات تطعيم فموية وصلت إلى أكثر من 3 ملايين شخص.

وجرى تعزيز أنظمة الترصد الوبائي من خلال دعم فرق الاستجابة السريعة وتدريب أكثر من 1500 عامل صحي، مما ساعد على الكشف المبكر عن الفاشيات وتقليل زمن الاستجابة، وهو عامل حاسم في الحد من انتشار الأمراض في بيئات هشة.

مياه المستنقعات شكلت خطراً صحياً على المجتمعات المتضررة من الفيضانات في اليمن (الأمم المتحدة)

وواجهت المستشفيات خلال فترات التصعيد التي شهدها عدد من المحافظات العام الماضي، تدفقاً كبيراً لحالات الإصابات، في ظل نقص حاد في المعدات والأدوية، وتعطل خدمات الإحالة الطارئة، كما ورد في التقرير الصادر بمناسبة يوم الصحة العالمي.

واستجابةً لذلك، قدمت المنظمة أكثر من 3200 طن من الإمدادات الطبية، ودعمت 12 فريقاً جراحياً، إلى جانب تشغيل سيارات إسعاف وتمويل خدمات الطوارئ، مما أسهم في استمرار إجراء العمليات الجراحية وتقديم الرعاية الحرجة.

وتقول المصادر الصحية إن هذه الجهود لا يمكن أن تزيد على كونها «إدارة أزمة» أكثر من كونها حلاً مستداماً، إذ يظل النظام الصحي معتمداً بشكل كبير على الدعم الخارجي، في وقت تتسع فيه فجوة التمويل، خصوصاً بعد تراجع مساهمات بعض المانحين.

جهود أممية للوقاية من داء كلابية الذنب (داء السوداء) للمجتمعات النائية في اليمن (الأمم المتحدة)

وإلى جانب الحرب، تلعب الكوارث المناخية دوراً متزايداً في تعقيد المشهد الصحي. فقد تسببت الفيضانات التي ضربت عدة محافظات في تدمير البنية التحتية ونزوح آلاف الأسر، وخلقت بيئة مثالية لانتشار الأمراض، مما استدعى تزويد المنظمة للمرافق الصحية بأطنان من الأدوية والمستلزمات، وتقديم خدمات علاجية لعشرات الآلاف من المرضى، إلى جانب تعزيز حملات مكافحة النواقل وتوفير أدوات التشخيص السريع.

إنجازات تحت الضغط

يشير التقرير إلى أهمية نهج «الصحة الواحدة»، الذي يربط بين صحة الإنسان والبيئة، خصوصاً في بلد تتقاطع فيه مخاطر المناخ مع هشاشة الخدمات الأساسية.

ورغم الصورة القاتمة، لا تخلو التقارير من مؤشرات على قدرة النظام الصحي على الصمود. فقد تم تزويد عشرات المرافق بالأكسجين الطبي والوقود والمياه، مما أتاح استمرار تقديم ملايين الخدمات الصحية، وإجراء مئات الآلاف من العمليات الجراحية، وتأمين ولادات آمنة لعشرات الآلاف من النساء.

وشهدت بعض البرامج النوعية تقدماً لافتاً، مثل حملات مكافحة الأمراض المدارية، التي وصلت إلى مناطق نائية عبر استراتيجيات «من منزل إلى منزل»، محققةً نسب تغطية تجاوزت المعايير الدولية.

ورشة توعية ضمن أنشطة منظمة الصحة العالمية لتعزيز الوقاية من الأمراض (الأمم المتحدة)

ونفذت وزارة الصحة العامة والسكان بدعم فني وتشغيلي من منظمة الصحة العالمية، واحدة من أكثر حملات المعالجة الجماعية طموحاً ضد داء كلّابية الذنب (داء السوداء)، حيث تم الوصول إلى السكان الذين كانوا خارج نطاق الحملات الصحية.

ويعدّ كلّابية الذنب (المعروف عادة باسم «العمى النهري»)، والذي يسبب مرضاً جلدياً منهكاً ووصمة اجتماعية ومعاناة طويلة الأمد، من أخطر الأوبئة التي غزت اليمن في سنوات الصراع، وأسهمت التضاريس الوعرة ونقص التمويل المُزمن في ترك عديد من الأسر من دون إمكانية الوصول إلى العلاج.

وحسبما تنقل المنظمة عن المسؤولين الصحيين اليمنيين، فإن عائلات كاملة عاشت مع هذا الداء دون أن تتلقى أي علاج، قبل أن تغير هذه الحملة هذا الواقع بشكلٍ أساسي، حيث عبرت الفرق الصحية الجبال، وواجهت انعدام الأمن والعزلة، للوصول إلى كل منزل، مما يؤكد أنه يمكن الوصول إلى كل المجتمعات في اليمن.

وطبقاً للمنظمة، أصبح المتطوعون المحليون، خصوصاً النساء، هم العمود الفقري للتنفيذ، حيث قاموا ببناء الثقة والدخول إلى المنازل التي لم يتم الوصول إليها من قبل وضمان الاستخدام الأمثل لكل جرعة لحماية السكان.

Your Premium trial has ended


تحذيرات يمنية من تعاظم خطر المراكز الصيفية الحوثية

الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
TT

تحذيرات يمنية من تعاظم خطر المراكز الصيفية الحوثية

الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)

دقّت نقابة المعلمين اليمنيين ناقوس الخطر إزاء ما وصفته بتصاعد الاستهداف المنهجي لقطاع التعليم في البلاد من قبل الجماعة الحوثية، عبر توظيف المراكز الصيفية أداةً لإعادة تشكيل وعي الأجيال الناشئة، بالتوازي مع استمرار قطع مرتبات المعلمين منذ سنوات.

وعدّت النقابة أن هذا النهج يمثل «هجوماً مزدوجاً» يهدد مستقبل التعليم والهوية الوطنية في آن معاً، في ظل ظروف اقتصادية ومعيشية متدهورة تعانيها الكوادر التربوية.

وفي بيان لها، أوضحت النقابة أن اليمن يواجه مسارين متوازيين من الاستهداف؛ الأول يتمثل في «تجريف الوعي والهوية الوطنية عبر أدوات فكرية وطائفية ممنهجة»، والثاني في «استهداف الكرامة المعيشية للمعلم من خلال قطع المرتبات منذ عام 2016».

وأكدت أن تزامن هذين المسارين يفاقم من هشاشة العملية التعليمية، ويفتح المجال أمام مزيد من التدهور في بنية التعليم ومخرجاته.

استغلال المساعدات لإجبار العائلات على إرسال أبنائها إلى مراكز الحوثيين (إعلام محلي)

وأشارت النقابة إلى أن المراكز الصيفية التي تنظمها الجماعة لم تعد أنشطة موسمية تعليمية، بل تحولت إلى منصات للتعبئة الفكرية والعقائدية تستهدف الأطفال والشباب، وتسعى - وفق البيان - إلى «طمس الهوية الوطنية، وتعزيز مفاهيم تتعارض مع القيم المجتمعية اليمنية». ولفتت إلى أن أعداد الملتحقين بهذه المراكز تجاوزت نصف مليون طالب وطالبة خلال العام الماضي، في مؤشر على التوسع المتسارع لهذه الأنشطة.

أدوات التأثير الفكري

ترى نقابة المعلمين اليمنيين أن هذه المراكز تمثل إحدى أبرز أدوات التأثير الفكري التي تعتمدها الجماعة، حيث تُعاد من خلالها صياغة وعي الطلاب، عبر برامج مكثفة تتضمن خطابات تعبئة دينية وسياسية، وتفسيرات انتقائية للنصوص الدينية، بما يخدم أهدافاً محددة. وتؤكد أن «هذه الأنشطة لا تقتصر على التعليم النظري، بل تمتد إلى أنشطة عملية تعزز مفاهيم الولاء والانتماء الضيق.

ووفق تقارير محلية، فإن وسائل ضغط مختلفة تُستخدم لدفع الأسر إلى إلحاق أبنائهم بهذه المراكز، من بينها ربط الحصول على بعض المساعدات الإنسانية بالمشاركة، أو التأثير على نتائج الطلاب الدراسية؛ مما يثير مخاوف واسعة لدى أولياء الأمور من تعرض أبنائهم للاستغلال الفكري.

وفي هذا السياق، شددت النقابة على أن استمرار هذا النهج يسهم في خلق فجوة معرفية وقيمية بين الأجيال، ويؤسس لبيئة تعليمية غير متوازنة؛ مما قد ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي مستقبلاً.

بالتوازي مع ذلك، جددت النقابة مطالبتها بصرف مرتبات المعلمين المتوقفة منذ سبتمبر (أيلول) 2016 في مناطق سيطرة الحوثيين، مؤكدة أن هذا الانقطاع تسبب في معاناة إنسانية واسعة، وأجبر آلاف المعلمين على البحث عن مصادر دخل بديلة أو النزوح مع أسرهم.

استنساخ حوثي لتجربة «الحرس الثوري» الإيراني في تجنيد الأطفال (إعلام محلي)

وأوضحت أن «غياب الاستقرار المالي للمعلم أدى إلى إضعاف دوره داخل العملية التعليمية، وفتح المجال أمام إدخال عناصر غير مؤهلة تحت اسم (متطوعين)، أوكلت إليهم مهام التدريس». وأشارت إلى أن هذه الخطوة أسهمت في تراجع جودة التعليم، خصوصاً مع اتهامات بتوظيف هؤلاء لنشر أفكار مؤدلجة داخل المدارس، في ظل تغييرات طالت المناهج الدراسية.

وأكدت النقابة أن حرمان المعلمين من حقوقهم لا يمثل مجرد أزمة معيشية، بل يعدّ «عاملاً رئيسياً في تقويض أسس التعليم، وبيئة خصبة لانتشار الجهل والتطرف الفكري»، داعية إلى «إعادة الاعتبار للمعلم بوصفه حجر الزاوية في بناء المجتمع».

دعوة للتحرك المحلي والدولي

ودعت النقابة المجتمع الدولي والأمم المتحدة والمنظمات المعنية بالتعليم والطفولة إلى التدخل العاجل لوقف ما وصفته بـ«تسييس التعليم»، و«منع استغلال الأطفال في أنشطة ذات طابع آيديولوجي، والضغط من أجل صرف المرتبات وفق القوانين والأعراف الدولية».

كما شددت على أهمية اتخاذ إجراءات داخلية في المحافظات المحررة، تشمل انتظام صرف المرتبات ورفعها بما يتناسب مع غلاء المعيشة، وصرف العلاوات المتأخرة، وتسوية أوضاع المعلمين، خصوصاً النازحين منهم، بما يسهم في تعزيز استقرار العملية التعليمية.

من جهته، حذر الخبير التربوي ناجي الزياد بأن المراكز الصيفية في مناطق سيطرة الحوثيين تجاوزت دورها التقليدي، وأضحت «معسكرات مغلقة» تستهدف «تشكيل وعي يخدم أجندات سياسية ضيقة». وأشار إلى أن «هذه المراكز تعتمد على إعادة تفسير النصوص الدينية وتوظيفها في سياق التحريض على العنف والكراهية، بما يعزز الانقسام داخل المجتمع».

تحويل المساجد إلى مواقع حوثية لتدريب الأطفال على العنف (إعلام محلي)

وأكد أن الجماعة تستهدف الفئات العمرية الأعلى قابلية للتأثر، مستغلة الظروف الاقتصادية الصعبة للأسر، حيث تمارس - وفق قوله - ضغوطاً متعددة «تشمل الحرمان من المساعدات أو التهديد بذلك؛ لدفع الأطفال إلى الالتحاق بهذه البرامج».

ودعا الزياد المؤسسات التعليمية في مناطق الشرعية إلى «تبني بدائل فعالة»، من بينها «توفير منح دراسية داخلية وخارجية لأبناء الأسر الموجودة في مناطق سيطرة الحوثيين، وإطلاق منصات تعليم إلكتروني تستهدف الأطفال، إلى جانب تصميم برامج توعوية حديثة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تسهم في رفع الوعي والكشف عن مخاطر هذه الأنشطة».

وأكدت نقابة المعلمين اليمنيين في ختام بيانها أنها ستواصل جهودها للدفاع عن حقوق المعلمين وحماية الهوية الوطنية، محذّرة بأن ما يواجهه التعليم في اليمن «ليس أزمة عابرة، بل صراع على الوعي والكرامة»، في إشارة إلى الأبعاد العميقة للأزمة التعليمية في البلاد.

Your Premium trial has ended


الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
TT

الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)

قالت القيادة المركزية الأميركية، ​في إشعار للبحارة اطلعت عليه وكالة «رويترز»، اليوم الاثنين، إن الجيش الأميركي سيفرض سيطرة ‌بحرية في ‌خليج ​عُمان ‌وبحر ⁠العرب ​شرقي مضيق هرمز، ⁠وإن هذا الإجراء سيشمل جميع السفن بغض النظر عن العلم الذي ⁠ترفعه.

وأشارت المذكرة ‌إلى ‌أن السيطرة ​البحرية ‌سيبدأ سريانها ‌الساعة 14:00 بتوقيت غرينتش اليوم.

وجاء في الإشعار: «أي سفينة ‌تدخل أو تغادر المنطقة المحاصرة دون تصريح ⁠ستكون ⁠معرضة للاعتراض أو تحويل المسار أو الاحتجاز». وقالت: «لن تعوق السيطرة حركة الملاحة المحايدة عبر مضيق هرمز من ​وإلى ​وجهات غير إيرانية».

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، أن الولايات المتحدة ستبدأ فرض حصار بحري على مضيق هرمز، بعد انهيار محادثات السلام مع إيران في إسلام آباد، مؤكداً أن المفاوضات حققت تقدماً في معظم الملفات، لكنها تعثرت بسبب رفض طهران التخلي عن برنامجها النووي.

وقال ترمب إن المحادثات التي جرت بين الولايات المتحدة وإيران وباكستان كانت «ودية للغاية»، مشيراً إلى أن واشنطن حصلت «تقريباً على كل النقاط التي كانت تسعى إليها» خلال تلك الجولة.

وأضاف: «في المراحل الأخيرة أصبحت الأجواء ودية للغاية، وحصلنا تقريباً على كل ما كنا نريده، باستثناء أنهم يرفضون التخلي عن طموحهم النووي». وتابع: «وبصراحة، بالنسبة لي، كان ذلك النقطة الأهم على الإطلاق».

ودافع ترمب، عن تهديداته السابقة ضد إيران، قائلاً إن تحذيراته ساعدت في دفع طهران إلى طاولة المفاوضات. وأصدر في المقابلة نفسها تهديدات جديدة باستهداف البنية التحتية المدنية الإيرانية إذا لم توافق القيادة الإيرانية على التخلي عن برنامجها النووي. وقال: «في غضون نصف يوم، لن يبقى لديهم جسر واحد قائم، ولن تبقى لديهم محطة كهرباء واحدة، وسيعودون إلى العصر الحجري».