ترحيل مئات المهاجرين من شمال المغرب... وألمانيا وإسبانيا مع دعمه أوروبياً

ثباتيرو حمل أخيراً رسالة لمحمد السادس من سانشيز حول الهجرة

مهاجرون غير شرعيين في مركز رياضي بلوس باريوس جنوب إسبانيا بعد إنقاذهم في مضيق جبل طارق في أغسطس الماضي (أ.ب)
مهاجرون غير شرعيين في مركز رياضي بلوس باريوس جنوب إسبانيا بعد إنقاذهم في مضيق جبل طارق في أغسطس الماضي (أ.ب)
TT

ترحيل مئات المهاجرين من شمال المغرب... وألمانيا وإسبانيا مع دعمه أوروبياً

مهاجرون غير شرعيين في مركز رياضي بلوس باريوس جنوب إسبانيا بعد إنقاذهم في مضيق جبل طارق في أغسطس الماضي (أ.ب)
مهاجرون غير شرعيين في مركز رياضي بلوس باريوس جنوب إسبانيا بعد إنقاذهم في مضيق جبل طارق في أغسطس الماضي (أ.ب)

بينما رحَّلت السلطات المغربية مئات المهاجرين خلال الأيام الماضية من مدينتي طنجة والناظور ومدن أخرى (شمال البلاد)، علمت «الشرق الأوسط» من مصادر دبلوماسية متطابقة مغربية وإسبانية أن خوسي لويس رودريغيز ثباتيرو رئيس الحكومة الإسبانية الأسبق، وميغيل أنخل موراتينوس، وزير خارجية إسبانيا الأسبق، حملا رسالة من رئيس الحكومة الإسبانية الحالي الاشتراكي بيدرو سانشيز، إلى العاهل المغربي الملك محمد السادس خلال استقباله لهما يوم 31 يوليو (تموز) الماضي عقب حفل الاستقبال الذي أقامه في قصر مرشان في طنجة بمناسبة عيد الجلوس الـ19.
وقالت المصادر ذاتها إن فحوى الرسالة تمحور حول ارتفاع وتيرة الهجرة غير الشرعية من المغرب نحو إسبانيا، كما عبّر رئيس الحكومة الإسبانية للعاهل المغربي عن رغبته في أن تقوم بلاده بالعمل على الحد من ذلك.
وتراوح عدد المرحَّلين خلال الأيام الماضية، حسبما ذكرت وكالة الصحافة الفرنسية، ما بين 1600 و1800 مهاجر غير شرعي. بينما التزمت وكالة الأنباء المغربية الرسمية الصمت إزاء عمليات الترحيل هذه. وقال متحدث باسم السلطات المحلية في طنجة إن هذه العمليات «تندرج في سياق جهود المغرب لمحاربة الهجرة غير الشرعية»، مشيراً إلى أنهم نقلوا إلى «مدن تتوافر فيها شروط حياة أفضل بالنسبة إليهم».
ويعد شمال المغرب ممراً تقليدياً للمهاجرين الساعين للوصول إلى أوروبا برّاً عبر مدينتي سبتة ومليلية اللتين تحتلهما إسبانيا شمال المغرب، أو بحراً عبر المتوسط. وشكلت إسبانيا هذا العام الوجهة الرئيسية للمهاجرين غير الشرعيين متجاوزة إيطاليا. ويتحدر أغلب المهاجرين المارين عبر المغرب من بلدان أفريقيا جنوب الصحراء.
في غضون ذلك، أعلن رئيس الحكومة الإسبانية سانشيز والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل السبت في سانلوكار دي باراميدا (إقليم قاديس) بجنوب إسبانيا، اتفاقهما على سبل مواجهة مشكلة المهاجرين، وعلى ضرورة تقديم دعم أوروبي أكبر إلى المغرب المعني مباشرة بهذه الأزمة.
وقال سانشيز خلال مؤتمر صحافي مشترك مع ميركل في ختام غداء عمل إن «المغرب يعاني من ضغوط تدفقات الهجرة من بلدان أفريقيا جنوب الصحراء، ونتيجة لذلك نحن بحاجة إلى تعزيز تعاوننا ليس فقط مع البلدان التي ينطلق منها المهاجرون، ولكن أيضاً مع دول العبور مثل المملكة المغربية».
وذكر سانشيز أن «أربعة عشر كيلومتراً تفصل بين شواطئ إسبانيا وشمال أفريقيا، إلا أن المسافة بالنسبة للنمو هي أكبر بكثير»، مضيفاً أن «ردم هذه الهوة من انعدام المساواة يجب أن يكون إحدى أبرز مهمات الاتحاد الأوروبي». وأشار سانشيز إلى أن النتائج التي توصل إليها المجلس الأوروبي خلال القمة التي عقدها في يونيو (حزيران) الماضي «تعكس التزام جميع مؤسسات الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء في الاتحاد بضرورة تعزيز وتكثيف التعاون مع المغرب، مع إعطاء المملكة الدور الرئيسي الذي تستحقه في معالجة وتدبير تدفقات الهجرة».
وأضاف سانشيز: «لقد تقاسمنا أنا والمستشارة الألمانية خلال هذا الاجتماع القناعة ذاتها بأن المغرب هو أحد الشركاء الرئيسيين للاتحاد الأوروبي وإسبانيا»، مشيراً إلى أن المفاوضات جارية حاليا مع المفوضية الأوروبية من أجل توفير الموارد المالية اللازمة لمساعدة المغرب في تدبير عملية تدفقات الهجرة.
وقال إن إسبانيا وألمانيا تدافعان عن سياسة أوروبية حول الهجرة «عمودية وأفقية وشاملة»، ترتكز بشكل أساسي على دعم وتعزيز تعاون الاتحاد الأوروبي مع الدول الأفريقية، لا سيما بلدان شمال أفريقيا ليس فقط في مجال الهجرة ولكن بشكل خاص في مجال التنمية.
من جهتها، أكدت المستشارة الألمانية ميركل أن على الاتحاد الأوروبي أن يعمل على تكثيف تعاونه مع المغرب في مجال الهجرة مع دعم وتقوية أسس ومرتكزات التعاون الموجه نحو المملكة المغربية وتونس «وهما البلدان الحدوديان اللذان يحتاجان إلى المساعدة». وقالت ميركل إن «المغرب البلد الذي يلعب دوراً مهماً ورئيسياً في قضية الهجرة، هو أيضاً شريك تجمعنا معه علاقات اقتصادية واتصالات جد وثيقة».
وأشارت ميركل إلى أن «ألمانيا التي عملت لسنوات مع المملكة المغربية حول قضايا مرتبطة بالتنمية تريد المساهمة في دعم المغرب لمواجهة تحدي الهجرة»، مضيفةً أن ألمانيا وإسبانيا تتقاسمان مقاربة مشتركة في هذا المجال.
وجاء في بيان صدر في مدريد عن اللقاء أن «سانشيز وميركل اتفقا على إبلاغ المفوضية الأوروبية بضرورة دعم الصندوق الائتماني الأوروبي لأفريقيا الذي تأتي منه الأموال الموجهة بشكل خاص إلى المغرب لمراقبة حدوده».
وذكرت ميركل أن ألمانيا دفعت مساهمتها لهذا الصندوق «من أجل تونس والمغرب لأنهما بحاجة إلى دعم في مجال الأمن الحدودي والتعاون في التنمية».
وشددت ميركل على أن قضية الهجرة تعد «تحدياً علينا أن نواجهه معاً لأنه لا يمكن لأي بلد أن يدعي أنه محصن ضد هذا التحدي. إنها قضية تطرح لنا مشكلة كبيرة كاتحاد أوروبي».
وقالت إن أوروبا « يجب ألا تتحدث فقط عن أفريقيا، بل أيضاً مع أفريقيا، من أجل الحد من ظاهرة الهجرة والوصول إلى موقف مشترك خلال قمة رؤساء الدول والحكومات المقررة في سالزبورغ في سبتمبر (أيلول) المقبل».
وتزامن لقاء ميركل - سانشيز في إسبانيا مع البدء بتنفيذ اتفاق وقع في السادس من أغسطس (آب) الماضي عندما التزمت مدريد استعادة المهاجرين الذين وصلوا إلى ألمانيا بعد أن سجلوا أسماءهم في إسبانيا بحسب قواعد البيانات الأوروبية. إلا أن هذا الاتفاق يبقى رمزياً، لأن قلة من المهاجرين الذين يصلون إلى إسبانيا انتقلوا إلى ألمانيا.
وكانت ميركل وعدت بالعمل على اتفاقات من هذا النوع داخل الاتحاد الأوروبي لإقناع وزير داخليتها هورست زيهوفر بالتخلي عن مشروعه لطرد أي طالب لجوء سبق أن تسجل في قاعدة البيانات الأوروبية في بلد آخر.
وتسعى برلين حالياً إلى إقناع إيطاليا واليونان بالموافقة أيضاً على استعادة المهاجرين الذين تسجلوا على أراضيهما قبل أن يتوجهوا إلى ألمانيا.
وفِي ردِّ فعل إزاء ترحيل السلطات المغربية للمهاجرين غير الشرعيين من شمال المغرب، قال محمد السوسي، الناشط بمركز الشمال لحقوق الإنسان بطنجة، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن العملية انطلقت عقب محاولة جماعية لاقتحام حواجز مدينة سبتة من طرف مجموعة تناهز 600 مهاجر غير قانوني نهاية يوليو الماضي، الشيء الذي أثار استنكاراً لدى إسبانيا والاتحاد الأوروبي، اللذين عبرا عن قلقهما إزاء الارتفاع المتواصل لضغط المهاجرين على الحدود مع المغرب.
وأضاف السوسي أن «العملية شملت عدة مدن شمالية على طول الساحل المتوسطي، منها الناظور وتطوان والفنيدق وطنجة ومرتيل. كما أن السلطات المغربية لم تكتفِ هذه المرة بتمشيط الغابات القريبة من هذه المدن، التي تأوي إليها جماعات المهاجرين الأفارقة، بل شملت هذه المرة الأحياء السكنية داخل المدن والعمارات التي يقطنها الأفارقة».
وحول سير العملية، قال السوسي: «لم نسجل أية ممارسة للعنف ضد المهاجرين أو تجميعهم بشكل غير لائق. عموماً كان تعامل السلطات جيداً». ويضيف السوسي: «لكننا نتساءل عن الجدوى من هذه العملية. لأن ترحيل المهاجرين عبر نقلهم بحافلات إلى مدن أخرى في البلاد لا يحل المشكلة. لأنهم حتما سيعودون. وربما أن عناصر الفوج الأول الذي رحل قبل أيام في طريقهم من جديد إلى الشمال».
من جانبه، اعتبر عمر الناجي، رئيس فرع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بمدينة الناظور، أن حملة احتجاز وترحيل المهاجرين الأفارقة تخللتها عدة خروقات. وقال الناجي لـ«الشرق الأوسط» إن احتجاز المهاجرين من طرف قوات الأمن والدرك جرى من دون أمر من النيابة العامة، كما أن النقل إلى مدن جنوبية تم من دون موافقة المعنيين، الشيء الذي تعتبره الجمعية المغربية لحقوق الإنسان خرقاً لحقوق المهاجرين.
وأوضح الناجي أن العملية انطلقت في الناظور يوم الثلاثاء 7 أغسطس، ولا تزال مستمرة، وشملت مخيمات المهاجرين في الغابة القريبة من الناظور إضافة إلى أحياء سكنية داخل المدينة. وقدرت الجمعية عدد المهاجرين الأفارقة الذين رحلوا من الناظور وحدها بنحو 600 مهاجر. وأضاف: «نعتبر أن هذه العملية لن تحل المشكلة. ونعارض أن يستمر المغرب في لعب دور الحارس الذي يبعد المهاجرين عن الحدود الأوروبية».
وأوضح الناجي أن حملة الترحيل همَّت المهاجرين الأفارقة من جنوب الصحراء فقط، ولم تشمل السوريين واليمنيين والفلسطينيين، الذين عبروا بدورهم الحدود الجزائرية في اتجاه شمال المغرب بحثاً عن فرصة للعبور إلى الضفة الأخرى للمتوسط بهدف الحصول على اللجوء.
وأوضح الناجي أن اللاجئين اليمنيين والفلسطينيين بدأوا يصلون في الآونة الأخيرة فقط إلى شمال المغرب. وقدر عدد اليمنيين الموجودين حاليا بالناظور بنحو 50 شخصا، والفلسطينيين بنحو 20.
وقال الناجي: «هؤلاء وضعهم مختلف، فهم لاجئين وليسوا مهاجرين. وهدفهم دخول مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين بغرض تسجيل أنفسهم كلاجئين».
وازداد الضغط على المغرب خلال الأشهر الأخيرة مع إغلاق طريق ليبيا في وجه المهاجرين الأفارقة. وارتفع عدد المهاجرين الذين يخترقون الحدود المغربية - الجزائرية في اتجاه شمال المغرب بحثاً عن فرصة لعبور مضيق جبل طارق.
وحسب المرصد الدولي للهجرة، فإن إسبانيا فاقت إيطاليا فيما يتعلق بوصول المهاجرين غير القانونيين عبر البحر، إذ يقدر عدد الذي عبروا الحدود الجنوبية لإسبانيا منذ بداية العام الحالي بنحو 23.5 ألف شخص، وهو رقم أعلى من الرقم المسجل خلال السنة الماضية، وقضى 304 خلال محاولتهم بلوغ سواحلها الجنوبية، وفق إحصاء لمنظمة الهجرة الدولية.
يذكر أن تقريرا أصدرته وزارة الخارجية الأميركية أخيراً سجل «استمرار السلطات المغربية في القيام بعمليات ترحيل قسري لمهاجرين في وضعية غير قانونية نحو وجهات داخل البلاد، انطلاقا من الناظور خصوصاً»، مع الإشارة في الوقت نفسه إلى تراجع هذه العمليات في السنوات الأخيرة.



العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.