مذكرات حمادي الجبالي الحلقة (7): عشر سنوات في زنزانة انفرادية.. وعشت مع محكومين بالإعدام

بن علي لم يحكم علينا بالإعدام.. ليس لأنه لم يرد ذلك بل لأنه مكلف جدا إعلاميا وسياسيا

حمادي الجبالي مع زوجته وابنتيه يوم خروجه من السجن في سبتمبر 2006
حمادي الجبالي مع زوجته وابنتيه يوم خروجه من السجن في سبتمبر 2006
TT

مذكرات حمادي الجبالي الحلقة (7): عشر سنوات في زنزانة انفرادية.. وعشت مع محكومين بالإعدام

حمادي الجبالي مع زوجته وابنتيه يوم خروجه من السجن في سبتمبر 2006
حمادي الجبالي مع زوجته وابنتيه يوم خروجه من السجن في سبتمبر 2006

ما يشد المتحدث إلى شخصية حمادي الجبالي الابتسامة التي لا تفارقه، على الرغم من الإرهاق الذي يبدو عليه من وقت لآخر. وكنت دائما عندما أتطلع إليه أتساءل: كيف لشخص أمضى عشر سنوات في زنزانة انفرادية و16 سنة في السجن أن يبتسم؟ كيف بقي قويا؟ .. وكيف وصل إلى رئاسة الحكومة، ثم اتخذ بنفسه قرار الاستقالة الذي رأت فيه كل القوى التونسية موقفاً استثنائياً ونال احترام الجميع ؟
ثم كيف يعد لاحتمال الدخول في الانتخابات الرئاسية؟ ألم تؤثر سنوات السجن في شخصه، نفسا وعقلا، وهل سينجح في قيادة البلاد؟
كنت أتطلع جدا للوصول في جلساتي معه إلى مرحلة السجن والتحدّث عن تفاصيلها، فوجدت الرجل يحدثني عن «قصر» وصفه في البداية بأنه صعب ويحتاج لتمرين، لكنه تمكن بعدها من تجاوز السجن الى {سعة التحرر النفسي}.
هنا فكرت هل يمكن أن ينتقل الجبالي من «قصر الزنزانة» إلى قصر الرئاسة؟

* تجربة قاسية جداً
* تجربة العزلة في السجن قاسية جداً، ويحتاج فيها المرء إلى امتلاك وسائل تعليمية.. كنت أستعمل ورق «الألومنيوم» من علب سجائر يعطيها لي سجناء.. وأكتب عليها رسائل لعائلتي. كنت في السجن وكان من المفترض أن أنهي مدة ستة أشهر، ولكن الحق بمحكوميتي الحكم الآخر المتعلق بـ»قضية براكة الساحل» – التي سبقت الإشارة إليها – وجرى في مكان يسمى بـ»انفرموري» وبعدها بمدة ألحقوا بي صديقي محمد النوري بعد اعتقاله والحكم بسجنه أيضاً.
ثم نقلونا إلى مكان آخر في السجن يطلقون عليه مسمى»إف 1»، وهذا المكان خاص بسجن الشخصيات التي تنتمي للطبقة الراقية من المجتمع، فأغلبهم متورط في قضايا كبيرة مثل تجارة الذهب أو اختلاسات. وهذا القسم كان يتبع إدارياً جهاز أمن الدولة، وهناك أبلغوني أنني سجين لا أتبع إدارة السجون بل أمن الدولة الذي يتلقى أوامره مباشرة من القصر الرئاسي، الذي يتدخل في أدق التفاصيل ... من وجبات الأكل التي أتناولها ...إلى الزيارات.
في «إف 1» اكتشفت عالما آخر من القضايا التي لم أسمع عنها من قبل والمتعلقة بالصفقات التجارية الضخمة، وتهريب العملة والذهب. إلا أننا، أي أنا وصديقي النوري، لكن نصبر طويلا فعدنا للنضال وحركات العمل السياسي. كان هناك ما يسمى بـ»الكبران»، أي ذلك الذي يلعب دور القائد على السجناء في الزنزانة، وهو أيضاً سجين عينه مدير السجن، وكان عقيدا متقاعدا من الجيش، ترأس بعد تقاعده وكالة تأمين واختلس منها مبلغ يفوق 150 ألف دولار أميركي، وأبلغني أنه يخدم النظام من داخل السجن بنقل معلومات حول السجناء لتخفيف مدة سجنه ويخرج.
في ذلك السجن أيضا تعلمت الخطط التي يتبعها المحامون، والفساد في المحاكم وطرق الرشوة.
صديقي النوري فتح «مكتب» إرشاد قانوني في السجن، بما أنه محام وله مكتب محاماة في مدينة صفاقس بجنوب تونس، وهو لا يقبل في مكتبه غير القضايا السياسية. لقد كان جده مجاهدا ضد الاستعمار الفرنسي وهو رجل صاحب مبادئ إلى درجة خيالية، وكان يعمل ومعه عبد الرؤوف العيادي أيضاً. لم يعجب هذا الأمر القائمين على السجن ووصلت المعلومة إلى القصر فضيّقوا عليهما ثم نقلوهما من الزنزانة، ما أحدث فراغا كبيرا بالنسبة لي. بعدها بفترة نقلوني إلى زنزانة فردية.

* السجن.. عالم آخر
* اكتشفت في السجن عالما آخر.. يجب أن يحضر فيه البعد الإنساني بشكل قوي. كنت وحيداً في زنزانتي، غير مسموح لي بالالتقاء بآخرين في بعض الأوقات عندما نخرج إلى ساحة السجن.
عشت مع محكومين بالإعدام ومجرمين، تتراوح جرائمهم بين الاغتصاب والقتل، وكنا عندما نقرأ خبراً في صحيفة ما عن قتل أو اغتصاب ننفعل ونتمنى تنفيذ الأحكام بأنفسنا. ولكن عندما يقترب الواحد منا من هؤلاء يكتشف الجانب الإنساني فيهم، وإن هناك حالات مأساوية عاشها القاتل أو المجرم. وبين القواسم المشتركة بينهم البطالة والفقر وكذلك إدمان الخمر.
هناك وصلت إلى نتيجة خلاصتها أنه علينا ألا نحكم على عالم السجناء من الخارج .. بل لا بد من التنعرف عليه وفهمه بعد الدخول إليه والاحتكاك بمختلف الحالات الإنسانية.
أثناء نظام زين العابدين بن علي شهدت تونس أسوأ منظومة سجنية، سواءً على مستوى مساجين الحق العام أو السجناء السياسيين. وكان بن علي يزعم في الداخل والخارج أن لديه منظومة إصلاح في السجون ونظام تدريب للسجناء لتأهيلهم بعد ذلك، لكن ذلك لم يكن موجودا على الإطلاق، وكان أولئك الذين يُفرج عنهم يخرجون ولكن بقابلية أكبر لارتكاب الجرائم. بمعنى آخر كان السجن في ذلك الوقت عبارة عن مدرسة للجريمة، وفيه يكتسب السجناء خبرات بعضهم من بعض في هذا المجال او ذاك، حتى في تقنيات ارتكاب الجرائم. وهناك عامل آخر أن السجناء وقتها كانوا فاقدي الأمل في أن المجتمع سيتقبلهم، وما كان هناك بوادر على الرغبة في إدماجهم.
أما بالنسبة للسجناء السياسيين فكانت سياسة النظام معنا هي «القتل البطيء».
بن علي لم يصدر ضدنا أحكاماً بالإعدام ليس لأنه لم يكن يريد ذلك، بل لأن أحكام الإعدام ستكون مكلفة جداً إعلامياً وسياسياً ... وهكذا اختار ما أصفه بـ»الإعدام البطيء»، وأسوأ أشكال الإعدام لسياسي أن تمنعه من الكتابة والقراءة، وكان الشغل الشاغل لمنظومة بن علي هو منع سجناء الرأي من الكتابة. وهنا أقول أن من أسوأ جرائم نظام بن علي، بالنسبة لي، ليس السرقة والفساد، بل لعل الجريمة الأكبر هي تحطيم الروح المعنوية وتحطيم الأمل في الشعب ...إنها فعلياً جريمة إفراغ المجتمع من رجاء القدرة على الإبداع والإصلاح.
كذلك مورس تطبيق العزلة السياسية والإعلامية في قضيتنا، فلم يكن لنا أي حق في الرأي. سجناء الحق العام لهم الحق في الالتقاء ولعب كرة القدم ومشاهدة التلفزيون، وزيارات عائلاتهم لهم مسموح بها وكانوا يتحدثون براحتهم، بعكس وضعنا تماماً. نحن كلما جاء موعد زيارة لنا كان يقف الحارس وراءنا يصغي لما نقوله، وكانت تحدث مداهمات ليلية من وقت لآخر لزنزانتي للبحث عن ورقة أو قلم، ولكن مع ذلك تمكنا من التصرف فكنت أستعمل أحيانا أوراق الألومنيوم من علب سجائر يعطيها لي بعض سجناء الرأي العام لأستعملها كأوراق أكتب عليها، وكنت أكتب خاصة إلى زوجتي وبناتي ... لأنه من المفروض بي كأب أن أساهم في تربيتهن وتوجيههن وكنت أبعث لهن بقصائد ورسوم.
كان هاجسي أيضا القراءة، وعلمت أن مكتبة السجن كانت غنية بالكتب الإسلامية والتاريخية قبل دخولنا إلى هناك، وكانت لدينا – نحن سجناء الرأي – رغبة عارمة في القراءة، فتفطنت إدارة السجن للأمر وجرت تصفية المكتبة من الكتب الإسلامية كليا وحتى القرآن أخذوه منها وعوضوها بكتب رديئة.
كان الهدف الأساسي عزلنا وإحباط معنوياتنا وإرادتنا. السجن مثل الحياة، وخاصة الحياة السياسية، هو حرب الإرادات ... إرادة ضد إرادة.
لقد اعتمد النظام سياسة هدفها إرضاخنا وعزلنا، ومنها دفع عائلاتنا والمجتمع للنقمة علينا، والتسبب لنا في مشاكل العائلية عبر ضغوط مادية ونفسية عليهم، وبالأخص على زوجاتنا، ودائما ما يناقشوهن في ضرورة الطلاق وإقناعهن بأننا مصدر مشاكل فقط. وكان هناك الضغط الاجتماعي بإيقاف وسجن كل من يساعد عائلات السجناء من «النهضة» حتى ولو بمبالغ بسيطة، وهذا ما دفع كثيرين للتبرؤ من الحركة كلياً.
ومن أخطاء بن علي أيضا أنه وضع الجميع، أي كل من يخالفه في كيس واحد، فلو كان فطنا كان من الممكن أن يستغل الاختلافات، لكنه وضعنا جميعا في المركب نفسه.

* مرحلة «الصمود»
* في وقت من الأوقات بدأت أشعر باليأس، وبدأت بالتفكير أن البلاد لن تخرج من الفقر وبأن الديكتاتورية جثمت على صدور كافة الشعب، وخاصة عندما كنت أرى السياسيين وعامة الشعب وكيف يتصرفون، توصلت إلى شبه قناعة بأن شعلة النضال تكاد تخبو.
كانت زوجتي أحيانا تلومني قائلة : انظر حولك ،هل يستحق هؤلاء أن تقوم بهذه التضحيات، انهم يعيشون حياتهم في اللهو والمرح، وكنت أجيبها دائما : نحن نناضل ونضحي من أجل مبدأ آمنت به وسأواصل النضال حتى لو بقيت وحيدا.
تجربة العزلة في السجن تجربة قاسية جدا، وتحتاج فيها إلى امتلاك وسائل تعليمية، ففي العزلة أو السجن الانفرادي، علميا، لا يمكن أن تستطيع أن تصمد نفسيا أكثر من ثلاثة أو أربعة أسابيع.
وفي المرحلة الأولى يبدأ الشعور بالكبت والصدمة، عندما تكون وحيدا في غرفة مظلمة ضيقة خاصة في الأيام الأولى، فتبدأ الدخول في حالة من الانهيار النفسي، خاصة مع حالة الصمت المتواصل وأنه لا يوجد أحد تتحدث إليه، بعدها تبدأ بالتكلم إلى نفسك.
وبالنسبة لي لم يكن لي الحق في الاختلاط بالآخرين (بقية السجناء) في وقت الخروج للساحة إلا نادرا، كانوا يخرجونني لخمس أو عشر دقائق يوميا، ولم يكن يسمح بفتح الزنزانات على بعضها، العزلة مقيتة وعشتها لعشر سنوات.
وتغلبت على عزلة السجن بالرياضة النفسية، فدربت نفسي وعلى مراحل إلى أن وصلت إلى قناعة بأن جسدي هو السجين لكن نفسي حرة طليقة، وهذا ما لعب الإيمان فيه دورا كبيرا.
وهكذا وبعون الله استطعت نفسيا أن أحول زنزانتي الى «قصر فسيح» تتجول الروح فيه...جناح للمطالعة وآخر للنوم، وغرفة للإستحمام ..كسرت قيود السجن ليصبح السجين سجانا..والسجان سجينا.

* عبد الرؤوف العيادي {ناشط حقوقي متشدد}
* عرف السياسيون والحقوقيون المحامي عبد الرؤوف العيادي بأنشطته السياسية ضد النظام التونسي في عهدي الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي، ثم تأسيسه «حزباً متشدّداً سياسياً» خلال العامين الماضين يحمل اسم حزب «الوفاء».
ولئن كان العيادي إبان سنوات الدراسة من طلاب الجامعات والشباب اليساري التونسي الذين عرفوا السجون مراراً في الستينات، فإنه برز في عهد بن علي بأنشطته في الهيئات الحقوقية والقضائية، وعلى رأس جمعية المحامين الشبان، ثم في عدد من الجمعيات الأهلية التي كان النشطاء اليساريون يشكّلون أغلبية فيها .
أن العيادي تطوّر تدريجياً في اخر التسعينات ومطلع العقد الماضي إلى ناشط سياسي وحقوقي قريب من التيار الاسلامي وساهم عام 2001 مع منصف المرزوقي، الرئيس الاسبق للرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الانسان (وهو رئيس الدولة الحالي) ومع نشطاء سابقين في اليسار التونسي وفي حركة الاتجاه الإسلامي («النهضة» لاحقاً) في تأسيس «حزب المؤتمر من أجل الجمهورية « .
وقد تسبّبت المواقف «المتشدّدة» للعيادي من الرئيس بن علي ومن عائلته والمقربين منه ومن وزرائه في ايقافه مراراً وتعنيفه في الشارع من قبل البوليس السياسي . وكان العيادي أحد المحامين والساسة القلائل الذين ساندوا مبكرا الاضرابات والاحتجاجات الاجتماعية التي اندلعت في تونس خلال ديسمبر (أيلول) 2010 بعد انتحار محمد البوعزيزي حرقا في مدينة سيدي بوزيد بجنوب البلاد .

* محمد النوري .. أول سجين رأي في عهد بن علي
* عرف محمد النوري في عهد الرئيس بورقيبة باستقلاليته عن كل الأحزاب السياسية وبكونه من ألمع المحامين المتخصّصين في القضايا الاقتصادية والمالية . إلا النوري برز حقاً على الساحة السياسية منذ انطلاق محاكمات القيادة التاريخي لحركة الاتجاه الاسلامي عام 1981 واشتهر بدفاعه المستميت عن الموقوفين والسجناء الاسلاميين بما في ذلك خلال محاكمات 1987 التي صدرت فيها أحكام بالاعدام والمؤبد ضد بعض القياديين في الحركة من قبل محكمة أمن الدولة ومحاكم الحق العام .
وبعد الاطاحة ببورقيبة، وحصول «حركة النهضة» عام 1990 على رخصة اصدار صحيفة «الفجر» الاسبوعية، أجرى النوري حواراً مع احد صحفييها طالب فيه بإلغاء المحاكم العسكرية واعتبرها محاكم « استثنائية « و»غير مستقلة « و»غير دستورية». وهو ما احتجت عليه السلطات بقوة واعتبرته نيلاً من «المؤسسة العسكرية» فأوقف النوري وحوكم وحكم عليه بالسجن لمدة سنة، فكان بذلك اول سجين رأي في عهد بن علي .
وبعد الافراج عنه انقلب النوري الى ناشط سياسي يدافع بقوة عن الإسلاميين، واصبح من ابرز منتقدي بن علي وحكوماته. وكذلك أسس مع عدد من النشطاء منظمة حقوقية جديدة لعبت دوراً مركزياً خلال السنوات العشرين الماضية في متابعة ملفات السجناء السياسيين وعائلاتهم والتعريف بقضيتهم لدى وسائل الإعلام والسفارات العربية والأجنبية والمؤسسات الحقوقية الدولية .

* شخصيات سياسية بارزة في تونس الآن كانت بين سجناء الرأي مطلع التسعينات
* بينهم الرئيس الحالي المنصف المرزوقي
* تؤكد تقارير منظمات حقوق الإنسان المستقلة وجمعيات الدفاع السابقة عن السجناء السياسيين أن العقدين الماضيين شهدا إيقاف أكثر من 30 ألف شخصية معارضة ومستقلة بسبب مواقف سياسية أو بسبب انتمائها إلى جمعيات وأحزاب غير قانونية أو لاتهامها بـ»التورط في أعمال عنف» و «التآمر على أمن الدولة».
وحسب المصادر ذاتها فإن حوالي 12 ألفا بين هؤلاء صدرت بحقهم أحكام نهائية بالسجن في حين أفرج عن البقية بعد فترات مختلفة من «الإيقاف التحفظي».
وكان من أبرز من اوقفوا ثم افرج عنهم من دون محاكمة رئيس رابطة حقوق الانسان قبل 1994 الرئيس الحالي المنصف المرزوقي والمحامي القومي عبد الرحمن الهاني والناشط الحقوقي اليساري عمر المستيري وعدد من النقابيين والطلبة ونشطاء الاحزاب اليسارية والقومية الصغيرة .
وكان المرزوقي قد أوقف بعد اعلان نيته الترشح للانتخابات الرئاسية التي نظمت في اكتوبر (تشرين الأول) 1994 على غرار الهاني الذي صدرت بحقه احكام قاسية بالسجن بعد اتهامه بـ»التحيل» و»خيانة حقوق» مواطنة كلفته بالدفاع عنها في خلاف عقاري. لكن المرزوقي غادر السجن بعد 4 أشهر من الايقاف بعدما تدخل لمصلحته رئيس جمهورية جنوب افريقيا (السابق الراحل) نيلسون مانديلا خلال زيارة أداها الى تونس ذلك العام ليشكر قادة تونس على مناصرتهم له ولحركته المعادية للعنصرية طوال عقود .
وكان أيضاً من بين أبرز النشطاء الحقوقيين والسياسيين والإعلاميين الذين اعتقلوا عام 2004 زهير اليحياوي، المدوّن في شبكة الإنترنت، الذي كان يبث من «مقاهي الإنترنت» تحت اسم مستعار هو «التونسي» مقالات نارية ضد السلطة ورموزها. ولقد نجحت الاستخبارات في الكشف عن الكمبيوتر الذي يبث منه واوقفته، ثم سجن إلى ان افرج عنه عشية انعقاد «القمة العالمية للمعلومات» في تونس خلال نوفمبر2005.
وشملت المحاكمات السياسية بعض رموز اليسار الطلابي والنقابي التونسي في التسعينات وبينهم نوفل الزيادي، الأمين العام السابق للاتحاد العام لطلبة تونس، ومحسن مرزوق ونور الدين بن نتيشة القياديين في النقابة الطلابية نفسها وفي تنظيم يساري محظور .كما شملت المحاكمات مراراً رموزا من المعارضة القانونية وغير القانونية من أبرزها محمد مواعدة رئيس حزب الديمقراطيين الاشتراكيين ورفيقه في الحزب خميس الشماري، والبشير الصيد زعيم التجمّع القومي الديمقراطي وحمه الهمامي زعيم حزب العمال الشيوعي، فضلا عن شخصيات سياسية وحقوقية مستقلة مثل المحامي الحقوقي وعضو منظمة العفو الدولية محمد نجيب حسني والناشطة الحقوقية اليسارية سهام بن سدرين والمحامي محمد عبو والنقابي أحمد الكحلاوي.

الجبالي في مذكراته لـ «الشرق الأوسط»: كنت شاباً مسيساً بدون توجه إسلامي

 

مذكرات حمادي الجبالي الحلقة (2): لولا نكسة 1967 ربما كنت ثائرا غير إسلامي

مذكرات حمادي الجبالي الحلقة (3): كنت أميل عاطفيا إلى اليسار الفرنسي

مذكرات حمادي الجبالي الحلقة (4): بن علي كان يدعي أنه من أنقذنا من الإعدام

مذكرات حمادي الجبالي الحلقة (5): غادرت تونس عبر البحر ولقيت ترحيبا من الحكومة الإسبانية

مذكرات  حمادي الجبالي الحلقة (6): حكم عليّ بـ16 سنة سجنا في قضية «براكة الساحل» التي لم أكن أعرف عنها شيئا



«لجنة إدارة غزة»... «قضايا عالقة» بانتظار حلول الوسطاء

منازل مُدمَّرة في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
منازل مُدمَّرة في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«لجنة إدارة غزة»... «قضايا عالقة» بانتظار حلول الوسطاء

منازل مُدمَّرة في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
منازل مُدمَّرة في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

تقف «قضايا عالقة» أمام «لجنة إدارة قطاع غزة»، وفق إفادة جديدة من رئيسها علي شعث، غداة حديث مصدَرين لـ«الشرق الأوسط» عن وجود عراقيل أمام اللجنة، أولها حرص «حماس» على الوجود بعناصرها الأمنية رغم رفض ذلك، وثانيها عدم سماح إسرائيل لأعضاء اللجنة بالعبور للقطاع.

تلك القضايا العالقة التي لم يوضِّحها بيان شعث، السبت، الذي دعا الوسطاء للتدخل للحصول على صلاحيات كاملة، ومهام الشرطة، يراها خبراء تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط» تتمثَّل في قضيَّتين رئيسيَّتين هما الملفان الأمني والمالي. وأكدوا أن «حماس» لن تسلِّم تسليماً كاملاً دون ضمانات سياسية أو نفوذ، وهو ما يستدعي ضغوطاً، لا سيما أميركية؛ لإنهاء ذلك، أو العودة من جديد للحرب.

وأكدت «اللجنة الوطنية لإدارة غزة» أن البيانات والتصريحات الصادرة من داخل القطاع بشأن الجهوزية لتسليم إدارة جميع المؤسسات والمرافق العامة في قطاع غزة تُمثِّل خطوةً تصبُّ في مصلحة المواطن، وتمهِّد لتمكين اللجنة من الاضطلاع بمسؤولياتها كاملة في إدارة المرحلة الانتقالية.

المحلل السياسي في الشأن الإسرائيلي بـ«مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية»، الدكتور سعيد عكاشة، يرى أن القضايا العالقة تتمثَّل في غياب الرغبة من «حماس» في إنهاء التسليم والتسلم على عكس ما تبدي في التصريحات العلنية التي عدّها «مناورة» لإطالة أمد حكمها، فهي ليس من مصلحتها تطبيق أي شيء.

وأضاف: «يبدو أن الصدام سيكون وشيكاً ليس بين الحركة واللجنة؛ لكن مع واشنطن وفي ظل قناعة إسرائيل بأنها قد تخوض حرباً وشيكةً ضد الحركة»، مستبعداً وجود حلول مع حركة آيديولوجية مثل «حماس»، مشيراً إلى أن حديث «حماس» المتكرِّر عن جهوزيتها لتسليم المهام، هو كسب للوقت، وحدوث صدف ومفاجآت تعيد لها مكانتها بوصفها حرباً طويلة بين إيران وإسرائيل.

في حين يرى المحلل السياسي الفلسطيني، نزار نزال، أن الملف الأمني، هو أعقد تلك الملفات للجنة، ولا يوجد على الأرض إلا عناصر حركة «حماس» والسلطة الفلسطينية، وأمامهما خيارات غاية في التعقيد والحساسية كالقضية المالية، فما فائدة تسلم اللجنة إدارة القطاع دون أن تكون لديها القدرة المالية لدفع الرواتب وما شابه.

خيام وملاجئ في مخيم للنازحين قرب ساحة الجندي المجهول بمدينة غزة (أ.ف.ب)

ويعتقد نزال أن هناك حلولاً عديدة، يمكن أن تذهب لها اللجنة منها تفعيل تفاهمات ومقاربة، ووجود القوات الدولية، وأخيراً الدمج، مشيراً إلى أن الدمج هو الخيار الأفضل بعد الفرز الأمني، موضحاً: «لكن حماس قد ترفض تسليماً كاملاً دون ضمانات سياسية أو نفوذ حتى تضمن عدم إخراجها من المشهد السياسي كليةً».

بالمقابل، لم يعلق الوسطاء على مطالب «اللجنة»، غير أن وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، جدَّد خلال لقاء رئيس وزراء فلسطين، محمد مصطفى «دعم مصر للجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة برئاسة الدكتور علي شعث، بوصفها آليةً انتقاليةً مؤقتةً لإدارة الشؤون اليومية للقطاع، وتلبية الاحتياجات الأساسية للسكان خلال المرحلة الانتقالية، تمهيداً لتمكين السلطة الفلسطينية من الاضطلاع بمسؤولياتها كاملة في قطاع غزة».

وشدَّد عبد العاطي على «أهمية التنفيذ الكامل لبنود المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأميركي، وعلى رأسها الإسراع بتشكيل ونشر قوة الاستقرار الدولية لمراقبة وقف إطلاق النار، وضمان الالتزام بتدفق المساعدات الإنسانية بصورة منتظمة، ومتابعة الانسحاب الإسرائيلي من المناطق التي تسيطر عليها إسرائيل داخل القطاع، بما يسهم في تثبيت الاستقرار وتهيئة البيئة الملائمة للتعافي المبكر وإعادة الإعمار».

وأكد عكاشة أن موقف مصر واضح، وستكون حريصة للوصول لتفاهمات والدفع بالاتفاق لتنفيذ الأطراف بنوده كاملة، مشيراً إلى أن الضغوط من الوسطاء، لا سيما واشنطن ربما تكون لها نتيجة إيجابية على المسار المتجمد أو العودة للحرب كما تريد إسرائيل.


العليمي يدعو من ميونيخ إلى إعادة صياغة معادلة الأمن الإقليمي

العليمي خلال جلسة حوارية في ميونيخ يقدم رؤية اليمن للأمن البحري (سبأ)
العليمي خلال جلسة حوارية في ميونيخ يقدم رؤية اليمن للأمن البحري (سبأ)
TT

العليمي يدعو من ميونيخ إلى إعادة صياغة معادلة الأمن الإقليمي

العليمي خلال جلسة حوارية في ميونيخ يقدم رؤية اليمن للأمن البحري (سبأ)
العليمي خلال جلسة حوارية في ميونيخ يقدم رؤية اليمن للأمن البحري (سبأ)

في خضم المشهد اليمني المعقّد على جميع الصعد الأمنية والسياسية والاقتصادية، طرح رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، رؤية شاملة لإعادة تعريف مقاربة المجتمع الدولي تجاه أمن الممرات المائية والاستقرار الإقليمي، مؤكداً أن التحديات المتصاعدة في البحر الأحمر وباب المندب لم تعد مجرد أزمات أمنية عابرة، بل تحولات جيوسياسية تتطلّب استراتيجية دولية مختلفة تقوم على الردع وبناء الدول، لا الاكتفاء بسياسات الاحتواء المؤقتة.

وخلال جلسة حوارية حول أمن الممرات المائية ضمن أعمال مؤتمر ميونيخ للأمن الدولي، شدد العليمي على أن تحقيق الأمن المستدام للملاحة الدولية يبدأ من معالجة جذور الأزمة اليمنية، عبر دعم مؤسسات الدولة الوطنية وتعزيز قدرتها على فرض الاستقرار ومكافحة الإرهاب بصورة فعّالة ومستدامة.

وأكد أن التعامل الدولي السابق مع الهجمات في البحر الأحمر اتسم بطابع تكتيكي قصير الأمد، حيث جرى النظر إلى التهديدات بوصفها أحداثاً أمنية مؤقتة، الأمر الذي أدى إلى إطلاق مبادرات عسكرية لحماية الملاحة دون معالجة الأسباب العميقة لعدم الاستقرار.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (سبأ)

وأشار العليمي إلى أن العمليات الدولية التي أُطلقت لحماية السفن التجارية، رغم أهميتها في الحد من المخاطر المباشرة، أسهمت في عسكرة المنطقة أكثر مما أسهمت في استقرارها؛ لأن المقاربة ركزت على احتواء النتائج بدلاً من تفكيك مصادر التهديد المتمثلة في الجماعة الحوثية المدعومة من إيران.

وحسب الرؤية اليمنية، فإن الأمن البحري لا يمكن تحقيقه عبر الانتشار العسكري وحده، بل عبر بناء دولة قادرة داخل اليمن تمتلك أدوات الردع السياسي والعسكري والاقتصادي، بما يمنع الجماعات المسلحة من تحويل الجغرافيا اليمنية إلى منصة تهديد للملاحة العالمية.

وحذّر العليمي من أن توقف الهجمات مؤقتاً لا يعني زوال الخطر، مؤكداً أن الميليشيات الحوثية ستظل تهديداً دائماً للمصالح الإقليمية والدولية ما لم يتم التعامل معها ضمن استراتيجية ردع طويلة المدى.

أهمية باب المندب

وصف رئيس مجلس القيادة اليمني ما يجري في البحر الأحمر وباب المندب بأنه معضلة جيوسياسية مركبة نتجت عن تداخل عوامل عدة، أبرزها تنافس القوى الإقليمية ومحاولات الهيمنة، إلى جانب ضعف قدرات الدولة اليمنية خلال سنوات الحرب، وصعود جماعات ما دون الدولة.

وأشار إلى أن المشهد الأمني لم يعد محصوراً في جماعة واحدة، بل باتت هناك شبكة مترابطة من التنظيمات المتطرفة تشمل الحوثيين وتنظيمي «القاعدة» و«داعش» وحركات متشددة أخرى تنشط على ضفتَي باب المندب، مما يجعل التهديد متعدد المستويات وعابراً للحدود.

جانب من الحضور خلال جلسة حوارية في ميونيخ بمشاركة العليمي (سبأ)

وفي هذا السياق، دعا إلى تبني استراتيجية دولية استباقية لمكافحة الإرهاب، تقوم على تصنيف هذه الجماعات بوصفها تهديداً جيوسياسياً طويل الأمد، وليس مجرد ظواهر أمنية قابلة للاحتواء عبر التهدئة أو الحوافز السياسية.

كما شدد على أهمية تفعيل الهياكل الإقليمية القائمة، وفي مقدمتها مجلس الدول المشاطئة للبحر الأحمر، وقوات المهام المشتركة، ضمن شراكات دولية أوسع تهدف إلى تحقيق توازن أمني مستدام في المنطقة.

استقرار اليمن بوابة الأمن

أكد العليمي أن أمن الملاحة الدولية يبدأ فعلياً من البر اليمني، مشيراً إلى أن أي استراتيجية بحرية ستظل ناقصة ما لم تترافق مع جهود حقيقية لإعادة بناء مؤسسات الدولة اليمنية وتعزيز قدراتها السيادية.

وتطرق إلى الإجراءات التي اتخذتها الحكومة اليمنية بدعم من السعودية، والتي أسهمت -حسب تأكيده- في تجنّب سيناريو كارثي كان يمكن أن يؤدي إلى سيطرة قوى مسلحة على السواحل الجنوبية، وفرض واقع تقسيمي يهدد وحدة البلاد ويعرّض الممرات البحرية لمخاطر غير مسبوقة.

وأوضح أن تلك التطورات أثبتت أن الاستثمار في استقرار الدولة الوطنية أقل كلفة بكثير من التعامل مع تداعيات انهيارها، داعياً المجتمع الدولي إلى تعزيز شراكته مع اليمن لضمان استدامة الأمن البحري العالمي.

وأضاف أن الردع المشترك ضد الجماعات المسلحة يجب أن يُصبح جزءاً أساسياً من أي مقاربة دولية مستقبلية، بما يمنع تكرار العمليات الإرهابية العابرة للحدود ويؤسّس لبيئة آمنة للتجارة الدولية.

شراكة يمنية-خليجية

في سياق آخر، جدّد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني دعوته إلى تعزيز الشراكة اليمنية-الخليجية عبر إدماج اليمن تدريجياً في منظومة مجلس التعاون لدول الخليج العربية، باعتبار ذلك خياراً استراتيجياً لتحقيق الاستقرار الاقتصادي والسياسي.

وخلال جلسة نظّمها مركز الخليج للأبحاث بالتعاون مع مجموعة الأزمات الدولية، أعرب عن تطلّع بلاده إلى تطوير العلاقات الخليجية نحو شراكة استراتيجية شاملة تقوم على التكامل المؤسسي والاندماج الجيو-اقتصادي.

العليمي في ميونيخ خلال جلسة نظّمها مركز الخليج للأبحاث بالتعاون مع مجموعة الأزمات الدولية (سبأ)

واقترح العليمي إطلاق ما وصفه بـ«خطة مارشال خليجية» لإعادة إعمار اليمن، مستلهمة من تجربة البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن ومنسجمة مع رؤى التنمية الخليجية الطموحة، وفي مقدمتها «رؤية السعودية 2030».

وأوضح أن الطريق الأكثر واقعية لاندماج اليمن خليجياً يمر عبر الشراكة الاستراتيجية مع الرياض، بصفتها مركز ثقل إقليمياً وشريكاً رئيسياً في جهود التعافي اليمني وإعادة تشكيل توازنات المنطقة.

وأشار إلى أن تجربة «عاصفة الحزم» عام 2015 أثبتت أن أمن الخليج واليمن مترابطان بصورة عضوية، وأن استقرار منظومة الأمن الخليجي سيظل معرضاً للخطر ما دامت الدولة اليمنية بقيت ضعيفة أو منقسمة.

وأكد العليمي أن الرؤية اليمنية تتطابق إلى حد كبير مع تصورات غالبية دول الخليج بشأن مستقبل النظام الإقليمي، والتي ترتكز على دعم الدول الوطنية ومكافحة الكيانات المسلحة العابرة للدولة، وتعزيز التنمية باعتبارها أداة للاستقرار طويل الأمد.

العليمي اجتمع في ميونيخ مع رئيس الوزراء الكويتي (سبأ)

وأشاد بالدور الخليجي في الوساطة الدبلوماسية وجهود السلام، بدءاً بالمبادرة الخليجية التي جنّبت اليمن حرباً أهلية شاملة، مروراً بالوساطة الكويتية، وصولاً إلى المبادرات السعودية اللاحقة لإيجاد خريطة طريق سياسية لإنهاء الصراع.

وشدد على أن أي عملية سلام مستقبلية لن تكون مكتملة ما لم تتضمن تفكيك الميليشيات المسلحة ووقف التدخلات الخارجية التي تغذّي الصراعات، مؤكداً أن الوساطة في الملف اليمني يجب أن تجمع بين الضغوط السياسية والتنمية الاقتصادية، وهي المقاربة التي أثبتت فاعليتها في خفض التصعيد وتعزيز مؤسسات الدولة.

وطرح العليمي، في ختام مداخلته، رؤية لمستقبل آمن لليمن تقوم على المصالحة الداخلية أولاً، وتصحيح العلاقة مع الجوار الخليجي، والتخلي عن النزعات الطائفية والسلالية والسلاح المنفلت، مشدداً على أن قوة اليمن الحقيقية لا تكمن في السلاح بل في موارده البشرية وتاريخه وقدرته على أن يكون شريكاً إيجابياً في استقرار المنطقة وازدهارها.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


حزب «المؤتمر» في صنعاء يرضخ لإملاءات حوثية جديدة

قيادات في جناح حزب «المؤتمر الشعبي» الخاضع للحوثيين في صنعاء (إعلام محلي)
قيادات في جناح حزب «المؤتمر الشعبي» الخاضع للحوثيين في صنعاء (إعلام محلي)
TT

حزب «المؤتمر» في صنعاء يرضخ لإملاءات حوثية جديدة

قيادات في جناح حزب «المؤتمر الشعبي» الخاضع للحوثيين في صنعاء (إعلام محلي)
قيادات في جناح حزب «المؤتمر الشعبي» الخاضع للحوثيين في صنعاء (إعلام محلي)

واصل جناح حزب «المؤتمر الشعبي» في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تقديم تنازلات جديدة، في خطوة تعكس حجم الضغوط السياسية والأمنية التي يتعرض لها منذ سنوات، وذلك بعد إقراره فصل اثنين من قياداته المعتقلين كشرط للإفراج عنهما، وهي واقعة عدّها مراقبون دليلاً إضافياً على تآكل استقلالية الحزب وتحوله إلى كيان يعمل ضمن هامش ضيق تحدده الجماعة الانقلابية.

وأقرت اللجنة العامة، التي تمثل المكتب السياسي لجناح الحزب في صنعاء، فصل القياديين ياسين هزاع نائب رئيس الدائرة السياسية، وناجي محيي الدين، استناداً إلى تقرير لجنة الرقابة التنظيمية، من دون الكشف عن طبيعة المخالفات المنسوبة إليهما.

إلا أن مصادر سياسية أكدت أن القرار جاء استكمالاً لاتفاق غير معلن مع الحوثيين يقضي بإقصاء القيادات المتهمة بالتواصل مع الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً أو مع قيادات الحزب في الخارج مقابل الإفراج عنها.

القرار أعاد إلى الواجهة مساراً متكرراً من الإجراءات التي اتخذها قادة جناح الحزب في صنعاء خلال الأشهر الماضية، أبرزها إقالة أحمد علي عبد الله صالح من موقعه نائباً لرئيس الحزب، ثم فصل الأمين العام غازي الأحول، وهي خطوات ربطها مراقبون مباشرة باشتراطات فرضتها الجماعة الحوثية لضمان استمرار نشاط الحزب في مناطق سيطرتها.

فعالية محدودة سابقة أقامها «مؤتمر صنعاء» تحت إشراف الحوثيين (إعلام محلي)

وتشير المعطيات السياسية إلى أن قرارات الفصل الأخيرة لم تكن نتاج خلافات تنظيمية داخلية بقدر ما كانت استجابة لضغوط أمنية مباشرة؛ فبحسب مصادر مطلعة، فرض الحوثيون حصاراً مشدداً على منزل رئيس الجناح صادق أبو راس لعدة أيام، وهددوا بحظر نشاط الحزب بالكامل ما لم يتم إقصاء القيادات التي يُشتبه بتواصلها مع الخارج.

وأفادت المصادر بأن الاشتراطات صدرت على أعلى مستوى داخل قيادة الجماعة، وتضمنت إلزام الحزب بفصل أي قيادي يثير الشكوك حول علاقاته السياسية خارج مناطق سيطرة الحوثيين. وهو ما وضع قيادة الجناح أمام خيارين أحلاهما مرّ، فإما الالتزام بالمطالب وإما مواجهة حل الحزب ومصادرة ما تبقى من نفوذه السياسي والتنظيمي.

ويرى محللون أن هذه المعادلة دفعت قيادة «المؤتمر» في صنعاء إلى تقديم تنازلات متتالية بهدف الحفاظ على وجود رمزي يسمح لها بالبقاء ضمن المشهد السياسي، ولو بقدرة محدودة، خصوصاً في ظل الرقابة المشددة المفروضة على موارده المالية وإعلامه ونشاطاته التنظيمية.

حزب تحت الوصاية

منذ مقتل مؤسس الحزب الرئيس السابق علي عبد الله صالح نهاية عام 2017، دخل جناح «المؤتمر» في صنعاء مرحلة جديدة اتسمت بتراجع استقلاليته السياسية بشكل كبير؛ فبعد أن كان شريكاً سياسياً رئيسياً في تحالف إدارة المناطق الخاضعة للحوثيين، تحول تدريجياً إلى طرف ثانوي يحتفظ بتمثيل شكلي داخل مؤسسات الحكم غير المعترف بها دولياً.

وعلى الرغم من أن التحالف بين الطرفين أفضى في عام 2016 إلى تشكيل ما سُمّي بالمجلس السياسي الأعلى بالمناصفة، فإن الحوثيين احتفظوا فعلياً برئاسة المجلس وبالقرار السياسي والعسكري، كما استحوذوا على معظم المناصب الحكومية عقب مقتل صالح، مع الإبقاء على حضور محدود لقيادات المؤتمر لأغراض سياسية وإعلامية.

الرئيس اليمني الأسبق علي عبد الله صالح الذي قتله الحوثيون أواخر 2017 (إعلام محلي)

وتشير تقارير سياسية إلى أن لجنة خاصة تابعة للجماعة تشرف على ميزانية الحزب وأصوله المالية، إضافة إلى مراقبة برامجه الإعلامية وخطط قنواته التلفزيونية وصحفه ومواقعه الإلكترونية؛ ما جعل نشاطه خاضعاً لرقابة دقيقة تقلص هامش حركته إلى الحد الأدنى.

انتقادات داخلية

أثارت قرارات الفصل الأخيرة موجة انتقادات داخل أوساط قيادات الحزب، حيث رأى مسؤولون في الجناح أن الخطوة تمثل «سابقة غير معهودة» في العمل السياسي؛ إذ يقدم حزب على التخلي عن قياداته وهم في السجون بدلاً من الدفاع عنهم.

وأكدت مصادر حزبية أن اعتقال القياديين جاء ضمن حملة مداهمات نفذتها أجهزة أمن الحوثيين في صنعاء وإب خلال أغسطس (آب) الماضي، واستهدفت عدداً من أعضاء الحزب على خلفية انتمائهم التنظيمي أو الاشتباه بوجود علاقات سياسية خارج إطار الجماعة.

ويرى منتقدون أن اتخاذ قرار الفصل قبل يوم واحد فقط من الإفراج عن القياديين يكشف بوضوح طبيعة الصفقة التي أُبرمت، ويعكس حالة «الرضوخ» التي تعيشها قيادة الجناح تحت ضغط الواقع الأمني والسياسي المفروض عليها.

قيادي في «المؤتمر» في صنعاء فصله الحزب مقابل أن يطلق الحوثيون سراحه (إعلام محلي)

ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا النهج قد يؤدي إلى مزيد من التفكك داخل الحزب، مع تزايد شعور قواعده بأن القيادة لم تعد قادرة على حماية أعضائها أو الدفاع عن استقلالية قراراتها، الأمر الذي قد يدفع مزيداً من الكوادر إلى الابتعاد عن النشاط السياسي، أو البحث عن مسارات بديلة خارج مناطق سيطرة الحوثيين.

في المقابل، يرى آخرون أن القيادة الحالية تحاول المناورة للحفاظ على ما تبقى من وجود الحزب؛ إذ يرون أن أي مواجهة مباشرة مع الحوثيين قد تنتهي بحظر كامل للنشاط السياسي ومصادرة الممتلكات، وهو سيناريو سبق أن لوّحت به الجماعة أكثر من مرة.