اللعب على حواف الأشياء

اللعب على حواف الأشياء

عبير الحلوجي في «وجه آخر للصلصال»
الأحد - 1 ذو الحجة 1439 هـ - 12 أغسطس 2018 مـ رقم العدد [ 14502]
جمال القصاص
تسيطر هموم الحياة، خصوصاً في جانبها الأنثوي، على عوالم المجموعة القصصية «وجه آخر للصلصال» للكاتبة عبير الحلوجي، الصادرة عن دار «بدائل» بالقاهرة، وتحيل رمزاً أو تلميحاً إلى كثير من ظواهر التخلُّف والرجعية التي سادت الواقع المصري منذ سبعينات القرن الماضي، وانعكست بدورها على واقع الأسرة المصرية، وعلى نحو خاص العلاقة بين الزوجين.
قصص وحالات ومشاهد أغلب بطلاتها نساء، تعلو فيها نبرة الجروح والألم الإنساني، والإخفاق العاطفي، والرضوخ لمقتضى الحال، تحت وطأة التناقضات ومفارقات الزمن والذكريات والأحلام والوجود.
ويبدو منطق الحكي والسرد، وكأنه محاولة للمس الأشياء عن بعد، وبشكل خاطف، فالذات الساردة لا تتورط في مناطق شائكة وملتبسة، وإنما تحافظ على نقطة محايدة، ودائماً تتمسك بدور المراقب، حتى لو كانت ظرفاً فاعلاً في النص، أو بطلة الحكاية نفسها.
إنها حكايات ناقصة وهشّة ومبتورة، لا تكتمل دائرة الفعل الإنساني في ظلالها إلا بالموت أو المرض، أو الوصول إلى نقطة العجز عن الحياة، والطريف أن كل هذه الأعراض تلحق بالرجل، باعتباره الطرف الأكثر سطوةً وظلماً، وحريةً في ارتكاب الآثام، التي تصل في معادلة الوجود الأسري، إلى التخفي تحت قناع الخيانة العاطفية أحياناً، أو البحث عن مبررات هشة للانفصال عن الطرف الآخر، وهنا يكون زمام الأمور - غالباً - بيد المرأة الطرف الأضعف في المعادلة، لكنها مع ذلك تملك الكثير من الحيل لتحقيق هذا الهدف، ولو وصل الأمر خاصة في لحظات اليأس بتمني الموت لنفسها أيضاً ثأراً لكرامتها المهدرة.
في قصة «فتوى»، وقصة «الحاجز الزجاجي»، وغيرهما من القصص، ثمة زوج مريض، يصارع لحظاته الأخيرة مع الحياة، وثمة زوجة مشغولة بالاستيلاء على ميراثه، تبحث عن فتوى شرعية تمكّنها من ذلك، حتى لا ينازعها أحد فيه، وتفكر أن تلجأ إلى القضاء سرّاً لتحصل على مرادها... أو إنقاذ البطلة/ الزوجة لما تبقى من عمرها، والعيش بهدوء واحترام، سواء طالت أيامها أو قصرت في تلك الحياة.
تصف الذات الساردة ذلك المشهد على لسان بطلة قصة «فتوى» على هذا النحو قائلة: «توالت سنوات مرضه إلى أن أقعده تماماً، تعترف لنفسها بأنها ليست آسفة على وضعه، بل لعله العكس، سرعان ما تطرد تلك الأفكار من رأسها، لكنها أبداً لم تتمنّ له الشفاء من قلبها. كل ما رغبت فيه عبر السنين هو الخلاص، فتراه لا يتحقق إلا بموتها أو موته، لا فرق عندها، أيهما أسبق».
وبعين المراقب المحايد ترصد الكاتبة حالة البطلة وإيقاعها النفسي المتراوح ما بين الشك والحيرة في قصة «الحاجز الزجاجي» قائلة: «هي الآن في أشد حالات الحيرة، إذا مرت الأزمة بسلام فستخلف آثاراً جسيمة يؤكدها الأطباء، ما يفرض عليها ملازمته ورعايته حتى آخر يوم من عمره، لن تستطيع أن تتخلى عنه رغم أن رصيده في قلبها قد نفد وتلاشى بعيداً».
لا تسلم هذه العلاقة من أمراض المجتمع المعتمة، فالداعية المسلم الشاب، في قصة «ازدراء» يحوِّل الدرس الديني إلى دعوى للتمييز ونفي الآخر المختلف معه عقائدياً، وضرب فكرة المواطنة في مقتل. تتسع الصورة في الخلفية، حيث يتحول نفور «مريم» الفتاة الشابة من الواعظ المتخلف، إلى ضجر من الحياة والواقع معا، وتتذكر صورة أمها القبطية الذي تزوجت من أب مسلم بعد قصة حب جمعتهما، خاضا من أجلها حرباً شرسة، مع عائلتيهما.
ويطل وجه الفساد الثقافي في قصة «إرث آثم»؛ فالابن الذي تربي في كنف والده الأديب والشاعر المغمور، وتشرب منه حبَّ المعرفة واللغة والثقافة، لم يجد وسيلة لنشر ميراثه بعد وفاته، إلا بالسطو علية وانتحاله ونسبه إلى نفسه، محققاً بذلك شهرة جابت الآفاق، حاصداً الجوائز واحدة تلو الأخرى، وبعد أن انطفأ نجمه، يستعيد شهرته عبر مؤتمر صحافي، يعلن فيه عن مسابقة أدبية كبرى لاكتشاف المواهب الشابة، مدعياً أنه سيشرف عليها ويحكِّمها بنفسه، وتخصيص جائزة مالية مغرية للأعمال المتميزة، لكنه في الحقيقة يسطو عليها وينشرها باسمه، تعويضاً عن نفاد مخزونه من ميراث الأب.
بلغة سلسلة مشّربة أحيانا بـ«لطشات» من العامية الدراجة، تتنوع مقومات السرد في أغلب قصص المجموعة، تارة بالتجاور والتقاطع، مع هموم الذات الساردة، وتارة أخرى بممارسة الذات نفسها نوعاً من التعمية الفنية على عالم المعنى ودلالاته الأساسية في النص، وترك الأمر لتخمين واجتهاد القارئ، إمعاناً في التشويق والتفاعل مع أجواء النص، مثلما في قصة بعنوان «فقد»، حيث تظل ماهية البطل، ودوافع صراعه العابر المشبوب مع زوجته معلقة حتى آخر النص، فلا نعرف كيف تبدلت أحواله المادية، بعد فقده حبيبته، بواسطة زوجته، التي يستعيدها ويضمها لعائلته بعد جهود مضنية من البحث في أسواق المزادات... يصف البطل ولعه بهذه الحبيبة قائلاً (ص48): «لا أحد استطاع أن يشعر بي، حتى أقرب الناس. إحساس بالتيه اجتاحني، كان من الصعب علي تحمله، فجأة أصبح فؤادي خاوياً، هي وحدها من كانت تملأه، لكم شعرت بالسعادة كلما كنتُ أنظر إليها. كيف طاوعتني نفسي لأستغني عنها، هي أول فرحتي، أيمكن أن يستغني عاقل عن باكورة أبنائه؟».
هذه الحبيبة المجهولة، التي أصبحت بمثابة غريمة للزوجة، يستعيدها الزوج في آخر القصة من إدارة المزاد، لتزين جدران قلبه، وحائط بيته... لكن يظلّ السؤال عالقا: هل هذا البطل فنان تشكيلي، وأن هذه الحبيبة ربما تكون بورتريهاً لامرأة أحبها، وشكَّلَت باكورة أعمال الفنية... القصة تخلو من أيه إشارة لذلك، وإنما تتعمد التخفية والتمويه، عليه، بلا أي مبرر فني، وأتصور أن هذه الصراع العابر كان سيكون أكثر جذباً ودرامية، حيث سيصبح صراع الزوجة حينئذ مع امرأة في صورة، أو صورة امرأة.
إذن، هي جرائم عاطفية رشيقة غير معقدة، ابنة صراعات إنسانية عابرة، تجد لها الذات الساردة حلولاً خاطفة في بعض النصوص، وتتركها على عواهنها المنطقية الواقعية في نصوص أخرى.
هذا الخطف يبرز على نحو لافت وبشكل منسجم ومتماسك فنياً في ثنايا الكثير من نهايات نصوص المجموعة، لكن ثمة نهايات مضطربة ومبتسرة في بعض القصص، وكأن الكتابة أصبحت عبئاً تريد الكاتبة أن تتخلص منه، لتركن إلى فضائها الرخو المفضل باللعب على ما يمكن أن أسميه «حواف الأشياء»... من بين هذه النهايات المبتسرة على سبيل المثال، قصة «الزجاجة وحدها لا تكفي» (ص33، 34)، وقصة «قاتل» (ص 49، 51)، حيث تأتي النهاية كتحصيل منطقي لأجواء القصّ.
رغم ذلك ثمة مناخات شيقة بالمجموعة تبرز في استدعاء الماضي، وتوظيفه معرفياً وفنياً، كجذر لنضوج الذات وتشبثها بمغامرة الحياة. من أبرزها قصة «ابتسامة مؤجلة»، حيث يومض الماضي كنقطة وثوق وتحدٍّ مضيئة، يكشف عنها حوار بطلة القصة الكاتبة نفسها مع صديقتها الثرية غير المكترثة بالعلم والثقافة، وينتهي بها المطاف للعيش في كنف حياة زوجية خربة... وكذلك قصة «وحفظت الأسرار»، حيت يتحول الطبيب المعالج النفسي إلى مريض بأسرار مرضاه لا يعرف كيف يتخلص منها، كذلك قصة «قانون الكارما» ولعب الزوجة على أوتار الجانب الخفي في حياة زوجها، إلى حد عرضها مساعدته وعشيقته كي يمتعا معا بحياة عاطفية سعيدة. أيضاً قصة «عطش»، حيث لا تجد الزوجة التي عاشت في حالة من الإذعان والانصياع التام لأوامر وتعليمات زوجها مساحة من حرية الإرادة والاختيار، حتى انتفت شخصيتها كأم وأنثى، لكن بعد وفاة الزوج تقوم بتبني طفل، لتستعيد معه أمومتها المقموعة.
كما نجد الولع باللعب بديلاً عن الونس المفتقَد للذات، في قصة «نغمة سائدة»، حيث مدام ماري تزعج زميلاتها في العمل برنين هاتفها الجوال، تتركه يرن على مكتبها وتذهب للحمام، وإمعاناً في غيظهم تحوِّل الأمر إلى لعبة نسائية، فتتركه وتذهب إلى الحمام وتتصل بنفسها عليه من تليفون آخر، وتغير النغمة من حين لآخر. أيضاً قصة «وجه آخر للصلصال» التي وسمت المجموعة، حيث تصبح هذه الخامة بمرونتها ولدونتها التشكيلة، دالا رمزياً على ماهية زوج يحتال على زوجته الثرية المحبة الطيبة، ويتفنن في ابتزازها، باختراع تنويعات وتشكيلات وأقنعة لمآزق مالية وهمية يتعرض لها، إلى أن يسقط صريع المرض فتجد الفرصة للتخلص منه.
إنها جروح الحياة وذكرياتها، مفتوحةٌ على براح الزمن والواقع، تومض بحيوية في أغلب قصص هذه المجموعة الشيقة، مؤشرةً على صعود كاتبة لها وعيها الخاص وخبرتها المبدعة.

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة