صرخة في لبنان لإنقاذ التعليم العالي وتحذيرات من انهيار المعايير

مع تراجع المستوى وتلويح جامعات أوروبية بعدم قبول الشهادات اللبنانية

الجامعة الأميركية في بيروت من الجامعات التي علقت عضويتهما في «رابطة جامعات لبنان} (غيتي)
الجامعة الأميركية في بيروت من الجامعات التي علقت عضويتهما في «رابطة جامعات لبنان} (غيتي)
TT

صرخة في لبنان لإنقاذ التعليم العالي وتحذيرات من انهيار المعايير

الجامعة الأميركية في بيروت من الجامعات التي علقت عضويتهما في «رابطة جامعات لبنان} (غيتي)
الجامعة الأميركية في بيروت من الجامعات التي علقت عضويتهما في «رابطة جامعات لبنان} (غيتي)

بعد الانتقادات الموجهة لمستوى التعليم العالي في لبنان وسلسلة الأحداث التي كانت مرتبطة بالجامعات اللبنانية والتي كان آخرها تزوير شهادات لعسكريين، أتت الصرخة هذه المرة من أعرق المؤسسات أمس، بعد أن برز جدل حول معلومات بتلويح جامعات أوروبية بعدم الاعتراف بالشهادات التي تمنحها «الجامعة اللبنانية» وهو ما نفته الأخيرة.
وبعد الإعلان قبل أيام عن تعليق كل من «الجامعة الأميركية في بيروت» و«جامعة القديس يوسف» عضويتهما في «رابطة جامعات لبنان» مطالبتين بتنقية الجامعات اللبنانية، وهو الأمر الذي لطالما طالبت به عدة أطراف معنية وبشكل خاص أساتذة في الجامعة الوطنية، استفاق اللبنانيون أمس على خبر يشير إلى أن الاتحاد الأوروبي هدّد لبنان بعدم الاعتراف بشهادة «الجامعة اللبنانية» ما لم تعمل على إصلاح مناهجها خلال 3 سنوات، لتعود الجامعة بعد ذلك وتصدر بيانا تنفي فيه هذا الخبر متّهمة بعض الجامعات الخاصة بالاستفادة من معلومات مغلوطة من أجل ضرب الجامعة الوطنية.
ولا يعني نفي الجامعة أن التعليم العالي في لبنان لا يواجه مشكلة حقيقية. ففي السنوات الأخيرة بدأت المحاصصة الطائفية والمذهبية عبر «توزيع التراخيص» بإنشاء الجامعات بعيدا عن معايير محددة، رغم أن بعض الجامعات اللبنانية لا تزال تتصدر الجامعات العالمية والعربية بمستوى تعليمها؛ إذ، ووفق آخر تقرير لمؤسسة «كواكواريلي سيموندس» البريطانية المختصة بالتعليم الذي نشر قائمة بأفضل ألف جامعة في العالم لعام 2019، احتلت «الجامعة الأميركية في بيروت» المرتبة الأولى من أصل مائة، وعالميا المرتبة 237. وعلى الرغم من أنّ اسم الجامعة اللبنانية لم يرد في تصنيف أفضل ألف جامعة عالمياً فقد احتلت المرتبة 25 عربياً، فيما كانت «جامعة القديس يوسف» في المرتبة 12 لكنها في المرتبة 500 عالميا.
كما سجّل حضور لعدد من الجامعات الخاصة ضمن هذا الترتيب، بحيث كانت ضمن الخمسين الأولى عربيا وبين الـ500 والألف عالميا.
لكن هذا الترتيب الذي يظهر مستوى عدد من الجامعات في لبنان، ويؤكد عليه مسؤولون فيها، بات اليوم أمام خطر انفلات المعايير بحسب مسؤولين في «القديس يوسف» «والجامعة الأميركية»، وهو ما أدى إلى تعليق عضوية الجامعتين في «رابطة جامعات لبنان»، وهو ما لا يختلف مع وجهة نظر الباحث والأستاذ في «الجامعة اللبنانية» الدكتور عصام خليفة الذي يرى أن «(الجامعة اللبنانية) من أكثر المتضررين من هذا الواقع» محذرا من النتائج إذا استمر الوضع على ما هو عليه.
ويؤكد مصدر مسؤول في «القديس يوسف» ووكيل الشؤون الأكاديمية في «الجامعة الأميركية في بيروت» الدكتور محمد حراجلي، أن قرار التعليق كان قبل 3 أشهر، أي قبل قضية تزوير شهادات العسكريين، لكنه جاء بناء على أمور عدة؛ أهمها الواقع المرير الذي يعاني منه هذا القطاع والتخمة في الجامعات الخاصة التي باتت تنعكس سلبا على مستوى التعليم وتقدّمه.
ويقول حراجلي لـ«الشرق الأوسط»: «اتخذنا القرار بعدما بات الربح المادي هو الهدف الأساسي لإنشاء الجامعات في لبنان، التي باتت تعاني من تخمة، كما منح التراخيص وفق التدخل والمحاصصة السياسية بعيدا عن أي معايير وضوابط، وبالتالي لم يعد هناك من جدوى في التعاون والبقاء في الرابطة في ظل هذا الواقع». وأكد في الوقت عينه أن باب «الأميركية» مفتوح للتعاون مع كل الجامعات شرط الحرص على مستوى التعليم، ومع كل الطلاب خصوصا المتفوقين منهم الذين يحصلون بشكل دائم على منح للدراسة فيها.
ما يقوله حراجلي يؤكد عليه أيضا مصدر مسؤول في «اليسوعية»، موضحا لـ«الشرق الأوسط»: «المشكلة ليست بإعطاء التراخيص؛ إنما في غياب المعايير التي تعطى بناء عليها، والضوابط والمناهج التي يفترض أن تعتمد»، مضيفا: «إذا بقي الوضع على ما هو عليه فسيكون مصير التعليم العالي في خطر حتمي، وعلّ قرار انسحابنا من الرابطة يشكّل ناقوس خطر بالنسبة إلى المسؤولين، وهو ما يبدو أنه بدأ يظهر عبر القرارات التي أخذها مجلس التعليم العالي لناحية إصدار قرار بمنع تسجيل الطلاب الجدد في جامعات متّهمة بتزوير شهادات إلى حين انتهاء التحقيق».
ويكشف المصدر أن «جامعة القديس يوسف» بدأت في المرحلة الأخيرة تواجه تشكيكا من بعض الجامعات الأوروبية في الشهادات كما أسواق العمل الأوروبية «بحيث بات هناك تدقيق لافت بشأنها خوفاً من التزوير، وهو ما لم يكن يحدث في وقت سابق».
في المقابل، ورغم موافقته على تراجع مستوى التعليم العالي ورفضه التراخيص العشوائية للجامعات الخاصة، ينتقد رئيس «رابطة جامعات لبنان» الوزير السابق سامي منقارة قراري «اليسوعية» و«الأميركية»، عادّاً أن الحرص على التعليم العالي يتطلب تعاونا من الجميع، خصوصا من قبل هذه المؤسسات العريقة وليس الانسحاب. ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «الرابطة لم تتلقّ رسميا طلب تعليق عضوية الجامعتين، وهي بالتالي لغاية الآن تعدّهما أعضاء فيها»، موضحا أن «عددا كبيرا من جامعات لبنان لا ينضوي تحت لواء الرابطة التي لا تقبل عضوية الجامعة إلا بناء على معايير محددة، وهي تضم لغاية الآن فقط 19 جامعة». وأضاف: «إذا كان هناك أي انتقاد، فعلى الجميع التعاون وليس الانسحاب، خصوصا أن هناك معايير محددة تعتمدها الرابطة وكانت قد وضعت بموافقة ممثلي (اليسوعية) و(الأميركية)». ولفت إلى أنه وبعدما علم من الإعلام عن هذه المشكلة أرسل كتاباً إلى رئيسي الجامعتين وأنه ينتظر الرد عليه.
ولا ينفي منقارة أن هناك تراجعا في مستوى التعليم العالي في لبنان لأسباب عدة؛ أهمها منح تراخيص عشوائية، قائلا: «تحولت الجامعات إلى تجارة عند البعض، والحكومة هي من تتحمل هذه المسؤولية نتيجة الجو السياسي والمحاصصة في التعامل مع هذه القضية عبر إعطاء تراخيص عشوائية».
ومع دعوته الملحة للعمل على تحسين جودة التعليم العالي، يشير الأستاذ عصام خليفة إلى تراجع عدد طلاب «الجامعة اللبنانية» أمام انتشار الجامعات الخاصة الفاقدة أهم المعايير، لافتا إلى أن «نسبة عدد طلاب (الجامعة اللبنانية) لا تزيد على 35 في المائة؛ أي نحو 73 ألفاً (الرقم نفسه منذ 15 سنة) بعدما كانت في السابق تشكل 60 في المائة، وبالتالي كان يفترض أن تكون اليوم نحو 150 ألفاً». مع العلم بأنه يقدّر عدد الجامعات الخاصة اليوم في لبنان بنحو 50 جامعة، بعضها لا يزيد عدد طلابها على المئات أو حتى العشرات، فيما يصل العدد في «الأميركية» إلى 7300 و«اليسوعية» إلى 13 ألفا.
واتهم خليفة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» المسؤولين بالهروب من الأزمة وعدم إيجاد حل لها عبر منح تراخيص عشوائية، مؤكدا أن المدخل الأهم هو تقوية «الجامعة اللبنانية» وإنشاء 5 جامعات لبنانية شرط أن يكون لها مجلس أعلى يقوم بالتنسيق في ما بينها، ويضيف: «مع تأكيدنا على عدم رفض وجود الجامعات الخاصة؛ إنما أن يكون ترخيصها مبنيا على معايير محددة، وأن يترافق ذلك أيضا مع رقابة دائمة عليها».
وفي بيانها التي نفت فيه المعلومات حول تهديد الاتحاد الأوروبي بعدم الاعتراف بشهادة «الجامعة اللبنانية»، رأت الأخيرة أن الهدف هو مصلحة الجامعات الخاصة على حساب «الجامعة الوطنية». وقالت في بيان لها: «شائعات مغرضة تطال بشكل مباشر الجامعة اللبنانية، وآخرها الشائعة المتعلقة بعدم اعتراف الاتحاد الأوروبي بشهادات الجامعة، والتي لا أساس لها من الصحة وهي تستهدف الجامعة اللبنانية لمصلحة بعض الجامعات الخاصة ومن أجل ضرب الجامعة الوطنية».
وأوضحت أن «الجامعة أقدمت طوعاً على تقييم الجودة فيها من قبل المجلس العالي للتقييم والاعتماد للتعليم العالي المسؤول عن تقييم التعليم العالي والبحث العام في فرنسا، وهذه الخطوة جاءت بناء على توصية (منظمة الصحة العالمية) و(الاتحاد العالمي للتعليم الطبي) بوجوب إجراء اعتماد الجودة لكليات الطب في جميع أنحاء العالم، وقد باشرت كلية الطب في الجامعة، وجميع كليات الطب الخاصة في لبنان من عام 2017، بالترتيبات اللازمة للحصول على الاعتماد المذكور، وهو أمر يستلزم تطبيقه عند الجميع فترة لا تقل عن السنتين». وشدّد بيان الجامعة اللبنانية على أن نظام التقييم الذي تخضع له «لم ولن يكون شرطاً لقبول شهادة الجامعة اللبنانية من قبل عدد كبير من الجامعات في العالم». وأضاف: «معظم الدول الأوروبية تعترف بشهادة جامعتنا الوطنية التي تتبع نظام الأرصدة، كما أن هناك الكثير من الاتفاقيات الثنائية الموقعة بينها وبين الكثير من الجامعات الأوروبية وغير المرتبطة بتطبيق نظام الجودة».



اليمن يسعى لتعزيز مكانته في التجارة الدولية باستحداث ميناءين

اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)
اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)
TT

اليمن يسعى لتعزيز مكانته في التجارة الدولية باستحداث ميناءين

اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)
اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)

في خطوة تستهدف تعزيز مكانة اليمن على خريطة التجارة الدولية، أعلنت الحكومة المعترف بها دولياً استحداث ميناء على ساحل بحر العرب وآخر على المحيط الهندي، مع التخطيط لإنشاء ميناء ثالث على خليج عدن، بالتزامن مع البدء في المرحلة الثانية لتوسعة مداخل ميناء عدن.

ويأتي هذا التوجه وسط تفاؤل حكومي بإمكانية أن تلعب موانئ البلاد الممتدة على سواحل البحر العربي وخليج عدن، دوراً حيوياً في مستقبل التجارة الدولية وخدمة دول الجوار العربي، استناداً إلى المتغيرات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية، وهو ما يدفع وزارة النقل إلى تسريع العمل في تطوير ميناء عدن واستحداث موانئ جديدة في حضرموت وشبوة وسقطرى.

وأكد وزير النقل محسن العمري، خلال وضع حجر الأساس للمرحلة الثانية من مشروع توسعة مداخل ميناء عدن، أن هذه الخطوة تمثل محطة مهمة في إطار تطوير البنية التحتية للميناء وتعزيز قدرته التشغيلية، مشيراً إلى أن المشروع واجه تعثراً خلال الفترة الماضية، قبل أن يُرفع إلى رئيس الوزراء شائع الزنداني، الذي وجّه بسرعة تنفيذه نظراً لأهميته الاستراتيجية في دعم النشاط الملاحي والتجاري.

وضع اللمسات الأخيرة لاستحداث ميناءين في حضرموت وسقطرى (إعلام حكومي)

ووصف الوزير المشروع بأنه أحد أبرز الإنجازات ضمن حزمة من المشاريع التطويرية الجاري تنفيذها في قطاع النقل والموانئ، التي تشمل مشاريع موانئ في محافظة حضرموت وأرخبيل سقطرى، إلى جانب عدد من المشاريع الأخرى المتوقفة التي يجري العمل على إعادة تنشيطها خلال المرحلة الراهنة، ضمن رؤية أوسع لإعادة تأهيل قطاع النقل البحري ورفع جاهزيته لاستيعاب متطلبات المرحلة المقبلة.

وأعرب العمري عن أمله في أن تسهم هذه الخطوة في استعادة ميناء عدن لمكانته الطبيعية والتاريخية بصورة تدريجية، من خلال تعزيز كفاءته التشغيلية ورفع مستوى الخدمات المقدمة للسفن والخطوط الملاحية، وزيادة قدرته على استيعاب الحركة التجارية المتنامية، بما يعزز دوره الحيوي بوصفه ميناء محورياً في المنطقة ويسهم في تنشيط الحركة الاقتصادية والتجارية ورفد الاقتصاد الوطني.

تعزيز القدرة التشغيلية

من جانبه، أكد رئيس مجلس إدارة مؤسسة موانئ خليج عدن محمد أمزربه، أن مشروع تطوير مداخل الميناء يُعدّ من المشاريع الاستراتيجية المهمة في مجال البنية التحتية، لافتاً إلى أنه سيمثل نقلة نوعية في تطوير العمل ورفع كفاءة التشغيل بالميناء، من خلال تحسين انسيابية الحركة وتعزيز قدرات المناولة والشحن والتفريغ.

وأوضح أن المشروع سيسهم في تسهيل حركة دخول وخروج الشاحنات، بما يعزز كفاءة عمليات المناولة ويقلل من مدة بقاء السفن في الميناء، الأمر الذي سينعكس إيجاباً على خفض تكاليف الشحن وتحسين مستوى الخدمات الملاحية، بما يجعل ميناء عدن أكثر قدرة على المنافسة واستقطاب الخطوط الملاحية العالمية.

رهان يمني على دور فاعل لميناء سقطرى على المحيط الهندي (إعلام محلي)

ووفق ما ذكره أمزربه، فإن المشروع يتضمن تنفيذ أعمال تطوير بطول يقارب كيلومتراً ونصف الكيلومتر في ميناء المعلا، و3 كيلومترات ونصف الكيلومتر في ميناء كالتكس، مشيراً إلى أن المرحلة الأولى تم تنفيذها خلال السنوات الماضية، فيما جرى تدشين المرحلة الثانية بعد استكمال الإجراءات والمناقصات العامة، ضمن خطة متدرجة تستهدف تحديث البنية التحتية للميناء وفق احتياجاته التشغيلية المتنامية.

وأكد أن أعمال التطوير والتحديث في هذه الموانئ تحظى بدعم حكومي مستمر، حيث يجري العمل على تنفيذ عدد من المشاريع الحيوية الأخرى، من بينها الورشة الفنية الخاصة برصيف السياح، إلى جانب مشاريع سيتم طرحها وتنفيذها وفق مراحل زمنية محددة، بما يسهم في تعزيز مكانة ميناء عدن واستعادة دوره الاقتصادي والتجاري.

خريطة موانئ جديدة

قال وزير النقل اليمني إن رؤية الوزارة لا تتوقف عند حدود ميناء عدن؛ بل تمتد لتشمل خريطة متكاملة لتطوير الموانئ اليمنية، من «بروم» في حضرموت إلى «قرمة» في سقطرى، وصولاً إلى إعادة تنشيط جميع المشاريع المتوقفة، انطلاقاً من قناعة رسمية بأن الموانئ تمثل قاطرة التنمية، وأن بناء بنية تحتية بحرية حديثة بات ضرورة لمواكبة التحولات المتسارعة في حركة الملاحة الدولية.

وفي هذا السياق، ناقش وزير النقل الخطوات والإجراءات اللازمة لاستئناف العمل بمشروعي إنشاء مينائي «قرمة» بمحافظة سقطرى و«بروم» بمحافظة حضرموت، لما يمثله المشروعان من أهمية استراتيجية في تنشيط حركة النقل البحري والتجاري، ودورهما المتوقع في توسيع قدرة اليمن على استقبال الحركة الملاحية وتوزيعها على أكثر من منفذ بحري حيوي.

كما استعرض مع نائب وزير الصناعة والتجارة سالم سلمان، مستوى الإنجاز في الدراسات والإجراءات الفنية والإدارية المرتبطة بالمشروعين، إضافة إلى التحديات التي واجهت سير التنفيذ خلال الفترة الماضية، موجهاً بوضع آلية عملية لتسريع استكمال الإجراءات الفنية والإدارية، والعمل على تحديث التكاليف التقديرية تمهيداً لاستكمال إجراءات طرح المناقصات وفقاً للمعايير والشروط المعتمدة.

ميناء المكلا مرتكز حكومي لحركة التجارة في موانئ بحر العرب (إعلام محلي)

وفي موازاة ذلك، ناقش وزير النقل مع مجلس إدارة مؤسسة موانئ البحر العربي خريطة طريق تركز على تحويل الدراسات الفنية والاقتصادية إلى واقع ملموس، خصوصاً فيما يتعلق بمشاريع ميناء «بروم» الاستراتيجي في حضرموت، وميناء «قنا» في شبوة، وميناء «قرمة» في أرخبيل سقطرى، بالإضافة إلى مشروع توسعة ميناء المكلا الذي يُنظر إليه بوصفه ركيزة أساسية في النشاط الملاحي على سواحل بحر العرب.

وأكد الوزير أن الهدف لا يقتصر على التطوير الإنشائي؛ بل يمتد إلى تقديم أقصى التسهيلات والامتيازات للخطوط الملاحية والمستوردين، بما يضمن انسيابية الحركة التجارية وزيادة الإيرادات التي تخدم الاقتصاد الوطني، مشدداً على أن الوزارة، وبدعم من الشركاء، ماضية في تحويل موانئ البحر العربي إلى مراكز لوجستية عالمية تعزز من مكانة اليمن على خريطة التجارة الدولية.


العليمي: السلام يتحقق بردع الحوثيين وليس باسترضائهم

رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)
رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)
TT

العليمي: السلام يتحقق بردع الحوثيين وليس باسترضائهم

رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)
رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)

في تصعيد يمني للخطاب السياسي تجاه الحوثيين، شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي على أن جوهر الأزمة في بلاده لا يرتبط بتباينات سياسية قابلة للتسوية، بل بمشروع سياسي مسلح قائم على احتكار السلطة، وادعاء الحق الإلهي في الحكم، ورفض مبدأ المواطنة المتساوية، مؤكداً أن أي مقاربة للسلام تتجاوز هذه الحقيقة لن تقود إلى تسوية عادلة، أو استقرار دائم.

وخلال استقباله نائب رئيس مجلس النواب الألماني الاتحادي (البوندستاغ) أوميد نوميبور، أوضح العليمي أن الشعب اليمني يواجه جماعة مسلحة استولت على مؤسسات الدولة بقوة السلاح، وانقلبت على التوافق الوطني، وفتحت البلاد أمام مشروع إقليمي عابر للحدود.

ويعكس هذا التوصيف من قبل العليمي تمسك القيادة اليمنية بقراءة ترى أن الصراع مع الحوثيين معركة مرتبطة باستعادة الدولة الوطنية، وحماية النظام الجمهوري، وليس مجرد نزاع داخلي محدود الأبعاد.

حشد للحوثيين في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)

وأشار رئيس مجلس القيادة اليمني إلى أن المحافظات الواقعة تحت قبضة الحوثيين تحولت إلى بعض أسوأ مناطق العيش في العالم، خصوصاً بالنسبة إلى الأقليات، والمرأة، والصحافة، والعمل المدني.

وأكد أن تحقيق السلام لن يكون عبر مكافأة المتمردين، أو منحهم شرعية سياسية على حساب الدولة، وإنما عبر دعم مؤسسات الدولة الوطنية، وحماية التعددية، وردع الميليشيا، وفتح أفق سياسي عادل لكل اليمنيين يضمن الشراكة، والحقوق المتساوية.

تثمين الدعم الألماني

وفي هذا السياق، ثمن العليمي اهتمام البرلمان الألماني بالشأن اليمني، والدور الذي تضطلع به ألمانيا بوصفها شريكاً أوروبياً مهماً في دعم السلام وبناء المؤسسات، وحماية الحقوق، والحريات، معرباً عن تطلعه إلى زيادة الدعم الألماني والأوروبي خلال المرحلة المقبلة، بما يشمل استئناف حضور المؤسسات الألمانية الفاعلة، خصوصاً في مجالات التدخلات الإنسانية، وبرامج التنمية، وبناء القدرات المؤسسية.

وربط العليمي بين هذا الدعم والاستثمار المباشر في الأمن والاستقرار الوطني والإقليمي، في إشارة إلى أن تعزيز مؤسسات الدولة اليمنية يمثل -من وجهة نظر الحكومة الشرعية- المدخل الأكثر واقعية لمواجهة الانهيارات الاقتصادية والإنسانية، وخلق بيئة أكثر تماسكاً في مواجهة التحديات الأمنية والسياسية التي فرضتها الحرب.

كما تطرق إلى ما وصفها بالسرديات المضللة التي تروج لها بعض المنابر بشأن الحالة اليمنية، مؤكداً أن تصوير المشهد باعتباره نزاعاً سياسياً عادياً يتجاهل حقيقة الانقلاب المسلح على الدولة، وطبيعة المشروع الذي تحمله الجماعة الحوثية.


أزمة السيولة تربك الاقتصاد اليمني وتعطل صرف الرواتب

مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)
مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)
TT

أزمة السيولة تربك الاقتصاد اليمني وتعطل صرف الرواتب

مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)
مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)

مع اقتراب الشهر من نهايته، يخشى الموظفون اليمنيون في مناطق الحكومة الشرعية من عدم قدرتهم على الوفاء بالتزاماتهم المالية، بسبب عجزهم عن الحصول على رواتبهم، نتيجة أزمة السيولة التي تعيشها المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة الشرعية منذ أشهر.

ولا تُعدّ أزمة السيولة النقدية التي يواجهها اليمنيون أزمة نقود في حد ذاتها، بل أزمة أوراق نقدية تعجز البنوك عن توفيرها للعملاء، وتكتفي بمنح كل عميل يحاول السحب من رصيده أو صرف عملات أجنبية 80 ألف ريال يمني فقط يومياً (الدولار يساوي 1560 ريالاً) وسط اتهامات لها بتدمير ثقة عملائها بها.

وتعرّض الاقتصاد اليمني لأزمات متتالية بسبب الحرب المستمرة منذ أكثر من عقد، والتلاعب والمضاربة بالعملات في الأسواق الموازية وتراجع الثقة بالبنوك، واستبدال قنوات موازية غير قانونية بالقنوات المصرفية الرسمية، إلى جانب اعتداءات الجماعة الحوثية على موانئ تصدير النفط وحرمان الحكومة الشرعية من أهم مصادر الإيرادات.

ويرى عبد السلام الأثوري، الخبير الاقتصادي اليمني، أن أزمة السيولة في مناطق الحكومة اليمنية ليست نقصاً في النقد، بل نتيجة اختلالات هيكلية عميقة في إدارة المال العام والنظام النقدي؛ إذ خرجت كتل نقدية كبيرة من الجهاز المصرفي، ما أضعف قدرة البنك المركزي اليمني على التحكم بالسيولة.

القاعة الرئيسية لإجراء المعاملات بالبنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)

ويشير الأثوري في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى تآكل القنوات الرسمية للإيرادات، مع إيداع مؤسسات حكومية أموالها لدى شركات الصرافة بدل البنك المركزي؛ ما خلق قنوات مالية موازية، كما يبرز اختلال الإنفاق العام، خاصة في الرواتب، حيث تُصرف أموال لأسماء وهمية أو غير فعالة، وتتسرب لاحقاً إلى المضاربة وتحويل الأموال للخارج.

ومنذ أيام اتهم مسؤولان في البنك المركزي بعض السلطات المحلية والجهات الحكومية بمفاقمة الأزمة من خلال الامتناع عن التوريد لحساب الحكومة في البنك المركزي بعدن، وتجاهل قرار مجلس القيادة الرئاسي وخطة الإصلاحات الاقتصادية الشاملة المدعومة دولياً.

وحسب ما نقلت «رويترز» عن المسؤولين، فإن الحكومة لا تمتلك إيرادات كافية لتغطية نفقاتها، بسبب «هبوط حاد في الإيرادات العامة عقب توقف صادرات النفط منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2022، فضلاً عن آلاف المليارات من الريالات المكدسة في مخازن شركات الصرافة ورجال الأعمال، وهي عوامل تسببت في أزمة سيولة خانقة داخل المالية العامة».

وذكر مصدر مقرب من إدارة البنك المركزي اليمني في عدن لـ«الشرق الأوسط» أن من أسباب هذه الأزمة تجميد عقود طباعة العملة وإحجام التجار عن قبول الأوراق النقدية الممزقة والتالفة، والتي تمثل أكثر من 70 في المائة من الأوراق النقدية المتداولة، مع إصرار الكثير من السكان على تخزين الأوراق السليمة في منازلهم.

ابتلاع السيولة

وتعدّ هذه الأزمة إحدى تداعيات اقتصاد الحرب الذي تتراجع فيه الإيرادات العامة، وتفقد الدولة قدرتها على تنظيم السوق.

ويخشى المراقبون أن يتراجع دور البنوك أكثر مما هو حاصل فعلاً؛ إذ يستمر بقاء معظم الكتلة النقدية خارجها، ورغم الإجراءات التي اتبعها البنك المركزي في الصيف الماضي، فإنها لم تكن كافية لإعادة الدورة النقدية إلى وضعها القانوني، ومنع الاعتماد على الاقتصاد غير الرسمي.

ويصف عبد الحميد المساجدي، الباحث الاقتصادي اليمني، الأزمة الحالية بالاختلال العميق في بنية الدورة النقدية ذاتها نتيجة الاكتناز خارج البنوك؛ وهو ما أدى إلى شلل فعلي في وظيفة النقود وسيطاً للتبادل داخل النظام المالي الرسمي، وخلق مفارقة اقتصادية حادة تمثلت بشح داخل البنوك مقابل فائض غير منضبط في السوق الموازية، يُستخدم في المضاربة بالعملة.

وأوضح المساجدي لـ«الشرق الأوسط» أن البنوك فقدت جزءاً كبيراً من جاذبيتها لصالح قطاع الصرافة الذي يعمل بسرعة ومرونة أعلى وبقنوات أقل تعقيداً، وفي غياب الأدوات المالية الفعالة التي تستقطب السيولة، مثل شهادات الإيداع أو أدوات الدين الداخلي، تراجعت قدرة النظام المصرفي على أداء دوره وسيطاً مالياً، وتآكلت وظيفة خلق الودائع.

محل لبيع الأسماك في مدينة سيئون شرق اليمن (أ.ب)

وتتجلى الأزمة في تفاصيل يومية حصلت «الشرق الأوسط» على شهادات ميدانية عنها، مثل تأجيل المرضى زياراتهم للأطباء، وتحذيرات مدارس خاصة لأولياء أمور الطلاب من حرمان أبنائهم من إكمال العام الدراسي لعدم سداد الرسوم، وعجز تجار عن تجديد بضائعهم، مقابل عجز المستهلكين عن شراء السلع الأساسية إلا في أضيق الحدود.

ويشير حلمي الحمادي، الباحث المالي اليمني، إلى أن الأوراق النقدية وقعت فيما يسميه «مصيدة السيولة» التي نشأت بعد إجراءات البنك المركزي خلال العام الماضي، حيث كان المتحكمون بالإيرادات يضعون الأوراق النقدية في حوزة شركات الصرافة ويضاربون بها بالعملات الأجنبية، إلا أنهم الآن يحتفظون بها في المنازل.

ويخلص في توضيحه لـ«الشرق الأوسط» إلى أن أخطر ما في هذه الأزمة أن النقود لا تدخل البنوك التي لا تستطيع تمويل الاقتصاد، والذي بدوره يعمل خارج النظام المالي، وأن تجزؤ الإيرادات جغرافياً وقطاعياً، في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، تسبب في تركيز وإدارة السيولة في مناطق ولدى فئات وجهات وأفراد محددين، لينشأ ما يمكن تسميته «اختناق السيولة الموضعي».

حِزم الأوراق النقدية اليمنية تُحتجز لدى جهات تسعى للإضرار بالاقتصاد (رويترز)

وتتزايد المخاوف من أن تؤدي هذه الأزمة إلى تعطيل سلاسل الإمداد الغذائي، بصعوبة حصول التجار على أموالهم لاستيراد السلع، وعجز السكان عن الحصول على أوراق نقدية لشراء المواد الاستهلاكية.

استعادة الثقة

ولا تعدّ الأزمة الحالية مجرد تعثر مالي، بل هي «أزمة ثقة» حادة متعددة المستويات داخل المؤسسات الرسمية، وفي علاقة مختلف القطاعات بالقطاع المصرفي؛ ما يهدد بدفع الأسواق إلى الاعتماد على «المقايضة» القسرية أو الاعتماد الكلي على التحويلات الرقمية التي لا تتوفر للغالبية العظمى من السكان في الريف.

ويشدد الباحث الأثوري على ضرورة ضبط المالية العامة، وإغلاق حسابات الصرافة الحكومية، وتوحيد الرقابة على المال العام، وإصلاح الرواتب، وتدقيق القوائم الوظيفية، وإزالة الازدواجية والأسماء الوهمية، وربط الرواتب بنظام مصرفي أو رقمي مباشر.

شركات الصرافة أسهمت في تدهور القطاع المصرفي اليمني (أ.ف.ب)

كما يرى أن من أهم وسائل مواجهة هذه الأزمة، تفعيل أدوات البنك المركزي والتحول للدفع الرقمي وتوسيع المحافظ الإلكترونية والمدفوعات الرقمية، ورقمنة الرواتب لتقليل الاعتماد على النقد ومعالجة اختلالات التهربات الضريبية التي تفقد الإيرادات مبالغ كبيرة وخاصة لدى كبار المكلفين.

من جهته، يدعو المساجدي إلى إصلاح هيكلي شامل، واستخدام أدوات مالية ذكية وجاذبة، تعيد توجيه النقد إلى القنوات الرسمية بدلاً من بقائه خارجها، وتحديث القطاع المصرفي ليصبح أكثر كفاءة وسرعة وقدرة على تقديم خدمات حقيقية تعيد بناء الثقة تدريجياً بدلاً عن الاعتماد على شركات الصرافة.

ويتفق الاثنان على أهمية استعادة التوازن النقدي بالإلزام الصارم لكل الجهات بتوريد الإيرادات العامة إلى البنك المركزي، بما يعيد للدورة المالية وحدتها.