مذكرات حمادي الجبالي الحلقة (6): حكم عليّ بـ16 سنة سجنا في قضية «براكة الساحل» التي لم أكن أعرف عنها شيئا

كنا الطرف الأقوى شعبيا وتنظيميا وقياديا في انتخابات 1989 وفزنا بالأغلبية

حمادي الجبالي مع ابنتيه في إسبانيا صيف 1988
حمادي الجبالي مع ابنتيه في إسبانيا صيف 1988
TT

مذكرات حمادي الجبالي الحلقة (6): حكم عليّ بـ16 سنة سجنا في قضية «براكة الساحل» التي لم أكن أعرف عنها شيئا

حمادي الجبالي مع ابنتيه في إسبانيا صيف 1988
حمادي الجبالي مع ابنتيه في إسبانيا صيف 1988

لعبت الانتخابات التي انتظمت في تونس 1989 دورا حاسما في تحديد مستقبل البلاد وكذلك العلاقة بين حركة النهضة والسلطة ، فقد منحهم الرئيس التونسي زين العابدين بن علي فرصة المشاركة في الانتخابات لكن كانت مشروطة، أي أنه لا تتعدى مشاركتهم الست دوائر، لكن الحماس أخذ القياديين وخاصة بعد النتائج التي رأوا أنها إيجابية لصالحهم، فوسعوا نشاطهم، وسعوا إلى تحالفات مع الأحزاب المعارضة في تونس وقتها في تحد واضح لبن علي رغم تحذيراته المباشرة.
ونتائج الانتخابات وقتها كانت جرس الإنذار الذي قرر بعده نظام بن علي التخلص من الحركة كليا، بعد ما أبداه من انفتاح على التعامل معها منذ وصوله إلى الحكم سنة 1987 فتغيرت السياسة وكثفت الاعتقالات، وصدرت بحق الكثير من الأسماء فيها أحكام تراوحت بين السجن لسنوات طويلة أو الإعدام والقضية الأساسية وقتها كانت قضية «براكة الساحل» التي حوكم فيها الجبالي بـ16 عاما.

دولة المجتمع أو مجتمع الدولة قرروا إجراء انتخابات سنة 1989. ونحن كنا شاركنا فيها بصفة جزئية، في خمس أو ست ولايات (محافظات) فقط فبالتالي من المفترض أننا لم نكن مصدر خوف أو قلق، وطلبنا أن نتعامل ونتعاون مع المعارضة ومن طرفه رحب أحمد المستيري بالفكرة.
رغم ذلك كانت هناك مخاوف من مشاركتنا خاصة من طرف الحزب الحاكم الذي كانت شعبيته ضعيفة ، وبمثابة هيكل بلا روح أو جيش بلا جنود ، ووكذلك هناك جهات أجنبية، وكنا على علم بهذا لذلك لم نحاول الدخول بقوة.
وهنا بدأ الجدل ووصلنا نوع من التحذير أو كان تهديدا بأنه إذا تحالفنا مع المعارضة ودخلنا بقوة فإن هذا يهدد التوازنات في البلاد، وسيعد بمثابة إعلان حرب وأننا سنواجه ما لا يعجبنا وكان هذا الكلام من حامد القروي، الذي قال: إن هذا الكلام ليس منه شخصيا بل من الرآسة وقال محذرا: أنتم تلعبون بالنار.
نحن رفضنا هذه التهديدات وكنا وقتها متحمسين جدا لكن في نفس الوقت كنا متخوفين من الخطر، لم يكن خطر الاعتقالات هو الذي يخيفنا، لكن كنا نعتقد أن ما نقوم به سابق لأوانه وأنه من الأفضل لنا أن نسير بأقل سرعة، وبما أن فرصة الانتخابات موجودة كنا نريد المحافظة على الحريات ونندمج أكثر في العمل السياسي، لأنه حقيقة ومن دون غرور كنا الطرف الأقوى على كل المستويات الشعبية والتنظيمية والقيادية، وكنا على قناعة أن الحزب الدستوري والتجمع (الحزب الحاكم) كان أكذوبة كبيرة وليس لديه أي شعبية، كانوا عبارة عن ميليشيا في صورة أداة ادارية أمنية، مالية ، تخدم مصالهم الشخصية ، فكانت اجتماعاتهم الإنتخابية لا تجمع أكثر من بضع ميئات ، في حين تشهد اجتماعات «القائمات المستقلة» الآلاف.
شعرنا بنوع من الغرور السياسي والحماس الجماهيري، أو يمكن أن تعديه البهتة السياسية وقتها، حقيقة غامرنا وبدأنا نتقدم بكفاءات شبابية جديدة ليس على المستوى القيادي أي مستوى الصف الأول بل على مستوى الصف الثاني والثالث، ومتعاطفين وقدمنا ما يسمى بالقائمات البنفسجية المستقلة.
كانت انتخابات 1989 مرحلة حاسمة ومنعطفا خطيرا في مستقبل تونس، وأتحدث إليك وأنا على علم بتفاصيل الأمور وأعطيك مثالا لنتائج محافظة سوسة وقتها كانت نتائج قوائمنا البنفسجية 62 في المائة، وسأشرح لك مراحل التزوير كيف جرت، بعد الاقتراع يجري فتح الصناديق بعد طرد الجميع من مراكز الاقتراع وتستبدل الأوراق البنفسجية بالحمراء، وأخبرني بهذا الأمر أحد أقربائي الذي شاركهم العمل وهو لم يكن من المنتمين للحزب فقط كان مهاجرا في فرنسا وعاد إلى تونس راغبا في فتح «مغازة» لبيع المواد الغذائية ووعدوه بالحصول على ترخيص إذا كان من المتعاونين في هذه الأعمال وبما أنه لا توجهات سياسية له لم ير ضررا في الموضوع.
وأكد أننا حصلنا على 75 في المائة في منطقة خزامة الشمالية وهي من الضواحي الراقية التابعة لمحافظة سوسة، ويمكن القياس على ذلك في بقية مناطق الجمهورية، وكانت الانتخابات يوم الأحد ومن المفترض إعلان النتائج يوم الاثنين، وقدمت وزارة الداخلية النتائج لابن علي وكانت رهيبة وكارثية بالنسبة له فجمع المقربين منه فجر الاثنين وبقوا يفكرون في حل للموضوع.
أبلغني وقتها صديق لي وهو صحافي يعمل مراسلا لصحيفة «لوموند» الفرنسية اسمه ميشال دوري، وأنا كنت أشك أنه يعمل مع الاستخبارات الفرنسية .
في ذلك الوقت قرر نظام بن علي أن تنتهي النهضة ولا يبقى لها وجود في البلاد، انه قرار تصفية الحركة، وكانت ثائرتهما تثور خاصة عندما نتحدث عن التزييف وعن مسألة طرد الملاحظين وفتح الصناديق. وقتها فقط فهمت قيمة كلام مراسل «لوموند» ميشال وتذكرت جملته: حمادي أنتم تخيفونهم هل أنتم على وعي بهذا؟

* صحيفة «الفجر».. وقرار الإيقاف
* علمنا أنه يجري الترتيب لاعتقال راشد الغنوشي الذي ذهب وقتها إلى لندن للمشاركة في مؤتمر وقرر البقاء هناك، وفي ذلك الوقت تقرر تعويضه بقيادة مشتركة، وكان معنا عبد الفتاح مورو الذي شغل بعد فترة بوظيفته (المحاماة)، وبقي في القيادة علي العريض وزياد الدولاتي وأنا.
وقرر نظام بن علي أن يبدأ بسجن هذه القيادات فبدأوا بزياد وعلي قبلي، ثم قبضوا علي بتهمة المقال الذي كتبته وقتها.
وبالنسبة لعلي العريض والدولاتي كانت تهمهما التحريض على الاحتجاجات وتنظيم مظاهرات وأنا كانت الحجة ضدي المقال الذي كتبته.
تم إيقافي في شهر ديسمبر (كانون الأول) 1989. وفي شهر مارس (آذار) 2000 جاءت الحادثة الشهيرة التي عرفت بـ«حادثة باب سويقة»، وباب سويقة حي في قلب تونس العاصمة اتهم عناصر من النهضة بالتهجم عليه وحرق حارسه وهو عجوز، وصلتنا معلومات بعدها أنهم امتنعوا عن إسعافه وتركوه يموت ووظفوا الحادثة إعلاميا بشكل كبير جدا، ونجحوا حتى في الوصول إلى توظيف الأطراف المعارضة الأخرى في البلاد التي استنكرت العملية والعنف بصفة عامة ، منهم أحمد المستيري، ومحمد مواعدة، ونجيب الشابي، إلا منصف المرزوقي الذي كان وقتها يشغل منصب رئيس رابطة حقوق الإنسان.
كان موقف نجيب الشابي وقتها: التبرؤ من مثل هذه الأعمال وقال: إن النهضة تجاوزت الحد «كثرتلها»، ومواعدة كان موقفه أن لا للعنف، أما الحزب الشيوعي فطالب باشد العقاب.
النظام ركز في عمله وقتها على حشد الرأي العام والسياسي داخليا وخارجيا وتحريك الآلة الإعلامية، ثم جاءت قضية «براكة الساحل» التي كانت حول أن كولونيلات من الجيش يعملون بالتعاون مع «النهضة» يخططون لانقلاب، وأوقف 12 كولونيلا وقتها، ومنهم أخو أحمد نجيب الشابي وصنفت القضية على أنها قضية أمن دولة، وعدها قضية أمن الدولة تشمل أربع تهم كبرى هي: نية القتل، التطاحن، استعمال السلاح، وتهديد أمن الدولة ووحدة الوطن.
راشد الغنوشي كان في لندن وحكم عليه غيابيا، كما حكم علي أيضا في نفس القضية بتهمة التدبير باعتباري قياديا في الحركة.
وحوكمت بهذه التهمة في المحكمة العسكرية، وكانت محاكمة رائعة أعدها ملحمة.
كانت رائعة في تصرفنا كمتهمين ومداخلات المحامين، وتورط القضاة، كانت التهم واهية، وفي ذلك الوقت كانوا يقرأون علي التهم حول «براكة الساحل» وأجيب بأني لم أسمع عنها في حياتي من قبل، وكنت أسأل ما هي هل هي مكان أم مقر؟ وكشف المحامون زيف المدعي العام وهو كولونيل عينه بن علي وبعد القضية حصل على رتبة جنرال، وكانت المحاكمة رغم أنها عسكرية سياسية، وحتى الأسلحة التي زعموا أنهم وجدوها عندنا كانت عبارة عن عصي وآلات حادة ومسدسات «من عهد هتلر» ضحك المحامون وقتها، وقلت لهم بأننا لو كنا سنقوم بانقلاب عسكري بهذه الأسلحة فبئس الانقلاب.
وصدرت أحكام قاسية على مجموعة من المتهمين في القضية لكن الحكم علي كان السجن 16 عاما.

* قضية «براكة الساحل»
* أعلن وزير الداخلية التونسي مطلع التسعينات عبد الله القلال في مؤتمر صحافي كبير عقده في مايو 1991 عن مؤامرة كبرى لتغيير نظام الحكم بالقوة من قبل «جناح سري» تابع لحركة النهضة من بين عناصره عدد من الأمنيين والعسكريين.
وأورد عبد الله القلال وقتها عن كون قيادات عسكرية وأمنية قريبة من زعامة حركة النهضة المحظورة عقدت اجتماعا سريا في مسكن خاص في قرية «براكة الساحل» ـ بالقرب من مدينة الحمامات السياحية 50 كلم جنوب العاصمة تونس ـ واتفقت على الانقلاب على بن علي وناقشت سيناريوهات لقتله وإبعاده عن الحكم.
وقد قامت قوات الأمن وقتها باعتقال مئات الأمنيين والعسكريين والمدنيين المتهمين بالانتماء إلى تلك «المؤامرة الكبيرة جدا».
لكن لما توسعت دائرة الإيقافات بناء على اعترافات أخذت من المتهمين تحت التعذيب شكت مصالح الأمن والحكومة في جدية تلك المؤامرة.. وتبين أن غالبية الموقوفين من بين العسكريين من بين الليبراليين والمدنيين الموالين للسلطة الذين وقع إقحام أسمائهم في ملفات التحقيق بهدف «إرباك النظام».
فوقع الإفراج عن الغالبية الساحقة من العسكريين المتهمين في تلك القضية والاعتذار لهم بعد تغيير وزير الدفاع الوطني صلاح الدين بالي بعبد العزيز بن ضياء. في المقابل حوكم عشرات من الأمنيين والعسكريين والمدنيين المتهمين بالانتماء إلى حركة النهضة أمام المحكمة العسكرية العليا بتهمة التآمر على أمن الدولة وأمام محاكم حق عام عادية بتهم متفرقة صدرت ضدهم في أعقابها أحكام تراوحت بين البراءة والسجن المؤبد. وكان بينهم حمادي الجبالي وعلي العريض حضوريا وراشد الغنوشي وعشرات من رفاقه في المنفى غيابيا.

* النهضة وبن علي.. بعد 1989
* كان السماح لقيادة حركة النهضة ـ التسمية الجديدة لحركة الاتجاه الإسلامي منذ فبراير (شباط) 1989 - بالمشاركة في الانتخابات البرلمانية العامة في أبريل (نيسان) من نفس السنة سلاحا ذا حدين.
فقد مكنت تلك المشاركة آلافا من مناضلي الحركة من الانتقال من السرية إلى العلنية وتنظيم آلاف التظاهرات الثقافية والسياسية الشعبية دون التخوف من التبعات الأمنية والقانونية التي أنهكتهم منذ بدء مسلسل المحاكمات السياسية للقيادة التاريخية في صائفة 1981.
ومكن انفراج العلاقة بين السلطة وقيادة النهضة من انفتاح وسائل الإعلام التونسية ومؤسسات رسمية في الدولة على قياديين في النهضة مثل عبد الفتاح مورو وراشد الغنوشي وحمادي الجبالي والفاضل البلدي وعلي العريض.. وعلى بعض قياداتها التي ظلت في «المنفى الاختياري».
وسمح لعدد من قادة الحركة ورموزها بالتنقل الحر بين تونس والخارج والبروز في المحافل العامة وحفلات الاستقبال التي تقيمها السفارات العربية والغربية.
لكن تلك المشاركة في الانتخابات أثارت مخاوف المؤسسات الأمنية والسياسية للنظام وحلفائه داخل «الأحزاب العلمانية» ومنظمات «المجتمع المدني» الذين تخوفوا من «تغول الإسلاميين» في مرحلة أثبتت فيها نتائج الانتخابات ضعف تلك الأحزاب والمنظمات وهشاشتها وقلة إشعاعها.
ودخلت تونس منعرجا جديدا بعد عملية تزييف نتائج تلك الانتخابات وعدم الاعتراف بفوز أي من القائمات التي رشحتها المعارضة عموما وحركة النهضة خاصة.
ودفعت العلاقة مجددا بين السلطة والنهضة نحو التوتر. فهم بن علي وأنصاره أن «استعراض القوة الشعبي» الذي قام به أنصار حركة النهضة في تلك الانتخابات يوحي بكونهم لا يريدون المشاركة في الحكم بل وراثته.. وأنهم أصروا على تقديم مرشحين في كل الدوائر الانتخابية وأنزلوا آلاف الأنصار إلى الشوارع لدعمهم للبرهنة على كونهم «القوة السياسية» الأكبر في البلاد..
وتحدث قياديون من النهضة لاحقا عن كون بن علي فهم أن حركتهم قامت بخطأ سياسي فادح عندما رفضت أن تترشح في 4 أو 5 دوائر لا غير «حتى لا تحدث اختلالا فجا في التوازنات السياسية في البلاد».
واتهم هؤلاء القياديون بعض رفاقهم بـ«حرق المراحل» وبـ«القفز على الواقع».. وبالخلط بين المشاركة في انتخابات تعددية لأول مرة والقيام بـ«انقلاب انتخابي سياسي» من خلال محاولة «تغيير النظام فجأة» عبر صناديق الاقتراع.. عوض الاكتفاء بالمكاسب التي تحققت للحركة بعد الإطاحة بحكم بورقيبة وبينها تحسن هامش الحريات العامة والفردية وأوضاع حقوق الإنسان.
لذلك قرر بن علي أن يزيح المعارضة الإسلامية من طريقه قبل أن «يشتد عودها» أكثر.. فكانت المواجهات الدامية والدرامية انطلاقا من عامي 1990 و1991.
بدأت الاعتقالات جزئية لشخصيات مثل القياديين صالح البوغانمي وعلي العريض وحمادي الجبالي ثم تطورت إلى حملة واسعة شملت آلاف المنتمين للحركة وعشرات الآلاف من المتعاطفين معها وبينهم من دعموا قائماتها الانتخابية في 1989.
وبلغت حملة الاعتقالات أوجها في 1992 بعد الكشف عن «أجنحة سرية» للحركة تضم أمنيين وعسكريين ومدنيين مدربين على العنف وحمل السلاح كانوا يعدون للإطاحة بحكم بن علي وتنظيم «ثورة شعبية شاملة» ضده تشمل اغتياله وإحداث «فراغ دستوري» في أعلى هرم السلطة تستغله قيادة الحركة لتسلم الحكم.

* حامد القروي
* حامد القروي من دعائم نظام الرئيس التونسي الأسبق زين العابدين بن علي، فقد اعتمد على حنكته السياسية في إدارة البلاد خلال قرابة عشر سنوات هي الأصعب في إرساء «التغيير» الذي وعد به التونسيين من خلال بيان السابع من نوفمبر (تشرين الثاني) 1987.
من مواليد مدينة سوسة الساحلية في 30 ديسمبر (كانون الأول) من سنة 1927 شغل منصب الوزير الأول (رئيس الحكومة التونسية) بين 27 سبتمبر (أيلول) 1989 و17 نوفمبر 1999 وهي الفترة التي شهدت استئصال التيارات الإسلامية التونسية ممثلة بالأساس في حركة النهضة من الحياة السياسية والزج بقياداتها في السجون. درس القروي الطب في فرنسا وتخصص في الأمراض الصدرية. انتخب بمجلس النواب (البرلمان التونسي) خلال فترة النظام البورقيبي وذلك إبان سنوات 1981 و1986 و1989.
عين وزيرا للشباب والرياضة بين شهر أبريل 1986 و27 أكتوبر (تشرين الأول) 1987 ثم مديرا للحزب الاشتراكي الدستوري في أواخر عهد الرئيس بورقيبة.
كان من بين مهندسي تغيير 1987 نظرا للقرابة العائلية التي تربطه بالرئيس التونسي الأسبق بن علي. عين سنة 1988 وزيرا للعدل. وفي سنة 1989 وإثر الانتخابات الرئاسية والبرلمانية أصبح رئيسا للحكومة التي أمنت التغيير السياسي وأرست دعائم الدولة وأخرجت معظم المنافسين السياسيين لحزب التجمع الدستوري الديمقراطي (وريث الحزب الاشتراكي الدستوري) من الحياة السياسية.
لم يلعب حامد القروي دورا سياسيا قويا أثناء فترة حكم بن علي، واقتصر أساسا على التنسيق الحكومي. خلفه محمد الغنوشي في رئاسة الحكومة، وبعد مغادرته الوزارة الأولى بقي نائبا أول لحزب التجمع الدستوري الديمقراطي (الحزب الحاكم) وهو يأتي في المرتبة الثانية في الترتيب البروتوكولي بعد رئيس الدولة.

* أحمد المستيري
* أحمد المستيري من أبرز معارضي نظام بورقيبة وكان من بين الأوائل الذين وقفوا في صفوف المعارضة ومن داخل نظام الحكم البورقيبي نفسه. أسس نهاية عقد الثمانينات حركة الديمقراطيين الاشتراكيين وهو أول حزب سياسي معارض يشارك في الانتخابات البرلمانية التي عرفتها تونس سنة 1981.
ولد المستيري بالضاحية الشمالية للعاصمة المرسى في 2 يوليو (تموز) 1925 وانضم في شهر يناير (كانون الثاني) 1952 إلى الديوان السياسي السري للحزب الاشتراكي الدستوري الذي أصبح يقوده فرحات حشاد والصادق المقدم.
دافع كمحام عن المناضلين الوطنيين أمام المحاكم المدنية والعسكرية الفرنسية، وتعرض لمحاولة اغتيال من قبل المنظمة الإرهابية المسماة «اليد الحمراء».
شغل حقيبة وزارة العدل خلال السنوات الأولى للاستقلال وساهم في إصلاح الجهاز القضائي وكتابة قانون الأحوال الشخصية الذي مكن المرأة التونسية من الحرية. كما سمي على رأس وزارات الدفاع والمالية والتجارة في عهد بورقيبة، قبل أن تسوء العلاقة بينهما بفعل المعارضة العلنية لتجربة التعاضد التي قادها أحمد بن صالح في تونس.
طُرد من الحزب الاشتراكي الدستوري الحاكم في 29 يناير 1968 لكن فشل تجربة التعاضد ومحاكمة بن صالح أعادته من جديد إلى وزارة الداخلية سنة 1970. غير أنه استقال في 21 يونيو (حزيران) 1971 نظرا لعدم الوفاء بالوعود التي قطعها الرئيس بورقيبة بخصوص الانفتاح السياسي.
علق بورقيبة نشاط أحمد المستيري من الحزب الحاكم، ثم طرده نهائيا في 21 يناير 1972. وفي 20 يوليو 1973 طُرد من البرلمان الذي حافظ على عضويته منذ الاستقلال.
انسحب سنة 1986 من الأمانة العامة لحركة الديمقراطيين الاشتراكيين التي أسسها سنة 1978. ووضع حدا لكل نشاط سياسي.

الجبالي في مذكراته لـ «الشرق الأوسط»: كنت شاباً مسيساً بدون توجه إسلامي

 

مذكرات حمادي الجبالي الحلقة (2): لولا نكسة 1967 ربما كنت ثائرا غير إسلامي

مذكرات حمادي الجبالي الحلقة (3): كنت أميل عاطفيا إلى اليسار الفرنسي

مذكرات حمادي الجبالي الحلقة (4): بن علي كان يدعي أنه من أنقذنا من الإعدام

مذكرات حمادي الجبالي الحلقة (5): غادرت تونس عبر البحر ولقيت ترحيبا من الحكومة الإسبانية



الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
TT

الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)

في وقت تتراجع فيه قدرة اليمن على احتواء الأمراض المعدية ومواجهة موجات التفشي الموسمية، تتعمق التداعيات الإنسانية للأمطار الغزيرة والسيول التي اجتاحت مناطق واسعة من البلاد خلال الأسابيع الماضية، مخلفة خسائر بشرية وأضراراً كبيرة في البنية التحتية وموجات نزوح جديدة.

يأتي ذلك في وقت تواجه فيه المنظمات الإنسانية صعوبات متزايدة في الاستجابة، نتيجة نقص التمويل، وتراجع القدرات التشغيلية في القطاعات الأساسية.

وأظهرت بيانات صادرة عن وكالات الإغاثة العاملة في اليمن أن عدد المتضررين من السيول الناجمة عن الأمطار الموسمية منذ الشهر الماضي ارتفع إلى نحو 200 ألف شخص، مع ترجيحات بزيادة هذا الرقم خلال الفترة المقبلة في ظل استمرار الهطولات المطرية، واتساع نطاق الأضرار في المناطق المنخفضة والأكثر هشاشة، خصوصاً على امتداد الساحل الغربي وفي المحافظات الجنوبية الغربية.

ووفق تقديرات الوكالات الدولية والمحلية، شهدت مناطق جنوب غربي اليمن، منذ أواخر مارس (آذار)، أمطاراً غزيرة وفيضانات شديدة تسببت في وفيات ونزوح جماعي وأضرار واسعة بالممتلكات العامة والخاصة، بينما تصدرت مديريات المخا وموزع والوازعية في محافظة تعز، إلى جانب مديريتي الخوخة وحيس في محافظة الحديدة، قائمة المناطق الأكثر تضرراً من موجة السيول الأخيرة.

السيول جرفت المنازل والطرقات في جنوب الحديدة وتعز (إعلام محلي)

وبحسب مصادر إنسانية متعددة، أسفرت الفيضانات حتى الآن عن مقتل ما لا يقل عن 24 شخصاً، بينما تضرر نحو 55 ألف شخص على طول الساحل الغربي الواقع ضمن مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، مع استمرار عمليات التقييم الميداني للأضرار التي لحقت بالمساكن وشبكات الطرق ومصادر المياه والأراضي الزراعية، وهي أضرار يرجَّح أن تتجاوز التقديرات الأولية مع انكشاف حجم الخسائر في المناطق الريفية المعزولة.

وتشير تقارير مشتركة بين وكالات الإغاثة إلى أن عدد المتضررين مرشح للارتفاع إلى نحو 220 ألف شخص إذا استمرت الحالة المطرية بالمعدلات الحالية، خصوصاً مع هشاشة البنية التحتية وضعف شبكات تصريف المياه، الأمر الذي يحول الأمطار الموسمية في كثير من المناطق اليمنية إلى كوارث متكررة تضرب السكان ومصادر رزقهم بصورة مباشرة.

وفي محاولة لتعزيز الاستجابة الطارئة، خصصت المديرية العامة للمساعدات الإنسانية والحماية المدنية التابعة للمفوضية الأوروبية مبلغ 175 ألف يورو (نحو 205 آلاف دولار) عبر صندوق الاستجابة الطارئة للكوارث، لدعم عمليات الإغاثة العاجلة، بما يشمل توفير مواد الإيواء ومستلزمات النظافة الأساسية للأسر المتضررة، في إطار تدخلات تستهدف الحد من التداعيات الصحية والإنسانية للفيضانات.

فجوة تمويل

على الرغم من كل هذه المساهمات، تؤكد الأمم المتحدة أن الاستجابة الإنسانية في اليمن تواجه منذ مطلع عام 2025 فجوة تمويلية حادة انعكست بصورة مباشرة على مستوى الخدمات المقدمة، وأدت إلى تقليص العمليات الإنسانية في قطاعات حيوية، بينها إدارة المخيمات، وخدمات المياه والصرف الصحي، وبرامج الحماية الصحية، وهو ما أضعف قدرة المؤسسات الإنسانية على التعامل مع الأزمات المتلاحقة.

المنظمات الإغاثية في اليمن تعاني من نقص التمويل (إعلام محلي)

وفي هذا السياق، واصلت المنظمة الدولية للهجرة عملياتها خلال الربع الأول من العام الحالي في 17 موقع نزوح ذي أولوية، تستضيف أكثر من 134 ألف شخص، بالتوازي مع توسيع أنشطة المناصرة لتشمل عشرات المواقع المهددة بالإغلاق التدريجي بسبب تراجع الموارد.

كما استمرت آليات التغذية الراجعة المجتمعية وخدمات التواصل مع المجتمعات المتضررة، لتصل إلى أكثر من 227 ألف نازح وأفراد من المجتمعات المضيفة، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من قنوات الدعم الإنساني.

غير أن حجم الاحتياجات المتزايد، مقروناً بتراجع التمويل، يجعل هامش المناورة أمام المنظمات الإغاثية أكثر ضيقاً، خصوصاً في ظل تكرار الصدمات المناخية وارتفاع أعداد النازحين وتآكل قدرة المجتمعات المحلية على امتصاص الأزمات، بعد سنوات طويلة من الحرب، والانهيار الاقتصادي، وتراجع الخدمات العامة.

تهديد صحي متصاعد

على الجانب الصحي، تبدو التداعيات أكثر خطورة، مع تحذيرات من أن تراجع الإنفاق الإنساني وانسحاب الخدمات من عدد من المناطق، خصوصاً في محافظتي حجة والحديدة، أدى إلى إغلاق أو تقليص خدمات صحية أساسية، تاركاً آلاف الأسر أمام خيارات محدودة للحصول على الرعاية، في وقت ترتفع فيه مخاطر انتشار الأمراض المعدية المرتبطة بمواسم الأمطار، مثل الكوليرا والإسهالات الحادة والملاريا وحمى الضنك.

تراجع قدرة اليمن على مواجهة تفشي الأمراض المعدية والسيطرة عليها (الأمم المتحدة)

وأكدت منظمة «أطباء بلا حدود» أن نقص المرافق الصحية القريبة يدفع السكان إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى المستشفيات العاملة، وغالباً ما يصل الأطفال وحديثو الولادة في مراحل متقدمة من المرض، بعد أن يكون التدخل المبكر قد أصبح أكثر صعوبة، وهو ما يرفع معدلات المضاعفات والوفيات في أوساط الفئات الأكثر هشاشة.

وأوضحت المنظمة أن العبء المالي للوصول إلى العلاج أصبح تحدياً إضافياً؛ إذ تضطر العائلات لتحمل تكاليف نقل باهظة في ظل إغلاق عيادات محلية كانت تشكل خط الدفاع الأول للرعاية الصحية الأولية؛ ما يجعل الحصول على العلاج مرتبطاً بالقدرة المادية، لا بالحاجة الطبية، في بلد يعيش غالبية سكانه أوضاعاً معيشية شديدة القسوة.


هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
TT

هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)

قالت ​هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن ‌ربان ‌سفينة ​شحن ‌بضائع ⁠سائبة ​أبلغ، الجمعة، عن ⁠اقتراب زورق صغير ⁠يحمل ‌سبعة مسلحين ‌على ​بعد ‌92 ‌ميلاً بحرياً جنوب غربي المكلا ‌اليمنية في خليج ⁠عدن.

إلى ذلك، حمّلت الحكومة اليمنية، الخميس، إيران مسؤولية مباشرة عن تصاعد التهديدات التي تستهدف الممرات البحرية الدولية، عادَّة أن ما تشهده خطوط الملاحة، وفي مقدمها مضيق باب المندب، من أعمال قرصنة وإرهاب تنفذها الجماعة الحوثية، يأتي ضمن أجندة إيرانية أوسع تسعى إلى عسكرة البحار واستخدام أمن الطاقة والتجارة الدولية ورقةَ ضغطٍ وابتزاز سياسي.

وأكدت الحكومة، في كلمة اليمن أمام مجلس الأمن خلال جلسة المناقشة المفتوحة رفيعة المستوى حول «سلامة وحماية الممرات المائية في المجال البحري»، أن التحديات المتنامية التي تواجه الأمن البحري تتطلب استجابة جماعية أكثر حزماً، في ظل تصاعد غير مسبوق للتهديدات التي تطول حرية الملاحة الدولية وأمن الممرات المائية الحيوية.

وقال مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، إن بلاده تولي أهمية قصوى لأمن الملاحة الدولية انطلاقاً من موقعها الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، بوصفه ممراً تجارياً رئيسياً يربط بين الشرق والغرب، ويمثل ممراً حيوياً لتدفقات التجارة والطاقة نحو أسواق العالم.


هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)

تشهد المؤسسة العسكرية والأمنية اليمنية، الخاضعة للحكومة الشرعية، تحوُّلات تنظيمية متسارعة، في إطار مسار واسع لإعادة بناء هياكل الدولة السيادية، عبر مشروع يهدف إلى توحيد التشكيلات العسكرية والأمنية المختلفة ضمن إطار مؤسسي مركزي يخضع لوزارتَي الدفاع والداخلية، بما يعيد ضبط منظومة القيادة والسيطرة، ويرفع كفاءة الجاهزية القتالية والأمنية، ويعزِّز قدرة الحكومة على إدارة معركة استعادة الدولة بمؤسسات أكثر تماسكاً وانضباطاً.

ويأتي هذا التحرُّك تحت إشراف مباشر من القوات المشتركة لقيادة «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية، في سياق جهود متواصلة لإعادة تنظيم الوحدات العسكرية على أسس مهنية حديثة، تقوم على وضوح التسلسل القيادي، وتحديد الاختصاصات، ودمج القوى المسلحة ذات الخلفيات التنظيمية المتعددة داخل بنية عسكرية موحدة، بما يقلص الازدواجية في القرار، ويؤسِّس لعقيدة قتالية مشتركة تتجاوز الانقسامات التي فرضتها سنوات الحرب.

وفي أحدث خطوات هذا المسار، أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، سلسلة قرارات رئاسية تضمَّنت تغييرات واسعة في مواقع القيادة العسكرية العليا، شملت المنطقة العسكرية الرابعة (ويقع مقر قيادتها في عدن، وتنتشر في لحج والضالع وأبين وأجزاء من تعز)، إلى جانب مناصب استشارية ولوجستية في وزارة الدفاع، في مؤشر على انتقال عملية إعادة الهيكلة من مرحلة الترتيب النظري إلى إعادة توزيع فعلية لمراكز القرار العسكري.

وقضت القرارات بتعيين العميد حمدي حسن محمد شكري قائداً للمنطقة العسكرية الرابعة وقائداً للواء السابع مشاة، مع ترقيته إلى رتبة لواء، مع احتفاظه بقيادته السابقة للفرقة الثانية في «ألوية العمالقة»، وهي خطوة تعكس توجهاً لإعادة تموضع القيادات الميدانية ذات الخبرة القتالية داخل مفاصل الجيش النظامي، بما يمنح المؤسسة العسكرية خبرات ميدانية اكتسبتها خلال المعارك في جبهات الساحل الغربي ومناطق الاشتباك الأخرى مع الحوثيين.

كما شملت القرارات تعيين العميد الركن محضار محمد سعيد السعدي رئيساً لأركان المنطقة العسكرية الرابعة، والعميد الركن علي حسن عبيد الجهوري رئيساً لعمليات المنطقة ذاتها، في إعادة تشكيل لهيكل القيادة العملياتية في واحدة من أهم المناطق العسكرية اليمنية، نظراً لاتساع نطاق مسؤولياتها الجغرافية، وحساسيتها الأمنية، وارتباطها المباشر بمسرح العمليات في عدد من المحافظات الجنوبية والجنوبية الغربية.

ويُنظَر إلى هذه التعيينات بوصفها جزءاً من مقاربة أوسع لإعادة دمج قيادات ميدانية مؤثرة، بعضها ارتبط بتشكيلات قتالية بارزة مثل «ألوية العمالقة»، داخل منظومة القيادة الرسمية، بما يعزِّز التنسيق بين الوحدات، ويربط النفوذ العسكري الميداني بالمؤسسة المركزية، في خطوة تهدف إلى تحويل مراكز القوة العسكرية من تشكيلات منفصلة إلى أذرع منظمة تعمل تحت مظلة الدولة.

وفي السياق ذاته، صدر قرار بتعيين اللواء الركن فضل حسن محمد العمري مستشاراً للقائد الأعلى للقوات المسلحة لشؤون الدفاع، مع ترقيته إلى رتبة فريق، كما جرى تعيين اللواء الركن صالح محمد حسن سالم صالح مستشاراً لوزير الدفاع، إلى جانب تعيين اللواء عبدالناصر عثمان مساعد صالح الشاعري مساعداً لوزير الدفاع للشؤون اللوجستية، وهو قطاع يمثل أحد أكثر الملفات حساسية في بنية الجيش؛ لارتباطه بإمداد القوات، وتوزيع الموارد، وإدارة منظومات الدعم الفني والتشغيلي.

بناء الهرم القيادي

تعكس هذه القرارات، وفق مراقبين، توجهاً يمنياً نحو إعادة بناء الهرم القيادي للمؤسسة العسكرية بصورة أكثر توازناً، تجمع بين الخبرة الميدانية والكفاءة الإدارية، مع منح ملف الإسناد اللوجستي أولوية خاصة، بوصفه عاملاً حاسماً في أي عملية تحديث عسكري مستدام.

وفي موازاة التغييرات القيادية، تكثَّفت الاجتماعات الرئاسية المخصصة لملف إعادة الهيكلة. وخلال لقاء جمع عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي ووزير الدفاع الفريق الركن طاهر العقيلي، جرى استعراض سير تنفيذ الخطط العسكرية، ومستوى الإنجاز في برامج التطوير، إلى جانب التحديات التي تواجه عملية البناء المؤسسي، والخيارات المطروحة لمعالجتها.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي مجتمعاً مع وزير الدفاع العقيلي (سبأ)

وتركزت المناقشات على تطوير منظومة التدريب والتأهيل، وإعادة بناء القدرات البشرية على أسس مهنية حديثة، عبر تحديث المناهج العسكرية، ورفع كفاءة الكوادر، وتأهيل القيادات الميدانية بما يتلاءم مع طبيعة التحديات الأمنية والعسكرية الراهنة، في ظلِّ قناعة متزايدة داخل دوائر القرار بأنَّ تحديث السلاح يبدأ من تحديث الإنسان الذي يديره.

كما استعرض اللقاء برامج إعادة هيكلة الوحدات العسكرية بما يضمن بناء تشكيلات منظمة تعمل وفق عقيدة موحدة، وتحقق تكاملاً وظيفياً بين مختلف الأفرع والتخصصات، وصولاً إلى توحيد القرار العسكري، وتوجيه الإمكانات بصورة أكثر كفاءة نحو الأهداف الاستراتيجية للدولة.

إصلاح أمني وبحري

في البُعد الأمني، تتقدَّم عملية إعادة التنظيم بوتيرة موازية؛ إذ اطلع عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح على سير الإصلاح المؤسسي داخل وزارة الداخلية، خصوصاً ما يتعلق بتطبيق نظام البصمة الحيوية، وتعزيز التنسيق بين الأجهزة الأمنية، ورفع مستوى الانضباط الإداري، في خطوات تستهدف تحديث قواعد البيانات الأمنية، وضبط الهياكل الوظيفية، وإغلاق الثغرات المرتبطة بازدواجية السجلات أو تداخل الاختصاصات.

طارق صالح يترأس اجتماعاً أمنياً في الساحل الغربي اليمني (سبأ)

كما ناقش مع قيادات الأجهزة الأمنية في الساحل الغربي خطط الأداء الأمني للعام الحالي، وجهود ضبط الجريمة، وتطوير خدمات الأحوال المدنية والجوازات، وتحسين أوضاع المؤسسات العقابية، في إطار رؤية أشمل لإعادة بناء مؤسسات الأمن الداخلي بوصفها ضلعاً موازياً للمؤسسة العسكرية في مشروع استعادة الدولة.

وفي المجال البحري، برزت أيضاً تحركات لتحديث قدرات خفر السواحل، بعدما شدَّد عضو مجلس القيادة الرئاسي الفريق الركن محمود الصبيحي على ضرورة رفع كفاءة الوحدات البحرية والفنية، وتعزيز التنسيق بين الجهات المعنية لحماية المصالح الوطنية وتأمين خطوط الملاحة البحرية، في ظلِّ تنامي التحديات المرتبطة بالتهريب والجريمة المنظمة، فضلاً عن التهديدات التي تطال الممرات البحرية الحيوية في المنطقة.