مذكرات حمادي الجبالي الحلقة (6): حكم عليّ بـ16 سنة سجنا في قضية «براكة الساحل» التي لم أكن أعرف عنها شيئا

كنا الطرف الأقوى شعبيا وتنظيميا وقياديا في انتخابات 1989 وفزنا بالأغلبية

حمادي الجبالي مع ابنتيه في إسبانيا صيف 1988
حمادي الجبالي مع ابنتيه في إسبانيا صيف 1988
TT

مذكرات حمادي الجبالي الحلقة (6): حكم عليّ بـ16 سنة سجنا في قضية «براكة الساحل» التي لم أكن أعرف عنها شيئا

حمادي الجبالي مع ابنتيه في إسبانيا صيف 1988
حمادي الجبالي مع ابنتيه في إسبانيا صيف 1988

لعبت الانتخابات التي انتظمت في تونس 1989 دورا حاسما في تحديد مستقبل البلاد وكذلك العلاقة بين حركة النهضة والسلطة ، فقد منحهم الرئيس التونسي زين العابدين بن علي فرصة المشاركة في الانتخابات لكن كانت مشروطة، أي أنه لا تتعدى مشاركتهم الست دوائر، لكن الحماس أخذ القياديين وخاصة بعد النتائج التي رأوا أنها إيجابية لصالحهم، فوسعوا نشاطهم، وسعوا إلى تحالفات مع الأحزاب المعارضة في تونس وقتها في تحد واضح لبن علي رغم تحذيراته المباشرة.
ونتائج الانتخابات وقتها كانت جرس الإنذار الذي قرر بعده نظام بن علي التخلص من الحركة كليا، بعد ما أبداه من انفتاح على التعامل معها منذ وصوله إلى الحكم سنة 1987 فتغيرت السياسة وكثفت الاعتقالات، وصدرت بحق الكثير من الأسماء فيها أحكام تراوحت بين السجن لسنوات طويلة أو الإعدام والقضية الأساسية وقتها كانت قضية «براكة الساحل» التي حوكم فيها الجبالي بـ16 عاما.

دولة المجتمع أو مجتمع الدولة قرروا إجراء انتخابات سنة 1989. ونحن كنا شاركنا فيها بصفة جزئية، في خمس أو ست ولايات (محافظات) فقط فبالتالي من المفترض أننا لم نكن مصدر خوف أو قلق، وطلبنا أن نتعامل ونتعاون مع المعارضة ومن طرفه رحب أحمد المستيري بالفكرة.
رغم ذلك كانت هناك مخاوف من مشاركتنا خاصة من طرف الحزب الحاكم الذي كانت شعبيته ضعيفة ، وبمثابة هيكل بلا روح أو جيش بلا جنود ، ووكذلك هناك جهات أجنبية، وكنا على علم بهذا لذلك لم نحاول الدخول بقوة.
وهنا بدأ الجدل ووصلنا نوع من التحذير أو كان تهديدا بأنه إذا تحالفنا مع المعارضة ودخلنا بقوة فإن هذا يهدد التوازنات في البلاد، وسيعد بمثابة إعلان حرب وأننا سنواجه ما لا يعجبنا وكان هذا الكلام من حامد القروي، الذي قال: إن هذا الكلام ليس منه شخصيا بل من الرآسة وقال محذرا: أنتم تلعبون بالنار.
نحن رفضنا هذه التهديدات وكنا وقتها متحمسين جدا لكن في نفس الوقت كنا متخوفين من الخطر، لم يكن خطر الاعتقالات هو الذي يخيفنا، لكن كنا نعتقد أن ما نقوم به سابق لأوانه وأنه من الأفضل لنا أن نسير بأقل سرعة، وبما أن فرصة الانتخابات موجودة كنا نريد المحافظة على الحريات ونندمج أكثر في العمل السياسي، لأنه حقيقة ومن دون غرور كنا الطرف الأقوى على كل المستويات الشعبية والتنظيمية والقيادية، وكنا على قناعة أن الحزب الدستوري والتجمع (الحزب الحاكم) كان أكذوبة كبيرة وليس لديه أي شعبية، كانوا عبارة عن ميليشيا في صورة أداة ادارية أمنية، مالية ، تخدم مصالهم الشخصية ، فكانت اجتماعاتهم الإنتخابية لا تجمع أكثر من بضع ميئات ، في حين تشهد اجتماعات «القائمات المستقلة» الآلاف.
شعرنا بنوع من الغرور السياسي والحماس الجماهيري، أو يمكن أن تعديه البهتة السياسية وقتها، حقيقة غامرنا وبدأنا نتقدم بكفاءات شبابية جديدة ليس على المستوى القيادي أي مستوى الصف الأول بل على مستوى الصف الثاني والثالث، ومتعاطفين وقدمنا ما يسمى بالقائمات البنفسجية المستقلة.
كانت انتخابات 1989 مرحلة حاسمة ومنعطفا خطيرا في مستقبل تونس، وأتحدث إليك وأنا على علم بتفاصيل الأمور وأعطيك مثالا لنتائج محافظة سوسة وقتها كانت نتائج قوائمنا البنفسجية 62 في المائة، وسأشرح لك مراحل التزوير كيف جرت، بعد الاقتراع يجري فتح الصناديق بعد طرد الجميع من مراكز الاقتراع وتستبدل الأوراق البنفسجية بالحمراء، وأخبرني بهذا الأمر أحد أقربائي الذي شاركهم العمل وهو لم يكن من المنتمين للحزب فقط كان مهاجرا في فرنسا وعاد إلى تونس راغبا في فتح «مغازة» لبيع المواد الغذائية ووعدوه بالحصول على ترخيص إذا كان من المتعاونين في هذه الأعمال وبما أنه لا توجهات سياسية له لم ير ضررا في الموضوع.
وأكد أننا حصلنا على 75 في المائة في منطقة خزامة الشمالية وهي من الضواحي الراقية التابعة لمحافظة سوسة، ويمكن القياس على ذلك في بقية مناطق الجمهورية، وكانت الانتخابات يوم الأحد ومن المفترض إعلان النتائج يوم الاثنين، وقدمت وزارة الداخلية النتائج لابن علي وكانت رهيبة وكارثية بالنسبة له فجمع المقربين منه فجر الاثنين وبقوا يفكرون في حل للموضوع.
أبلغني وقتها صديق لي وهو صحافي يعمل مراسلا لصحيفة «لوموند» الفرنسية اسمه ميشال دوري، وأنا كنت أشك أنه يعمل مع الاستخبارات الفرنسية .
في ذلك الوقت قرر نظام بن علي أن تنتهي النهضة ولا يبقى لها وجود في البلاد، انه قرار تصفية الحركة، وكانت ثائرتهما تثور خاصة عندما نتحدث عن التزييف وعن مسألة طرد الملاحظين وفتح الصناديق. وقتها فقط فهمت قيمة كلام مراسل «لوموند» ميشال وتذكرت جملته: حمادي أنتم تخيفونهم هل أنتم على وعي بهذا؟

* صحيفة «الفجر».. وقرار الإيقاف
* علمنا أنه يجري الترتيب لاعتقال راشد الغنوشي الذي ذهب وقتها إلى لندن للمشاركة في مؤتمر وقرر البقاء هناك، وفي ذلك الوقت تقرر تعويضه بقيادة مشتركة، وكان معنا عبد الفتاح مورو الذي شغل بعد فترة بوظيفته (المحاماة)، وبقي في القيادة علي العريض وزياد الدولاتي وأنا.
وقرر نظام بن علي أن يبدأ بسجن هذه القيادات فبدأوا بزياد وعلي قبلي، ثم قبضوا علي بتهمة المقال الذي كتبته وقتها.
وبالنسبة لعلي العريض والدولاتي كانت تهمهما التحريض على الاحتجاجات وتنظيم مظاهرات وأنا كانت الحجة ضدي المقال الذي كتبته.
تم إيقافي في شهر ديسمبر (كانون الأول) 1989. وفي شهر مارس (آذار) 2000 جاءت الحادثة الشهيرة التي عرفت بـ«حادثة باب سويقة»، وباب سويقة حي في قلب تونس العاصمة اتهم عناصر من النهضة بالتهجم عليه وحرق حارسه وهو عجوز، وصلتنا معلومات بعدها أنهم امتنعوا عن إسعافه وتركوه يموت ووظفوا الحادثة إعلاميا بشكل كبير جدا، ونجحوا حتى في الوصول إلى توظيف الأطراف المعارضة الأخرى في البلاد التي استنكرت العملية والعنف بصفة عامة ، منهم أحمد المستيري، ومحمد مواعدة، ونجيب الشابي، إلا منصف المرزوقي الذي كان وقتها يشغل منصب رئيس رابطة حقوق الإنسان.
كان موقف نجيب الشابي وقتها: التبرؤ من مثل هذه الأعمال وقال: إن النهضة تجاوزت الحد «كثرتلها»، ومواعدة كان موقفه أن لا للعنف، أما الحزب الشيوعي فطالب باشد العقاب.
النظام ركز في عمله وقتها على حشد الرأي العام والسياسي داخليا وخارجيا وتحريك الآلة الإعلامية، ثم جاءت قضية «براكة الساحل» التي كانت حول أن كولونيلات من الجيش يعملون بالتعاون مع «النهضة» يخططون لانقلاب، وأوقف 12 كولونيلا وقتها، ومنهم أخو أحمد نجيب الشابي وصنفت القضية على أنها قضية أمن دولة، وعدها قضية أمن الدولة تشمل أربع تهم كبرى هي: نية القتل، التطاحن، استعمال السلاح، وتهديد أمن الدولة ووحدة الوطن.
راشد الغنوشي كان في لندن وحكم عليه غيابيا، كما حكم علي أيضا في نفس القضية بتهمة التدبير باعتباري قياديا في الحركة.
وحوكمت بهذه التهمة في المحكمة العسكرية، وكانت محاكمة رائعة أعدها ملحمة.
كانت رائعة في تصرفنا كمتهمين ومداخلات المحامين، وتورط القضاة، كانت التهم واهية، وفي ذلك الوقت كانوا يقرأون علي التهم حول «براكة الساحل» وأجيب بأني لم أسمع عنها في حياتي من قبل، وكنت أسأل ما هي هل هي مكان أم مقر؟ وكشف المحامون زيف المدعي العام وهو كولونيل عينه بن علي وبعد القضية حصل على رتبة جنرال، وكانت المحاكمة رغم أنها عسكرية سياسية، وحتى الأسلحة التي زعموا أنهم وجدوها عندنا كانت عبارة عن عصي وآلات حادة ومسدسات «من عهد هتلر» ضحك المحامون وقتها، وقلت لهم بأننا لو كنا سنقوم بانقلاب عسكري بهذه الأسلحة فبئس الانقلاب.
وصدرت أحكام قاسية على مجموعة من المتهمين في القضية لكن الحكم علي كان السجن 16 عاما.

* قضية «براكة الساحل»
* أعلن وزير الداخلية التونسي مطلع التسعينات عبد الله القلال في مؤتمر صحافي كبير عقده في مايو 1991 عن مؤامرة كبرى لتغيير نظام الحكم بالقوة من قبل «جناح سري» تابع لحركة النهضة من بين عناصره عدد من الأمنيين والعسكريين.
وأورد عبد الله القلال وقتها عن كون قيادات عسكرية وأمنية قريبة من زعامة حركة النهضة المحظورة عقدت اجتماعا سريا في مسكن خاص في قرية «براكة الساحل» ـ بالقرب من مدينة الحمامات السياحية 50 كلم جنوب العاصمة تونس ـ واتفقت على الانقلاب على بن علي وناقشت سيناريوهات لقتله وإبعاده عن الحكم.
وقد قامت قوات الأمن وقتها باعتقال مئات الأمنيين والعسكريين والمدنيين المتهمين بالانتماء إلى تلك «المؤامرة الكبيرة جدا».
لكن لما توسعت دائرة الإيقافات بناء على اعترافات أخذت من المتهمين تحت التعذيب شكت مصالح الأمن والحكومة في جدية تلك المؤامرة.. وتبين أن غالبية الموقوفين من بين العسكريين من بين الليبراليين والمدنيين الموالين للسلطة الذين وقع إقحام أسمائهم في ملفات التحقيق بهدف «إرباك النظام».
فوقع الإفراج عن الغالبية الساحقة من العسكريين المتهمين في تلك القضية والاعتذار لهم بعد تغيير وزير الدفاع الوطني صلاح الدين بالي بعبد العزيز بن ضياء. في المقابل حوكم عشرات من الأمنيين والعسكريين والمدنيين المتهمين بالانتماء إلى حركة النهضة أمام المحكمة العسكرية العليا بتهمة التآمر على أمن الدولة وأمام محاكم حق عام عادية بتهم متفرقة صدرت ضدهم في أعقابها أحكام تراوحت بين البراءة والسجن المؤبد. وكان بينهم حمادي الجبالي وعلي العريض حضوريا وراشد الغنوشي وعشرات من رفاقه في المنفى غيابيا.

* النهضة وبن علي.. بعد 1989
* كان السماح لقيادة حركة النهضة ـ التسمية الجديدة لحركة الاتجاه الإسلامي منذ فبراير (شباط) 1989 - بالمشاركة في الانتخابات البرلمانية العامة في أبريل (نيسان) من نفس السنة سلاحا ذا حدين.
فقد مكنت تلك المشاركة آلافا من مناضلي الحركة من الانتقال من السرية إلى العلنية وتنظيم آلاف التظاهرات الثقافية والسياسية الشعبية دون التخوف من التبعات الأمنية والقانونية التي أنهكتهم منذ بدء مسلسل المحاكمات السياسية للقيادة التاريخية في صائفة 1981.
ومكن انفراج العلاقة بين السلطة وقيادة النهضة من انفتاح وسائل الإعلام التونسية ومؤسسات رسمية في الدولة على قياديين في النهضة مثل عبد الفتاح مورو وراشد الغنوشي وحمادي الجبالي والفاضل البلدي وعلي العريض.. وعلى بعض قياداتها التي ظلت في «المنفى الاختياري».
وسمح لعدد من قادة الحركة ورموزها بالتنقل الحر بين تونس والخارج والبروز في المحافل العامة وحفلات الاستقبال التي تقيمها السفارات العربية والغربية.
لكن تلك المشاركة في الانتخابات أثارت مخاوف المؤسسات الأمنية والسياسية للنظام وحلفائه داخل «الأحزاب العلمانية» ومنظمات «المجتمع المدني» الذين تخوفوا من «تغول الإسلاميين» في مرحلة أثبتت فيها نتائج الانتخابات ضعف تلك الأحزاب والمنظمات وهشاشتها وقلة إشعاعها.
ودخلت تونس منعرجا جديدا بعد عملية تزييف نتائج تلك الانتخابات وعدم الاعتراف بفوز أي من القائمات التي رشحتها المعارضة عموما وحركة النهضة خاصة.
ودفعت العلاقة مجددا بين السلطة والنهضة نحو التوتر. فهم بن علي وأنصاره أن «استعراض القوة الشعبي» الذي قام به أنصار حركة النهضة في تلك الانتخابات يوحي بكونهم لا يريدون المشاركة في الحكم بل وراثته.. وأنهم أصروا على تقديم مرشحين في كل الدوائر الانتخابية وأنزلوا آلاف الأنصار إلى الشوارع لدعمهم للبرهنة على كونهم «القوة السياسية» الأكبر في البلاد..
وتحدث قياديون من النهضة لاحقا عن كون بن علي فهم أن حركتهم قامت بخطأ سياسي فادح عندما رفضت أن تترشح في 4 أو 5 دوائر لا غير «حتى لا تحدث اختلالا فجا في التوازنات السياسية في البلاد».
واتهم هؤلاء القياديون بعض رفاقهم بـ«حرق المراحل» وبـ«القفز على الواقع».. وبالخلط بين المشاركة في انتخابات تعددية لأول مرة والقيام بـ«انقلاب انتخابي سياسي» من خلال محاولة «تغيير النظام فجأة» عبر صناديق الاقتراع.. عوض الاكتفاء بالمكاسب التي تحققت للحركة بعد الإطاحة بحكم بورقيبة وبينها تحسن هامش الحريات العامة والفردية وأوضاع حقوق الإنسان.
لذلك قرر بن علي أن يزيح المعارضة الإسلامية من طريقه قبل أن «يشتد عودها» أكثر.. فكانت المواجهات الدامية والدرامية انطلاقا من عامي 1990 و1991.
بدأت الاعتقالات جزئية لشخصيات مثل القياديين صالح البوغانمي وعلي العريض وحمادي الجبالي ثم تطورت إلى حملة واسعة شملت آلاف المنتمين للحركة وعشرات الآلاف من المتعاطفين معها وبينهم من دعموا قائماتها الانتخابية في 1989.
وبلغت حملة الاعتقالات أوجها في 1992 بعد الكشف عن «أجنحة سرية» للحركة تضم أمنيين وعسكريين ومدنيين مدربين على العنف وحمل السلاح كانوا يعدون للإطاحة بحكم بن علي وتنظيم «ثورة شعبية شاملة» ضده تشمل اغتياله وإحداث «فراغ دستوري» في أعلى هرم السلطة تستغله قيادة الحركة لتسلم الحكم.

* حامد القروي
* حامد القروي من دعائم نظام الرئيس التونسي الأسبق زين العابدين بن علي، فقد اعتمد على حنكته السياسية في إدارة البلاد خلال قرابة عشر سنوات هي الأصعب في إرساء «التغيير» الذي وعد به التونسيين من خلال بيان السابع من نوفمبر (تشرين الثاني) 1987.
من مواليد مدينة سوسة الساحلية في 30 ديسمبر (كانون الأول) من سنة 1927 شغل منصب الوزير الأول (رئيس الحكومة التونسية) بين 27 سبتمبر (أيلول) 1989 و17 نوفمبر 1999 وهي الفترة التي شهدت استئصال التيارات الإسلامية التونسية ممثلة بالأساس في حركة النهضة من الحياة السياسية والزج بقياداتها في السجون. درس القروي الطب في فرنسا وتخصص في الأمراض الصدرية. انتخب بمجلس النواب (البرلمان التونسي) خلال فترة النظام البورقيبي وذلك إبان سنوات 1981 و1986 و1989.
عين وزيرا للشباب والرياضة بين شهر أبريل 1986 و27 أكتوبر (تشرين الأول) 1987 ثم مديرا للحزب الاشتراكي الدستوري في أواخر عهد الرئيس بورقيبة.
كان من بين مهندسي تغيير 1987 نظرا للقرابة العائلية التي تربطه بالرئيس التونسي الأسبق بن علي. عين سنة 1988 وزيرا للعدل. وفي سنة 1989 وإثر الانتخابات الرئاسية والبرلمانية أصبح رئيسا للحكومة التي أمنت التغيير السياسي وأرست دعائم الدولة وأخرجت معظم المنافسين السياسيين لحزب التجمع الدستوري الديمقراطي (وريث الحزب الاشتراكي الدستوري) من الحياة السياسية.
لم يلعب حامد القروي دورا سياسيا قويا أثناء فترة حكم بن علي، واقتصر أساسا على التنسيق الحكومي. خلفه محمد الغنوشي في رئاسة الحكومة، وبعد مغادرته الوزارة الأولى بقي نائبا أول لحزب التجمع الدستوري الديمقراطي (الحزب الحاكم) وهو يأتي في المرتبة الثانية في الترتيب البروتوكولي بعد رئيس الدولة.

* أحمد المستيري
* أحمد المستيري من أبرز معارضي نظام بورقيبة وكان من بين الأوائل الذين وقفوا في صفوف المعارضة ومن داخل نظام الحكم البورقيبي نفسه. أسس نهاية عقد الثمانينات حركة الديمقراطيين الاشتراكيين وهو أول حزب سياسي معارض يشارك في الانتخابات البرلمانية التي عرفتها تونس سنة 1981.
ولد المستيري بالضاحية الشمالية للعاصمة المرسى في 2 يوليو (تموز) 1925 وانضم في شهر يناير (كانون الثاني) 1952 إلى الديوان السياسي السري للحزب الاشتراكي الدستوري الذي أصبح يقوده فرحات حشاد والصادق المقدم.
دافع كمحام عن المناضلين الوطنيين أمام المحاكم المدنية والعسكرية الفرنسية، وتعرض لمحاولة اغتيال من قبل المنظمة الإرهابية المسماة «اليد الحمراء».
شغل حقيبة وزارة العدل خلال السنوات الأولى للاستقلال وساهم في إصلاح الجهاز القضائي وكتابة قانون الأحوال الشخصية الذي مكن المرأة التونسية من الحرية. كما سمي على رأس وزارات الدفاع والمالية والتجارة في عهد بورقيبة، قبل أن تسوء العلاقة بينهما بفعل المعارضة العلنية لتجربة التعاضد التي قادها أحمد بن صالح في تونس.
طُرد من الحزب الاشتراكي الدستوري الحاكم في 29 يناير 1968 لكن فشل تجربة التعاضد ومحاكمة بن صالح أعادته من جديد إلى وزارة الداخلية سنة 1970. غير أنه استقال في 21 يونيو (حزيران) 1971 نظرا لعدم الوفاء بالوعود التي قطعها الرئيس بورقيبة بخصوص الانفتاح السياسي.
علق بورقيبة نشاط أحمد المستيري من الحزب الحاكم، ثم طرده نهائيا في 21 يناير 1972. وفي 20 يوليو 1973 طُرد من البرلمان الذي حافظ على عضويته منذ الاستقلال.
انسحب سنة 1986 من الأمانة العامة لحركة الديمقراطيين الاشتراكيين التي أسسها سنة 1978. ووضع حدا لكل نشاط سياسي.

الجبالي في مذكراته لـ «الشرق الأوسط»: كنت شاباً مسيساً بدون توجه إسلامي

 

مذكرات حمادي الجبالي الحلقة (2): لولا نكسة 1967 ربما كنت ثائرا غير إسلامي

مذكرات حمادي الجبالي الحلقة (3): كنت أميل عاطفيا إلى اليسار الفرنسي

مذكرات حمادي الجبالي الحلقة (4): بن علي كان يدعي أنه من أنقذنا من الإعدام

مذكرات حمادي الجبالي الحلقة (5): غادرت تونس عبر البحر ولقيت ترحيبا من الحكومة الإسبانية



غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
TT

غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)

قدّم المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن، هانس غروندبرغ، الخميس، إحاطته الدورية أمام مجلس الأمن، واضعاً في صدارة حديثه التحسن النسبي في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، لكنه ربطه بتحذير صريح من هشاشة هذه المكاسب وإمكانية الانزلاق إلى صراع أوسع.

وبينما أعاد غروندبرغ التذكير بوجود 73 موظفاً أممياً في سجون الحوثيين، جدد الدعوة إلى الإفراج الفوري عنهم دون قيد أو شرط، مطالباً الجهات الإقليمية والدولية باستخدام نفوذها لتحقيق ذلك.

وأشار المبعوث إلى مؤشرات إيجابية في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، من بينها تحسن إمدادات الكهرباء وصرف رواتب القطاع العام، معتبراً أن الخطوات الرامية إلى تحسين ظروف المعيشة «تكتسب أهمية بالغة»؛ لأنها تعيد قدراً من الاستقرار وقابلية التنبؤ في حياة اليمنيين. ولفت إلى أن هذه الإجراءات، إذا ما ترسخت في مؤسسات خاضعة للمساءلة، يمكن أن تمهّد لبيئة أكثر ملاءمة لتسوية سياسية أوسع.

غير أن غروندبرغ لم يغفل عن هشاشة الوضع، محذراً من أن استمرار التوترات والحوادث الأمنية، إلى جانب المظاهرات التي شهد بعضها أعمال عنف وسقوط ضحايا، يعكس قابلية هذه المكاسب للتراجع.

المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ (الأمم المتحدة)

وفي هذا السياق، حمّل المبعوث الحكومة الجديدة بقيادة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مسؤولية حماية المكاسب عبر «ترسيخها في مؤسسات معززة وإصلاحات اقتصادية»، مشدداً على ضرورة توفير بيئة تحمي مجلس الوزراء والبنك المركزي من التسييس وتعيد بناء ثقة الجمهور.

كما أشاد بتعيين ثلاث وزيرات بعد سنوات من غياب النساء عن مجلس الوزراء اليمني، معتبراً أن إشراك النساء بصورة كاملة وفعالة يعزز شرعية أي عملية سلام، ويزيد فرص استدامتها.

إطلاق عملية سياسية

انتقل المبعوث بعد ذلك إلى جوهر الإحاطة، وهي الحاجة إلى إعادة إطلاق عملية سياسية جامعة برعاية الأمم المتحدة، وأكد أن النزاع أصبح أكثر تعقيداً، مع تعدد خطوط التنازع وتداخل الديناميكيات المحلية والوطنية، فضلاً عن تأثير التوترات الإقليمية المتبادلة.

وشدد على أن الهدف المشترك لم يتغير، وهو التوصل إلى تسوية سياسية تفاوضية تنهي النزاع بشكل مستدام، لكنه دعا الأطراف إلى تبني «نهج مستقبلي» يقوم على البناء على ما لا يزال ناجعاً، وإعادة النظر في الافتراضات القديمة، وتصميم عملية تعكس واقع اليوم لا خرائط الأمس.

وطرح المبعوث ثلاث نقاط رئيسية للمضي قدماً؛ أولاها الاعتراف بتعقيدات الحرب وتطوراتها وعدم الاكتفاء بأطر سابقة لم تعد تستجيب بالكامل للتحولات، وثانيها ضرورة التعامل المتزامن مع الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية، محذراً من أن معالجتها بمعزل عن بعضها لن تؤدي إلا إلى نتائج جزئية وغير مستدامة، ومؤكداً أهمية عدم ربط الانخراط في مسار بالتقدم في مسار آخر.

سيارة أممية ضمن موكب المبعوث الأممي غروندبرغ خلال زيارة سابقة لصنعاء (إ.ب.أ)

وتمثلت النقطة الثالثة في اشتراط أن تحقق أي عملية ذات مصداقية نتائج ملموسة على مستويين زمنيين؛ الأول من خلال اتفاقات قريبة المدى تخفف المعاناة وتظهر تقدماً عملياً، بما في ذلك تدابير لخفض التصعيد الاقتصادي، والثاني عبر مسار أطول أمداً يتيح التفاوض حول قضايا جوهرية مثل شكل الدولة والترتيبات الأمنية ومبادئ الحوكمة.

وفي هذا الإطار، قدّم غروندبرغ ملف الأسرى والمحتجزين نموذجاً لما يمكن أن يحققه الحوار. وأشار إلى المفاوضات المباشرة الجارية في عمّان لاستكمال قوائم المحتجزين تمهيداً للإفراج، داعياً الأطراف إلى إنجاز العناصر المتبقية «دون تأخير»، والمضي نحو التنفيذ، ولا سيما مع اقتراب شهر رمضان، بما يتيح للعائلات لمّ الشمل. كما جدد الدعوة إلى الالتزام بمبدأ «الكل مقابل الكل»، مثمّناً دور الأردن واللجنة الدولية للصليب الأحمر.

تحذير من مواجهة أوسع

من ضمن أكثر فقرات الإحاطة أهمية، تطرق غروندبرغ إلى تصاعد التوترات الإقليمية، معرباً عن أمله في خفض التصعيد، لكنه شدد على ضرورة ألا يُجرّ اليمن إلى مواجهة أوسع. كما شدد على أن مسألة السلم والحرب «في جوهرها مسألة وطنية»، لا يمكن تفويضها أو احتكارها من قبل جهة واحدة، ولا يحق لأي طرف يمني جرّ البلاد من جانب واحد إلى صراع إقليمي، وفق تعبيره.

وأكد المبعوث أن المسؤولية الأولى تقع على عاتق صانعي القرار اليمنيين تجاه أمن الشعب وسبل عيشه ومستقبله، داعياً إلى أن تبقى حماية المصالح الوطنية وتطلعات جميع اليمنيين هي البوصلة في أوقات التوتر. وختم هذه الرسالة بالتشديد على أن «ضبط النفس، في هذا السياق، واجب».

ولفت إلى استمرار الحوثيين في احتجاز 73 من موظفي الأمم المتحدة، إضافة إلى آخرين من المجتمع المدني والبعثات الدبلوماسية، بعضهم بمعزل عن العالم الخارجي، مع إحالة بعضهم إلى المحكمة الجزائية المتخصصة في إجراءات «لا ترقى إلى مستوى الإجراءات القانونية الواجبة».

وأكد غروندبرغ أن الاستقرار الدائم يتطلب بناء مؤسسات تخدم اليمنيين على قدم المساواة، بحيث تُدار الخلافات عبر الحوار والمشاركة السياسية السلمية بدلاً من العنف.


تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
TT

تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)

في خطوة تعكس تصاعد الاهتمام الرسمي بحماية التراث الثقافي والمعماري، تدخلت الجهات القضائية في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن لوقف ممارسات عبث وتعديلات غير قانونية طالت مباني تاريخية ومعالم أثرية، في مقدمتها مواقع في حي كريتر بمديرية صيرة، إضافة إلى محاولة اعتداء على معبد هندوسي يُعد من أبرز شواهد التعايش الديني في المدينة.

ويُعد حي كريتر من أقدم أحياء عدن وأكثرها ثراءً من حيث القيمة التاريخية والمعمارية، إذ يضم عشرات المباني والمواقع التي تعكس ملامح النمط العدني الأصيل، الممتد عبر مراحل مختلفة من تاريخ المدينة. ومع اقتراب شهر رمضان، كثّف مختصون في الحفاظ على التراث جهودهم لترميم عدد من هذه المباني، بدعم من جهات محلية ودولية، في محاولة لإعادة الاعتبار للهوية المعمارية للمدينة القديمة.

غير أن هذه الجهود اصطدمت، حسب مصادر مختصة، بتجاوزات قام بها بعض الملاك، الذين أقدموا على إدخال تعديلات حديثة لا تنسجم مع الطابع التاريخي للمباني التي خضعت للترميم، ما استدعى تدخلاً قضائياً حاسماً لوضع حد لتلك المخالفات.

وأكدت نيابة الآثار في عدن دعمها الكامل للجهود الحكومية والمجتمعية الرامية إلى حماية المباني التاريخية؛ حيث نفّذ وكيل نيابة الآثار، عشال المسبحي، نزولاً ميدانياً إلى عدد من المواقع الأثرية لمتابعة مستوى الالتزام بالمعايير المعتمدة في الحفاظ على الطابع التراثي.

كنائس عدن شاهد على عقود من التعايش بين مختلف الديانات (إعلام محلي)

وأوضح المسبحي أن بعض المباني التي جرى ترميمها بدعم من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) تعرّضت لاحقاً لتعديلات مخالفة، أبرزها تركيب نوافذ مصنوعة من الألمنيوم بدلاً من الخشبية التقليدية، وهو ما يُعد تشويهاً مباشراً للهوية المعمارية التاريخية للمدينة القديمة.

وشدد وكيل النيابة على ضرورة التزام الملاك بإعادة تركيب العناصر المعمارية الأصلية، وفي مقدمتها النوافذ الخشبية، بما يتوافق مع الطابع العدني الأصيل، مؤكداً أن النيابة لن تتهاون في اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين.

وأشار إلى أن بعض السكان رفضوا إزالة التعديلات غير القانونية، ما دفع النيابة إلى الشروع في استدعائهم رسمياً، مع التلويح بإحالتهم إلى القضاء في حال استمرار المخالفات، استناداً إلى القوانين النافذة الخاصة بحماية الآثار والمدن التاريخية.

منع الاعتداءات

وفي سياق متصل بهذه التطورات، ترأس وكيل نيابة الآثار فريقاً من السلطة المحلية للتصدي لمحاولة اعتداء على محيط معبد «هنجراج متاجي» الهندوسي الأثري في منطقة الخساف، بعد ادعاء أحد الأشخاص ملكيته لحرم الموقع الذي تبلغ مساحته نحو 4200 متر مربع.

وأكدت النيابة أن المعبد مسجّل رسمياً ضمن قائمة المعالم الأثرية، وأن أي محاولة للتعدي على حرمه أو الاستيلاء عليه هي مخالفة صريحة للقانون. وأوضحت أن الجهات المختصة باشرت اتخاذ إجراءات رادعة بحق المتورطين، لضمان حماية الموقع وصون قيمته التاريخية.

جانب من أكبر معبد هندوسي في عدن (الشرق الأوسط)

ووفق مسؤولين محليين، رُصدت خلال الفترة الماضية أعمال عبث داخل محيط المعبد، شملت سرقة أبواب ومقتنيات واقتلاع بعض أحجار البناء، إلى جانب تراكم النفايات، في مشهد يعكس حجم التهديد الذي يواجه أحد أبرز رموز التعايش الديني في عدن. وأكدوا أن النيابة ستواصل متابعة القضية حتى استكمال الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة.

دور رقابي

وعلى صلة بالقضية، شدد وديع أمان، مدير مركز تراث عدن، على أن المعبد يُمثل شاهداً حياً على تاريخ التعايش الديني في المدينة، مشيراً إلى أن حماية هذا الموقع تأتي في إطار الدفاع عن هوية عدن المتعددة ثقافياً ودينياً.

وأضاف أن الجهود ستتواصل، كما حدث سابقاً في الدفاع عن معبد «جين سويتامبر»، لحماية جميع مواقع التراث الديني، كونها معالم حضارية وإنسانية تتجاوز رمزيتها البُعد الديني.

مع الدعم السعودي في كل المجالات تتجه عدن لاستعادة الاستقرار الأمني وتحسين الخدمات (إعلام حكومي)

وأكد مسؤولون محليون أن هذا التحرك القضائي يندرج ضمن الدور الرقابي للنيابة العامة في حماية المواقع الأثرية ومنع التعديات، وتعزيز سيادة القانون للحفاظ على الممتلكات العامة. كما أوضح مركز تراث عدن وملتقى الحفاظ على المعالم الأثرية أنهما يعملان بالتنسيق مع الجهات الرسمية لمواجهة أي تهديد يطول هذه المواقع.

يُذكر أن المعبد الهندوسي أُغلق نهائياً عام 2015 عقب سيطرة الحوثيين على عدن، وتعرّض لأعمال تدمير جزئي، شأنه شأن عدد من المباني الدينية. ويعود تاريخ بنائه إلى نحو عام 1865، خلال فترة الحكم البريطاني التي شهدت ازدهاراً للتنوع الديني والثقافي في المدينة، وهو ما تسعى عدن اليوم إلى استعادته وحمايته بوصفه جزءاً من ذاكرتها التاريخية.


الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)

تبدأ الحكومة اليمنية الجديدة أداء مهامها وسط أوضاع سياسية واقتصادية شديدة التعقيد، بعد توجيهات رئاسية لها بصناعة نموذج مختلف واستعادة ثقة المجتمع، في ظلّ تراجع حضور مؤسسات الدولة.

ورغم الرضا الشعبي عمّا أسفر عنه إنهاء تمرد المجلس الانتقالي الجنوبي من تحسن ملحوظ، فإن التحديات المعيشية والأمنية أكثر عمقاً، والمطالب المجتمعية أشدّ إلحاحاً من قدرة أي سلطة تنفيذية على تحقيق اختراقات سريعة.

فعلى المستوى الخدمي، تتراكم أمام الحكومة أزمات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، إلى جانب تعثّر انتظام صرف المرتبات في عدد من المناطق، وتمثل هذه الملفات اختباراً عملياً لأداء الحكومة، في ظل محدودية الموارد المالية، والتهديدات الحوثية باستهداف مصادرها، وتفاوت السيطرة الإدارية، وضعف البنية التحتية التي تأثرت بسنوات من النزاع.

واقتصادياً، ترى الحكومة مؤشرات مقلقة تشمل تراجع الإيرادات العامة، ومخاطر كبيرة تهدد استقرار سعر العملة المحلية، وارتفاع مستويات التضخم والفقر. وبينما يربط شركاء دوليون أي دعم محتمل بتنفيذ إصلاحات مالية وإدارية؛ تبقى قدرة الحكومة على إبطاء التدهور الاقتصادي رهناً بتوازنات سياسية وأمنية معقدة تتجاوز نطاق السياسات الاقتصادية وحدها.

الأزمة الإنسانية إحدى أولويات الحكومة اليمنية في ظل تراجع التمويل الدولي (غيتي)

وفي لقائه الأول بالحكومة بعد أدائها اليمين الدستورية، الاثنين الماضي، أكد رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، أن المرحلة الحالية لا تحتمل إدارة تقليدية، وأن الحكومة مطالبة بـ«صناعة نموذج» يعيد بناء ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، كجزء من المعركة الوطنية الشاملة، والبناء على التحسن النسبي في بعض الخدمات الأساسية خلال الفترة الماضية.

ووضع العليمي تنمية الموارد العامة في صدارة الأولويات، بصفتها شرطاً موازياً للجبهة العسكرية في تغيير ميزان القوى، منوهاً إلى الاختلالات الاقتصادية المتراكمة، والتضخم المتصاعد، والتراجع في الثقة بإدارة المال العام، مشدداً على الانضباط المالي الصارم، ودعم استقلالية البنك المركزي؛ لكبح التضخم وحماية العملة وضمان حد أدنى من الاستقرار المعيشي. كما ورد في الخطاب التوجيهي.

اختبار الاستقرار والخدمات

تقف الحكومة اليمنية حالياً أمام ضغوط شعبية ودولية للعودة بأعضائها كافة إلى العاصمة المؤقتة عدن لممارسة مهامها بشكل مباشر وتفعيل المؤسسات الخدمية والرقابية.

من لقاء العليمي بالحكومة الجديدة بعد أدائها اليمين الدستورية (سبأ)

ويرى يوسف شمسان، الباحث الأكاديمي في الاقتصاد السياسي للحرب، أن خطاب العليمي أثبت إدراكه العميق للمشاكل الاقتصادية والخدمية، وإحساسه بمعاناة الدولة منها؛ ما يشير إلى تراكم الخبرة القيادية لديه، حيث لامس القضايا الاقتصادية المهمة والملحة بشكل مستفيض، وربط الإصلاحات بإدارة الدولة، وتطرق إلى اقتصاد الحرب للربط بين إسقاط التمرد وتحقيق ثنائية الدولة والحوكمة.

ويمثل خطاب العليمي، حسب حديث شمسان لـ«الشرق الأوسط»، خروجاً لافتاً عن الخطاب السياسي التقليدي في بلد أنهكته الحرب، فبدلاً من الاكتفاء بسرد المواقف أو إعادة إنتاج خطاب الشرعية، قدّم العليمي إطاراً أقرب إلى برنامج إدارة دولة في زمن نزاع، واضعاً الاقتصاد والخدمات في قلب المعركة السياسية والأمنية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي على أن يُقاس أداء الحكومة بقدرتها على دفع الرواتب بانتظام، وتوفير الكهرباء والمياه، وضبط الأسعار، وعدم تسييس الخدمات، وعلى أهمية توجيه الدعم والمنح عبر القنوات الرسمية، ودعم القطاع الخاص، وحماية قطاعات الزراعة والثروة السمكية والصناعات التحويلية والاتصالات والنقل.

يقول عتيق باحقيبة، القيادي الاشتراكي في محافظة حضرموت، لـ«الشرق الأوسط» إن أهالي المحافظة ينتظرون من هذه الحكومة التي جاءت بعد فترة صراع سياسي وعنف عسكري شهدته محافظة حضرموت تحقيق الكثير من المطالب المشروعة، ومنها دعم الأجهزة الأمنية والعسكرية في الجوانب المادية واللوجيستية كافة والتدريب والتأهيل لجميع منتسبيها؛ حتى تتمكن من تأمين كل مدنها ومناطقها المترامية الأطراف.

القطاع الصحي في اليمن ينتظر إصلاحات عاجلة وتدخلات حكومية فاعلة (أ.ب)

ويضيف: «كما يأمل الحضارم دعم الخِدْمات كافة مع أولوية خاصة للكهرباء والمياه والصحة والتعليم، وانتظام دفع المرتبات لموظفي الدولة، وتطوير البنى التحتية لتهيئة المحافظة لتكون ملاذاً آمناً للاستثمار، ويسعون إلى الحصول على مشاركة فاعلة وعادلة في كل مؤسسات الدولة المركزية، بعد إنهاء آثار الصراع كافة بفضل الدعم السعودي».

رهانات الحوكمة

ركز العليمي في خطابه أمام الحكومة الجديدة على أنه لا دولة دون أمن وسيادة قانون، داعياً إلى انتقال واضح من المعالجة اللاحقة إلى العمل الاستباقي، عبر انتشار أمني مدروس، وضبط السلاح المنفلت، وتجفيف بؤر الجريمة، وحماية المواطنين دون تمييز.

وعدّ العليمي الشراكة مع السعودية ركيزة أساسية لتوحيد القرار الأمني والعسكري، وصناعة الفارق في العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المحررة، بما يعزز حضور الدولة ويمنع تقويض المكاسب المحققة.

ويعلق بشير عزوز، وهو أحد موظفي إعلام قطاع الصحة في محافظة مأرب، آمالاً على الحكومة بمواجهة الأزمة الإنسانية التي تبرز كأكبر تحدٍ يقف أمامها؛ حيث تشير تقارير الأمم المتحدة الحديثة إلى ما يُسمى «نقطة الانكسار الصحي» التي وصلت إليها البلاد، مع تراجع التمويل الدولي، ليصبح أكثر من 1000 مرفق صحي مهدداً بالإغلاق؛ ما يضع حياة ملايين الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد على المحك.

آمال شعبية يمنية في استثمار الدعم السعودي لزيادة الجودة واستدامة الخدمات (واس)

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن كل محافظة وكل مديرية تواجه منفردة أزمات واختلالات خاصة بها صنعتها الحرب والانقسامات الأمنية والاقتصادية، إلى جانب الأزمات الطويلة في كل البلاد بفعل استمرار الصراع، وعدم التوصل إلى حسم عسكري مع الجماعة الحوثية أو الدخول معها في اتفاق سلام جاد وحقيقي.

وتجد الحكومة الجديدة نفسها مطالبة بالانتقال من «الاعتماد الكامل على الإغاثة» إلى «الإدارة الذاتية للموارد»، وهو تحدٍ معقد في ظل اقتصاد منهك وعملة متدهورة.

يشيد الأكاديمي شمسان بانتقاد العليمي الواضح، ولأول مرة، للدور الهدام للمؤسسات الدولية، وفرضها قيود التجارة العالمية وقيود التعويم في أسعار الصرف، وهو نقد شجاع ويكشف عن نقلة مهمة في خطاب الرئيس ووعي تام بوضع اليمن الهش الذي يعيش اقتصاد الحرب، والذي لا ينطبق عليه شروط هذه المنظمات الدولية وإملاءاتها.

من المنتظر أن تسعى الحكومة الجديدة بشكل عاجل إلى تثبيت الأمن وتعزيز حضور الدولة ومؤسساتها (غيتي)

كما عدّ حديث العليمي عن وقف الريع الحربي، وضرورة كسر مصالح اقتصاد الحرب، خطوة متقدمة تبين إدراكاً عميقاً لأسباب معاناة اليمن واليمنيين خلال السنوات الماضية؛ وهو ما يفرض على الحكومة التعامل مع هذا الخطاب بوصفه برنامج عمل للمرحلة المقبلة.

ويبرز انسداد أفق السلام وتعثر المسار السياسي مع الجماعة الحوثية كأحد أبرز التحديات أمام الحكومة الجديدة، في ظل انعدام فاعلية المبادرات الدولية والتوترات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط.