المؤسسة الإعلامية الدولية للمرأة: الصحافة ليست حرة في غياب صوت النسوة

عدد الصحافيات في مواقع قيادية لا يتجاوز 37 %

المؤسسة توفر منحاً وتدريبات للصحافيات في شتى بقاع الأرض (موقع المؤسسة)
المؤسسة توفر منحاً وتدريبات للصحافيات في شتى بقاع الأرض (موقع المؤسسة)
TT

المؤسسة الإعلامية الدولية للمرأة: الصحافة ليست حرة في غياب صوت النسوة

المؤسسة توفر منحاً وتدريبات للصحافيات في شتى بقاع الأرض (موقع المؤسسة)
المؤسسة توفر منحاً وتدريبات للصحافيات في شتى بقاع الأرض (موقع المؤسسة)

تتطلب مهمة الصحافي في دول العالم الثالث شجاعة خاصة فالصحافي أو الإعلامي قد يجد نفسه ملاحقا من أجهزة الدولة التي ترغب في قمع الرأي ولا تريد الصحافة التي تكشف الفساد. وفي بعض الدول الأخرى يجد نفسه فريسة عصابات الكارتل ومنظمات الفساد المتعددة الشبكات. وفي جميع الحالات فإن مهمة الصحافي ستكون خطرة ويتساوى الخطر أمام الرجل الصحافي والمرأة الصحافية، لكن الصحافيات من النساء يتعرضن لضغوط أكبر في هذا المجال ويواجهن عقبات أكثر. تأتي المؤسسة الإعلامية الدولية للمرأة لترصد مضايقات وضغوط للصحافيات النساء مثل الهجوم والمضايقة والتهديد وتشويه السمعة والتحرش إضافة إلى القتل وذلك لقيامهن بعملهن في كشف الحقيقة ومكافحة الفساد حيث تشير تقارير أن عدد الصحافيات اللاتي قتلن في عام 2017 تضاعف ثلاث مرات عن عام 2016.

حماية الصحافيات النساء كان الهدف الرئيسي وراء تأسيس المؤسسة الإعلامية الدولية للمرأة IWMF في العاصمة الأميركية واشنطن كمنظمة غير هادفة للربح. المؤسسة تقدم المساندة للسيدات العاملات في مجال الإعلام في العالم الثالث وعلى المستوى الدولي، كما تساهم في دعم صورة المرأة في وسائل الإعلام وتخصص برامج لمساعدة النساء الصحافيات على تطوير حلول للعقبات التي يواجهنها في حياتهن المهنية. وتقدم المؤسسة المنح الدراسية الدولية وجوائز سنوية للشجاعة في الصحافة وفي مجال التصوير الصحافي وجوائز الإنجاز على مدى الحياة في مهنة المتاعب.
تقف المؤسسة الإعلامية الدولية للمرأة موقف المساند والمدافع عن حرية الصحافة على المستوى الدولي وعادة ما تجمع مشاهير العالم من رجال السياسية والاقتصاد والإعلام والفن في حفلها السنوي لإلقاء الضوء على الإنجازات الصحافية للمرأة. كما تحرص على إبراز التحديات وتوفير الحماية للصحافيات اللاتي يتعرضن للخطر أو الاعتقال بسبب عملهن. وفي جوهر مهمة المؤسسة شعار أن الصحافة ليست حرة ما لم يكن للمرأة صوت حر بشكل متساو مع الرجل.
وتضم المؤسسة في عضويتها وفي مجلس إدارتها مجموعة متنوعة من الصحافيين المخضرمين والشخصيات الإعلامية المعروفة على الساحة الإعلامية الأميركية والدولية، ومن أبرز السيدات العضوات في هذه المؤسسة هي الوجه العربي الإعلامي البارز في أروقة واشنطن نادية البيلبيسي مدير مكتب قناة العربية في واشنطن. وقد تم ترشحيها لعضوية المؤسسة وأمضت بها ما يقرب من ثماني سنوات وشاركت في عدة لجان التحكيم لمنح الجوائز المختلفة.
تقول البيلبيسي لـ«الشرق الأوسط» إن المهمة الأساسية للمؤسسة هي جذب الانتباه لما تقدمه المرأة الصحافية وتوفير المنح الدراسية وتقديم الحماية لهن وتعزيز أوضاعهن المهنية. وتضيف شارحة «على سبيل المثال ثلثا خريجي المدارس الصحافية ودراسي الإعلام في الجامعات من النساء، لكن القليل من النساء الصحافيات يشغلن مناصب قيادية، وتوجد تقارير أن عدد الصحف التي ترأس تحريرها السيدات أقل من أي وقت مضى وأن عدد السيدات الصحافيات في مواقع قيادية بالصحف والإعلام لا يتجاوز 37 في المائة وهو رقم لم يتغير منذ فترة ثمانينات القرن الماضي». كما تشير إلى أن عدد المصورات الصحافيات لا يتجاوز 15 في المائة من إجمالي كتيبة المصورين إضافة إلى مشاكل تتعلق بعدم المساواة في الأجور والمضايقات والعنف والتحرش في الميدان، ونقص التدريب.
وتتطرق البيلبيسي إلى منح المؤسسة الدراسية حيث يقدم صندوق هوارد بافيت للصحافيات والصحف التي تقدم موضوعات صحافية تركز على المرأة منحا خاصة كما تمول منحة إليزابيث نيوفر فرصة للدراسة في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا والتدريب في صحافية نيويورك تايمز وبوسطن غلوب لدعم الصحافيات بالمهارات لمتابعة القصص الصحافية التي يردنها. وتؤكد على أن «الهدف في النهاية هو تنوع الأصوات الصحافية الأمر الضروري لصحافة حرة، لأن العدد القليل من الصحافيات والإعلاميات في القيادات العليا يؤثر على القضايا التي يتم تناولها».
وتعمل المؤسسة على تشجيع نشر قصص تركز على المرأة وحقوق المرأة والابتعاد عن القوالب النمطية ودعمت المؤسسة مشاريع لتقارير صحافية حول الرعاية الصحية للأمهات في الصومال وفريق الفروسية النسائي في المغرب، وتضييق الحكومة الروسية على المرأة والإجهاض.
وتحدث البيلبيسي «الشرق الأوسط» عن جائزة الشجاعة الصحافية التي تمنحها المؤسسة سنويا لثلاث صحافيات يتم اختيارهن على أساس أنهن واجهن مصاعب غير عادية، فالمعايير التي تنظر لها اللجنة هي ما الذي أدت إليه القصة الصحافية من فضح لممارسات خاطئة أو فساد أو سوء استخدام للسلطة والقوة، وما إذا كانت تعالج قضايا مهمة مثل حقوق العمل والأطفال والنساء وما تعرضت له الصحافية من تهديدات أو اعتقال بسبب موضوعاتها الصحافية. وتتكون لجنة التحكيم من ثمانية أشخاص تقوم باختيار ثلاث صحافيات كل عام من كل أنحاء العالم. وهناك جائزة تمنح للإنجاز على مدى التاريخ الصحافي ويتم تقديم هذه الجوائز كل عام في حفل كبير في نيويورك ولوس أنجليس ويشارك فيه حشد كبير من رجال السياسة والاقتصاد والإعلام والفن.
وتتمنى البيلبيسي أخيرا أن يتم تبني فكرة المؤسسة الإعلامية الدولية للمرأة في المنطقة العربية وإنشاء كيان مشابه يهتم بالصحافة باعتبارها مرآة للمجتمع خاصة أن ممارسة مهنة الصحافة والإعلام تعد خطرا في مناطق الصراعات مثل سوريا واليمن وتعد مقابر للصحافيين الذين يغطون الأحداث.
المشكلة الأخرى التي تواجه الصحافة والإعلام في المنطقة العربية كما تقول البيلبيسي هي سيطرة رأس المال وتحكمه في سياسات الإعلام، وتتمنى أن تكون هناك منابر إعلامية تمول من تبرعات المشتركين، والأهم كما تقول هو النهوض بقيمة الإعلام وما يشكله من أهمية في المجتمع وتشجيع الصحافيين - وبصفة خاصة النساء - وتدريبهم للارتقاء بمستواهم المهني وتشجيع تقلد الصحافيات لمراكز قيادية وتنفيذية في صنع القرار التحريري. وتؤكد، «لا تنقصنا الموهبة لكن الأمر يتطلب جهدا لبناء بنية تحتية».

أسماء المتمردة... وزهرة الرسامة من وراء القضبان


الصحافية السورية نور كلسي كرمت لشجاعتها
تضم الجوائز السنوية التي تقدم جوائز الشجاعة للصحافيات اللاتي تميزن بشجاعتهن في مواقف مهنية صعبة للكشف عن الحقيقة. ومن بين الصحافيات الفائزات بهذه الجائزة - على مدى السنوات الماضية - أسماء الغول الصحافية في غزة التي كتبت مقالات تنتقد حركة حماس والتحديات الاجتماعية في غزة وتعرضت لمضايقات ولم تخضع للسلطات أدت إلى هروبها إلى فرنسا واللجوء السياسي لها.
وقد منحت الجائزة أيضا لصحافية سورية تعمل في وكالة رويترز وقامت بالتقاط صور عن مآسي الضحايا المدنيين السوريين في مواقع القصف وخاطرت بحياتها وتعرضت للهجوم من السلطات السورية واضطرت للهرب إلى تركيا. ومنحت أيضا الجائزة لصحافية من تايلاند كتبت عدة مقالات انتقدت فيها الأسرة المالكة وتعرضت للملاحقة وصحافية من الهند كتبت عن حالات الاغتصاب التي تتعرض لها النساء في الهند وهو ما عرضها للمضايقات، وصحافية أخرى من إيران كانت تعمل في رويترز وتلقت تهديدات لحياتها وحياة أطفالها للدرجة التي كانت دائما في وضع استعداد لتعرضها للاعتقال.
وفي العام الماضي فازت زهرة دوغان التي أسست أول وكالة أنباء نسائية في تركيا وتم إغلاقها من قبل الحكومة وتعرضت لملاحقات من الجيش التركي ومن تنظيم داعش الإرهابي حينما سافرت إلى شمال العراق لتكون أولى الصحافيين الذين تحدثوا إلى النساء الإيزيديات المحررات من انتهاكات التنظيم المتطرف وقد تم اعتقالها وسجنها بتهمة الدعاية للإرهاب بسبب التقارير الصحافية التي كتبتها ومن سجنها كتبت تقارير عن الانتهاكات لحقوق الإنسان. ومنعت إدارة السجن تزويدها بمواد طلاء لتمنعها من رسم لوحاتها. فقامت زهرة بإنتاج ألوانها من الطعام والمشروبات وتصنع فرش الرسم من ريش الطيور الذي يقع بالسحن وتؤكد أنه لا يمكن قمع الصحافة أو الفن خلف القضبان ومن المتوقع أن يطلق سراحها في عام 2019 المقبل.
أما نعمة الباجير فهي صحافية سودانية تعمل لشبكة سي إن إن وقد نشرت تحقيقات حول بيع منظمة بوكو حرام للأطفال النيجيريين وتشويه الفتيات الصوماليات وسافرت إلى ليبيا لعمل تقارير حول بيع مهاجرين أفارقة في مزادات للعبيد وهو ما أثار موجة غضب عالمية. وخاطرت نعمة بحياتها في دخول الحجر الصحي في ليبيريا وتقديم تقارير عن تفشي فيروس الإيبولا في غرب أفريقيا والدمار الذي أحدثه المرض.
وروزاريو موسو كاسترو هي رئيسة تحرير صحيفة مكسيكية كتبت تحقيقات حول تهريب المخدرات والجريمة المنظمة في المكسيك والعصابات التي تقوم بتهريب المخدرات إلى كاليفورنيا وواجهت تهديدات بالقتل من تلك العصابات الإجرامية ورغم التهديدات والمخاطر في واحدة من أخطر البلدان على عمل الصحافيين فإن روزاريو كاسترو استمرت في عملها وواصلت تحقيقاتها حول تهريب المخدرات والفساد السياسي.
 



استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
TT

استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)

استهدفت قوات الاحتلال الإسرائيلي كادر «الإخبارية السورية» وعدداً من الإعلاميين بشكل مباشر أثناء تغطيتهم سقوط مسيرة إيرانية بفعل الدفاعات الجوية، دون تسجيل إصابات.

وأوضح مراسل القناة، أنه نجا بأعجوبة من القصف الإسرائيلي بعد سقوط القذيفة المدفعية بجانبه وما ألحقته من تناثر الشظايا في المكان، إضافة لنجاة بقية الإعلاميين الذين كانوا موجودين في المنطقة المستهدفة.

وأضاف المراسل أن الجيش الإسرائيلي أطلق قذائف هاون بين قرية الصمدانية الغربية وسدّ المنطرة في ريف القنيطرة الأوسط، دون ورود معلومات عن إصابات إضافية.

وفي 11 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، توغلت قوات الاحتلال الإسرائيلي عند أطراف مدخل قرية الصمدانية الشرقية، ضمن سلسلة انتهاكات مستمرة جنوب البلاد. وأقامت القوات وفق ما أفاد مراسل «الإخبارية» حاجزاً عند مفرق الصمدانية - العجرف مؤلفاً من ثلاث آليات عسكرية.

وتستمر قوات الاحتلال في اعتداءاتها وتوغلاتها داخل الأراضي السورية، ولا سيما في ريفي القنيطرة ودرعا، وتنفذ اعتداءات بحق المدنيين واعتقالات وتخريب.

الباحث السوري نوار شعبان، وصف ما جرى في القنيطرة بأنه لا يمكن التعامل معه بوصفه حادثة عابرة، بل يمثل تطوراً خطيراً، لأنه لا يتعلق فقط باعتداء عسكري، بل باستهداف مباشر لعمل إعلامي وصحافي.

وأضاف في تغريدة على منصة «إكس»، أن الإعلاميين كانوا يقومون بعملهم الطبيعي في نقل ما يجري على الأرض، وهو عمل يفترض أن يكون محمياً وفق القوانين الدولية التي تحمي الصحافيين أثناء النزاعات. مشدداً على أن استهدافهم بهذا الشكل يفتح سؤالاً كبيراً حول سلامة العمل الإعلامي في الجنوب السوري، خاصة في ظل تكرار القصف والتوغلات الإسرائيلية في ريف القنيطرة خلال الفترة الأخيرة.

صورة للقصف الإسرائيلي على موقع تجمع الصحافيين السوريين في القنيطرة (متداولة)

وطالب شعيب وزارة الخارجية السورية بإصدار بيان رسمي واضح يدين هذا الاعتداء ويستنكره، ويضعه في إطاره الصحيح كونه استهدافاً لحرية العمل الإعلامي وسيادة الأراضي السورية، معتبراً أن ترك مثل هذه الحوادث دون موقف رسمي يعني تحويلها إلى أمر اعتيادي.

عناصر من قوات الأمم المتحدة تتفقد بقايا الصاروخ في قرية الحيران بريف القنيطرة (سانا)

وكانت قوات الاحتلال الإسرائيلي قد توغلت، الثلاثاء، على الطريق الواصل بين قرية نبع الفوار في ريف القنيطرة الشمالي، وقرية حرفا في ريف دمشق الغربي.

وذكر مراسل «سانا» في القنيطرة، أن قوة للاحتلال مؤلفة من عدة آليات عسكرية توغلت على الطريق الواصل بين القريتين، ونصبت حاجزاً مؤقتاً في المنطقة، وعمدت إلى تفتيش المارة، دون ورود أنباء عن أي حالات اعتقال.

ويواصل جيش الاحتلال الإسرائيلي اعتداءاته وخرقه اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 عبر التوغلات المتكررة في جنوب سوريا، والاعتداء على المواطنين بالمداهمات والاعتقالات التعسفية والتهجير القسري وتدمير الممتلكات وتجريف الأراضي الزراعية.


خطة أوروبية شاملة لتحصين المؤسسات الإعلامية

فون در لاين (تاس)
فون در لاين (تاس)
TT

خطة أوروبية شاملة لتحصين المؤسسات الإعلامية

فون در لاين (تاس)
فون در لاين (تاس)

تنعم وسائل الإعلام في بلدان الاتحاد الأوروبي منذ سنوات بدرجة عالية من الحرية والاستقلالية. وتنشط في أجواء تكاد تكون مثالية لممارسة مهنة الصحافة، التي تحميها «ترسانة» من التشريعات والقوانين المخصّصة للدفاع عن حرية الرأي والتعبير، والحفاظ على حقوق الصحافيين، وسرّية المصادر التي يستقون منها معلوماتهم.

ولكن خلال السنوات الأخيرة، أصبح الإعلام الأوروبي أحد الأهداف المركزية لما يسمّى «الحرب الهجينة» التي تشنّها الأطراف الخارجية التي تسعى لتقويض «المشروع الأوروبي»، أو إبعاده عن مساره التأسيسي، أو التأثير في مجرى أحداثه السياسية والاجتماعية، خدمة لتوجّه جيوسياسي معيّن. وفي هذا السبيل، باتت تستعين - بشكل أساسي لتحقيق أهدافها - بالفرص اللامحدودة التي تتيحها التكنولوجيا الرقمية، وما طرأ عليها من تطوّرات هائلة توّجها أخيراً الذكاء الاصطناعي، الذي بدأ يُحدِث ثورة عميقة في النشاط الصحافي، وطرائق عمل وسائل التواصل الاجتماعي والمنصّات الرقمية.

تدخلات واختراقات... روسية وأميركية

وحقاً، تفيد دراسات عدة، وضعتها أجهزة «الاتحاد الأوروبي» ومؤسّسات خاصة في الدول الأعضاء، بأن معظم البلدان الأوروبية تتعرّض منذ سنوات لاختراقات ممنهجة وموجهة عن طريق وسائل التواصل والمنصات الرقمية والمواقع الشبكية الوهمية. وتهدف هذه الاختراقات إلى نشر معلومات كاذبة وأخبار مزيّفة للتلاعب بنتائج الانتخابات، أو التحريض على اضطرابات، وأحياناً لزعزعة الأمن والاستقرار في الاتحاد الأوروبي.

أيضاً، تشير هذه الدراسات إلى أن روسيا، بمؤسساتها الرسمية وأجهزتها الاستخباراتية، تقف وراء قسم كبير من هذه التدخلات والاختراقات. وأيضاً تنشط منظمات وهيئات أميركية خاصة، تدور في فلك «المحافظين الجدد»، عن طريق التمويل المموّه لمؤسسات إعلامية ومنصّات رقمية، تملكها كلياً أو جزئياً.

ويستفاد من دراسةٍ وضعها «المركز الأوروبي لخدمات وسائل الإعلام» التابع لمفوضية «الاتحاد» أن التطورات الاجتماعية والسياسية المتسارعة التي تشهدها البلدان الأعضاء، وخاصة بعد الحرب الدائرة في أوكرانيا منذ 4 سنوات، والحرب في غزة، أحدثت تغييراً ملحوظاً في نمط استهلاك المعلومات عبر وسائل الإعلام التقليدية والرقمية على السواء. وكذلك، فإن «ظاهرة ترمب» باتت تلعب دوراً كبيراً في هذا التغيير، نظراً للحضور الإعلامي الطاغي للرئيس الأميركي دونالد ترمب على المنصات الرقمية، وتصريحاته اليومية المثيرة للجدل حول مسائل أمنية وسياسية واقتصادية على جانب كبير من الأهمية.

فيرهيين (آ ف ب)

صعود التطرف

ومع تفاقم المخاطر الناجمة عن التدخلات التي يتعرّض لها المشهد الإعلامي الأوروبي، مثل صعود الأحزاب والقوى اليمينية المتطرفة، ووقوف التيّار الذي يقوده الرئيس ترمب خصماً لـ«الاتحاد الأوروبي»، شرع «الاتحاد» في وضع خطة شاملة لتحصين المؤسسات الإعلامية في وجه التدخلات، وتعزيز شفافية مصادر تمويلها، وضمان صدقية المعلومات والأخبار التي تنشرها.

وبعد سلسلة من المشاورات المكثفة مع الدول الأعضاء، ومناقشات مديدة في البرلمان الأوروبي، دخلت الخطة حيّز التنفيذ مطلع العام الحالي، تحت إشراف النائب الأول لرئيسة البرلمان الأوروبي الألمانية سابين فيرهيين، المكلفة مراقبة تطبيق «القانون الأوروبي لضمان حرية وسائل الإعلام».

في أول تعليقات لها حول النقاش الذي دار في البرلمان الأوروبي حول القانون، قالت فيرهيين إنها شعرت بخيبة كبيرة لدى سماعها الحجج التي ساقتها بعض القوى السياسية، متجاهلة المخاطر المُحدقة التي تتعرّض لها المنظومة الإعلامية الأوروبية منذ سنوات، والوسائل التي يستخدمها خصوم المشروع الأوروبي من أجل الانقضاض عليه وتقويضه عبر المنصات الرقمية التي أصبحت المنافس الرئيسي لوسائل الإعلام على المداخيل الإعلانية. وانتقدت تعتيم هذه المنصات على بعض الأخبار التي لا تصبّ في مصلحة القوى والتيارات السياسية التي تقف وراءها.

من ناحية أخرى، قالت رئيسة المفوضية أورسولا فون در لاين، خلال تقديمها مشروع القانون أمام البرلمان الأوروبي: «الهدف من هذا القانون، الذي يُعدّ التشريع الأول من نوعه في الاتحاد الأوروبي، هو الدفاع عن مهنة الصحافة وتعددية الوسائل الإعلامية، وتمكين المواطنين الأوروبيين من اتخاذ قراراتهم على بيّنة موضوعية من الوقائع والأحداث وأوضاع النظم الديمقراطية التي يعيشون في كنفها».

ما يذكر أن من المستجدات التشريعية التي يتضمنها هذا القانون الذي يسري على جميع الدول الأعضاء في الاتحاد:

- تعزيز التدابير الرامية إلى حماية وسائل الإعلام من التدخل الخارجي.

- إلزامها الشفافية الكاملة حول ملكيتها الفعلية ومداخيلها الناجمة عن الإعلانات الرسمية.

- فرض رقابة صارمة على المنصّات الرقمية الكبرى في تعاطيها مع المواد التي تنتجها المؤسسات الإعلامية.

- حماية مهنة الصحافة من التهديدات الخارجية التي تؤثر على استقلاليتها.

- متابعة أداء الوسائل الرسمية في تغطيتها لأنشطة السلطة السياسية.

- حظر التجسس على الصحافيين أو أفراد عائلاتهم، وحماية مصادرهم.

بعض الدول الأعضاء في «الاتحاد الأوروبي»، في طليعتها المجر وتشيكيا، مدعومة من الأحزاب اليمينية المتطرفة في إيطاليا وفرنسا وألمانيا وإسبانيا، أبدت اعتراضاً شديداً على عدد كبير من أحكام هذا القانون، وحاولت عرقلة إقراره في البرلمان. ومعروف عن هذه القوى أنها تقود حملة ممنهجة على ما تسميه «الصحافة التقليدية»، المكتوبة والمرئية، وتتّهمها بالكذب والتحيّز، وتدافع عن المنصات الرقمية التي تعتبرها مصدر الأخبار الموثوقة والموضوعية.

ومن جهة أخرى، يقول كارلوس آغيلار، رئيس اللجنة الأوروبية للخدمات الإعلامية، إن «المفترض بهذا القانون أن يكون خشبة الخلاص لوسائل الإعلام، التي ما زالت تجهد لتقديم مواد إخبارية وتحقيقات موثوقة، والتي تواجه صعوبات مالية تهدد استمراريتها بعد التراجع المطّرد في مداخيلها الإعلانية لحساب منصات التواصل الرقمية». ويلاحظ أن المناظرات السياسية والمناقشات الفكرية، التي كانت سمة رئيسية في مضامين وسائل الإعلام الأوروبية، تتراجع باستمرار أمام الإقبال الكبير على المنصّات الرقمية التي تروّج للآراء والمعلومات المجهّزة بعناية، من غير إتاحة المجال للنقاش أو الجدال.

خطر إدمان المحتويات

وينبّه آغيلار إلى أن الخطورة الأساسية للمنصات الرقمية تكمن في الإدمان على محتوياتها، التي تولدها خوارزميات متطورة جداً، وأنه من المستحيل في الوقت الراهن التصدي لها بسبب جهل هذه الخوارزميات أو تعذّر الحصول عليها، وهذا أمر يشكّل أحد محاور الجدل الكبرى بين بلدان الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة التي تضغط على الأوروبيين، بفرض مزيد من الرسوم الجمركية والتهديد بعواقب أخرى، لمنعهم من إخضاع المنصات الرقمية الكبرى لضوابط الاتحاد وقواعده التجارية والأخلاقية.

في المقابل، أشدّ المدافعين عن هذا القانون الأوروبي الجديد كانت مجموعة دول الشمال، أي السويد وفنلندا والدنمارك، التي حذّرت من التأثير المتعاظم للمنصّات الرقمية في تشكيل الرأي العام الاجتماعي والسياسي، وفي نتائج الانتخابات التي تتراجع نسبة المشاركين فيها على امتداد بلدان «الاتحاد».

ويلاحظ بيتر يورغنسن، عضو البرلمان الأوروبي عن الحزب الديمقراطي السويدي، أن دونالد ترمب فاز بولايته الرئاسية الثانية بعد حملة انتخابية لم يحصل خلالها سوى على تغطية إيجابية من وسائل الإعلام التقليدية، لم تتجاوز 5 في المائة، فيما لم يكن يكفّ عن مهاجمة تلك الوسائل والصحافيين الذين يعملون فيها، ويصفهم بالكذبة والخونة وأعداء الوطن.

أيضاً، من أهم المستجدات في هذا القانون «سجلّ الشفافية» الذي يُلزم جميع وسائل الإعلام المكتوبة والمسموعة والمرئية، والمنصّات والمواقع الرقمية، بالكشف عن هوية مالكيها ومداخيلها من الإعلانات الرسمية والخاصة. ويلحظ عقوبات مالية وتشغيلية في حق تلك التي تتخلّف عن ذلك، أو تتلاعب بالمعلومات التي تقدمها.

ومن الأدوات التي يستحدثها القانون «تشات يوروب» (Chat Europe)، وهي منصة رقمية جديدة مخصّصة لعرض الأحداث الأوروبية وشرحها بواسطة مواد صحافية تقليدية، و«تشات بوت» (chatbot) مولّد بالذكاء الاصطناعي، وقادر على الإجابة عن الأسئلة والاستفسارات التي يطرحها عليه المستخدمون. وتغذّي هذه المنصة تحقيقات وتحليلات وأشرطة فيديو تنتجها وسائل الإعلام المنضوية في هذا المشروع الذي تتولى تنسيقه وكالة الصحافة الفرنسية (أ.ف.ب)، ويهدف إلى مساعدة المواطنين في بلدان الاتحاد على متابعة أنشطة المؤسسات والأجهزة الأوروبية ومعرفة طرائق عملها، وكيف تؤثر قراراتها على حياتهم اليومية.


«يوتيوب» تعيد تنظيم العلاقة بين صُناع المحتوى والمعلنين

شعار "يوتيوب" (د ب آيه)
شعار "يوتيوب" (د ب آيه)
TT

«يوتيوب» تعيد تنظيم العلاقة بين صُناع المحتوى والمعلنين

شعار "يوتيوب" (د ب آيه)
شعار "يوتيوب" (د ب آيه)

أطلقت منصة «يوتيوب» أدوات جديدة تستهدف تنظيم العلاقة بين صُناع المحتوى والمعلنين، عن طريق تسهيل إبرام صفقات العلامات التجارية ودمج الطرفين في منصة واحدة، ما يسهل عملية اكتشاف فرص التعاون وبناء الروابط بين الطرفين.

وذكرت «يوتيوب» أن هذا المسار سيضمن حقوق الطرفين، ويعزز الوصول إلى المحتوى المناسب، وكذلك حماية المعلنين من التورط مع «محتوى مزيف أو عنيف» يضرّ بعلامتهم.

يذكر أن «يوتيوب» كانت قد أعلنت عبر بيان صحافي صادر عن الشركة المالكة - أي «غوغل» - بنهاية مارس (آذار) الحالي، عن تحديث شامل لبرنامج «شراكات منشئي المحتوى»، من خلال عرض فرص التعاون المحتملة على العلامات التجارية بناءً على مقاطع الفيديو ذات الصلة والمؤهلة التي ينشرها المنشئون، مؤسسات أو أفراد. وفي المقابل، يعمل «مركز شراكات المنشئين» على تجميع فرص المحتوى المدعوم كافة والمشاريع الجاري تنفيذها في منصة واحدة للمنشئ.

خبراء حاورتهم «الشرق الأوسط» رأوا أن المنصة تتيح فرصاً جديدة أمام الناشرين، من خلال تسهيل التواصل مع المعلنين الباحثين عن محتوى موثوق وقيم، كما أنها توفر فرصة للناشرين كمصدر مستدام وواضح للربح.

وأفاد حاتم الشولي، المشرف على تحرير الإعلام الرقمي في قناة «الشرق للأخبار»، قال إن «يوتيوب» بشكل عام، ومن قبل هذه الخطوة، تدعم المحتوى الطويل على حساب المحتوى السريع، وهي فرصة لصُناع المحتوى. وأضاف: «تعتمد سياسة يوتيوب الربحية على وقت المشاهدة، لكن فكرة (المحتوى الجاد) فهي موضوع نسبي، إذ لا يوجد لدى المنصة تعريف واضح. أما إذا تكلمنا عن المحتوى الإخباري، مثلاً، فـ(يوتيوب) تدعم بقوة المحتوى الذي يناقش الأخبار، أكثر من الأخبار ذاتها كونها آنية وتتغير مع الوقت، أي تميل إلى التحليلات والنقاشات المطولة نسبياً».

في سياق متصل، وفقاً لبيان «يوتيوب» فإن المنصة ستعتمد على أدوات الذكاء الاصطناعي في طرح توصيات البرنامج، «وهذه التوصيات ستقدم للعلامات التجارية مقترحات عن المحتوى المناسب لها، وفي الوقت نفسه تضمن مدى ملاءمة المحتوى للعلامة، بحيث لا تقع في فخ التزييف أو المحتوى العنيف الذي قد يضر باسم الجهة المعلنة».وهنا تعليقاً على مدى نجاح الذكاء الاصطناعي بالتمييز بين المحتوى الأصلي والمزيف، قال الشولي إن «الذكاء الاصطناعي يُمكن أن يلعب دوراً في تنقيح المحتوى الملائم للعلامات التجارية، لكن لا يمكن الاعتماد عليه بشكل كامل». وأوضح: «مثلاً يستطيع كشف المشاهد العنيفة وخطاب الكراهية والتزييف العميق إلى حد ما، لأنه الآن بات متاحاً من خلال أدوات الذكاء الاصطناعي ذاتها التي تنتج المحتوى مثل (جيميني) من (غوغل)... فهو يصمم المحتوى بالذكاء الاصطناعي وأيضا يكشف كل ما هو بالذكاء الاصطناعي».

غير أن الشولي حذَّر من أن «هناك محتوى من الصعب تصنيفه، حتى مع المراجعة اليدوية الذاتية. وهذه معضلة تواجهها (يوتيوب) منذ سنوات، لا سيما وأن بعض الفيديوهات قد تتماشى مع طرف، بينما تختلف مع طرف آخر... وعليه من الصعب إيجاد قاعدة واضحة لتصنيف مقاطع الفيديو تحت تسميات مثل (الإرهاب) أو (خدش الحياء)، وهو ما تحاول (يوتيوب) دوماً عدم البت فيه، لترك مجال لصُناع المحتوى من جهة، وخيار التحكم بالمحتوى من جهة أخرى».

من جهة أخرى، عدّ الشولي أن «يوتيوب» تعد من أفضل الفرص لصُناع المحتوى القيم مثل المؤسسات الصحافية، وتابع: «على مدار السنوات وتغير المنصات، أثبتت (يوتيوب) أنها المنافس الأول في عالم الفيديوهات، فهي لا تدخل فقّاعات الترند إلا بحذر، فمع تصاعد نجم (سناب شات) ومن ثم (إنستغرام) وأخيراً (تيك توك)، بقيت (يوتيوب) في الصدارة ومع الوقت والسنوات الأخيرة عاد الجمهور إلى (يوتيوب) بكثافة أكبر، وهذا دليل على أهمية المحتوى الأصيل. ثم أن طول الفيديو، بحسب محتواه، أثبت أنه من عوامل نجاح القصص، ولهذا اعتقد أن استهلاك المحتوى سيبقى متصاعداً في (يوتيوب) ومُلهماً لصُناع المحتوى الأصيل والطويل معاً حتى يتغير شكل صناعة المحتوى الرقمي كلياً وننتقل مستقبلاً إلى الفيديوهات تحت الطلب VOD».

«يوتيوب» أوضحت من جانبها أن «المنصة الجديدة ستتضمن تحسين مطابقة الصفقات والتواصل، حيث سيتمكن المنشؤون المشاركون في برنامج (شركاء يوتيوب) من تلقي اتصالات مباشرة من العلامات التجارية بشأن فرص الصفقات المحتملة. كذلك سيتمكن المنشؤون من مشاركة بيانات القناة والجمهور مع المعلنين والعلامات التجارية ومنصات الطرف الثالث».

وفي هذا الجانب، قال فادي رمزي، مستشار الإعلام الرقمي والمحاضر في الجامعة الأميركية بالقاهرة، إن «منصات التواصل الاجتماعي باتت تتبنى استراتيجيات جديدة تتجاوز مجرد ملاحقة الترند... وأن الاعتماد الكلي على المحتوى الرائج لم يعد نموذجاً ربحياً مستداماً في الوقت الراهن».

واستشهد رمزي بتقرير معهد «رويترز» للصحافة والإعلام الرقمي لعام 2026، الذي كشف عن تحولات جذرية في توجهات غرف الأخبار العالمية، إذ «أظهرت دراسة أن 82 في المائة من غرف الأخبار تعتزم زيادة استثماراتها وتركيزها على (الصحافة التوضيحية) التي تقدّم تحليلاً لما وراء الأحداث، بينما يخطط 72 في المائة منها لتعزيز الاهتمام بـ(القصص الإنسانية)».

ووفق رمزي فإن «تحديثات (يوتيوب) الأخيرة تأتي لتعزز مفهوم صناعة (المحتوى العميق) وربطه مباشرة بالمعلنين، مما سيخلق بيئة تدعم المحتوى المتخصص والأصيل، الذي لا يندثر بانتهاء الموجات الرائجة». وأشار إلى أن «المنظومة الإعلامية هذا العام تشهد تكاملاً بين صُناع المحتوى، والمنصات التقنية نحو إنتاج محتوى رصين يحقق القيمة المهنية والاستدامة الاقتصادية في آن واحد».