المؤسسة الإعلامية الدولية للمرأة: الصحافة ليست حرة في غياب صوت النسوة

عدد الصحافيات في مواقع قيادية لا يتجاوز 37 %

المؤسسة توفر منحاً وتدريبات للصحافيات في شتى بقاع الأرض (موقع المؤسسة)
المؤسسة توفر منحاً وتدريبات للصحافيات في شتى بقاع الأرض (موقع المؤسسة)
TT

المؤسسة الإعلامية الدولية للمرأة: الصحافة ليست حرة في غياب صوت النسوة

المؤسسة توفر منحاً وتدريبات للصحافيات في شتى بقاع الأرض (موقع المؤسسة)
المؤسسة توفر منحاً وتدريبات للصحافيات في شتى بقاع الأرض (موقع المؤسسة)

تتطلب مهمة الصحافي في دول العالم الثالث شجاعة خاصة فالصحافي أو الإعلامي قد يجد نفسه ملاحقا من أجهزة الدولة التي ترغب في قمع الرأي ولا تريد الصحافة التي تكشف الفساد. وفي بعض الدول الأخرى يجد نفسه فريسة عصابات الكارتل ومنظمات الفساد المتعددة الشبكات. وفي جميع الحالات فإن مهمة الصحافي ستكون خطرة ويتساوى الخطر أمام الرجل الصحافي والمرأة الصحافية، لكن الصحافيات من النساء يتعرضن لضغوط أكبر في هذا المجال ويواجهن عقبات أكثر. تأتي المؤسسة الإعلامية الدولية للمرأة لترصد مضايقات وضغوط للصحافيات النساء مثل الهجوم والمضايقة والتهديد وتشويه السمعة والتحرش إضافة إلى القتل وذلك لقيامهن بعملهن في كشف الحقيقة ومكافحة الفساد حيث تشير تقارير أن عدد الصحافيات اللاتي قتلن في عام 2017 تضاعف ثلاث مرات عن عام 2016.

حماية الصحافيات النساء كان الهدف الرئيسي وراء تأسيس المؤسسة الإعلامية الدولية للمرأة IWMF في العاصمة الأميركية واشنطن كمنظمة غير هادفة للربح. المؤسسة تقدم المساندة للسيدات العاملات في مجال الإعلام في العالم الثالث وعلى المستوى الدولي، كما تساهم في دعم صورة المرأة في وسائل الإعلام وتخصص برامج لمساعدة النساء الصحافيات على تطوير حلول للعقبات التي يواجهنها في حياتهن المهنية. وتقدم المؤسسة المنح الدراسية الدولية وجوائز سنوية للشجاعة في الصحافة وفي مجال التصوير الصحافي وجوائز الإنجاز على مدى الحياة في مهنة المتاعب.
تقف المؤسسة الإعلامية الدولية للمرأة موقف المساند والمدافع عن حرية الصحافة على المستوى الدولي وعادة ما تجمع مشاهير العالم من رجال السياسية والاقتصاد والإعلام والفن في حفلها السنوي لإلقاء الضوء على الإنجازات الصحافية للمرأة. كما تحرص على إبراز التحديات وتوفير الحماية للصحافيات اللاتي يتعرضن للخطر أو الاعتقال بسبب عملهن. وفي جوهر مهمة المؤسسة شعار أن الصحافة ليست حرة ما لم يكن للمرأة صوت حر بشكل متساو مع الرجل.
وتضم المؤسسة في عضويتها وفي مجلس إدارتها مجموعة متنوعة من الصحافيين المخضرمين والشخصيات الإعلامية المعروفة على الساحة الإعلامية الأميركية والدولية، ومن أبرز السيدات العضوات في هذه المؤسسة هي الوجه العربي الإعلامي البارز في أروقة واشنطن نادية البيلبيسي مدير مكتب قناة العربية في واشنطن. وقد تم ترشحيها لعضوية المؤسسة وأمضت بها ما يقرب من ثماني سنوات وشاركت في عدة لجان التحكيم لمنح الجوائز المختلفة.
تقول البيلبيسي لـ«الشرق الأوسط» إن المهمة الأساسية للمؤسسة هي جذب الانتباه لما تقدمه المرأة الصحافية وتوفير المنح الدراسية وتقديم الحماية لهن وتعزيز أوضاعهن المهنية. وتضيف شارحة «على سبيل المثال ثلثا خريجي المدارس الصحافية ودراسي الإعلام في الجامعات من النساء، لكن القليل من النساء الصحافيات يشغلن مناصب قيادية، وتوجد تقارير أن عدد الصحف التي ترأس تحريرها السيدات أقل من أي وقت مضى وأن عدد السيدات الصحافيات في مواقع قيادية بالصحف والإعلام لا يتجاوز 37 في المائة وهو رقم لم يتغير منذ فترة ثمانينات القرن الماضي». كما تشير إلى أن عدد المصورات الصحافيات لا يتجاوز 15 في المائة من إجمالي كتيبة المصورين إضافة إلى مشاكل تتعلق بعدم المساواة في الأجور والمضايقات والعنف والتحرش في الميدان، ونقص التدريب.
وتتطرق البيلبيسي إلى منح المؤسسة الدراسية حيث يقدم صندوق هوارد بافيت للصحافيات والصحف التي تقدم موضوعات صحافية تركز على المرأة منحا خاصة كما تمول منحة إليزابيث نيوفر فرصة للدراسة في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا والتدريب في صحافية نيويورك تايمز وبوسطن غلوب لدعم الصحافيات بالمهارات لمتابعة القصص الصحافية التي يردنها. وتؤكد على أن «الهدف في النهاية هو تنوع الأصوات الصحافية الأمر الضروري لصحافة حرة، لأن العدد القليل من الصحافيات والإعلاميات في القيادات العليا يؤثر على القضايا التي يتم تناولها».
وتعمل المؤسسة على تشجيع نشر قصص تركز على المرأة وحقوق المرأة والابتعاد عن القوالب النمطية ودعمت المؤسسة مشاريع لتقارير صحافية حول الرعاية الصحية للأمهات في الصومال وفريق الفروسية النسائي في المغرب، وتضييق الحكومة الروسية على المرأة والإجهاض.
وتحدث البيلبيسي «الشرق الأوسط» عن جائزة الشجاعة الصحافية التي تمنحها المؤسسة سنويا لثلاث صحافيات يتم اختيارهن على أساس أنهن واجهن مصاعب غير عادية، فالمعايير التي تنظر لها اللجنة هي ما الذي أدت إليه القصة الصحافية من فضح لممارسات خاطئة أو فساد أو سوء استخدام للسلطة والقوة، وما إذا كانت تعالج قضايا مهمة مثل حقوق العمل والأطفال والنساء وما تعرضت له الصحافية من تهديدات أو اعتقال بسبب موضوعاتها الصحافية. وتتكون لجنة التحكيم من ثمانية أشخاص تقوم باختيار ثلاث صحافيات كل عام من كل أنحاء العالم. وهناك جائزة تمنح للإنجاز على مدى التاريخ الصحافي ويتم تقديم هذه الجوائز كل عام في حفل كبير في نيويورك ولوس أنجليس ويشارك فيه حشد كبير من رجال السياسة والاقتصاد والإعلام والفن.
وتتمنى البيلبيسي أخيرا أن يتم تبني فكرة المؤسسة الإعلامية الدولية للمرأة في المنطقة العربية وإنشاء كيان مشابه يهتم بالصحافة باعتبارها مرآة للمجتمع خاصة أن ممارسة مهنة الصحافة والإعلام تعد خطرا في مناطق الصراعات مثل سوريا واليمن وتعد مقابر للصحافيين الذين يغطون الأحداث.
المشكلة الأخرى التي تواجه الصحافة والإعلام في المنطقة العربية كما تقول البيلبيسي هي سيطرة رأس المال وتحكمه في سياسات الإعلام، وتتمنى أن تكون هناك منابر إعلامية تمول من تبرعات المشتركين، والأهم كما تقول هو النهوض بقيمة الإعلام وما يشكله من أهمية في المجتمع وتشجيع الصحافيين - وبصفة خاصة النساء - وتدريبهم للارتقاء بمستواهم المهني وتشجيع تقلد الصحافيات لمراكز قيادية وتنفيذية في صنع القرار التحريري. وتؤكد، «لا تنقصنا الموهبة لكن الأمر يتطلب جهدا لبناء بنية تحتية».

أسماء المتمردة... وزهرة الرسامة من وراء القضبان


الصحافية السورية نور كلسي كرمت لشجاعتها
تضم الجوائز السنوية التي تقدم جوائز الشجاعة للصحافيات اللاتي تميزن بشجاعتهن في مواقف مهنية صعبة للكشف عن الحقيقة. ومن بين الصحافيات الفائزات بهذه الجائزة - على مدى السنوات الماضية - أسماء الغول الصحافية في غزة التي كتبت مقالات تنتقد حركة حماس والتحديات الاجتماعية في غزة وتعرضت لمضايقات ولم تخضع للسلطات أدت إلى هروبها إلى فرنسا واللجوء السياسي لها.
وقد منحت الجائزة أيضا لصحافية سورية تعمل في وكالة رويترز وقامت بالتقاط صور عن مآسي الضحايا المدنيين السوريين في مواقع القصف وخاطرت بحياتها وتعرضت للهجوم من السلطات السورية واضطرت للهرب إلى تركيا. ومنحت أيضا الجائزة لصحافية من تايلاند كتبت عدة مقالات انتقدت فيها الأسرة المالكة وتعرضت للملاحقة وصحافية من الهند كتبت عن حالات الاغتصاب التي تتعرض لها النساء في الهند وهو ما عرضها للمضايقات، وصحافية أخرى من إيران كانت تعمل في رويترز وتلقت تهديدات لحياتها وحياة أطفالها للدرجة التي كانت دائما في وضع استعداد لتعرضها للاعتقال.
وفي العام الماضي فازت زهرة دوغان التي أسست أول وكالة أنباء نسائية في تركيا وتم إغلاقها من قبل الحكومة وتعرضت لملاحقات من الجيش التركي ومن تنظيم داعش الإرهابي حينما سافرت إلى شمال العراق لتكون أولى الصحافيين الذين تحدثوا إلى النساء الإيزيديات المحررات من انتهاكات التنظيم المتطرف وقد تم اعتقالها وسجنها بتهمة الدعاية للإرهاب بسبب التقارير الصحافية التي كتبتها ومن سجنها كتبت تقارير عن الانتهاكات لحقوق الإنسان. ومنعت إدارة السجن تزويدها بمواد طلاء لتمنعها من رسم لوحاتها. فقامت زهرة بإنتاج ألوانها من الطعام والمشروبات وتصنع فرش الرسم من ريش الطيور الذي يقع بالسحن وتؤكد أنه لا يمكن قمع الصحافة أو الفن خلف القضبان ومن المتوقع أن يطلق سراحها في عام 2019 المقبل.
أما نعمة الباجير فهي صحافية سودانية تعمل لشبكة سي إن إن وقد نشرت تحقيقات حول بيع منظمة بوكو حرام للأطفال النيجيريين وتشويه الفتيات الصوماليات وسافرت إلى ليبيا لعمل تقارير حول بيع مهاجرين أفارقة في مزادات للعبيد وهو ما أثار موجة غضب عالمية. وخاطرت نعمة بحياتها في دخول الحجر الصحي في ليبيريا وتقديم تقارير عن تفشي فيروس الإيبولا في غرب أفريقيا والدمار الذي أحدثه المرض.
وروزاريو موسو كاسترو هي رئيسة تحرير صحيفة مكسيكية كتبت تحقيقات حول تهريب المخدرات والجريمة المنظمة في المكسيك والعصابات التي تقوم بتهريب المخدرات إلى كاليفورنيا وواجهت تهديدات بالقتل من تلك العصابات الإجرامية ورغم التهديدات والمخاطر في واحدة من أخطر البلدان على عمل الصحافيين فإن روزاريو كاسترو استمرت في عملها وواصلت تحقيقاتها حول تهريب المخدرات والفساد السياسي.
 



البث المباشر على المنصات أداة ربح تؤثر في الجودة

جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
TT

البث المباشر على المنصات أداة ربح تؤثر في الجودة

جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)

مع تزايد الاعتماد على منصّات التواصل مصدراً للمعلومات، وفي ظل دراسات تتحدث عن سعي الجمهور لمتابعة الأحداث بشكل لحظي، باتت تقنية «البث المباشر» إحدى الأدوات الرئيسة التي تعتمدها وسائل الإعلام العالمية والعربية لتحقيق الانتشار الجماهيري وزيادة العوائد المالية. وحقاً، «تشير دراسات عدة إلى أن خدمات البث المباشر توفر فرصة لتحقيق الربح، لا سيما في مجالات التغطية الإخبارية الحية والمقابلات والفعاليات»، بحسب وكالة «أسوشييتد برس»، حيث «تسمح منصات مثل (يوتيوب) و(فيسبوك) للمؤسسات الإخبارية ببث الأحداث في وقتها الفعلي، وغالباً ما يكون ذلك مدعوماً بالرعايات أو تبرّعات المشاهدين». وأفادت «أسوشييتد برس» بأن «منصّات التواصل أصبحت قنوات حيوية لتوزيع الفيديو وتحقيق العائدات المادية؛ إذ يمكن للمؤسسات الإخبارية توليد أرباح من مشاركة محتوى فيديو على منصات مثل (تيك توك) و(إنستغرام) و(إكس)».

عربياً، تزايد اعتماد مؤسسات إعلامية وصحافية كبرى على خدمات «البث المباشر» لا سيما مع الأحداث الكبرى، ما عدّه خبراء وسيلة لتحقيق الانتشار وزيادة العوائد المالية، والتي تؤثر على جودة المحتوى ودقة المعلومات.

ولقد أكدت الدكتورة مي عبد الغني، أستاذة الإعلام بجامعة بنغازي في ليبيا والباحثة في الإعلام الرقمي، خلال لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «البث المباشر في الصحافة الرقمية العربية أصبح نموذجاً ربحياً متكاملاً وأداة للهيمنة الخوارزمية ضمن ما يُعرف باقتصاد التفاعل اللحظي». ولفتت إلى أن «البث المباشر وفّر مسارات ربحية بديلة للإعلانات التقليدية مع خفض النفقات التشغيلية بنسبة 60 في المائة خلال البث السحابي».

تقرير «معهد رويترز»

كذلك أوضحت عبد الغني أنه «على صعيد الانتشار، فإن البث المباشر يستمد قوته من الانحياز الخوارزمي للمنصات التي تمنحه أولوية الظهور العضوي». وفي هذا الصدد، أشارت إلى تقرير «معهد رويترز لدراسات الصحافة»، العام الماضي، وتقرير «الابتكار الإعلامي» لعام 2026 بشأن «دور الآنية في تعزيز الموثوقية والمكاسب الرأسمالية للمؤسسات الإعلامية». وأردفت أن «نماذج عربية تتصدر المشهد، إضافة إلى مواقع صحافية عدة على النطاق العربي تتبارى في استخدام البث المباشر لتحقيق مكاسب».

وتابعت عبد الغني أنه رغم مزايا «البث المباشر» وقدرته على «نقل الأحداث بشكل آني، وزيادة التفاعل مع الجمهور وتعزيز المصداقية، فإن البث المباشر يواجه تحديات جوهرية تبدأ بخطر انتشار المحتوى المضلل نتيجة تغليب سرعة النشر على حساب الدقة وعمليات التحقق». كذلك تطرّقت إلى أن «ثمة تبعات أخلاقية وقانونية أيضاً، حيث يتسبب البث المباشر في أزمات تتعلق بانتهاك الخصوصية، كما يزيد من الضغوط النفسية على الصحافيين، ويؤدي لتراجع العمق الصحافي وتآكل الاستقلالية التحريرية لصالح معايير الانتشار اللحظي».

من جهة ثانية، أطلقت منصة «فيسبوك» خدمة البث المباشر في أبريل (نيسان) عام 2016، وكانت الخدمة في البداية متوافرة لمجموعات معينة قبل أن تتيحها للجميع. ومنذ إطلاقها بدأت المواقع الصحافية والإعلامية على مستوى العالم استخدامها، وتزايد استخدام النطاق العربي مع «فيسبوك» نهاية عام 2020، عندما منحت عائدات مالية لناشري فيديوهات البث المباشر نظير بيعه إعلانات تظهر في أثناء البث.

وحول هذا الموضوع، تحدث مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا» بدولة الإمارات العربية المتحدة، في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، عن «صعود واضح للبث المباشر على وسائل التواصل الاجتماعي من قبل العديد من الوسائل الإعلامية... وهذا الصعود طبيعي بسبب اعتماد معظم الناس حالياً على استقاء المعلومات من منصات التواصل».

وفي حين أكّد كيالي مزايا البث المباشر، فإنه أشار إلى «مشكلة أساسية وهي أن بعض البلدان لا تمتلك سرعات إنترنت كافية تسمح بمتابعة البث المباشر دون تقطيع، ما يؤثر على تجربة المشاهدة بشكل كبير».

شعار "غوغل" (رويترز)

أداة رئيسة في استراتيجيات المؤسسات

أما الصحافي المصري المتخصص في شؤون الإعلام الرقمي، محمد فتحي، فذكر أن «البث المباشر عبر المنصات لم يعد مجرد خيار تحريري، بل أصبح أداة رئيسة في استراتيجيات المؤسسات الإعلامية، بسبب تغيّر سلوك الجمهور من شاشات التلفزيون إلى الهواتف الذكية». وأضاف: «البث المباشر يسهّل الوصول للجمهور ويحقّق عوائد مادية مباشرة من خلال الإعلانات المدمجة، والرّعايات وميزات الدعم المباشر من المتابعين مثل نظام النجوم في (فيسبوك)، أو الهدايا في (تيك توك)».

ولفت فتحي، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، إلى أن «الإحصائيات تشير إلى أن المستخدمين يمضون وقتاً أطول بـ3 أضعاف في مشاهدة الفيديوهات المباشرة مقارنة بالفيديوهات المسجلة»، غير أن هذه الميزة «تكتنفها عيوب وتحديات، على رأسها غياب السيطرة التحريرية، والاعتماد المفرط على التقنيات الذكية، بالإضافة إلى خطر نشر الشائعات على حساب الدقة والتحقق الكافي، والوقوع تحت رهن الخوارزميات الخاصة بالمنصات، ما قد يتسبب في تغيير السياسات التحريرية والمهنية».

من جهته، أوضح الصحافي اللبناني محمود غزيل، المدرّب في مجال التحقق من المعلومات، لـ«الشرق الأوسط»، أن «البث المباشر بات أداة قوية لسرعة الوصول للمستخدمين، وإحدى أبرز الأدوات التي أعادت تشكيل العلاقة بين المؤسسات الإعلامية والجمهور»، مضيفاً أن «معظم المؤسسات الإعلامية تعتمد بشكل متزايد على البث المباشر عبر منصّاتها الرقمية، إلى جانب البث التلفزيوني».

وأرجع غزيل ذلك إلى «تنبّه تلك المؤسسات إلى أن المشاهد لم يعُد جالساً أمام شاشة، كما كانت العادة في السابق، كما أن الجمهور العربي بات أكثر انتقائية؛ إذ يبحث عن المواد التي يراها أكثر قرباً من تطلعاته، ويرغب في متابعة الأحداث لحظة بلحظة وحتى أحياناً التفاعل معها».

ووفق غزيل، يحقق البث المباشر مزايا عدّة، لخصها بـ«إتاحة التواصل الفوري مع الجمهور، وإيصال المعلومة إلى جمهور عالمي من دون قيود جغرافية»، ولكن في الوقت نفسه «يحدّ من قدرة المؤسسات على مراجعة أو تعديل المحتوى، ما يزيد من مخاطر الأخطاء، كما أنه يتأثر بقوة الإنترنت، ويعرض المؤسسة لتبعات قانونية حال انتهاك الخصوصية».

وبحسب غزيل، «البث المباشر، هو أحد أهم محركات التحول في الإعلام العربي، وأداة لا غنى عنها لتعزيز التفاعل، والمصداقية، والابتكار، بشرط أن يُدار بمهنية، ومسؤولية، ووعي بالتحديات والفرص التي يفرضها العصر الرقمي».

وراهناً، يقدّر حجم سوق البث المباشر العالمي، وفق ما نشره موقع «غراند فيو ريسيرش»، بنحو 87.55 مليار دولار أميركي في عام 2023. ومن المتوقع أن يصل إلى345.13 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030، مسجلاً معدل نمو سنوي مركب قدره 23.0 في المائة خلال الفترة من 2024 إلى 2030.


كيف تضاعف المؤسسات الإعلامية أرباحها من «فيسبوك»؟

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)
TT

كيف تضاعف المؤسسات الإعلامية أرباحها من «فيسبوك»؟

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)

أصدرت شركة «ميتا»، مالكة منصة «فيسبوك»، تحديثات جديدة «تهدف إلى مساعدة منشئي المحتوى لتعميق استفادتهم من أدوات تحقيق الربح المتطورة على المنصة»، وذلك بالتزامن مع سعي الشركة إلى «زيادة معدلات التفاعل داخل التطبيق في خضم المنافسة المحتدمة مع منصات أخرى».

هذا الأمر، أثار تساؤلات حول كيفية استغلال المؤسسات الإعلامية للنموذج الربحي الجديد من المنصة لتعزيز عوائد مستدامة. وللعلم، كانت «ميتا» قد أكدت نهاية مارس (آذار) الماضي أنها «تهدف إلى دعم صُناَّع المحتوى من خلال تحقيق مزيد من الأرباح، كما تسعى لمكافأة المحتوى الأصلي، عبر تخصيص عوائد متدفقة تشمل أنماطاً متعددة من المحتوى، مثل الفيديو القصير، والصور، وكذلك المنشورات النصية وحتى القصص التي لها إطار زمني».

الشركة قدَّمت توصيات عدة، عدّتها شروطاً لتعزيز عوائد مستدامة لصناع المحتوى، إذ أوصت بتجربة أنواع مختلفة من المنشورات، بما في ذلك الصور والنصوص والقصص، لفهم ما يفضِّله الجمهور. إلا أنَّها وضعت الفيديو القصير «الريلز» في صدارة الاهتمامات. وأشارت أيضاً، إلى أنَّ «أصالة المحتوى» عامل مهم لتحقيق أرباح. وفي المقابل، حذَّرت في إرشاداتها من محاولات الوصول التي تعتمد على التلاعب بالخوارزميات، مثل الجمل التحفيزية على شاكلة «شاهد حتى النهاية»، ما لم يكن المحتوى يُقدِّم قيمةً حقيقيةً وملموسةً للمشاهد.

«ميتا» تفيد بأنَّ مقاطع «الريلز» هي المُحرِّك الأساسي للأرباح في الوقت الراهن، فمن بين نحو 3 مليارات دولار دفعها موقع «فيسبوك» لمنشئي المحتوى في عام 2025، استحوذت مقاطع «الريلز» وحدها على 60 في المائة من إجمالي هذه المدفوعات.

محمد الفياض، الباحث في الإعلام الرقمي، أوضح لـ«الشرق الأوسط» أنَّ التحوُّل الأساسي هو الانتقال من «اقتصاد الإحالة» إلى «اقتصاد المنصة». وأردف: «غرف الأخبار لم تعد تُصمِّم محتواها ليدفع المستخدم للنقر ومغادرة فيسبوك نحو موقعها؛ بل صارت تعيد هيكلة فرقها لإنتاج محتوى أصيل يُستهلك بالكامل داخل المنصة، وتحديداً عبر الفيديو القصير».

وشدَّد الفياض على أنَّ «المعايير الآن أصبحت تقنية وإحصائية أكثر منها صحافية تقليدية لتحقيق الربح. إذ يجب أن يتجاوز المحتوى عتبة القيمة المضافة، أي أنَّ مجرد نقل الخبر لم يعد كافياً، بل يجب أن يتضمَّن رؤية أو تحليلاً خاصاً بالمؤسسة». وتابع إن «الخوارزمية الآن تقيس الجودة من خلال معدل الإكمال، أي عدد مشاهدة الفيديو، والتفاعل النوعي - أو النقاشات في التعليقات -، ببساطة، الجودة التي تدرّ مالاً هي التي تبقي المستخدم أطول فترة ممكنة داخل التطبيق».

وعن جدّية المنصة في دعم المحتوى الأصلي، قال الفياض: «تاريخياً تحرّكت فيسبوك وفق البراغماتية الاقتصادية»، واهتمامها الحالي بالمحتوى الأصلي «يندرج تحت بند التنافسية الاستراتيجية للبقاء في سوق المنصات أمام المنافسين، وهو قرار يرتبط بجدوى الأعمال ومسار السوق».

من جهة ثانية، قال عبد الله جمعة، الباحث في التسويق الرقمي، لـ«الشرق الأوسط» إنَّ «فيسبوك» تنتهج مساراً جديداً فيما يتعلق بتعزيز الأرباح منذ أواخر العام الماضي. وأوضح أن هذا المسار ظهر من خلال دعم أشكال الفيديو، حيث منحت المنصة الأولوية للفيديوهات القصيرة (الريلز) من خلال تمديد الإطار الزمني. وهكذا لم تعد مقيدة بعدد دقائق، كما اتجهت لتحويل أنماط الفيديو الأخرى لنمط الريلز، مستفيدة من النجاح الكبير الذي حققه هذا النوع خلال السنوات الماضية، في ظلِّ المنافسة مع باقي المنصات.

وأضاف جمعة: «هذا التغيير أتاح لصالات الأخبار ميزةً مهمةً، وهي عدم التقيُّد بمدة محددة، ما منح الفيديوهات الأطول فرصةً أكبر لظهور الإعلانات، وبالتالي تحقيق أرباح أعلى». واستطرد شارحاً أن دعم «فيسبوك» لهذا البرنامج غيَّر خريطة الأرباح إلى حد ما، و«زادت عوائد الصور بشكل ملحوظ، بينما تراجعت أرباح الفيديو مقارنة بالسابق، في إطار تنويع مصادر الدخل داخل المنصة».

وبحسب جمعة «تعمل فيسبوك حالياً على وضع قيود كبيرة على المحتوى السطحي أو المعاد، في مقابل دعم المحتوى الأصلي غير المكرَّر الذي يقدِّم قيمةً حقيقيةً مثل التحليل أو المعلومات، مع الحفاظ على تفاعل الجمهور ومدة مشاهدة جيدة».

ثم أشار إلى سبيل آخر يمكن للمؤسسات أن تحقِّق من خلاله أرباحاً مستدامة اعتماداً على المسار المستحدث لمنصة «فيسبوك»، قائلاً: «المنصة تتجه حالياً لخلق مسارات جديدة لتحقيق الأرباح، من بينها دعم المعجبين والاشتراكات، التي بوشر بتطبيقها في بعض الدول الأوروبية بوصفها تجربةً قبل التعميم». وأضاف: «بالنسبة للعالم العربي، فإنه يمكن للمؤسسات تحقيق أرباح ثابتة من هذا المسار، لكن بشروط واضحة، أهمها، تقديم محتوى بنّاء، والاعتماد على شخصيات موثوقة ومحببة للجمهور، وتقديم مزايا حقيقية للمشتركين. وفي هذه الحالة يتحوَّل الجمهور من مجرد متابع إلى داعم حقيقي».


استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
TT

استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)

استهدفت قوات الاحتلال الإسرائيلي كادر «الإخبارية السورية» وعدداً من الإعلاميين بشكل مباشر أثناء تغطيتهم سقوط مسيرة إيرانية بفعل الدفاعات الجوية، دون تسجيل إصابات.

وأوضح مراسل القناة، أنه نجا بأعجوبة من القصف الإسرائيلي بعد سقوط القذيفة المدفعية بجانبه وما ألحقته من تناثر الشظايا في المكان، إضافة لنجاة بقية الإعلاميين الذين كانوا موجودين في المنطقة المستهدفة.

وأضاف المراسل أن الجيش الإسرائيلي أطلق قذائف هاون بين قرية الصمدانية الغربية وسدّ المنطرة في ريف القنيطرة الأوسط، دون ورود معلومات عن إصابات إضافية.

وفي 11 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، توغلت قوات الاحتلال الإسرائيلي عند أطراف مدخل قرية الصمدانية الشرقية، ضمن سلسلة انتهاكات مستمرة جنوب البلاد. وأقامت القوات وفق ما أفاد مراسل «الإخبارية» حاجزاً عند مفرق الصمدانية - العجرف مؤلفاً من ثلاث آليات عسكرية.

وتستمر قوات الاحتلال في اعتداءاتها وتوغلاتها داخل الأراضي السورية، ولا سيما في ريفي القنيطرة ودرعا، وتنفذ اعتداءات بحق المدنيين واعتقالات وتخريب.

الباحث السوري نوار شعبان، وصف ما جرى في القنيطرة بأنه لا يمكن التعامل معه بوصفه حادثة عابرة، بل يمثل تطوراً خطيراً، لأنه لا يتعلق فقط باعتداء عسكري، بل باستهداف مباشر لعمل إعلامي وصحافي.

وأضاف في تغريدة على منصة «إكس»، أن الإعلاميين كانوا يقومون بعملهم الطبيعي في نقل ما يجري على الأرض، وهو عمل يفترض أن يكون محمياً وفق القوانين الدولية التي تحمي الصحافيين أثناء النزاعات. مشدداً على أن استهدافهم بهذا الشكل يفتح سؤالاً كبيراً حول سلامة العمل الإعلامي في الجنوب السوري، خاصة في ظل تكرار القصف والتوغلات الإسرائيلية في ريف القنيطرة خلال الفترة الأخيرة.

صورة للقصف الإسرائيلي على موقع تجمع الصحافيين السوريين في القنيطرة (متداولة)

وطالب شعيب وزارة الخارجية السورية بإصدار بيان رسمي واضح يدين هذا الاعتداء ويستنكره، ويضعه في إطاره الصحيح كونه استهدافاً لحرية العمل الإعلامي وسيادة الأراضي السورية، معتبراً أن ترك مثل هذه الحوادث دون موقف رسمي يعني تحويلها إلى أمر اعتيادي.

عناصر من قوات الأمم المتحدة تتفقد بقايا الصاروخ في قرية الحيران بريف القنيطرة (سانا)

وكانت قوات الاحتلال الإسرائيلي قد توغلت، الثلاثاء، على الطريق الواصل بين قرية نبع الفوار في ريف القنيطرة الشمالي، وقرية حرفا في ريف دمشق الغربي.

وذكر مراسل «سانا» في القنيطرة، أن قوة للاحتلال مؤلفة من عدة آليات عسكرية توغلت على الطريق الواصل بين القريتين، ونصبت حاجزاً مؤقتاً في المنطقة، وعمدت إلى تفتيش المارة، دون ورود أنباء عن أي حالات اعتقال.

ويواصل جيش الاحتلال الإسرائيلي اعتداءاته وخرقه اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 عبر التوغلات المتكررة في جنوب سوريا، والاعتداء على المواطنين بالمداهمات والاعتقالات التعسفية والتهجير القسري وتدمير الممتلكات وتجريف الأراضي الزراعية.