خلافات داخل حركة الإنصاف... والمعارضة توحّد صفوفها في البرلمان

رئيس وزراء الهند يجري اتصالاً هاتفياً بزعيمها عمران خان

فضل الرحمن (وسط) زعيم تحالف القوى الدينية مع قادة آخرين خلال لقاء مع الصحافة العالمية الاثنين في إسلام آباد (آ.ب)
فضل الرحمن (وسط) زعيم تحالف القوى الدينية مع قادة آخرين خلال لقاء مع الصحافة العالمية الاثنين في إسلام آباد (آ.ب)
TT

خلافات داخل حركة الإنصاف... والمعارضة توحّد صفوفها في البرلمان

فضل الرحمن (وسط) زعيم تحالف القوى الدينية مع قادة آخرين خلال لقاء مع الصحافة العالمية الاثنين في إسلام آباد (آ.ب)
فضل الرحمن (وسط) زعيم تحالف القوى الدينية مع قادة آخرين خلال لقاء مع الصحافة العالمية الاثنين في إسلام آباد (آ.ب)

بدأ عمران خان زعيم حركة الإنصاف مواجهة المصاعب في كيفية إدارة المرحلة المقبلة بعد فوز حزبه بأكبر عدد من المقاعد النيابية في الانتخابات الباكستانية. ويسعى عمران خان، الذي ينظر له على نطاق واسع على أنه رئيس الوزراء المرتقب، لجذب مرشحين مستقلين وأحزاب أصغر نطاقاً لتشكيل حكومة ائتلافية. ففيما يتطلع بطل الكريكيت السابق، الذي تحول إلى العمل السياسي رغم خبراته القليلة، إلى نقل رئيس حكومة إقليم خيبر السابق برويز ختك إلى المركز وإمكانية انتخابه رئيساً للبرلمان، فقد هدد ختك باعتزال السياسة والاستقالة من البرلمان في حال عدم تعيينه مجدداً رئيساً لحكومة إقليم خيبر بختون خوا، مشيراً إلى أن غالبية أعضاء برلمان الإقليم يؤيدونه ضد عاطف خان المرشح من قبل عمران خان للمنصب.
ويواجه عمران خان أيضاً معضلة في تسمية حكام الأقاليم الأربعة في باكستان، حيث يجب أن يتم التعيين بالتشاور بين الحكومة المحلية في الإقليم والحكومة المركزية. إذ يجد عمران خان صعوبة في تعيين حاكم لإقليم السند، حيث يتمتع حزب الشعب بالأغلبية في برلمان الإقليم وبإمكانه وحده تشكيل الحكومة المحلية القادمة دون التحالف مع أي حزب آخر. وقال مسؤولون في حزب إنصاف، إن عمران خان رشح ممتاز بوتو عم بي نظير بوتو وخصم حزب الشعب سياسياً منذ عقود لتولي منصب حاكم الإقليم؛ الأمر الذي يعارضه حزب الشعب الباكستاني، وقد يزيد من فجوة الخلاف بين الطرفين، كما يجد عمران خان صعوبة في تعيين حاكم لإقليم بلوشستان، حيث لا يحظى حزبه إلا بتمثيل ضئيل في برلمان الإقليم. وهناك إمكانية لعدم تمكن حزب عمران خان من تشكيل حكومة في إقليم البنجاب في حال نجح حزب الرابطة الإسلامية بزعامة شهباز شريف في تحقيق أغلبية بالتعاون مع برلمانيين مستقلين في الإقليم، وهو أمر مشكوك فيه حتى الآن، حيث قال حزب إنصاف بزعامة عمران خان، إن عشرة من المستقلين في برلمان البنجاب انضموا إلى حركة إنصاف، في حين يجرى التفاوض مع آخرين بعد انضمام حزب الرابطة (جناح ق) إلى التحالف مع عمران خان مقابل منحهم منصب رئيس برلمان الإقليم. ويتنافس على رئاسة حكومة إقليم البنجاب خمسة من كبار أعضاء حركة الإنصاف، حيث يحاول عبد العليم خان المدعوم من جهانكير ترين رجل الأعمال الذي تولى الأمانة العامة لحركة الإنصاف قبل عزله من قبل المحكمة العليا، الحصول على المنصب، ينافسه في ذلك مسؤول الإعلام فؤاد تشودري المدعوم من عمران خان، وميان محمود الرشيد قائد المعارضة في برلمان البنجاب السابق والدكتورة ياسمين رشيد التي رشحت نفسها ضد كلثوم نواز شريف العام الماضي وفشلت، لكنها ترشحت في الانتخابات الأخيرة ونالت مقعداً برلمانياً. وتقول أوساط في حزب حركة الإنصاف، إن الدكتورة ياسمين رشيد قد يسند إليها منصب رئيس برلمان الإقليم في حال اعتذرت الرابطة (جناح ق) عن المنصب.
وتأتي الخلافات الداخلية في حركة إنصاف مع إعلان لجنة الانتخابات العامة إعادة فرز الأصوات في سبعين دائرة انتخابية؛ مما قد يكون له انعكاسات على النتائج النهائية للانتخابات وعدد المقاعد التي يتولاها حزب حركة الإنصاف. وتخشى حركة الإنصاف من انحسار عدد مقاعدها بعد عملية الفرز التي سيتبعها مهلة ثلاثة أيام للمستقلين لتحديد أي حزب سينضمون إليه حسب القانون الباكستاني، ومن ثم تقسيم المقاعد المخصصة للنساء على الأحزاب كل حسب نسبته في البرلمان بشكل نهائي.
وقد وصل جهانكير ترين، الأمين العام السابق ورجل الأعمال المقرب من عمران خان، إلى كراتشي في محاولة منه لنيل دعم حركة المهاجرين القومية لعمران خان ودعمه في البرلمان الفيدرالي لتشكيل حكومة مركزية. لكن الحركة، التي أعلنت رفضها نتائج الانتخابات بعد أكبر خسارة مُنيت بها منذ أكثر من ثلاثين عاماً، تبدو مشتتة بين عرض عمران خان أو التقرب من حزب الشعب في السند ونيل عدد من المناصب في حكومة السند ومدينة كراتشي مركز ثقل الحركة الرئيسي. إلى ذلك فقد منعت الحكومة الباكستانية أي زيارة لرئيس الوزراء الباكستاني السابق نواز شريف في المشفى المركزي، حيث رفض السماح لشقيقه شهباز شريف ورئيس حكومة إقليم جيلجيت بلتستان في المناطق الشمالية من باكستان بزيارة نواز شريف، على أساس أنه رهن الاعتقال وأن وجوده في المشفى هو للعلاج، لكنه ما زال رسمياً معتقلاً بعد إدانته من قبل محكمة محاربة الفساد في باكستان. وفي سياق متصل، أجرى رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي اتصالاً هاتفياً بعمران خان لتهنئته بفوز حزبه في الانتخابات العامة، وبحثا السلام الإقليمي خلال الاتصال. وهذا هو أول اتصال هاتفي بينهما منذ فوز حزب الحركة. وتوترت العلاقات بين الجارتين النوويتين في العامين الماضيين وتوقفت المحادثات المباشرة في ظل نزاع دبلوماسي وتبادل إطلاق نار عبر الحدود عند خط المراقبة الذي يقسم إقليم كشمير المتنازع عليه بين البلدين.
وذكر بيان لوزارة الشؤون الخارجية الهندية، أن مودي أكد خلال المحادثة الهاتفية، كما نقلت عنه وكالة «رويترز»، «على رؤيته للسلام والتنمية في المنطقة بأكملها». وقال الفريق الإعلامي التابع لخان، إنه أبلغ مودي بأنه من المهم أن تركز البلدان على انتشال الملايين من الفقر. كما أعلن حزب حركة الإنصاف، أن خان قال لمودي أيضاً إنه يتعين حل القضايا بين البلدين عبر المحادثات. ونقل بيان أصدره الحزب عن خان قوله «الحروب قد تخلف مآسي بدلاً من أن تسهل حل النزاعات». وقالت وزارة الشؤون الخارجية الهندية في بيان مقتضب «عبر رئيس الوزراء (مودي) عن أمله في أن تضرب الديمقراطية بجذورها في باكستان».



تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».