لبنان: «معارك مصرفية» محتدمة لجذب الودائع بـ«سلاح» الفوائد

المردود وصل إلى 15 %... وتسبب بانكماش في التسليفات الجديدة

تشهد السوق اللبنانية تحويلات جديدة من العملات الأجنبية لصالح الليرة في سياق الفوائد الجاذبة (رويترز)
تشهد السوق اللبنانية تحويلات جديدة من العملات الأجنبية لصالح الليرة في سياق الفوائد الجاذبة (رويترز)
TT

لبنان: «معارك مصرفية» محتدمة لجذب الودائع بـ«سلاح» الفوائد

تشهد السوق اللبنانية تحويلات جديدة من العملات الأجنبية لصالح الليرة في سياق الفوائد الجاذبة (رويترز)
تشهد السوق اللبنانية تحويلات جديدة من العملات الأجنبية لصالح الليرة في سياق الفوائد الجاذبة (رويترز)

تتواصل في لبنان العروض المصرفية لجذب الودائع الجديدة بالليرة اللبنانية وبالدولار الأميركي، بالتوازي مع استمرار حوافز التوظيف في القنوات التي يتيحها البنك المركزي، من ضمن مجموعة التدابير التحوطية الهادفة إلى حفظ الاستقرار النقدي، الذي يتعرض لضغوط مالية مرتبطة بعجز الموازنة العامة، وتنامي الدين العام، إضافة إلى هواجس مرتبطة بالوضع الداخلي، في ظل التجاذبات القائمة بشأن تأليف الحكومة الجديدة.
وتحتدم المنافسة بين المصارف في رفع المردود على الودائع الادخارية لما يتراوح بين 8 و12 في المائة على الودائع المحررة بالليرة، والتي يتم توظيفها لآجال تتراوح بين 3 أشهر و36 شهرا. فيما اندفعت مصارف كبرى إلى إطالة الآجال لتصل إلى 60 شهرا، مع «مردود مغر» يصل إلى 15 في المائة، مع اشتراط أن يكون التوظيف من أموال جديدة، ويتم تحويلها من الدولار إلى الليرة. بينما تعمد المصارف إلى إعادة توظيف الأموال المستقطبة بالليرة وبالدولار لدى مصرف لبنان، وتستفيد من فارق العوائد، وتدعم - في الوقت ذاته - احتياطات مصرف لبنان من العملات الصعبة.
وبحسب تقرير مصرفي حديث، تشهد السوق تحويلات جديدة من العملات الأجنبية لصالح الليرة اللبنانية، في سياق الفوائد الجاذبة التي تقدمها بعض المصارف اللبنانية على منتجاتها الادخارية بالعملة الوطنية، والتي كان لها دور في دعم الليرة وتعزيز دورها كعملة ادخار. وفي التحليل أنه «من حسن الحظ أن المخاوف الماكرو - اقتصادية المستجدة تطرح في وقت تبلغ فيه عناصر الحماية والخطوط الدفاعية في لبنان أحد أفضل مستوياتها. والخطوط الدفاعية تتمثل في دحض التحويلات من الليرة اللبنانية لصالح العملات الأجنبية (المخاطر النقدية)؛ حيث بلغت الاحتياطيات بالعملات الأجنبية لدى مصرف لبنان نحو 44.2 مليار دولار في نهاية النصف الأول من العام الحالي، أي ما يشكل 82 في المائة من الكتلة النقدية بالليرة، وهي ضعف التغطية في البلدان ذات التصنيف المماثل (41 في المائة في المتوسط). من هنا فإن الظروف المالية والنقدية سليمة رغم التحديات الاقتصادية العامة».
وتشير مصادر متابعة إلى أن أغلب عمليات استقطاب الودائع الجديدة التي تمت بوتيرة متصاعدة، اختار أصحابها الآجال الأقرب، أي من فئات 3 و6 و12 شهرا. وهذه الشرائح تتعرض لإغراء المردود الأعلى، مما أوجد تصنيفا يفصل بين «الودائع الثابتة» التي تستفيد جزئيا من تحسين المردود، و«التوظيفات الحارة» التي تنشد المردود الأعلى، ما يحفز السوق بالتالي على الاستمرار في رفع الفوائد. أيضا ما إن يطرح أي بنك، وبالأخص الكبيرة بينها، برنامجا ادخاريا جديدا مع زيادة المردود، حتى تكر السبحة، مع إضافة طفيفة على الفائدة أو منافع موازية.
ولوحظ أن اندفاعة رفع الفوائد تزامنت مع بدء استحقاق آجال التوظيفات السابقة، إذ تم توظيف أجزاء مهمة منها تباعا منذ مطلع هذا العام. لذا لجأت المصارف، وبتحفيز من القدرة على إعادة التوظيف لدى مصرف لبنان، إلى إطالة آجال تجميد الودائع بالدولار وبالليرة، علما بأن إثبات التحويل من الدولار إلى الليرة يستفيد أيضا من حافز إضافي، مما ساهم بتوسيع هامش المرونة لدى المصارف في جذب الودائع «الطازجة» أو الناتجة عن التحويل من وديعة موظفة أصلا بالدولار.
ويقر مصرفيون بأن الوضع القائم يوجه ضربات موجعة لبرامج التمويل، حيث سجل مؤشر التسليفات انكماشا فعليا في النصف الأول من العام الحالي؛ وإن كان ذلك بنسبة ضئيلة، إنما يختلف سلبا عن سائر مؤشرات الميزانيات المصرفية التي سجلت نموا إيجابيا يتراوح بين المعتدل والجيد. وذلك بسبب اضطرار المصارف إلى رفع مكافئ لمعدلات الفوائد على كل أنواع القروض، بما فيها المخصصة لتمويل المساكن، والتي تعرضت لضربة شبه قاضية بفعل استنزاف كامل المخصصات التي ضخها البنك المركزي لدعم التمويل السكني، ما تسبب بأزمة حقيقية في هذا القطاع.
كذلك يمثل الرفع القياسي لعوائد الإيداع بالليرة ضربة معاكسة لتوجيهات سابقة لمصرف لبنان، بضرورة تشجيع التسليف بالعملة الوطنية، وتغليبها تباعا على الدولار كعملة تسليف. فالمبدأ أن ربحية المصرف تقوم بشكل رئيسي على فارق ما يجنيه من المدين وما يدفعه للدائن، ومع اعتماد فوائد ادخارية تصل إلى 15 في المائة، وربما تتخطاها تأمينا لسيولة مطلوبة، يفترض رفع الفوائد على القروض الأساسية إلى ما يفوق 20 في المائة بالليرة، بينما تجاوزت فعليا 17 في المائة على القروض الشخصية المحررة بالدولار وكثير من قروض التجزئة. وهي معدلات مرشحة للزيادة بسبب تحميل المنتج تكاليف إضافية معتادة، وتكلفة محتملة لنسبة قابلة للتعثر.
ومن الظواهر المرافقة لموجات رفع الفوائد، تعريض قاعدة عملاء المصارف لاختبارات ضغط مربكة من المصارف المنافسة. فالقاعدة المعتمدة هي إجراء الاتصالات الهاتفية بلوائح اسمية لعملاء من أفراد ومؤسسات، وعرض عوائد مجزية وجاذبة على الودائع الجديدة. ويمكن للأمر أن يتم عشوائيا أو منظما أو عبر الأسلوبين في آن واحد. وهذا الأمر سيؤدي حكما إلى انتقالات «فوضوية» بين الزبائن الذين ستجذبهم الفوائد المرتفعة، ولو إلى أجل محدد. في المقابل، سيبدو الزبائن الأوفياء كضحايا لإخلاصهم للتعامل المالي مع مصرف بعينه، كون ادخاراتهم مستمرة وتستفيد من تحسين جزئي على «التجميد»؛ لكنها لا تدخل حسابات العروض الأعلى للعوائد.
وتظهر الإحصاءات المجمعة أن إجمالي توظيفات وودائع الجهاز المصرفي لدى مصرف لبنان بالعملتين الوطنية والأجنبية تجاوز مستوى 110 مليارات دولار. بينما يبلغ إجمالي رساميل المصارف نحو 21 مليار دولار، وإجمالي ودائع الزبائن نحو 177 مليار دولار. وقد سجلت الودائع المصرفية المقيمة نموا إجماليا قيمته 3798 مليار ليرة (نحو 2.5 مليار دولار) خلال النصف الأول من عام 2018، بحيث استحوذ نمو الودائع بالليرة على 53.3 في المائة منه، أي يعادل 2025 مليار ليرة. بينما نال نمو الودائع بالعملات الأجنبية 46.7 في المائة منه، أي ما يعادل 1773 مليار ليرة.

ويبلغ إجمالي التمويل الموجه للقطاع الخاص المحلي نحو 55 مليار دولار، وللقطاع الخاص غير المقيم نحو 5 مليارات دولار. بينما يبلغ إجمالي الأصول المصرفية نحو 233 مليار دولار.



«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)

واصلت الأسهم الأميركية تراجعها، يوم الجمعة، مع تعثر «وول ستريت» في ختام أسبوعها الخامس على التوالي من الخسائر، في أطول سلسلة خسائر منذ نحو أربع سنوات.

وهبط مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.8 في المائة في مستهل التداولات، موسّعاً خسائره، عقب تسجيله في الجلسة السابقة أكبر تراجع له منذ اندلاع الحرب مع إيران. كما خسر مؤشر «داو جونز» الصناعي 402 نقطة؛ أي ما يعادل 0.9 في المائة، بحلول الساعة 9:35 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، في حين انخفض مؤشر ناسداك المركب بنسبة 1 في المائة، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

وتعكس هذه الخسائر تحولاً عن نمط التداول خلال الأسبوع، حيث تأرجحت السوق الأميركية يومياً بين الصعود والهبوط مع تبدّل الآمال بشأن إمكانية إنهاء الحرب.

وبعد دقائق من إغلاق جلسة الخميس القاتمة، أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترمب إشارة جديدة عُدّت بمثابة بارقة أمل، إذ قرر تمديد المهلة التي حددها لنفسه لـ«تدمير» محطات الطاقة الإيرانية حتى السادس من أبريل (نيسان) المقبل، في حال لم تسمح طهران لناقلات النفط باستئناف المرور من الخليج العربي عبر مضيق هرمز إلى المياه المفتوحة.

وعقب الإعلان، تراجعت أسعار النفط مؤقتاً؛ في إشارة إلى تفاؤل حذِر بإمكانية استعادة بعض الاستقرار في مضيق هرمز. غير أن هذا التفاؤل سرعان ما تبدَّد، لتعاود الأسعار الارتفاع مع انتقال التداولات من آسيا إلى أوروبا، ثم إلى «وول ستريت».

ورغم إعلان ترمب تأجيلاً ثانياً خلال الأسبوع، استمرت المواجهات في الشرق الأوسط دون بوادر تهدئة، في وقتٍ لم تُظهر فيه إيران أي استعداد للتراجع، بينما لوّحت إسرائيل بـ«تصعيد وتوسيع» هجماتها.

وقال دوغ بيث، استراتيجي الأسهم العالمية بمعهد «ويلز فارغو» للاستثمار: «إن التباين في المسار الدبلوماسي بين الولايات المتحدة وإيران، هذا الأسبوع، أثار استياء المستثمرين، ومع نهاية الأسبوع لم يعد بإمكانهم تحمُّل ضبابية المشهد».

من جهته، كتب جيم بيانكو، رئيس استراتيجيات الاقتصاد الكلي بشركة «بيانكو» للأبحاث، أن «أي تصريحات إضافية من ترمب بشأن اتفاق محتمل لن يكون لها تأثير يُذكر على الأسواق، ما لم يؤكد الجانب الإيراني أن المفاوضات تمضي في الاتجاه الصحيح».

وارتفع سعر خام برنت بنسبة 2.2 في المائة ليبلغ 104.15 دولار للبرميل، مقارنة بنحو 70 دولاراً قبل اندلاع الحرب، في حين صعد خام غرب تكساس الوسيط الأميركي بنسبة 3 في المائة إلى 97.28 دولار.

ويخشى المستثمرون من أن تؤدي الحرب إلى اضطرابات ممتدة في إنتاج ونقل النفط والغاز بالخليج العربي، ما قد يحجب كميات كبيرة من الإمدادات عن الأسواق العالمية، ويشعل موجة تضخم حادة. ولن يقتصر أثر ذلك على ارتفاع أسعار الوقود، بل سيمتد إلى زيادة تكاليف النقل والشحن، ما يدفع الشركات لرفع أسعار منتجاتها.

وتشير تقديرات محللي «ماكواري» إلى أن أسعار النفط قد تصل إلى 200 دولار للبرميل في حال استمرت الحرب حتى نهاية يونيو (حزيران) المقبل، وهو مستوى قياسي غير مسبوق.

وقد بدّدت هذه المخاوف، إلى حد كبير، رهانات المستثمرين على خفض أسعار الفائدة من قِبل «الاحتياطي الفيدرالي»، هذا العام، إذ إن أي تيسير نقدي قد يُغذي الضغوط التضخمية بدل كبحها.

ومع ارتفاع أسعار النفط، صعدت عوائد سندات الخزانة الأميركية طويلة الأجل، حيث ارتفع العائد على السندات لأجل 10 سنوات إلى 4.46 في المائة، مقارنة بـ4.42 في المائة في ختام تعاملات الخميس، ومن 3.97 في المائة فقط قبل اندلاع الحرب.

وقد انعكس هذا الارتفاع، بالفعل، على تكاليف الاقتراض، مع صعود أسعار الفائدة على الرهون العقارية والقروض، ما يضيف ضغوطاً إضافية على النشاط الاقتصادي.

وفي «وول ستريت»، تراجعت غالبية الأسهم، حيث انخفضت أربعة من كل خمسة أسهم ضِمن مؤشر «ستاندرد آند بورز 500». في المقابل، كان سهم «نتفليكس» من بين الاستثناءات القليلة، مرتفعاً بنسبة 0.8 في المائة، عقب إعلانه زيادة أسعار خدماته. وعلى الصعيد العالمي، تراجعت الأسهم الأوروبية، في حين جاءت التداولات الآسيوية متباينة.


غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
TT

غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)

تبدو غيوم حرب إيران في غاية السوء بالنسبة للمتعاملين في الأسواق العالمية شرقاً وغرباً. وبالنسبة لوانغ يابي على سبيل المثال، فإن الأمر كله يتعلق بالنوم الهانئ ليلاً. فقد قام مدير الصندوق، ومقره شنغهاي، بتقليص مراكزه بشكل حاد في مواجهة موجة بيع شديدة اجتاحت الأسواق العالمية مع استمرار الحرب في الشرق الأوسط.

وقال وانغ، مدير صندوق «زيجي» الخاص، في إشارة إلى الانهيار الحاد الذي شهدته الأسهم الصينية يوم الاثنين: «لا أحب التقلبات الحادة... كان الافتتاح سيئاً، لذلك خفّضت مراكز المحفظة إلى نحو 30 في المائة». وأضاف: «ثم شعرت بارتياح كبير».

وعلى الرغم من انتعاش طفيف في وقت لاحق من الأسبوع، لا ينوي وانغ إضافة أي مراكز استثمارية جديدة نظراً للتقلبات الحادة وغير المتوقعة في جميع فئات الأصول عالمياً، من الأسهم إلى النفط والسندات والذهب.

ويقول وانغ: «اليوم، تسعى لاقتناص الفرص عند أدنى مستويات الأسعار، وفي اليوم التالي، تعاني من موجة بيع أخرى. عندما يسود عدم اليقين، تُقلل من حيازاتك لتنعم براحة البال». ووانغ ليس الوحيد الذي يواجه هذه التحديات، فمن شنغهاي إلى نيويورك، يعاني المتداولون والمستثمرون ومديرو الثروات والمصرفيون من ليالٍ بلا نوم، وعمل في عطلات نهاية الأسبوع، واجتماعات مطولة مع العملاء، وتقلبات سريعة في المحافظ الاستثمارية، وتوتر في اللحظات الأخيرة عند تنفيذ الصفقات.

وتنبع هذه التحديات أساساً من عدم اليقين بشأن مدة استمرار الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران، وتأثيرها على أسعار النفط -التي تجاوزت بالفعل 100 دولار للبرميل- بالإضافة إلى التضخم وأسعار الفائدة وإجراءات البنوك المركزية. والحرب، التي توشك على دخول أسبوعها الخامس، دفعت الذهب، الملاذ الآمن التقليدي، نحو تسجيل أكبر انخفاض شهري له منذ عام 2008، بانخفاض قدره نحو 16 في المائة. وارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية بمقدار 46 نقطة أساس هذا الشهر، وهو أكبر مكسب لها منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2024.

وبينما يعتمد بعض المشاركين في السوق على تجارب سابقة، بما في ذلك الحرب الروسية الأوكرانية التي اندلعت عام 2022 وتداعيات جائحة كوفيد-19، يجد معظمهم أن الاستراتيجيات القديمة لم تعد مجدية.

الأصول الآمنة

ويقول راجيف دي ميلو، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «غاما» لإدارة الأصول، والذي يعمل خلال عطلات نهاية الأسبوع ويعقد اجتماعات فريق أطول من المعتاد: «هناك عدد قليل جداً من الأصول الآمنة... سندات الخزانة لا تجدي نفعاً، والعملات الآمنة التقليدية مثل الين والفرنك السويسري لا تجدي نفعاً أيضاً. والذهب والفضة كذلك لا يُسهمان في تحسين الوضع».

وأدت الحرب التي استمرت قرابة شهر، والتي اندلعت إثر الضربات الأميركية الإسرائيلية المشتركة على إيران في أواخر فبراير (شباط)، إلى إغلاق طهران فعلياً لمضيق هرمز، وهو ممر مائي يمر عبره خُمس تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم. وقد أثار ذلك شبح الركود التضخمي (التضخم المرتفع مع ضعف النمو)، ودفع المستثمرين إلى بيع كل شيء تقريباً باستثناء الدولار الأميركي. ويقول دي ميلو، المقيم في سنغافورة: «منذ اندلاع الحرب، خفضنا استثماراتنا في الأسهم لأنه لا يوجد مكان للاختباء».

وقد تضررت الأسهم الآسيوية بشدة؛ إذ انخفضت الأسهم الكورية الجنوبية بنحو 13 في المائة هذا الشهر، بينما انخفض مؤشر نيكي الياباني بنحو 9 في المائة. في المقابل، كان أداء الأسهم الأميركية أفضل، حيث انخفضت بنسبة 6 في المائة فقط. وقد اجتذب هذا الأداء الأفضل قليلاً للأسهم الأميركية بعض المستثمرين.

وقال كينيون تسيه، رئيس قسم مبيعات التداول في بنك «يو بي إس» بهونغ كونغ، يوم الثلاثاء، إن مكتب التداول التابع لشركته شهد يومياً منذ بداية مارس (آذار) عمليات بيع صافية في أسهم شركة «تي إس إم سي»، أكبر شركة آسيوية من حيث القيمة السوقية، والتي تمثل أكبر انكشاف للمستثمرين العالميين على تايوان.

وقال ماتياس شايبر، من شركة «أولسبرينغ غلوبال إنفستمنتس» في لندن، إنه قلّص مراكزه في الأسواق الناشئة، وزاد بشكل تكتيكي من انكشافه على الولايات المتحدة، لكنه حذر من أن الضغوط قد تتفاقم إذا حذت البنوك المركزية العالمية حذو أستراليا في رفع أسعار الفائدة.

أما بالنسبة لمن كانوا على الجانب الخاسر من اضطرابات السوق، فقد كانت الأمور بالغة الصعوبة. وقال أحد المتداولين في شركة طاقة إن اندلاع الحرب تسبب في ليالٍ بلا نوم، حيث كانت شركته تحتفظ ببعض المراكز التي راهنت على انخفاض أسعار النفط.

وأضاف المتداول: «لم أستطع النوم حرفياً في تلك العطلة الأسبوعية التي بدأت فيها الحرب»، مشيراً إلى أن الأسبوع التالي كان شديد التوتر وسط تقلبات حادة وتزايد في الاجتماعات الداخلية. وتحدث المتداول شريطة عدم الكشف عن هويته لعدم حصوله على إذن بالتحدث إلى وسائل الإعلام.

صدمة غير مسبوقة

وبالنسبة لكينيث جوه، مدير إدارة الثروات الخاصة في بنك «يو أو بي كاي هيان»، تسببت الحرب في ليالٍ بلا نوم تقريباً، ليس بسبب رهانات خاسرة، بل بسبب إدارة محافظ العملاء في ظل صدمة غير مسبوقة. وقال جوه: «الأمر متواصل بلا توقف. إن حالفني الحظ، أنام عند منتصف الليل. وإلا، أنام في الثانية أو الثالثة أو الرابعة صباحاً. لكن هذه هي الحياة التي اخترتها». وأثرت حالة عدم اليقين المستمرة بشأن الصراع في الشرق الأوسط على الصفقات الجديدة في أسواق ائتمان الشركات. وفي نيويورك، قامت البنوك بضمان ديون بقيمة 18 مليار دولار تقريباً للاستحواذ على شركة تطوير ألعاب الفيديو «إلكترونيك آرتس» مقابل 55 مليار دولار.

وتابعت السلطات عن كثب التطورات المتعلقة بالمهلة التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترمب يوم الاثنين لشنّ ضربات على شبكة الكهرباء الإيرانية. وتزامن هذا الموعد النهائي مع المراحل الأخيرة من تسويق سندات شركة الكهرباء الإيرانية للمستثمرين في بداية الأسبوع، وكان من الممكن أن يؤدي إلى شروط أقل ملاءمة للمقترضين، وفقاً لما ذكره مصرفيان مطلعان على الأمر.

وأوضح المصرفيان أن المصرفيين المشاركين في الصفقة خلال عطلة نهاية الأسبوع كانوا يستعدون لاحتمال شنّ ضربات على البنية التحتية الإيرانية، وما قد يتبع ذلك من ارتفاع محتمل في أسعار سندات شركة الكهرباء الإيرانية. وبعد إعلان ترمب يوم الاثنين تأجيل الضربات لمدة خمسة أيام، تمكنت البنوك من خفض تكاليف الاقتراض على جزء السندات عالية العائد المقوّمة بعملات مختلفة، والذي يبلغ نحو 6.6 مليار دولار، حسب المصرفيين. ويوم الخميس، أعلن ترمب تعليق الهجمات المُهددة على محطات الطاقة الإيرانية لمدة عشرة أيام حتى السادس من أبريل (نيسان). وقد أدى هذا التقلب المستمر إلى إجبار المستثمرين على متابعة السوق عن كثب. ويقول موكيش ديف، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «أرافالي» لإدارة الأصول: «يجب عليك باستمرار مراقبة السوق والتفاعل معه، وهذا يؤثر بلا شك على قدراتك الذهنية». وأضاف ديف، المقيم في سنغافورة، أنه شهد تقلبات مماثلة في عام 2008 وخلال الأزمة المالية الآسيوية في أواخر التسعينات، لكنه لم يُجزم ما إذا كان الوضع الحالي يُضاهي تلك اللحظات -في الوقت الراهن. وقال: «إذا استمر هذا الوضع لأسبوع آخر أو نحوه، فسنرى. لا مجال للخطأ، فالأخطاء غير مقبولة بتاتاً».


الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
TT

الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)

حذَّر المفوض الاقتصادي الأوروبي، فالديس دومبروفسكيس، من أن اقتصاد الاتحاد الأوروبي يواجه خطر الركود التضخمي نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

وقال دومبروفسكيس في مؤتمر صحافي عقب اجتماع وزراء مالية الاتحاد الأوروبي: «التوقعات محاطة بغموض كبير، لكن من الواضح أننا معرضون لخطر صدمة ركود تضخمي، أي سيناريو يتزامن فيه تباطؤ النمو مع ارتفاع التضخم»، وفق «رويترز».

وأضاف: «حتى لو كانت اضطرابات إمدادات الطاقة قصيرة الأجل نسبياً، تشير تحليلاتنا إلى أن نمو الاتحاد الأوروبي في 2026 قد يكون أقل بنحو 0.4 نقطة مئوية عن توقعاتنا الاقتصادية السابقة، مع احتمال ارتفاع التضخم بنحو نقطة مئوية واحدة».

وتابع: «إذا تبيَّن أن الاضطرابات أكثر جوهرية وأطول أمداً، فإن العواقب السلبية على النمو ستكون أكبر، وقد ينخفض النمو بنسبة تصل إلى 0.6 نقطة مئوية في كل من عامي 2026 و2027».

وأكد دومبروفسكيس أن نطاق الحرب وشدتها وتأثيرها قد ازدادت منذ آخر اجتماع لوزراء مالية الاتحاد الأوروبي قبل أكثر من أسبوعين؛ ما يزيد غموض التوقعات الاقتصادية.