العراق: تصويت بالدم والنار ضد قوى الإسلام السياسي

صيف حار فجّر أقوى حركة احتجاجية في تاريخ البلاد

العراق: تصويت بالدم والنار ضد قوى الإسلام السياسي
TT

العراق: تصويت بالدم والنار ضد قوى الإسلام السياسي

العراق: تصويت بالدم والنار ضد قوى الإسلام السياسي

حصل مواطن عراقي على رقم هاتف زوجة وزير الكهرباء فاتّصل بها وادّعى أنه من ديوان رئيس الحكومة، وهو يتّصل ليهنئ بتعيين ابنها مديراً عاماً للموانئ في محافظة الأنبار. زوجة الوزير سارعت بتقديم الشكر، لكنّها ما لبثت أن تساءلت باستنكار: «وهل في الأنبار بحر لتكون فيها موانئ ويُعين ابنها مديراً عاماً لها!... فردّ المتصل هو أيضاً بسؤال استنكاري: وهل توجد لدينا كهرباء ليكون زوجك وزيراً للكهرباء!».
هذه بالطبع ليست واقعة حقيقية. بل هي نكتة أطلقها عراقي ظريف في اليوم نفسه الذي اندلعت فيه أحدث موجة من الاحتجاجات الشعبية اشتعل فتيلها في البصرة، المحافظة العراقية الوحيدة التي فيها موانئ، مع التهاب حرارة منتصف الصيف وبلوغها نصف درجة الغليان. والبصرة، كما سائر محافظات العراق، تعاني منذ خمس عشرة سنة، هي عمر نظام ما بعد صدام، من الانهيار المتفاقم لنظام الخدمات العامة. وفي مقدم هذه الخدمات الكهرباء، التي تراجع التجهيز بها كثيراً منذ مطلع هذا الشهر بعدما أوقفت إيران تصدير الكهرباء إلى العراق لأسباب عزتها المصادر الرسمية الإيرانية إلى انعدام الفائض من الكهرباء في الوقت الذي تشتدّ حاجة إيران هي الأخرى للطاقة. في المقابل، أفادت مصادر أخرى بأن القطع يرجع إلى تلكؤ الحكومة العراقية في أجور الكهرباء الإيرانية، وراحت جهات ثالثة أبعد بالقول إن للقطع الإيراني علاقة بالنشاط الإيراني المحموم عقب الانتخابات البرلمانية الأخيرة في العراق، وهو نشاط كان يضغط باتجاه تشكيل حكومة عراقية جديدة تفسح في المجال لنفوذ أكبر للأحزاب والميليشيات العراقية المدعومة سياسياً ومالياً وتسليحياً من طهران.

كثيراً ما يُعيد تاريخ العراق نفسه، فيضانات وأوبئة وغزوات خارجية وانقلابات داخلية وانتفاضات، وغالباً ما تأتي الإعادة في صورة مأساة وأحياناً في صيغة مهزلة، لكن مهازل التاريخ العراقي من النوع الموجع والمبكي.
ما يعيشه العراقيون الآن ينتمي إلى هذا النوع. ذلك أن العراق من الدول الرئيسية المنتجة والمصدرة للنفط، محتلّة الترتيب الثاني بين دول «أوبك» بعد المملكة العربية السعودية. ويبلغ إنتاجها اليومي الآن يزيد على 4 ملايين برميل، متجاوزة كلاً من الكويت ودولة الإمارات لعربية المتحدة، ومع ذلك يكابد العراقيون منذ أكثر من عشر سنين حال الشحّ الشديد في الكهرباء ومصادر الطاقة الأخرى، بما فيها المشتقّات النفطية المُصنّعة؛ ما ترك آثاره الخطيرة على الحياة الاجتماعية، فضلاً عن الاقتصادية.
الكهرباء لم تكن سوى الشرارة التي أوقدت نار الحركة الاحتجاجية الأخيرة التي انطلقت في الثامن من يوليو (تموز) الحالي. وللعلم، ثمة أسباب كثيرة أخرى كانت على الدوام تدفع بالعراقيين للاحتجاج الذي بدأ مسلسله في فبراير (شباط) 2011 في ذروة حراك «الربيع العربي»، وتواصل عبر السنوات السبع الماضية كلّها.
نظام الخدمات العامة بأكمله منهار، وهناك شحّ حتى في مياه الشرب في بلاد الرافدين، عدا عن مياه السقي للأراضي الزراعية، وكان المطلب الثاني للمحتجّين في البصرة وسائر محافظات الجنوب - بعد الكهرباء - توفير المياه، إضافة إلى فرص العمل للخرّيجين الذين تفشت في صفوفهم البطالة، وحلّ أزمة السكن ومشكلات النقل والتلوث البيئي، وتحسين الخدمات الصحية والتعليمية المتردية هي الأخرى.

- فتّش عن الفساد
كلمة السرّ في الوضع العراقي المأساوي هي الفساد الإداري والمالي. فالعراقيون يشكون من أنهم لا يتمتّعون بعائدات نفطهم الوفيرة. عشرات المليارات من الدولارات لا يظهر لها أي أثر سنوياً، بل يستحوذ عليها «بيروقراطيو» أجهزة الدولة التي يديرها عناصر عدد من الأحزاب المتنفّذة في البرلمان والحكومة ومجالس المحافظات، وهي أحزاب أسلامية في الغالب (شيعية في الوسط والجنوب وسنيّة في المحافظات الغربية)، فضلاً عن الأحزاب الكردية المتنفّذة في إقليم كردستان.
وسنوياً، يأتي ترتيب العراق في صدارة القائمة التي تعدّها «منظمة الشفافية الدولية» الخاصة بالفساد الإداري والمالي. وفي العراق نفسه تحفل تقارير الهيئات الرقابية الوطنية بوقائع وأسماء كثيرة ذات صلة بالفساد. والمشكلة دائماً تكمن في أن المتّهمين بالفساد هم في الغالب زعماء سياسيون وأعضاء في البرلمان والحكومة وهيئات الدولة الأخرى؛ ما يجعلهم في منأى من الحساب والملاحقة لأنهم يحظون بحماية أحزابهم وميليشياتها. وثمة أرقام غير رسمية تتحدث عمّا يراوح بين 400 و600 مليار دولار التهمتها «ماكينة» الفساد منذ 2003. وفي الغالب يجري تحويل الأموال المستحوذ عليها إلى الخارج، فلا تدخل في الدورة الاقتصادية المحلية، وبذلك تكون خسارة الاقتصاد الوطني بها مضاعفة.
ظاهرة الفساد هذه تولّدت عن نظام المحاصصة الطائفية والقومية الذي عملت به القوى المتنفّذة، وتقاسمت على وفقه مناصب الدولة قاطبة بخلاف ما نصّ عليه دستور البلاد الدائم.
بعد أقل من سنتين من إسقاط نظام صدام حسين (2003) استفتي العراقيون على دستور دائم لهم كان من المفترض أن يكون الأساس لنظام ديمقراطي فيدرالي. الدستور كُتب في 2005 على عجل تحت وطأة أعمال الإرهاب التي شهدتها البلاد من جانب فلول النظام السابق التي تحالفت مع تنظيم «القاعدة» الإرهابي، وكذلك تحت وطأة رغبة الولايات المتحدة في سحب قواتها من العراق لتفادي المزيد من الخسائر البشرية والمادية التي لحقت بها.
«الجمعية الوطنية الانتقالية» التي كتبت الدستور وضعت فيه مادة ألزمت أول برلمان منتخب بتعديل مواده في غضون سنة بعد انعقاد جلسته الأولى، لمعالجة نواقصه وثغراته. وأنجزت اللجنة، التي كلّفها البرلمان الأول المشكّل مطلع 2006، في الوقت المحدّد مهمة اقتراح التعديلات اللازمة التي زاد عددها على الخمسين، وكان يتعيّن أن يناقشها البرلمان ويطرحها إلى الاستفتاء العام في 2007، بيد أن ذلك البرلمان وبرلمانَين آخرَين أعقباه لم تُنجز المهمة.
في انتظار الاستفتاء على التعديلات المقترحة، اعتمدت الأحزاب المتنفذة لإدارة الدولة نظام «المحاصصة» الذي قالت إنه سيجري الالتزام به لدورة برلمانية واحدة من أربع سنوات، في سبيل طمأنة الأطراف المختلفة إلى صون حقوقها جميعاً في ظل النظام الجديد. وبموجب «المحاصصة» أُعطيت رئاسة الحكومة إلى شخصية شيعية، ورئاسة الجمهورية إلى شخصية كردية، ورئاسة مجلس النواب إلى شخصية سنّية، وجميعهم من الأحزاب الحاكمة. ثم جرى توزيع مناصب الدولة العليا الأخرى على هذا المنوال، بل امتدّ الأمر إلى المناصب والوظائف الدنيا كذلك.

- مستعمرات و«كانتونات» حزبية
أسفر هذا الترتيب عن خلق مستعمرات و«كانتونات» حزبية أباحت لنفسها التعدّي على المال العام المتأتي من عائدات النفط التي تجاوزت في بعض السنوات المائة مليار دولار سنوياً. وتعرّض هذا المال لعملية نهب لم يسبق لها نظير في تاريخ العراق والمنطقة أيضاً؛ ما أدى إلى عجز الدولة عن تأمين حاجات القطاعات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المختلفة من المشروعات التي ظلّ العراق في أمسّ الحاجة إليها بعد حقبة الديكتاتورية والحروب الطويلة.
ثم أن صراع الأحزاب الحاكمة فيما بينها على المزيد من مصادر السلطة والثروة كان من أقوى العوامل وراء إثارة النزاع الطائفي المسلح (الشيعي - السني). فلقد خلدت قيادات هذه الأحزاب إلى «جدوى» الطابع الطائفي للصراع من أجل حشد المؤيدين والأنصار إلى جانبها، وبخاصة في فترات الانتخابات البرلمانية والمحلية. وظلت الحكومات المتعاقبة تتذرّع بـ«الحرب الأهلية» الطائفية (2006 – 2008)، وبالإرهاب لتفسير التأخر في حدوث التقدّم الموعود في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وبحلول عام 2010 كانت تلك الحرب قد توقفت و«القاعدة» قد هُزمت مع تنامي قوة الجيش والشرطة العراقيين ودعم قوات التحالف الدولي، بيد أن أحوال العراقيين ظلّت تتدهور رغم حصول قفزة كبيرة في عائدات النفط.
على وقع أحداث «الربيع العربي» عام 2011، انطلقت في بغداد والبصرة والموصل وسائر المدن، سلسلة احتجاجات على تردّي نظام الخدمات العامة وارتفاع مستويات الفقر والبطالة. وتطوّرت مطالب المحتجّين إلى الدعوة لإصلاح العملية السياسية، ابتداء بتعديل الدستور وإنهاء نظام «المحاصصة»، ووضع حدّ للفساد، وبعث الحياة في قطاعات الاقتصاد.
الحكومة، التي كانت آنذاك برئاسة زعيم حزب الدعوة الإسلامية نوري المالكي، قابلت الدعوة للتظاهر في 25 فبراير 2011 بعدائية شديدة، فواجهتها بقمع سافر اشتمل على إطلاق الرصاص الحي وقنابل الغاز المُسيل للدموع والضرب بالهراوات والاعتقال التعسفي الذي يحرّمه الدستور. وعندما لم تفلح تلك الإجراءات في وقف المظاهرات التي امتدت أسابيع، اضطر المالكي إلى الاعتراف بشرعية ودستورية المطالب واعداً بتحقيقها، لكنّه لم يفعل شيئاً. وكذا الحال، كان عندما انطلقت في أواخر 2012 وأوائل 2013 مظاهرات في المحافظات الغربية (السنّيّة) ندّدت أيضاً بالتمييز والتهميش ضد سكان هذه المحافظات، واستعملت الحكومة القوة المفرطة في فضّ الاعتصامات التي تطوّرت إليها المظاهرات.

- الصدمة الكبرى
أسابيع قليلة بعد الانتخابات البرلمانية، التي أجريت في مايو (أيار) 2014، اجتاح تنظيم داعش ثلث مساحة العراق وأعلن ما دعاها «الدولة الإسلامية» المزعومة التي جعلت من مدينة الموصل عاصمة لها. هذا التطور أصاب الرأي العام العراقي بصدّمة شديدة، خصوصاً، عندما انتشرت التفاصيل لاحقاً لتفيد بأن القوات العراقية ذات العدد والعدة الكبيرين لم تعمل على ردّ هجوم «داعش» - الذي نفذّه بضعة مئات فقط من عناصر التنظيم المسلحين بأسلحة خفيفة ومتوسطة - . بل تبيّن أن القوات الحكومية ألقت أسلحتها وتركت معسكراتها فيما يشبه حال الاستسلام.
وازداد هول الصدمة عندما تكشّفت تفاصيل مجازر جماعية ارتكبها «داعش» ضد المدنيين، منها تلك التي استهدفت الإيزيديين، ومنها المجزرة التي راح ضحيتها 1700 من المتدربين الشبّان في معسكر إلى الشمال من بغداد، معظمهم من أبناء المحافظات الجنوبية (الشيعية) تُركوا لمصيرهم في معسكرهم فأبادهم بالكامل «داعش».
عاصفة السخط ضد الطبقة الحاكمة، التي ترافقت مع اجتياح «داعش»، أرغمت مجلس النواب على تشكيل لجنة للتحقيق في ظروف المأساة الحاصلة وتحديد المسؤوليات، استغرق عملها أشهراً عدة لتعدّ تقريرها التفصيلي الذي لم يُنشر شيء منه حتى اليوم. وحسب المعلومات المسرّبة، فإنه يُلقي بالمسؤولية على القائد العام للقوات المسلحة، رئيس الوزراء، آنذاك نوري المالكي وعدد من كبار القادة العسكريين والزعماء السياسيين الذين ضغطوا لمنع نشر التقرير.
في غضون ذلك تشكّلت في خريف 2014 حكومة جديدة برئاسة حيدر العبادي (من حزب الدعوة الإسلامية أيضاً) الذي تعهد في برنامج حكومته بإصلاح العملية السياسية، ومكافحة الفساد الإداري والمالي، وفتح ملف سقوط الموصل ومعالجة الخلل في نظام الخدمات العامة، إلا أنه – حتى تاريخه - لم يفِ بأي من هذه التعهدات.
وعندما حلّ صيف 2015 تفجرت من البصرة إلى بغداد حركة احتجاجية قوية، طرحت المطالب ذاتها فاضطر العبادي إلى تقديم حزمتين إصلاحيتين تضمّنتا تعهدات بتحقيق المطالب الشعبية، وحظيتا بتأييد البرلمان الذي دعمها بحزمة مكمّلة. ولكن في نهاية المطاف لم يتحقّق على أرض الواقع أي شيء ذي قيمة، وبخاصة على صعيد إصلاح النظام السياسي، وإلغاء نظام «المحاصصة»، ومكافحة الفساد الإداري والمالي، فاستمرت الحركة الاحتجاجية أشهراً عدة تطورت خلالها إلى عملية اجتياح لمقر البرلمان ومقر رئيس الحكومة في المنطقة الخضراء المحصنّة.
لم يكن في وسع الحكومة أن تلبية المطالب الشعبية، فالإصلاح السياسي لا بد أن يبدأ بتعديل الدستور، وإلغاء نظام «المحاصصة»، وسنّ قانون جديد للانتخابات يُمكّن من كسر احتكار الأحزاب الحاكمة للسلطة وضخّ جيل جديد إلى البرلمان ومجالس المحافظات يكون أكثر قرباً من نبض الناس، لكنّ الطبقة السياسية المتنفّذة ظلّت تعارض بقوة مثل هذه الإصلاحات متحجّجة بذرائع شتى، في مقدمها الحرب ضد «داعش».
وعندما أجريت الانتخابات البرلمانية الأخيرة في مايو الماضي بدا أن العراقيين الذين عِيل صبرهم، انتهزوا الفرصة لمعاقبة الطبقة السياسية المتنفّذة التي رأوا أنها عاشت في عزلة عنهم متنعّمة بامتيازاتها المالية والسياسية والإدارية ولم تعد تمثّلهم، فقاطع معظم الناخبين عملية الاقتراع. إذ المفوضية العليا للانتخابات أن نسبة المقاطعة بلغت 56 في المائة، لكن مصادر بعض الأحزاب المتنافسة ذكرت أن النسبة الحقيقية زادت عن 70 في المائة. حتى الذين اقترعوا عمد أغلبهم إلى معاقبة عدد من السياسيين المتنفّذين بعدم انتخابهم مجدّداً.

- الصيف... والماء
وبحلول الصيف الحالي تفجّرت من جديد أزمة الكهرباء بالترافق مع شحّ المياه الناجم عن تخفيض تركيا وإيران مستوى تدفق المياه في روافد دجلة والفرات وشط العرب ما تسبب في أزمة عطش في المحافظات الجنوبية، وبخاصة، البصرة التي انفجر سكانها سخطاً على الحكومة والطبقة السياسية المتنفّذة.
سكان البصرة بالذات هم الأكثر شعوراً بالمرارة من سياسات الدولة، فمحافظتهم أكبر محافظة منتجة للنفط (40 في المائة من مجموع النفط العراقي)، وعبرها تمرّ معظم الصادرات النفطية بوصفها المحافظة الوحيدة الواقعة على البحر (الخليج العربي)، إلا أن أحوال سكانها تسوء باطراد. وحقاً انطلقت من البصرة موجة جديدة من الاحتجاجات تتواصل حتى الآن وتجاوزت مطالبها الكهرباء إلى سائر القضايا المطروحة على مدى السنين العشر الماضية.
مطالب هذه الحركة التي عمّت كل محافظات الجنوب والوسط (الشيعية) وصولاً إلى العاصمة بغداد، عكست نفاداً لصبر العراقيين، فكانت الحركة أشدّ قوة من سابقاتها وأوسع نطاقاً، ففي مجرى الحركة جرت مهاجمة مقرات الأحزاب الحاكمة (الشيعية على نحو خاص) وميليشياتها وإحراق بعضها في دلالة واضحة على تحميل الناس هذه الأحزاب المسؤولية عن تردي الأوضاع العامة كل هذه الفترة الطويلة؛ ما أثار فيما يبدو الذعر وسط الطبقة السياسية المتنفذة. هذا الذعر عكسه إفراط القوات الأمنية في قمع الحركة الاحتجاجية الذي أسفر عن سقوط 14 قتيلاً ونحو 750 جريحاً وإحراق 91 مبنى ومكتباً، معظمها مقرات للأحزاب المتنفذة وميليشياتها، بحسب إحصائيات مفوضية حقوق الإنسان، فضلاً عن اعتقال المئات من المتظاهرين ونشطاء الحركة الاحتجاجية وإساءة معاملة الكثير منهم بتعذيبهم داخل المعتقلات، وإرغامهم على التعهد بعدم المشاركة لاحقاً في احتجاجات جديدة.
كانت هذه الحركة في الواقع تصويتاً جديداً، بالدم والنار هذه المرة، ضد الطبقة السياسية (الإسلامية) الحاكمة التي اعترف بعض زعمائها بشرعية الحركة ومطالبها وبالتقصير حيال تأمين احتياجات الشعب، لكنّ الاعتراف بالتقصير لم يقترن بأي إجراءات من جانب الحكومة وأحزابها لتطمين الناس إلى صدقية الاعتراف، فما مِن أحد من مسؤولي الدولة ممن أثيرت حولهم شبهات بالفساد أو أحيلوا إلى هيئة النزاهة طُلب إليه تقديم استقالته، مثلاً؛ ولهذا سيظل الرأي العام العراقي ينظر بالريبة حيال وعود الحكومة وأحزابها بإجراء الإصلاح السياسي والإداري المطلوب والمتوجب.

- واقع العراق... بالأرقام
الموارد الطبيعية: يعدّ العراق واحداً من بلدان العالم العشرة الأغنى بمواردها الطبيعية، وتتمثل ثروات العراق الطبيعية الرئيسة بـ:
- 153 مليار برميل نفط.
- 131 تريليون متر مكعب غاز.
- 5.7 مليار طن فوسفات.
- 600 مليون طن كبريت.
- 158 مليون دون أراضٍ زراعية.
- 12 ألف موقع سياحي.
(المصدر: وزارة التخطيط العراقية)

- نفط العراق
- ينتج العراق يومياً 4.4 مليون برميل نفط، يصدّر منها 3.5 مليون برميل.
- بلغت الصادرات النفطية في الأشهر الستة الأولى من العام الحالي 622 مليون برميل، وبلغت عائداتها 40 مليار دولار.
(المصدر: وزارة النفط العراقية)

- مستويات الفقر والبطالة
تفيد إحصائيات وزارة التخطيط العراقية بأن مستوى الفقر ارتفع في السنوات الأخيرة إلى 30 في المائة ومستوى البطالة إلى 20 في المائة.

- مطالب الحركة الاحتجاجية
شكّلت حكومة حيدر العبادي لجاناً عدة لمقابلة بعض سكان المحافظات الجنوبية بحضور موظفين إداريين فيها لمعرفة مطالب كل محافظة، وأفادت مصادر هذه اللجان بأن مجموع مطالب السكان ونشطاء الحركة الاحتجاجية تجاوز عددها المائة، أهمها:
- تعديل الدستور.
- إلغاء نظام «المحاصصة» الطائفية والقومية في تولي مناصب الدولة.
- تشريع قانون جديد للانتخابات.
- إعادة تشكيل مفوضية الانتخابات وسائر الهيئات الموصوفة بالمستقلة بعيداً عن نظام «المحاصصة».
- إصلاح القضاء.
- إلغاء مجالس المحافظات وإقالة المقصرين والفاسدين.
- فتح ملفات الفساد الإداري والمالي، وتقديم المتهمين إلى القضاء مهما كانت مواقعهم في الدولة.
- فتح ملف سقوط الموصل وتمكين «داعش» من اجتياح ثلث العراق والسيطرة عليه.
- بناء محطات توليد الكهرباء ومحطات لتحلية المياه (في البصرة خصوصاً).
- توفير الوظائف للعاطلين عن العمل.
- حصر السلاح بيد الدولة ومنع الميليشيات من العمل.
- إغلاق مقرات الأحزاب والميليشيات في المحافظات.
- تأهيل المستشفيات والمدارس.
- تفعيل برنامج لمساعدة الأيتام والأرامل والمعوّقين الذين تغصّ بهم المحافظات الجنوبية.
- فتح النوادي الثقافية والاجتماعية التي أغلقتها الأحزاب الإسلامية.
- تخصيص نسبة محدّدة من عائدات النفط للمحافظات المنتجة.
- صرف تخصيصات المشروعات الاقتصادية والخدمية المعطّلة وإعادة تشغيل المصانع المعطّلة.


مقالات ذات صلة

ليبيا عالقة بين نيران المسلحين... و«مبادرة أميركية» متعثرة

حصاد الأسبوع حفتر خلال استقباله بولس في بنغازي (وكالة الأنباء الليبية)

ليبيا عالقة بين نيران المسلحين... و«مبادرة أميركية» متعثرة

تزداد القناعة لدى قطاعات واسعة من الليبيين بأن بلادهم عالقة في دوامة بالغة التعقيد، بين فوضى أمنية تتفاوض فيها التشكيلات المسلحة بالنار، وتتجاذب النفوذ على

علاء حموده (القاهرة)
حصاد الأسبوع مراقبون يرون أن رواية الجمهوريين عن «انهيار كاليفورنيا» مبالغ فيها لكن ارتفاع الكلفة والتعقيد التنظيمي والهجرة العكسية ليست أوهاماً

خافيير بيسيرا... «الديمقراطي الهادئ» أمام اختبار انتخابات حاكم كاليفورنيا

لم يصل خافيير بيسيرا إلى صدارة السباق على حاكمية ولاية كاليفورنيا الأميركية بوصفه المرشح الأكثر شهرة أو صاحب البرنامج الأكثر صخباً. إذ انتزع المركز الأول

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع ريغان (آ ب)

من ريغان إلى نيوسوم: حكّام صنعوا كاليفورنيا الحديثة

تعاقب على كاليفورنيا منذ عقد الستينات حكّام من الحزبين ترك كل منهم تعريفاً مختلفاً لدور الولاية وحدود السلطة التنفيذية. وتُظهر القائمة التاريخية الرسمية أن

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
حصاد الأسبوع أحد الأسواق في وسط العاصمة التونسية (غيتي)

الاقتصاد التونسي... صمود تحت ثقل الديون

بدأت تونس النصف الثاني من 2026 وسط تباين التقييمات لأوضاعها الاقتصادية والاجتماعية وانعكاساتها السياسية والأمنية. فالحكومة ترى في تحسن عدد من المؤشرات المالية

كمال بن بونس (تونس)
حصاد الأسبوع صورة من الجو لقاعدة حميميم الجوية في شمال غربي سوريا، قرب مدينة جبلة (رويترز)

سوريا: «مذكرة التفاهم» تنظّم وجود روسيا العسكري... وتفتح الباب على تفاهمات أوسع

دشّن الإعلان عن التوصل إلى «مذكرة تفاهم» بين دمشق وموسكو تعيد تنظيم وهيكلة الوجود العسكري الروسي على الأراضي السورية، مرحلةً جديدة في علاقات البلدين، تفتح على

رائد جبر (موسكو)

ليبيا عالقة بين نيران المسلحين... و«مبادرة أميركية» متعثرة

حفتر خلال استقباله بولس في بنغازي (وكالة الأنباء الليبية)
حفتر خلال استقباله بولس في بنغازي (وكالة الأنباء الليبية)
TT

ليبيا عالقة بين نيران المسلحين... و«مبادرة أميركية» متعثرة

حفتر خلال استقباله بولس في بنغازي (وكالة الأنباء الليبية)
حفتر خلال استقباله بولس في بنغازي (وكالة الأنباء الليبية)

تزداد القناعة لدى قطاعات واسعة من الليبيين بأن بلادهم عالقة في دوامة بالغة التعقيد، بين فوضى أمنية تتفاوض فيها التشكيلات المسلحة بالنار، وتتجاذب النفوذ على ممرات التهريب وتجارة المخدّرات والهجرة غير النظامية، وبين «مبادرة أميركية» تستهدف إنهاء الانقسام في بلد أنهكته الصراعات منذ سقوط نظام العقيد معمر القذافي عام 2011. في الساحل الغربي الليبي، بات مشهداً متكرراً أن تتراجع الحلول السياسية وتخفت أصوات الحوار أمام تمدد الفوضى الأمنية. وهذا المشهد وصفته المبعوثة الأممية هانا تيتيه، بلغة دبلوماسية هادئة، بأنه «هشّ»، في ظل تنافس جماعات مسلحة على النفوذ والموارد، وانخراط بعضها في أنشطة «غير مشروعة»، بما يضاعف تعقيدات المشهد ويبدد فرص الوصول إلى تسوية سياسية مستدامة.

تبدو مدينة الزاوية، بشمال غربي ليبيا، مرآة تعكس جانباً من واقع البلاد؛ إذ باتت الاشتباكات بين التشكيلات النافذة فيها مشهداً مألوفاً اعتاده السكان، حتى «تحوّل ليلهم إلى نهار»، بحسب الناشط المدني عبد الرحمن شعيب، في وصفه لأحدث موجة من الاشتباكات التي اندلعت في الثالث من أغسطس (آب) الحالي داخل مناطق سكنية في الزاوية وصرمان، وأسفرت عن سقوط قتلى وجرحى.

استهداف مرافق النفط

ولم يتوقف أثر هذا الانفلات عند حدود الأمن، بل امتد إلى ما يُعرف بـ«قوت الليبيين»، في إشارة إلى النفط، مصدر الدخل الرئيس للدولة؛ إذ كان استخدام «طائرات مسيّرة» في استهداف مصفاة الزاوية ومنشآت حيوية فيها، تطوراً نوعياً في المشهد الأمني، أثار مخاوف من أن تتحوّل الهجمات هذه إلى ورقة ضغط تهدد أحد أهم مصادر الإيرادات، وتفتح الباب أمام اضطراب أوسع في إنتاج النفط وتصديره.

وحقاً، لا يبدو أن ما شهدته الزاوية مرشح للبقاء معزولاً عن محيطها؛ حيث يحذّر باحثون من انتقال نمط الفوضى نفسه إلى مدن أخرى في غرب ليبيا، وصولاً إلى العاصمة طرابلس، في ظل استمرار غياب احتكار الدولة لأدوات القوة. وهذه أيضاً رؤية الباحث العسكري محمد الترهوني، الذي حذّر من أن هذا الواقع قد يتكرّر بصورة «أكثر قسوة»، ما دامت أدوات الإكراه والقوة لا تزال موزعة بين فصائل مسلحة خارج السيطرة الكاملة لمؤسسات الدولة.

تحت وطأة هذا المشهد، يستحضر ليبيون لقاءات متكرّرة جمعت رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة عبد الحميد الدبيبة ومستشاره للأمن القومي إبراهيم الدبيبة بعدد من قادة التشكيلات المسلحة البارزين. وتحوّلت صور هذه اللقاءات، التي تداولتها صفحات ليبية على مواقع التواصل الاجتماعي، إلى مادة للنقاش بشأن طبيعة العلاقة بين السلطة التنفيذية في طرابلس والتشكيلات المسلحة النافذة.

إرث أمني «ثقيل»!

في معرض الدفاع عن الحكومة، يقول مؤيدو الدبيبة إنها «تسلمت إرثاً أمنياً مثقلاً بواقع ميليشياوي»، ما فرض عليها في بعض المراحل عقد تفاهمات مؤقتة مع القوى المسلحة لتجنب صدامات أوسع. لكن عضو «المجلس الأعلى للدولة» أبو القاسم قزيط يُحمّل «الوحدة الوطنية» جانباً من المسؤولية عن تنامي نفوذ هذه التشكيلات خلال السنوات الماضية، قائلاً إنها «دعمتها بالمال والسلاح، وعقدت معها تفاهمات مؤقتة أسهمت في تعاظم قوتها»، ومعتبراً أن الحكومة لم تمتلك «الإرادة السياسية الكافية» لتفكيك التشكيلات المنفلتة.

مع هذا، يميز قزيط بين التشكيلات المسلحة، فيرى أن «بعضها تحوّل إلى قوى عسكرية وأمنية شبه نظامية تتمتع بقدر من التراتبية والانضباط، ويمكن أن تشكل نواة يمكن البناء عليها في إطار أي ترتيبات أمنية مقبلة، بدلاً من التعامل معها جميعاً باعتبارها كتلة واحدة».

ومن قلب هذا التعقيد، يطرح خالد الترجمان، أمين سر «المجلس الانتقالي الليبي» السابق ورئيس «مجموعة العمل الوطني»، سؤالاً يتجاوز حدود المشهد الأمني الراهن، وهو: هل تمتلك الولايات المتحدة والدول المنخرطة في الملف الليبي جدية حقيقية لنزع سلاح التشكيلات المسلحة في غرب البلاد؟ أم أن أي مبادرة سياسية ستظل رهينة موازين القوة التي تفرضها هذه التشكيلات على الأرض؟

مع بقاء ليبيا رهينة لنفوذ المسلحين وانتظار حل يضع حداً لأوجاع الليبيين تظل الأنظار معلقة بحلول دولية طال انتظارها

وضع شرقي ليبيا

وفي شرق البلاد، حيث تفرض قوات «الجيش الوطني الليبي» بقيادة المشير خليفة حفتر حالة من الاستقرار الأمني النسبي منذ سنوات، لم يكن المشهد بمنأى عن المفاجآت الأمنية. فقد أدى انفجار عبوة ناسفة إلى مقتل مدير الاستخبارات العسكرية اللواء فوزي المنصوري ببنغازي في 10 أغسطس (آب) الحالي، في حادثة أعادت إلى الواجهة تساؤلات بشأن احتمال وجود «خلايا نائمة» لمسلحين أو متطرّفين في شرق البلاد وجنوبها، قادرة على استغلال أي ثغرات أمنية لضرب شخصيات ومؤسسات عسكرية وأمنية.

وتكتسب هذه المخاوف أهمية أكبر في ظل تحذيرات سابقة من استمرار مخاطر الخلايا المسلحة والمتطرفة، وهو ما أشار إليه رئيس الأركان العامة بـ«الجيش الوطني» الفريق خالد حفتر، في وقت مبكّر، بما يعكس أن الهدوء الأمني الذي يميّز شرق ليبيا لا يعني بالضرورة انحسار التهديدات.

حلول دولية طال انتظارها

بالتالي، مع بقاء ليبيا رهينة لنفوذ المسلحين، وانتظار حل يضع حداً لأوجاع الليبيين، تظل الأنظار معلقة بحلول دولية طال انتظارها، بعدما عجزت المسارات الداخلية عن إنهاء الانقسام، وسط تحرّك الأطراف المتنازعة إقليمياً ودولياً. ومن بين هذه الحلول «مبادرة أميركية» يقودها مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، وتستهدف التوصل إلى صيغة لتقاسم السلطة بين طرفي الصراع في البلاد.

بنود التفاوض بشأن هذه المبادرة لا تزال طي الكتمان، الأمر الذي دفع البعض إلى وصفها بـ«الصفقة» لا «المبادرة»، في ظل محدودية ما كُشف عنها حتى الآن، والذي لم يتجاوز مقترحاً بتولي صدام حفتر، نجل قائد «الجيش الوطني»، رئاسة المجلس الرئاسي، بالتزامن مع تشكيل حكومة موحدة برئاسة عبد الحميد الدبيبة.

وللعلم، دأب بولس على إبراز ما يعدّها «نجاحات» حقّقها حراكه الدبلوماسي منذ صيف العام الماضي، وتوجّت في أبريل (نيسان) هذا العام سواءً في التوصل إلى اتفاق لتوحيد الميزانية للمرة الأولى منذ 13 سنة، أو في جمع قوتين عسكريتين من شرقي البلاد وغربها في مناورة مشتركة بمدينة سرت. غير أن المبادرة لا تزال تواجه رفضاً صارماً من أطراف في الغرب الليبي، ولا سيما في مدينة مصراتة، مسقط رأس الدبيبة، بما تتمتع به مصراتة من ثقل عسكري، إلى جانب مدن وقوى أخرى ترى أن الترتيبات المطروحة لا تحقّق توازناً مقبولاً بين أطراف المشهد السياسي، وتحذّر من مخاطر ما تصفه بـ«عسكرة الدولة».

عضو المجلس الأعلى للدولة قزيط جدد هذا الموقف، قائلاً إن المبادرة «ليست فقط متعثرة، وإنما تحمل في طياتها أسباب تعثرها»، ومشيراً إلى أن الغموض الذي يكتنف مسارها وتفاعلاتها يزيد من «التساؤلات والشكوك» حول فرص نجاحها ومآلاتها.

مبادرة وإشكاليات

تطرح المبادرة، من منظور قزيط، إشكالية أعمق، مفادها أن «الحل نفسه قد يتحول أحياناً إلى عائق أمام الحل»؛ إذ يرى أن المبادرة التي يفترض أن تفتح الطريق أمام التسوية قد تتحول إلى عقبة في طريقها إذا أفضت إلى إعادة إنتاج توازنات القوى ذاتها التي أسهمت في تكريس حالة الانسداد السياسي القائمة.

ومقابل المتحمسين لـ«المبادرة الأميركية» الذين يرون فيها «الحل الواقعي» لوقف صراع دامَ سنوات أنهك الليبيين واستنزف طاقاتهم، يستند معارضوها، ومن بينهم قزيط، إلى أن التفاهمات بين طرفي الصراع الرئيسين «لن تقود بالضرورة إلى تسوية مستقرة»، خصوصاً مع تجاهل مجلسي النواب و«الأعلى للدولة»، وما تبقى من قوى وفعاليات سياسية وقبلية وبلديات ومكوّنات من المجتمع المدني وتشكيلات مسلحة فاعلة.

ومع أن شرق ليبيا قد يكون متّفقاً إلى حد كبير على تمثيل «الجيش الوطني» بقيادة المشير حفتر لها في هذه الترتيبات، فإن قزيط يرى أن «المنطقة الغربية ترفض بشكل واسع» تمثيل حكومة «الوحدة الوطنية» برئاسة الدبيبة لها، لا سيما في ظل المعارضة التي واجهتها حكومته في غرب البلاد خلال السنوات الأخيرة.

أيضاً، لا تقتصر الأصوات الرافضة أو المتحفّظة أو المتشكّكة في المبادرة على الداخل الليبي؛ إذ تمتد المخاوف إلى دوائر غربية لا تخفي قلقها من مآلات تحرك بولس. وهذا ما عكسه «معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى»، الذي وصف المفاوضات بأنها بمثابة «أوكسجين سياسي» للنخب الليبية، التي قد تتعامل معها بوصفها فرصة لتحقيق «مكاسب شخصية وعائلية».

وفي هذه الأثناء، يحتفظ بعض الليبيين بقدر من التفاؤل المشروط بإمكان نجاح المبادرة، بينهم الناشط السياسي المقرّب من القيادة العامة لـ«الجيش الوطني»، عمر بوسعيدة، الذي يرى أن «هناك زخماً دولياً وإقليمياً محيطاً بمبادرة المبعوث الأميركي مسعد بولس، وأدوات ضغط ونفوذاً اقتصادياً وسياسياً غير مسبوق».

ومع ذلك، ينتهي بوسعيدة إلى التحذير من أن هذا الزخم لن يكون كافياً لتجاوز العقبات المحلية وتوحيد السلطة التنفيذية ما لم تتبلور الإرادة الدولية بصورة كاملة، وتتمكّن الإدارة الأميركية وحلفاؤها من تحويل التفاهمات السياسية إلى ترتيبات أمنية ومؤسسية مستدامة على الأرض. وبالتالي، إجراء الأطراف الليبية، الممثلة في «الجيش الوطني» وحكومة «الوحدة» مباحثات بين القاهرة وأنقرة وواشنطن وموسكو؛ سعياً للتوصل إلى تفاهمات تفضي إلى توحيد المؤسسات وإنهاء الانقسام السياسي والأمني.

15 سنة من الصراع على الشرعية السياسية في ليبيا

تسعى التحركات الدولية والأممية إلى إخراج ليبيا من دوامة المراحل الانتقالية وإنهاء حالة الانسداد السياسي، ويظل السؤال المحوري: هل تنجح البلاد في كسر الحلقة المفرغة التي تدور فيها منذ عام 2011؟ هذا التساؤل الذي أثاره «المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية» قبل نحو أربع سنوات، ظل بلا إجابة حاسمة، متقاطعاً مع المعضلة الحقيقية المتمثلة في تراجع الثقة وغياب الضمانات اللازمة لحل الأزمة في ظل صراع قائم على الشرعية السياسية. يتجلى هذا المشهد في المسارات التي أعقبت إسقاط نظام معمر القذافي، حين تعاقبت صيغ سياسية متعددة؛ حملت كل منها وعداً بالوصول إلى دولة مستقرة ومؤسسات دائمة، غير أن كل تسوية كانت تنتهي قبل تحقيق غايتها، مفسحة المجال أمام صيغة انتقالية أخرى أكثر تعقيداً وأقل قدرة على توحيد البلاد. بدأت الرحلة مع «المجلس الوطني الانتقالي» الذي أدار البلاد عقب سقوط النظام السابق، قبل أن يسلّم السلطة إلى «المؤتمر الوطني العام» المنتخب في أغسطس (آب) 2012. وبدا ذلك الانتقال كأنه تأسيس سياسي جديد، لكنه أخفق في بناء مؤسسات قادرة على احتواء الخلافات. ومع انتخابات مجلس النواب عام 2014، دخلت الأزمة مرحلة جديدة بتدوير التنافس السياسي إلى انقسام مؤسسي بين حكومتين واقتتال أهلي، ليرسم الانقسام خريطة القوة بين شرق البلاد وغربها، ويغدو توحيد المؤسّسات شرطاً متكرّراً في كل تسوية وسبباً رئيساً لتعثرها. بعدها، جاء «اتفاق الصخيرات» بالمغرب في ديسمبر (كانون الأول) 2015 محاولةً لإعادة هيكلة السلطة التنفيذية وتوحيد المؤسسات عبر حكومة «الوفاق الوطني». لكنه لم يُنهِ الانقسام، بل ظلت ترتيبات الحكم مرهونة بتوازنات القوى المسلحة والسياسية، ليبقى الاتفاق «معالجة انتقالية» لا تأسيساً لنظام مستقر. «حرب طرابلس» عام 2019 عكست حدود تلك التسويات، قبل أن يفتح اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر (تشرين الأول) 2020 الطريق أمام مسار أممي جديد أسفر في فبراير (شباط) 2021 عن اختيار «سلطة تنفيذية مؤقتة»، تمثلت مهمتها الأساسية في إيصال البلاد إلى انتخابات وطنية بحلول نهاية ذلك العام. لقد كان مُفترضاً أن تشكّل انتخابات 24 ديسمبر (كانون الأول) 2021 نقطة الخروج من المراحل الانتقالية، لكنها تعثرت نتيجة الخلافات حول القاعدة الدستورية وشروط الترشح ونزاهة المؤسسات المنظمة. ومنذ ذلك الحين، دخلت البلاد في دوامة مفتوحة بلا أفق محدد. وفي عام 2022، أدى ظهور حكومة منافسة في الشرق إلى إعادة إنتاج الانقسام التنفيذي، فيما واصلت المؤسسات السيادية والعسكرية عملها عبر ترتيبات متوازية، لـتتحول الانتخابات من أداة لإنهاء الانقسام إلى محور صراع حول شرعية إدارة الدولة. اليوم، تسعى المبعوثة الأممية هانا تيتيه إلى تعديل المعادلة عبر مسار يجمع بين إصلاح الإطار الانتخابي، وتوحيد المؤسسات، ومعالجة الملفات السياسية والأمنية والاقتصادية. وعلى خط موازٍ، تتحرك واشنطن بشكل مباشر عبر مبادرة للحل، معتمدة على توحيد الحكومة والمؤسسات لتهيئة البيئة الملائمة للانتخابات. ويرهن مراقبون نجاح هذه التحركات بقدرة الأطراف الليبية والدولية على معالجة جذور المعضلة وصولاً إلى إنهاء الصراع الفردي على الشرعية السياسية، وإجراء الانتخابات العامة وإعادة السيادة للدولة.


خافيير بيسيرا... «الديمقراطي الهادئ» أمام اختبار انتخابات حاكم كاليفورنيا

مراقبون يرون أن رواية الجمهوريين عن «انهيار كاليفورنيا» مبالغ فيها لكن ارتفاع الكلفة والتعقيد التنظيمي والهجرة العكسية ليست أوهاماً
مراقبون يرون أن رواية الجمهوريين عن «انهيار كاليفورنيا» مبالغ فيها لكن ارتفاع الكلفة والتعقيد التنظيمي والهجرة العكسية ليست أوهاماً
TT

خافيير بيسيرا... «الديمقراطي الهادئ» أمام اختبار انتخابات حاكم كاليفورنيا

مراقبون يرون أن رواية الجمهوريين عن «انهيار كاليفورنيا» مبالغ فيها لكن ارتفاع الكلفة والتعقيد التنظيمي والهجرة العكسية ليست أوهاماً
مراقبون يرون أن رواية الجمهوريين عن «انهيار كاليفورنيا» مبالغ فيها لكن ارتفاع الكلفة والتعقيد التنظيمي والهجرة العكسية ليست أوهاماً

لم يصل خافيير بيسيرا إلى صدارة السباق على حاكمية ولاية كاليفورنيا الأميركية بوصفه المرشح الأكثر شهرة أو صاحب البرنامج الأكثر صخباً. إذ انتزع المركز الأول في الانتخابات التمهيدية بنسبة 28 في المائة، مستفيداً من تفكّك مجموعة منافسيه وانسحاب أسماء كانت تتقدّمه، ثم وجد نفسه المرشح الديمقراطي في ولاية تميل بقوة إلى حزبه. إلا أن المفارقة أن الرجل الذي خدم نحو 35 سنة في مواقع تمتد من برلمان الولاية إلى الكونغرس ووزارة الصحة، لا يزال، في نظر كثيرين في ساكرامنتو، عاصمة كاليفورنيا، مجهولاً سياسياً: يعرفون سجلّه ولا يعرفون تماماً كيف سيحكم. هذه ليست مسألة أسلوب فقط. فحاكم كاليفورنيا المقبل سيرث رابع أكبر اقتصاد في العالم، لكنه سيرث أيضاً أزمة سكن وتأمين وطاقة وتشرّد، وقلقاً من الضرائب والقيود التنظيمية وهجرة السكان والأعمال. وبالتالي، سيُطلب من بيسيرا أن يحدّد ما إذا كان سيواصل نموذج الحاكم الديمقراطي الحالي غافين نيوسوم، أم يعيد توجيه الحزب الديمقراطي من المعارك الرمزية الكبرى إلى اختبار يومي أبسط وأقسى: هل تستطيع حكومة تقدمية جعل الحياة أقل كلفة من دون إضعاف القدرة التنافسية للولاية؟

وُلد خافيير بيسيرا في مدينة ساكرامنتو، العاصمة السياسية لولاية كاليفورنيا، عام 1958، وهو ثالث أربعة أبناء لعائلة عاملة محدودة الدخل.

كان والده مانويل قد وُلد أيضاً في ساكرامنتو، لكنه نشأ في مدينة تيخوانا المكسيكية الحدودية، في حين تربّت والدته ماريا تيريزا في مدينة غوادالاخارا، ثاني كبرى مدن المكسيك، قبل انتقالها إلى الولايات المتحدة.

ولقد عمل الأب عاملاً زراعياً في الحقول ثم في شق الطرق، وعملت الأم سكرتيرة. وبحسب السيرة الرسمية في مجلس النواب، عاش الأبناء في منزل صغير قرب حي لاند بارك، وكان خافيير أول فرد في العائلة يحصل على شهادة جامعية.

بداية الصعود والحياة الأسرية

تبدو قصة دخول خافيير جامعة ستانفورد الشهيرة أقرب إلى الحكايات الأميركية الكلاسيكية؛ إذ عثر على طلب التحاق فارغ كان صديق له يريد التخلّص منه، فملأه وقُبل.

وفي ستانفورد درس الاقتصاد وتخرّج عام 1980، ثم نال شهادة القانون من كلية الحقوق في الجامعة ذاتها، عام 1984. وهناك تعرّف إلى كارولينا رييس، التي أصبحت طبيبة وزوجته وأم بناتهما الثلاث. وبعد التخرّج انتقل إلى ولاية ماساتشوستس، في الجانب الآخر من أميركا، حيث كانت زوجته تدرس الطب في جامعة هارفارد، وعمل في مجال المساعدة القانونية، قبل أن يعود إلى كاليفورنيا مساعداً للسيناتور المحلي آرت توريس ثم نائباً للمدعي العام في الولاية.

هذه السيرة تمنح خافيير بيسيرا «لغة سياسية» تتجاوز الانتماء الإثني؛ فهو ابن عامل نقابي، وأول جامعي في أسرته، ومحام بدأ بخدمة محدودي الدخل. وكل هذه عناصر تفسر تركيزه الدائم على الرعاية الصحية والضمان الاجتماعي والهجرة، لكنها توفر له أيضاً مَدخلاً إلى ناخبين بيض ومستقلّين لا تتحرك خياراتهم على أساس الهويّة بقدر ما تتأثر بالطبقة والاستقرار الاقتصادي.

صعود بلا ضجيج

بدأ بيسيرا طريقه الانتخابية عام 1990 بمفاجأة تشبه فوزه الأخير؛ إذ دخل سباقاً على مقعد في برلمان كاليفورنيا وهو قليل الشهرة، وخاض حملة طرق أبواب مكّنته من التواصل مع الطبقة الوسطى اللاتينية والأحياء الأفقر في شرق لوس أنجليس، ففاز في الانتخابات التمهيدية بنسبة 35 في المائة. وبعد ولاية واحدة فقط، انتقل عام 1993 إلى مجلس النواب الأميركي ممثلاً إحدى مناطق مدينة لوس أنجليس، وبقي فيه 24 سنة.

في العاصمة واشنطن، بنى بيسيرا نفوذه بالتدرّج: ترأس كتلة النواب من أصول لاتينية، وأصبح أول لاتيني ينضم إلى لجنة الوسائل والموارد النافذة، ثم ترأس الكتلة الديمقراطية في مجلس النواب بين 2013 و2017. وبعدها اشتغل على الهجرة والضرائب والضمان الاجتماعي والرعاية الصحية، وكان قريباً من نانسي بيلوسي، رئيسة مجلس النواب، لكنه حرص على ألا يُختصر في قضايا اللاتينيين، قائلاً مبكراً إن مَن لديه مشكلة ضريبية أو صحية يجب أن يراه ممثلاً له أيضاً.

في الحقيقة، لم تكن الطريق سلسلة انتصارات متصلة. ففي 2001 جرّب العودة إلى السياسة المحلية مرشحاً لرئاسة بلدية لوس أنجليس، لكنه خسر في معركة تمهيدية مزدحمة. وعندما عرض عليه الرئيس باراك أوباما منصب الممثل التجاري الأميركي عام 2008، فضّل البقاء في مجلس النواب. ويكشف القراران عن سمتين لازمتاه: طموح يتجاوز المقعد النيابي، وحذر يجعله يختار توقيت انتقاله وموقع القوة الذي يريد أن ينطلق منه.

تعيينه محامياً عاماً

عام 2017، عيّنه الحاكم جيري براون مدعياً عاماً خلفاً لكامالا هاريس، ثم فاز بالمنصب انتخابياً. وهناك، تحوّل من مشرّع هادئ إلى أحد أبرز خصوم إدارة دونالد ترمب الأولى، فرفع أكثر من مائة دعوى في ملفات الهجرة والبيئة والرعاية الصحية والحقوق الإنجابية.

وفي عام 2021، اختاره الرئيس جو بايدن وزيراً للصحة والخدمات الإنسانية. وأشرف حينذاك على مرحلة الجائحة (كوفيد - 19) وتنفيذ توسيع التغطية الصحية، وعلى أول مفاوضات لخفض أسعار أدوية ضمن «ميديكير» بموجب قانون خفض التضخم.

لكن تجربته مع السلطة الفيدرالية تركت ظلالاً أيضاً؛ إذ اتهمه مسؤولون سابقون بالبطء وقلة الحضور خلال أزمات، ولاحقته انتقادات بشأن سرعة تسليم القاصرين المهاجرين غير المصحوبين إلى كفلاء لم يخضع بعضهم لتدقيق كافٍ. وهذه الانتقادات يرفضها بيسيرا ويعدُّها هو وحلفاؤه مُجحفة، غير أنها تضع أمامه سؤالاً مشروعاً: هل أسلوبه التشاوري الدقيق ميزة في إدارة مؤسسة ضخمة، أم هو تردّد لا تحتمله الأزمات؟

فوز بين الشقوق

تقول «بوليتيكو» إن بيسيرا لم يكن الخيار الأول لمعظم مراكز القوى في الحزب الديمقراطي؛ إذ أحجم كل من كامالا هاريس وأليكس باديّا عن خوض السباق، وانسحب إريك سوالويل بعد انهيار حملته، في حين أنفق الملياردير توم ستاير مبالغ طائلة ليحتلّ المساحة التقدمية بوعود تشمل الرعاية الصحية ذات الدافع الواحد وفرض ضرائب على المليارديرات وتفكيك احتكارات المرافق. أما بيسيرا فظهر بمظهر «اليد الثابتة» الموثوقة والبديل الأقل مخاطرة.

وفق النتائج الرسمية، نال بيسيرا 28 في المائة مقابل 24.6 في المائة للجمهوري ستيف هيلتون. وهذه نتيجة تمنحه بطاقة العبور، لا تفويضاً كاسحاً. لكنه خرج منها بميزة نادرة: لم يصل محمولاً على قائمة طويلة من التعهّدات أو مُرتهناً بالكامل للنقابات ومجموعات المصالح التي تأخرت في تأييده. وهذا يفسّر جانباً من حذَر ساكرامنتو؛ فالجهات النافذة لا تعرف بعد مَن سيختار لفريقه... ولا أي الملفات سيقدّم.

في المقابل، تبدو الانتخابات العامة أقل غموضاً؛ إذ أظهر استطلاع معهد بيركلي للدراسات الحكومية يوم 13 أغسطس (آب) تقدّمه على هيلتون بـ55 في المائة مقابل 37 في المائة. غير أن ضمان الفوز تقريباً قد يتحوّل إلى مشكلة حكم. ذلك أنه سيكون عليه أن يصنع تفويضه بعد الانتخابات، لا أن يزعم أن المعركة التمهيدية منحته إياه.

برنامج ينتظر التفاصيل

يردّ بيسيرا على من يسأله عما سيفعل بعبارة «انظروا إلى سجلّي!». وفي رد له على «بوليتيكو»، قال إنه يستطيع إطلاق وعود كبيرة، لكنه لا يريد الفوز بتعهّدات مضخّمة قد لا يستطيع تنفيذها.

في نظر مؤيديه، هذا انضباط اكتسبه بيسيرا من إدارة ملفات حياة أو موت إبان جائحة «كوفيد - 19»، أما في نظر منتقديه، فإنها طريقة لطيفة لتأجيل الخيارات الصعبة.

مع هذا، أجندة بيسيرا ليست فارغة. فهو يقترح تجميد زيادات أقساط التأمين على المنازل، وتحديد مشاريع إسكان جاهزة للبناء، ووضع خطة شاملة تجعل قدرة الأسرة المتوسطة على شراء المنزل المتوسط هدفاً قابلاً للقياس.

ثم إنه يتعهّد بالحفاظ على التغطية الصحية لملايين قد يتضرّرون من التخفيضات الفيدرالية، واستعادة تغطية مهاجرين غير موثقين قلّصها الحاكم الحالي نيوسوم، والتحرّك من ثم تدريجياً نحو نظام صحي شامل.

أيضاً طرح منح الأسر المنخفضة الدخل ساعتين مجانيتين من الكهرباء في منتصف النهار للاستفادة من فائض الطاقة الشمسية، مع تقدير وفر قد يصل إلى ألف دولار سنوياً للأسرة المستفيدة. وسيواصل وقف تنفيذ أحكام الإعدام، لكنه يلمّح إلى اختلافات مع نيوسوم. فهو، مثلاً يعارض السماح للشاحنات الذاتية القيادة بالعمل بلا سائق، بعدما قاوم الحاكم الحالي قيود النقابات عليها، وأبدى تردّداً أولياً قبل أن يؤيد إمكان تحقيق هدف وقف بيع السيارات الجديدة العاملة بالبنزين في 2035.

ويؤيد بيسيرا أيضاً رسماً على الشركات التي تدفع أجوراً منخفضة تجعل موظفيها مؤهلين للمساعدات العامة، وقد يستخدم عائداته لتمويل التغطية الصحية. لكن هذا يحتاج إلى أكثرية الثلثين في المجلس التشريعي، وقد يصطدم بغرفة تجارة كاليفورنيا التي أيدته.

هذه التناقضات هي جوهر امتحان بيسيرا الاقتصادي. فوفق معهد السياسات العامة في كاليفورنيا، بلغ اقتصاد الولاية 4.3 تريليون دولار عام 2025، لكنه نما منذ 2020 بوتيرة أبطأ من نمو اقتصاد كل من ولايتي تكساس وفلوريدا. وتفيد وزارة المال في الولاية بأن صافي الهجرة الداخلية سجّل خسارة قدرها 216 ألف شخص للسنة 2024 - 2025.

ويرى مراقبون أن رواية الجمهوريين عن «انهيار كاليفورنيا» مبالغ فيها، لكن ارتفاع الكلفة والتعقيد التنظيمي والهجرة العكسية ليست أوهاماً. ولا يكفي لمواجهتها أن يعِد بيسيرا بجمع الأطراف حول الطاولة؛ عليه تحديد ما سيبسّطه، وما سيموّله، ومن سيدفع الثمن.

من الهوية إلى اختبار الحكم

في أي حال، إذا فاز بيسيرا فسيصبح أول لاتيني يُنتخب حاكماً لكاليفورنيا، وأول من يتولّى المنصب منذ روموالدو باتشيكو الذي شغله لعشرة أشهر عام 1875 بعد شغوره.

هنا للرمزية وزن واضح في ولاية يشكل فيها اللاتينيون 38 في المائة من البالغين، وقد خاطبهم بيسيرا بالإسبانية وعبر «تيك توك» تحت صورة «العم خافيير». لكنها ليست شيكاً انتخابياً مفتوحاً: اللاتينيون لا يمثلون سوى 29 في المائة من الناخبين المرجّح اقتراعهم، وقد حقّق الجمهوريون تقدماً بينهم في دورات أخيرة.

ولذا يحتاج بيسيرا إلى ائتلاف أوسع. وتظهر بيانات معهد السياسات العامة أن البيض يمثلون نصف الناخبين المرجح اقتراعهم، وأن 51 في المائة من المُستقلين يعدّون أنفسهم «معتدلين». وهنا قد يخدمه أسلوبه غير الاستعراضي وخلفيته العمالية، شرط أن يحوّل الاعتدال في النبرة إلى وضوح في النتائج. فالمستقل لا يطلب منه تقليد الجمهوريين، بل إثبات أن حماية المناخ والمهاجرين والعمال لا تعني تجاهل فاتورة الكهرباء أو عجز الأسرة عن شراء منزل.

بعض القراءات تلتقط، راهناً، تحولاً حقيقياً في مسار الحزب الديمقراطي؛ إذ ترى أن تركيزه على أسعار الدواء والإيجارات والخدمات المحلية ينقله من قوة ذات رؤية «كونية» إلى حزب أكثر انكفاءً على الشأن المحلي. غير أن هذا التحول لا يعني بالضرورة نزعة انعزالية؛ فقد أظهر استطلاع أُجري في مايو (أيار) 2026 أن الناخبين باتوا أقل استعداداً لمكافأة الخطاب المجرّد؛ إذ وضع 44 في المائة منهم كلفة المعيشة والاقتصاد في صدارة مشاكل الولاية، تليهما أزمة السكن. ثم إن وظيفة الحاكم تقوم أساساً على إدارة هذه التفاصيل، بينما تتجاوز عادةً، آثار سياسات كاليفورنيا في المناخ والتكنولوجيا والخصوصية والسيارات حدود الولاية.

آيديولوجياً، بيسيرا نفسه ليس تجسيداً صافياً لانتفاضة «تقدّمية» على «المؤسسة»؛ فهو ابن المؤسسة الديمقراطية، وإن كان تقدمياً في الصحة والهجرة والحقوق. ولذا قد لا يكون صعوده انكفاءً عن «الكونية»، بل محاولة لإعادة بنائها من أسفل؛ أي إقناع الناخب أولاً بأن الحكومة قادرة على خفض كلفة الدواء والسكن والطاقة، ثم تقديم نموذج كاليفورنيا إلى البلاد.

نجاحه في ذلك قد يمنح الديمقراطيين جواباً عن أزمة القيادة المقبلة؛ أما فشله فسيحوّل رمزية انتخاب أول حاكم لاتيني منذ قرن ونصف قرن إلى إنجاز تاريخي محدود الأثر.


من ريغان إلى نيوسوم: حكّام صنعوا كاليفورنيا الحديثة

ريغان (آ ب)
ريغان (آ ب)
TT

من ريغان إلى نيوسوم: حكّام صنعوا كاليفورنيا الحديثة

ريغان (آ ب)
ريغان (آ ب)

تعاقب على كاليفورنيا منذ عقد الستينات حكّام من الحزبين ترك كل منهم تعريفاً مختلفاً لدور الولاية وحدود السلطة التنفيذية. وتُظهر القائمة التاريخية الرسمية أن الهيمنة الديمقراطية الراهنة حديثة نسبياً، بعدما حكم الجمهوريون معظم الفترة الممتدة من 1983 إلى 1999، ثم عادوا مع أرنولد شوارتزنيغر. وهذا التاريخ يجعل الحاكمية أيضاً مختبراً لإنتاج زعامات وطنية، لا مجرد إدارة محلية لولاية كبيرة.

إدموند «بات» براون (ديمقراطي، 1959-1967): يُعد مهندس كاليفورنيا الحديثة؛ وسّع الجامعات والطرق ومشاريع المياه في مرحلة نمو سكاني هائل. لكن اضطرابات الستينات والقلق من الضرائب والجريمة مهّدت لهزيمته أمام رونالد ريغان.

رونالد ريغان (جمهوري، 1967-1975): وصل بخطاب محافظ ضد الاحتجاجات على خلفية «حرب فيتنام» والإنفاق الحكومي، وحوّل الحاكمية إلى منصة وطنية قادته لاحقاً إلى البيت الأبيض. إلا أن سجله التنفيذي كان أكثر براغماتية من شعاراته؛ وافق على زيادات ضريبية ووقّع قوانين اجتماعية وتنظيمية لا تنسجم كلها مع صورته المحافظة اللاحقة.

شوارتزنيغر (آ ب)

إدموند «جيري» براون (ديمقراطي، 1975-1983 و2011-2019): ابن الحاكم حكم ولايتين تفصل بينهما ثلاثة عقود. في الأولى مثّل جيلاً ديمقراطياً جديداً وواجه ثورة الضرائب التي جسّدها الاقتراح 13. وعندما عاد، قدّم نفسه حارساً مالياً، عالج عجزاً كبيراً وراكم احتياطيات، فيما دفع بقوة بسياسات المناخ والقطار السريع.

جورج ديوكمجيان (جمهوري، 1983-1991): جعل مكافحة الجريمة وتوسيع السجون محور حكمه، وتمسك بمقاومة الضرائب. جسّد مرحلة كان فيها الجمهوريون قادرين على الفوز بأكثرية مستقرة في الولاية.

بيت ويلسون (جمهوري، 1991-1999): واجه ركوداً قاسياً واضطر أولاً إلى زيادات ضريبية، ثم تبنى الاقتراح 187 الذي حرم المهاجرين غير الموثّقين خدمات عامة. عزز ذلك فوزه عام 1994، لكنه أسهم على المدى البعيد في نفور اللاتينيين من الحزب الجمهوري.

نيوسوم (غيتي)

غراي ديفيس (ديمقراطي، 1999-2003): أعاد الديمقراطيين إلى الحاكمية، لكن أزمة الكهرباء والعجز وصورته بوصفه سياسياً شديد الارتباط بالمانحين قادت إلى عزله من منصبه في اقتراع تاريخي.

أرنولد شوارتزنيغر (جمهوري، 2003-2011): فاز في الانتخابات التي أجريت بعد عزل ديفيس بقوة شهرته السينمائية، وبدأ محافظاً إصلاحياً ثم تحرك نحو الوسط. أبرز إرثه قانون خفض الانبعاثات لعام 2006 ومشروعات البنية التحتية، فيما ظلت أزمة الموازنة نقطة ضعفه الكبرى.

غافين نيوسوم (ديمقراطي، 2019-2027): حوّل الولاية إلى رأس حربة ديمقراطية في مواجهة ترمب، ووسّع سياسات المناخ والصحة والحقوق الإنجابية، ونجا من محاولة عزل عام 2021. لكنه يترك لخلفه أزمات السكن والتشرد والتأمين وكلفة المعيشة، ومعضلة الفصل بين قوة «نموذج كاليفورنيا» وطنياً وصعوبة تقديم خدمات مقنعة يومياً.