العراق: تصويت بالدم والنار ضد قوى الإسلام السياسي

صيف حار فجّر أقوى حركة احتجاجية في تاريخ البلاد

العراق: تصويت بالدم والنار ضد قوى الإسلام السياسي
TT

العراق: تصويت بالدم والنار ضد قوى الإسلام السياسي

العراق: تصويت بالدم والنار ضد قوى الإسلام السياسي

حصل مواطن عراقي على رقم هاتف زوجة وزير الكهرباء فاتّصل بها وادّعى أنه من ديوان رئيس الحكومة، وهو يتّصل ليهنئ بتعيين ابنها مديراً عاماً للموانئ في محافظة الأنبار. زوجة الوزير سارعت بتقديم الشكر، لكنّها ما لبثت أن تساءلت باستنكار: «وهل في الأنبار بحر لتكون فيها موانئ ويُعين ابنها مديراً عاماً لها!... فردّ المتصل هو أيضاً بسؤال استنكاري: وهل توجد لدينا كهرباء ليكون زوجك وزيراً للكهرباء!».
هذه بالطبع ليست واقعة حقيقية. بل هي نكتة أطلقها عراقي ظريف في اليوم نفسه الذي اندلعت فيه أحدث موجة من الاحتجاجات الشعبية اشتعل فتيلها في البصرة، المحافظة العراقية الوحيدة التي فيها موانئ، مع التهاب حرارة منتصف الصيف وبلوغها نصف درجة الغليان. والبصرة، كما سائر محافظات العراق، تعاني منذ خمس عشرة سنة، هي عمر نظام ما بعد صدام، من الانهيار المتفاقم لنظام الخدمات العامة. وفي مقدم هذه الخدمات الكهرباء، التي تراجع التجهيز بها كثيراً منذ مطلع هذا الشهر بعدما أوقفت إيران تصدير الكهرباء إلى العراق لأسباب عزتها المصادر الرسمية الإيرانية إلى انعدام الفائض من الكهرباء في الوقت الذي تشتدّ حاجة إيران هي الأخرى للطاقة. في المقابل، أفادت مصادر أخرى بأن القطع يرجع إلى تلكؤ الحكومة العراقية في أجور الكهرباء الإيرانية، وراحت جهات ثالثة أبعد بالقول إن للقطع الإيراني علاقة بالنشاط الإيراني المحموم عقب الانتخابات البرلمانية الأخيرة في العراق، وهو نشاط كان يضغط باتجاه تشكيل حكومة عراقية جديدة تفسح في المجال لنفوذ أكبر للأحزاب والميليشيات العراقية المدعومة سياسياً ومالياً وتسليحياً من طهران.

كثيراً ما يُعيد تاريخ العراق نفسه، فيضانات وأوبئة وغزوات خارجية وانقلابات داخلية وانتفاضات، وغالباً ما تأتي الإعادة في صورة مأساة وأحياناً في صيغة مهزلة، لكن مهازل التاريخ العراقي من النوع الموجع والمبكي.
ما يعيشه العراقيون الآن ينتمي إلى هذا النوع. ذلك أن العراق من الدول الرئيسية المنتجة والمصدرة للنفط، محتلّة الترتيب الثاني بين دول «أوبك» بعد المملكة العربية السعودية. ويبلغ إنتاجها اليومي الآن يزيد على 4 ملايين برميل، متجاوزة كلاً من الكويت ودولة الإمارات لعربية المتحدة، ومع ذلك يكابد العراقيون منذ أكثر من عشر سنين حال الشحّ الشديد في الكهرباء ومصادر الطاقة الأخرى، بما فيها المشتقّات النفطية المُصنّعة؛ ما ترك آثاره الخطيرة على الحياة الاجتماعية، فضلاً عن الاقتصادية.
الكهرباء لم تكن سوى الشرارة التي أوقدت نار الحركة الاحتجاجية الأخيرة التي انطلقت في الثامن من يوليو (تموز) الحالي. وللعلم، ثمة أسباب كثيرة أخرى كانت على الدوام تدفع بالعراقيين للاحتجاج الذي بدأ مسلسله في فبراير (شباط) 2011 في ذروة حراك «الربيع العربي»، وتواصل عبر السنوات السبع الماضية كلّها.
نظام الخدمات العامة بأكمله منهار، وهناك شحّ حتى في مياه الشرب في بلاد الرافدين، عدا عن مياه السقي للأراضي الزراعية، وكان المطلب الثاني للمحتجّين في البصرة وسائر محافظات الجنوب - بعد الكهرباء - توفير المياه، إضافة إلى فرص العمل للخرّيجين الذين تفشت في صفوفهم البطالة، وحلّ أزمة السكن ومشكلات النقل والتلوث البيئي، وتحسين الخدمات الصحية والتعليمية المتردية هي الأخرى.

- فتّش عن الفساد
كلمة السرّ في الوضع العراقي المأساوي هي الفساد الإداري والمالي. فالعراقيون يشكون من أنهم لا يتمتّعون بعائدات نفطهم الوفيرة. عشرات المليارات من الدولارات لا يظهر لها أي أثر سنوياً، بل يستحوذ عليها «بيروقراطيو» أجهزة الدولة التي يديرها عناصر عدد من الأحزاب المتنفّذة في البرلمان والحكومة ومجالس المحافظات، وهي أحزاب أسلامية في الغالب (شيعية في الوسط والجنوب وسنيّة في المحافظات الغربية)، فضلاً عن الأحزاب الكردية المتنفّذة في إقليم كردستان.
وسنوياً، يأتي ترتيب العراق في صدارة القائمة التي تعدّها «منظمة الشفافية الدولية» الخاصة بالفساد الإداري والمالي. وفي العراق نفسه تحفل تقارير الهيئات الرقابية الوطنية بوقائع وأسماء كثيرة ذات صلة بالفساد. والمشكلة دائماً تكمن في أن المتّهمين بالفساد هم في الغالب زعماء سياسيون وأعضاء في البرلمان والحكومة وهيئات الدولة الأخرى؛ ما يجعلهم في منأى من الحساب والملاحقة لأنهم يحظون بحماية أحزابهم وميليشياتها. وثمة أرقام غير رسمية تتحدث عمّا يراوح بين 400 و600 مليار دولار التهمتها «ماكينة» الفساد منذ 2003. وفي الغالب يجري تحويل الأموال المستحوذ عليها إلى الخارج، فلا تدخل في الدورة الاقتصادية المحلية، وبذلك تكون خسارة الاقتصاد الوطني بها مضاعفة.
ظاهرة الفساد هذه تولّدت عن نظام المحاصصة الطائفية والقومية الذي عملت به القوى المتنفّذة، وتقاسمت على وفقه مناصب الدولة قاطبة بخلاف ما نصّ عليه دستور البلاد الدائم.
بعد أقل من سنتين من إسقاط نظام صدام حسين (2003) استفتي العراقيون على دستور دائم لهم كان من المفترض أن يكون الأساس لنظام ديمقراطي فيدرالي. الدستور كُتب في 2005 على عجل تحت وطأة أعمال الإرهاب التي شهدتها البلاد من جانب فلول النظام السابق التي تحالفت مع تنظيم «القاعدة» الإرهابي، وكذلك تحت وطأة رغبة الولايات المتحدة في سحب قواتها من العراق لتفادي المزيد من الخسائر البشرية والمادية التي لحقت بها.
«الجمعية الوطنية الانتقالية» التي كتبت الدستور وضعت فيه مادة ألزمت أول برلمان منتخب بتعديل مواده في غضون سنة بعد انعقاد جلسته الأولى، لمعالجة نواقصه وثغراته. وأنجزت اللجنة، التي كلّفها البرلمان الأول المشكّل مطلع 2006، في الوقت المحدّد مهمة اقتراح التعديلات اللازمة التي زاد عددها على الخمسين، وكان يتعيّن أن يناقشها البرلمان ويطرحها إلى الاستفتاء العام في 2007، بيد أن ذلك البرلمان وبرلمانَين آخرَين أعقباه لم تُنجز المهمة.
في انتظار الاستفتاء على التعديلات المقترحة، اعتمدت الأحزاب المتنفذة لإدارة الدولة نظام «المحاصصة» الذي قالت إنه سيجري الالتزام به لدورة برلمانية واحدة من أربع سنوات، في سبيل طمأنة الأطراف المختلفة إلى صون حقوقها جميعاً في ظل النظام الجديد. وبموجب «المحاصصة» أُعطيت رئاسة الحكومة إلى شخصية شيعية، ورئاسة الجمهورية إلى شخصية كردية، ورئاسة مجلس النواب إلى شخصية سنّية، وجميعهم من الأحزاب الحاكمة. ثم جرى توزيع مناصب الدولة العليا الأخرى على هذا المنوال، بل امتدّ الأمر إلى المناصب والوظائف الدنيا كذلك.

- مستعمرات و«كانتونات» حزبية
أسفر هذا الترتيب عن خلق مستعمرات و«كانتونات» حزبية أباحت لنفسها التعدّي على المال العام المتأتي من عائدات النفط التي تجاوزت في بعض السنوات المائة مليار دولار سنوياً. وتعرّض هذا المال لعملية نهب لم يسبق لها نظير في تاريخ العراق والمنطقة أيضاً؛ ما أدى إلى عجز الدولة عن تأمين حاجات القطاعات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المختلفة من المشروعات التي ظلّ العراق في أمسّ الحاجة إليها بعد حقبة الديكتاتورية والحروب الطويلة.
ثم أن صراع الأحزاب الحاكمة فيما بينها على المزيد من مصادر السلطة والثروة كان من أقوى العوامل وراء إثارة النزاع الطائفي المسلح (الشيعي - السني). فلقد خلدت قيادات هذه الأحزاب إلى «جدوى» الطابع الطائفي للصراع من أجل حشد المؤيدين والأنصار إلى جانبها، وبخاصة في فترات الانتخابات البرلمانية والمحلية. وظلت الحكومات المتعاقبة تتذرّع بـ«الحرب الأهلية» الطائفية (2006 – 2008)، وبالإرهاب لتفسير التأخر في حدوث التقدّم الموعود في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وبحلول عام 2010 كانت تلك الحرب قد توقفت و«القاعدة» قد هُزمت مع تنامي قوة الجيش والشرطة العراقيين ودعم قوات التحالف الدولي، بيد أن أحوال العراقيين ظلّت تتدهور رغم حصول قفزة كبيرة في عائدات النفط.
على وقع أحداث «الربيع العربي» عام 2011، انطلقت في بغداد والبصرة والموصل وسائر المدن، سلسلة احتجاجات على تردّي نظام الخدمات العامة وارتفاع مستويات الفقر والبطالة. وتطوّرت مطالب المحتجّين إلى الدعوة لإصلاح العملية السياسية، ابتداء بتعديل الدستور وإنهاء نظام «المحاصصة»، ووضع حدّ للفساد، وبعث الحياة في قطاعات الاقتصاد.
الحكومة، التي كانت آنذاك برئاسة زعيم حزب الدعوة الإسلامية نوري المالكي، قابلت الدعوة للتظاهر في 25 فبراير 2011 بعدائية شديدة، فواجهتها بقمع سافر اشتمل على إطلاق الرصاص الحي وقنابل الغاز المُسيل للدموع والضرب بالهراوات والاعتقال التعسفي الذي يحرّمه الدستور. وعندما لم تفلح تلك الإجراءات في وقف المظاهرات التي امتدت أسابيع، اضطر المالكي إلى الاعتراف بشرعية ودستورية المطالب واعداً بتحقيقها، لكنّه لم يفعل شيئاً. وكذا الحال، كان عندما انطلقت في أواخر 2012 وأوائل 2013 مظاهرات في المحافظات الغربية (السنّيّة) ندّدت أيضاً بالتمييز والتهميش ضد سكان هذه المحافظات، واستعملت الحكومة القوة المفرطة في فضّ الاعتصامات التي تطوّرت إليها المظاهرات.

- الصدمة الكبرى
أسابيع قليلة بعد الانتخابات البرلمانية، التي أجريت في مايو (أيار) 2014، اجتاح تنظيم داعش ثلث مساحة العراق وأعلن ما دعاها «الدولة الإسلامية» المزعومة التي جعلت من مدينة الموصل عاصمة لها. هذا التطور أصاب الرأي العام العراقي بصدّمة شديدة، خصوصاً، عندما انتشرت التفاصيل لاحقاً لتفيد بأن القوات العراقية ذات العدد والعدة الكبيرين لم تعمل على ردّ هجوم «داعش» - الذي نفذّه بضعة مئات فقط من عناصر التنظيم المسلحين بأسلحة خفيفة ومتوسطة - . بل تبيّن أن القوات الحكومية ألقت أسلحتها وتركت معسكراتها فيما يشبه حال الاستسلام.
وازداد هول الصدمة عندما تكشّفت تفاصيل مجازر جماعية ارتكبها «داعش» ضد المدنيين، منها تلك التي استهدفت الإيزيديين، ومنها المجزرة التي راح ضحيتها 1700 من المتدربين الشبّان في معسكر إلى الشمال من بغداد، معظمهم من أبناء المحافظات الجنوبية (الشيعية) تُركوا لمصيرهم في معسكرهم فأبادهم بالكامل «داعش».
عاصفة السخط ضد الطبقة الحاكمة، التي ترافقت مع اجتياح «داعش»، أرغمت مجلس النواب على تشكيل لجنة للتحقيق في ظروف المأساة الحاصلة وتحديد المسؤوليات، استغرق عملها أشهراً عدة لتعدّ تقريرها التفصيلي الذي لم يُنشر شيء منه حتى اليوم. وحسب المعلومات المسرّبة، فإنه يُلقي بالمسؤولية على القائد العام للقوات المسلحة، رئيس الوزراء، آنذاك نوري المالكي وعدد من كبار القادة العسكريين والزعماء السياسيين الذين ضغطوا لمنع نشر التقرير.
في غضون ذلك تشكّلت في خريف 2014 حكومة جديدة برئاسة حيدر العبادي (من حزب الدعوة الإسلامية أيضاً) الذي تعهد في برنامج حكومته بإصلاح العملية السياسية، ومكافحة الفساد الإداري والمالي، وفتح ملف سقوط الموصل ومعالجة الخلل في نظام الخدمات العامة، إلا أنه – حتى تاريخه - لم يفِ بأي من هذه التعهدات.
وعندما حلّ صيف 2015 تفجرت من البصرة إلى بغداد حركة احتجاجية قوية، طرحت المطالب ذاتها فاضطر العبادي إلى تقديم حزمتين إصلاحيتين تضمّنتا تعهدات بتحقيق المطالب الشعبية، وحظيتا بتأييد البرلمان الذي دعمها بحزمة مكمّلة. ولكن في نهاية المطاف لم يتحقّق على أرض الواقع أي شيء ذي قيمة، وبخاصة على صعيد إصلاح النظام السياسي، وإلغاء نظام «المحاصصة»، ومكافحة الفساد الإداري والمالي، فاستمرت الحركة الاحتجاجية أشهراً عدة تطورت خلالها إلى عملية اجتياح لمقر البرلمان ومقر رئيس الحكومة في المنطقة الخضراء المحصنّة.
لم يكن في وسع الحكومة أن تلبية المطالب الشعبية، فالإصلاح السياسي لا بد أن يبدأ بتعديل الدستور، وإلغاء نظام «المحاصصة»، وسنّ قانون جديد للانتخابات يُمكّن من كسر احتكار الأحزاب الحاكمة للسلطة وضخّ جيل جديد إلى البرلمان ومجالس المحافظات يكون أكثر قرباً من نبض الناس، لكنّ الطبقة السياسية المتنفّذة ظلّت تعارض بقوة مثل هذه الإصلاحات متحجّجة بذرائع شتى، في مقدمها الحرب ضد «داعش».
وعندما أجريت الانتخابات البرلمانية الأخيرة في مايو الماضي بدا أن العراقيين الذين عِيل صبرهم، انتهزوا الفرصة لمعاقبة الطبقة السياسية المتنفّذة التي رأوا أنها عاشت في عزلة عنهم متنعّمة بامتيازاتها المالية والسياسية والإدارية ولم تعد تمثّلهم، فقاطع معظم الناخبين عملية الاقتراع. إذ المفوضية العليا للانتخابات أن نسبة المقاطعة بلغت 56 في المائة، لكن مصادر بعض الأحزاب المتنافسة ذكرت أن النسبة الحقيقية زادت عن 70 في المائة. حتى الذين اقترعوا عمد أغلبهم إلى معاقبة عدد من السياسيين المتنفّذين بعدم انتخابهم مجدّداً.

- الصيف... والماء
وبحلول الصيف الحالي تفجّرت من جديد أزمة الكهرباء بالترافق مع شحّ المياه الناجم عن تخفيض تركيا وإيران مستوى تدفق المياه في روافد دجلة والفرات وشط العرب ما تسبب في أزمة عطش في المحافظات الجنوبية، وبخاصة، البصرة التي انفجر سكانها سخطاً على الحكومة والطبقة السياسية المتنفّذة.
سكان البصرة بالذات هم الأكثر شعوراً بالمرارة من سياسات الدولة، فمحافظتهم أكبر محافظة منتجة للنفط (40 في المائة من مجموع النفط العراقي)، وعبرها تمرّ معظم الصادرات النفطية بوصفها المحافظة الوحيدة الواقعة على البحر (الخليج العربي)، إلا أن أحوال سكانها تسوء باطراد. وحقاً انطلقت من البصرة موجة جديدة من الاحتجاجات تتواصل حتى الآن وتجاوزت مطالبها الكهرباء إلى سائر القضايا المطروحة على مدى السنين العشر الماضية.
مطالب هذه الحركة التي عمّت كل محافظات الجنوب والوسط (الشيعية) وصولاً إلى العاصمة بغداد، عكست نفاداً لصبر العراقيين، فكانت الحركة أشدّ قوة من سابقاتها وأوسع نطاقاً، ففي مجرى الحركة جرت مهاجمة مقرات الأحزاب الحاكمة (الشيعية على نحو خاص) وميليشياتها وإحراق بعضها في دلالة واضحة على تحميل الناس هذه الأحزاب المسؤولية عن تردي الأوضاع العامة كل هذه الفترة الطويلة؛ ما أثار فيما يبدو الذعر وسط الطبقة السياسية المتنفذة. هذا الذعر عكسه إفراط القوات الأمنية في قمع الحركة الاحتجاجية الذي أسفر عن سقوط 14 قتيلاً ونحو 750 جريحاً وإحراق 91 مبنى ومكتباً، معظمها مقرات للأحزاب المتنفذة وميليشياتها، بحسب إحصائيات مفوضية حقوق الإنسان، فضلاً عن اعتقال المئات من المتظاهرين ونشطاء الحركة الاحتجاجية وإساءة معاملة الكثير منهم بتعذيبهم داخل المعتقلات، وإرغامهم على التعهد بعدم المشاركة لاحقاً في احتجاجات جديدة.
كانت هذه الحركة في الواقع تصويتاً جديداً، بالدم والنار هذه المرة، ضد الطبقة السياسية (الإسلامية) الحاكمة التي اعترف بعض زعمائها بشرعية الحركة ومطالبها وبالتقصير حيال تأمين احتياجات الشعب، لكنّ الاعتراف بالتقصير لم يقترن بأي إجراءات من جانب الحكومة وأحزابها لتطمين الناس إلى صدقية الاعتراف، فما مِن أحد من مسؤولي الدولة ممن أثيرت حولهم شبهات بالفساد أو أحيلوا إلى هيئة النزاهة طُلب إليه تقديم استقالته، مثلاً؛ ولهذا سيظل الرأي العام العراقي ينظر بالريبة حيال وعود الحكومة وأحزابها بإجراء الإصلاح السياسي والإداري المطلوب والمتوجب.

- واقع العراق... بالأرقام
الموارد الطبيعية: يعدّ العراق واحداً من بلدان العالم العشرة الأغنى بمواردها الطبيعية، وتتمثل ثروات العراق الطبيعية الرئيسة بـ:
- 153 مليار برميل نفط.
- 131 تريليون متر مكعب غاز.
- 5.7 مليار طن فوسفات.
- 600 مليون طن كبريت.
- 158 مليون دون أراضٍ زراعية.
- 12 ألف موقع سياحي.
(المصدر: وزارة التخطيط العراقية)

- نفط العراق
- ينتج العراق يومياً 4.4 مليون برميل نفط، يصدّر منها 3.5 مليون برميل.
- بلغت الصادرات النفطية في الأشهر الستة الأولى من العام الحالي 622 مليون برميل، وبلغت عائداتها 40 مليار دولار.
(المصدر: وزارة النفط العراقية)

- مستويات الفقر والبطالة
تفيد إحصائيات وزارة التخطيط العراقية بأن مستوى الفقر ارتفع في السنوات الأخيرة إلى 30 في المائة ومستوى البطالة إلى 20 في المائة.

- مطالب الحركة الاحتجاجية
شكّلت حكومة حيدر العبادي لجاناً عدة لمقابلة بعض سكان المحافظات الجنوبية بحضور موظفين إداريين فيها لمعرفة مطالب كل محافظة، وأفادت مصادر هذه اللجان بأن مجموع مطالب السكان ونشطاء الحركة الاحتجاجية تجاوز عددها المائة، أهمها:
- تعديل الدستور.
- إلغاء نظام «المحاصصة» الطائفية والقومية في تولي مناصب الدولة.
- تشريع قانون جديد للانتخابات.
- إعادة تشكيل مفوضية الانتخابات وسائر الهيئات الموصوفة بالمستقلة بعيداً عن نظام «المحاصصة».
- إصلاح القضاء.
- إلغاء مجالس المحافظات وإقالة المقصرين والفاسدين.
- فتح ملفات الفساد الإداري والمالي، وتقديم المتهمين إلى القضاء مهما كانت مواقعهم في الدولة.
- فتح ملف سقوط الموصل وتمكين «داعش» من اجتياح ثلث العراق والسيطرة عليه.
- بناء محطات توليد الكهرباء ومحطات لتحلية المياه (في البصرة خصوصاً).
- توفير الوظائف للعاطلين عن العمل.
- حصر السلاح بيد الدولة ومنع الميليشيات من العمل.
- إغلاق مقرات الأحزاب والميليشيات في المحافظات.
- تأهيل المستشفيات والمدارس.
- تفعيل برنامج لمساعدة الأيتام والأرامل والمعوّقين الذين تغصّ بهم المحافظات الجنوبية.
- فتح النوادي الثقافية والاجتماعية التي أغلقتها الأحزاب الإسلامية.
- تخصيص نسبة محدّدة من عائدات النفط للمحافظات المنتجة.
- صرف تخصيصات المشروعات الاقتصادية والخدمية المعطّلة وإعادة تشغيل المصانع المعطّلة.


مقالات ذات صلة

العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

حصاد الأسبوع اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)

العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

يصعب الفرز بين العقيدة والمصلحة عند بحث العلاقات العراقية-الإيرانية. وفي حين أن العقيدة عابرة للحدود، يظل مفهوم المصالح نسبياً. أما في إطار المصالح المتبادلة،

حمزة مصطفى ( بغداد)
حصاد الأسبوع  تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة

بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

قد يصعب فهم أثر بيتر ثيل مؤسس شركة «بالانتير» ورئيسها العام لأنظمة تشغيل البيانات في السياسة والحروب من دون العودة إلى الفكرة التي صاغت مساره بعد مشاركته

إيلي يوسف ( واشنطن)
حصاد الأسبوع أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)

«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

تبدو شركة «بالانتير» اليوم مثالاً مكثّفاً على التحوّل الذي يعيشه الاقتصاد الأميركي. مثال شركات بدأت كبرمجيات «تحليل بيانات»، ثم اكتشفت أن الدولة،

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
حصاد الأسبوع أعمدة دخان في سماء العاصمة الإيرانية طهران بعد عمليات القصف (آ ف ب)

فرنسا أمام التداعيات الداخلية لـ«حرب إيران»

تُواجِه فرنسا، مع اندلاع حرب إيران، حزمةً معقّدةً من التداعيات الداخلية، تمتدّ من الأمن القومي إلى تماسك النسيج الاجتماعي، مروراً بالمعارك الانتخابية والخطاب

أنيسة مخالدي (باريس)
حصاد الأسبوع مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي

صبحي أمهز (بيروت)

العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
TT

العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)

يصعب الفرز بين العقيدة والمصلحة عند بحث العلاقات العراقية-الإيرانية. وفي حين أن العقيدة عابرة للحدود، يظل مفهوم المصالح نسبياً. أما في إطار المصالح المتبادلة، فهي من جهة محكومة بالعلاقات الثنائية، ومن جهة ثانية تتأثر بالخرائط والجغرافيا، فضلاً عن امتدادات التاريخ، التي غالباً ما تزحف هنا وهناك لتخلق فرصاً، إما لمزيد من التفاهمات، أو لتتحول إلى أزمات تختلط فيها عوامل التاريخ، والجغرافيا، والعقائد، والأديان، والقوميات، والمذاهب. لهذا، تكاد العلاقات العراقية-الإيرانية تكون نموذجاً فريداً من نوعه في منطقة الشرق الأوسط، لجهتي التداخل العنيف بين الحدود الجغرافية وميوعة التاريخ بكل إرثه وإشكالاته، وأيضاً بتعقيدات الحاضر، وغموض المستقبل.

لقد استدعى العراق وإيران، على الأقل منذ ثمانينات القرن الماضي، حين تحارب البلدان لمدة ثماني سنوات، كل ما يملكانه من مخزون التاريخ، وبالأخص آلامه وأحزانه. هذا فضلاً عن حساسيات الجغرافيا، ولا سيما الخطوط الحدودية الإشكالية، والتداخلات والامتدادات الإنثروبولوجية الإثنية، ومنها حالات لمناطق كانت عربية وجزءاً من العراق، لكنها أصبحت جزءاً من إيران.

وبعد حرب السنوات الثماني، التي انتهت بتجرّع المرشد الإيراني السابق آية الله الخميني «كأس السم» إثر موافقته على وقف إطلاق النار فيما عرف بـ«حرب الخليج»، اختلفت المقاربة بعد أكثر من ثلاثة عقود. وتحوّل العراق مع إيران بالتالي إلى حليف مرة، ومساند مرة، ويحاول الحياد مرة.

لكن الفارق، بين الأمس واليوم، أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لم يمنح المرشد -الخلف- علي خامنئي المجال لتجرع «كأس السمّ» في المواجهة الحالية، بل أقدم على قتله في أولى الضربات التي وجهتها «آلة الحرب الأميركية» إلى إيران. وهكذا، تُرك الباب مشرعاً أمام «حرب مفتوحة»... مرشحة أن تغدو حرباً وجودية تحكمها معادلة صفرية «أكون أو لا أكون».

بين المصلحة والعقيدة

الحكومة العراقية، التي هي حكومة «تصريف أمور يومية»، تحاول الآن العمل وفق حدود طبيعتها، بيد أن ما يجري حولها يفوق قدرة أي حكومة كاملة الصلاحيات، ولا سيما في غياب أي توازن في موازين القوى.

وبسبب الخلافات السياسية بين القوى الفائزة في الانتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة، التي أجريت أواخر العام الماضي، تعذّر تشكيل حكومة جديدة نظراً للخلاف الكردي ـ الكردي على منصب رئيس الجمهورية، والخلاف الشيعي ـ الشيعي على منصب رئيس الوزراء.

ولكن في هذه الأثناء يستفيد رئيس الحكومة الحالية محمد شياع السوداني من الصلاحيات الممنوحة له بموجب الدستور كقائد عام للقوات المسلحة، فيسعى إلى الموازنة بين أمرين: الأول: الجهود المبذولة لحماية الجبهة الداخلية وسط الضربات المتبادلة بين الفصائل العراقية المسلحة الموالية عقائدياً لإيران.

والثاني: عمل ما يمكن عمله على الصعيد الدبلوماسي باتجاه خفض التصعيد في ضوء ضربات الفصائل التي استهدفت بعض دول الجوار الجغرافي للعراق.

بالتالي، ما يُذكر هنا أنه بينما كان العراق قد تمكن عملياً إبان حرب الـ12 يوماً في يونيو (حزيران) عام 2025 من النأي بنفسه عن المواجهة الإسرائيلية – الإيرانية، ما جنب العراق ضربات كانت مقرّرة، فإن الفصائل المسلحة اعتبرت الحرب الأخيرة حرباً وجودية يتطلب تكليفها الشرعي والعقائدي المشاركة فيها، بينما تميل بغداد للتعامل مع الحرب بلغة المصالح.

وحقاً، كرّر السوداني، رئيس الحكومة، في أكثر من موقف، منها اتصال هاتفي أجراه معه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، رفض الحكومة أي تهديدات تنطلق من الأراضي العراقية. وطبقاً لبيان رسمي أكد السوداني: «لن نسمح بأي حال من الأحوال بأن تنطلق من الأراضي العراقية أي تهديدات تمس الجمهورية الإسلامية الإيرانية»، وشدد على التزام بغداد بحماية سيادتها، ومنع استخدام أراضيها في أي تصعيد إقليمي.

غير أن العراق، وفق عضو البرلمان العراقي السابق حيدر الملا، «يقع في هذه الحرب بين نارين». إذ قال الملا على منصة «إكس» إن «أغرب ما في الحرب الدائرة بالمنطقة هو وضع العراق... أميركا تقصف العراق بحجة استهداف الفصائل المسلحة، بينما تقصف إيران العراق بحجة الوجود الأميركي». وأضاف الملا أنه «أحياناً العراق يقصف نفسه كما حدث في استهداف أربيل».

وقفة على الجسر المعلق

من جهة أخرى، في حين ترابط الفصائل المسلحة العراقية، لليوم الخامس على التوالي، عند «الجسر المعلّق» القريب من مبنى السفارة الأميركية المطلّ على نهر دجلة، أدى مقتل قيادي بارز في «كتائب حزب الله» إلى إعلان الفصائل توسيعها عملياتها لتشمل أوروبا. وجاء هذا التطوّر بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار، ويهدد النواب الذين ينتمون إليها في البرلمان العراقي بإلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» التي وقعها العراق مع الولايات المتحدة عام 2009.

الفصائل، في بيان لها، عدّت أن «المشاركة الأوروبية تجعل تلك الدول عدواً لشعوبنا ومقدساتنا». وتابع البيان: «واشنطن وتل أبيب تحشدان حلفاءهما، وتسعيان إلى استقدام دعم أوروبي للانخراط في الحرب»، محذراً من أن أي تورّط أوروبي «سيقابل بتوسيع دائرة الأهداف».

من جانبه، أفاد مقداد الخفاجي، عضو البرلمان العراقي عن حركة «حقوق» -وهي الجناح السياسي لـ«كتائب حزب الله»- أن البرلمان العراقي سيناقش الأسبوع المقبل إمكانية إلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» الموقعة مع واشنطن عام 2009.

وأردف الخفاجي أن «القوات الأميركية والإسرائيلية استهدفت العديد من مواقع القوات الأمنية والحشد الشعبي والفصائل في العراق... وهي العمليات التي أسفرت عن مقتل 19 شخصاً، وإصابة العشرات من عناصر الحشد الشعبي والقوات الأمنية». واستطرد أن «مجلس النواب سيطرح في الجلسة المقبلة مشروع إلغاء الاتفاقية الأمنية مع الجانب الأميركي لحماية الأجواء العراقية، وفي الوقت نفسه سيُستعان باتفاقية أخرى مع الدول العالمية كروسيا والصين... فالولايات المتحدة أثبتت تآمرها على الشعب والحكومة العراقية باستهداف مواقع أمنية تابعة للحشد، وكذلك مواقع مدنية، واستغلال أجواء العراق لضرب دول أخرى»، حسب تعبيره.

الفصائل المسلحة تعمل على توسيع عملياتها لتشمل أوروبا... بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار

حكومة منزوعة الصلاحيات

كما سبقت الإشارة، بعد نحو ثلاثة شهور على إجراء الانتخابات البرلمانية في البلاد، أخفقت القوى السياسية العراقية في التوافق على انتخاب رئيس جديد للجمهورية وترشيح رئيس جديد للوزراء. وهكذا تحوّلت الحكومة التي يترأسها السوداني بموجب الدستور إلى حكومة «تصريف أمور يومية» بعد انتخاب البرلمان الجديد، إلا أنها تواجه الآن تحدياً صعباً للغاية. وهو يتعلق بكيفية مواجهة تداعيات الحرب الحالية، سواءً في حال استمر غلق مضيق هرمز، أو مواصلة الفصائل المسلحة قصفها للمواقع الأميركية في العراق، مع التهديد بشن عمليات خارجية، وهو ما قد يعقّد موقف العراق عربياً ودولياً.

مع هذا، باشر السوداني رغم أجواء الحرب ممارسة صلاحياته كاملة كقائد عام للقوات المسلحة. هذا الوضع يمنحه مساحة للتحرك، بما في ذلك ضبط التوازنات بين المؤسسات الأمنية ومؤسسات الدولة الأخرى. وفي هذا السياق قد كان أكد أن «الدولة وحدها من يمتلك حق قرار الحرب والسِّلم»، وأن الحكومة ستقف بقوة تجاه أي طرف يحاول جرّ العراق للتورّط في الصراعات، مع التشديد على تحقيق المصالح العليا للشعب العراقي.

السوداني أكد في بيان شديد اللهجة التزام حكومته «بحماية سيادة العراق، وأجوائه ومياهه، ومنع توظيفها بأي شكل في الصراعات الجارية بالمنطقة». وتعهّد بأن «القوات المسلحة العراقية بكل تشكيلاتها وصنوفها ملتزمة بمهامها القانونية بحماية الممتلكات العامة والخاصة، والبعثات والسفارات الأجنبية». وبيّن أن الحكومة تولي أهمية كبيرة للعلاقات العراقية بالمحيط الإقليمي والدولي، من منطلق رئاسة العراق للقمة العربية تسعى إلى تنسيق المواقف بما يؤمن فرض الاستقرار، وإيقاف الأعمال العسكرية، ومنع حدوث المزيد من أسباب العنف. كذلك دعا رئيس الحكومة إلى «توحيد الخطاب بين القوى السياسية الوطنية، والعمل على مواجهة الشائعات، ووجّه الوزارات المعنية بمتابعة تأمين مفردات الأمن الغذائي، والجوانب الخدمية، والتصدّي لأي محاولة لاستغلال الأوضاع الراهنة للتلاعب بالأسعار».

ولكن، على الرغم من هذه المواقف، لم يكن الالتزام على الأرض دقيقاً. وبالإضافة إلى المظاهرات التي ينظمها ليلاً ونهاراً أنصار الفصائل المسلحة على «الجسر المعلّق»، القريب من القصر الحكومي والسفارة الأميركية، في محاولات للوصول إلى مبنى السفارة، فإن هذه الفصائل قصفت طوال الأيام الماضية عدة مواقع عراقية بينها مدينة أربيل، في إقليم كردستان، بحجة تسلّل جماعات كردية عراقية إلى داخل إيران بمساعدة الأحزاب الكردية الإيرانية التي تريد منها واشنطن أن تكون نواةً للغزو البرّي الأميركي انطلاقاً من المناطق الكردية بشمال غربي إيران بهدف إسقاط النظام الإيراني.

وللعلم، أعربت طهران عن قلقها بعد مكالمة هاتفية أجراها الرئيس ترمب مع الزعيمين الكرديين مسعود بارزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، وبافل طالباني زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني، بشأن ما عدّته تطوراً خطيراً في حال دخل كرد العراق طرفاً في حرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران.

وكان علي باقري، نائب أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني، قد أبلغ قاسم الأعرجي مستشار الأمن القومي العراقي، وفق بيان للأخير «بقلق السلطات الإيرانية حيال ما يجري في المناطق الحدودية الكردية بين العراق وإيران». وطالب المسؤول الإيراني العراق باتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع أي جماعات معارضة من اختراق الحدود بين البلدين، استناداً إلى الاتفاق الأمني الموقع بين بغداد وطهران.

وبدوره، أفاد الأعرجي بأن العراق يواصل جهوده الدبلوماسية مع مختلف الأطراف لاحتواء الأزمة، ووقف التصعيد، والعودة إلى مسار الحوار، والالتزام الكامل بالاتفاق الأمني بين البلدين، ومنع أي جماعات من التسلل، أو اختراق الحدود الإيرانية، أو تنفيذ أعمال إرهابية انطلاقاً من الأراضي العراقية. كذلك تطرّق الأعرجي إلى إرسال وزارة الداخلية في إقليم كردستان تعزيزات أمنية من قوات «البيشمركة» إلى الشريط الحدودي لتعزيز السيطرة على القاطع الحدودي من جهة أربيل. وجاء هذا بالتزامن مع ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء عن مصادر قولها إن «جماعات كردية إيرانية مسلحة في إقليم كردستان العراق أجرت مشاورات مع الولايات المتحدة خلال الأيام الماضية حول ما إذا كانت ستهاجم قوات الأمن الإيرانية».

كان العراق، من جهته، قد أعلن أواخر العام 2023 عن إخلاء مقار الجماعات والأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة للنظام في طهران، والموجودة في أراضي إقليم كردستان بشكل نهائي، تمهيداً لاعتبارهم لاجئين، ضمن اتفاق أمني مبرم بين البلدين.

زيدان «يحل العقدة»

في سياق متّصل، تخلق الحرب الجارية الآن أوضاعاً سياسية واقتصادية غاية في الصعوبة للعراق بسبب غلق مضيق هرمز، وافتقار العراق لبدائل في حال توقف تصدير نفطه، وإعلان البنك المركزي العراقي انخفاض احتياطي العملات الأجنبية. ويفاقم الوضع استمرار الانسداد السياسي داخل القوى الشيعية بسبب رفض رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي التنازل عن ترشحه لمنصب رئيس الوزراء.

ما يذكر، أن المالكي الذي رشحه «الإطار التنسيقي» الشيعي بالغالبية إثر تنازل السوداني -الفائز الأول بالانتخابات- يواجه «فيتو» أميركي يحول دون تمكنه من تشكيل الحكومة. ومع أن دائرة الرافضين لتوليه المنصب بدأت تتسع داخل البيت الشيعي، فإنه، حتى بعد اندلاع الحرب، وحاجة العراق إلى حكومة كاملة الصلاحيات، ما زال يرفض التنازل إلا إذا كان ذلك بإجماع قادة «الإطار التنسيقي». غير أن العقدة لا تقف عند البيت الشيعي، فالبيت الكردي، هو الآخر، يواجه انشقاقاً حاداً يحول دون استكمال حكومة الإقليم رغم مرور أكثر من سنة على تأخر تشكيلها، كما يعوق قدرة الكرد على حسم مرشحهم لمنصب رئيس الجمهورية.

القاضي فائق زيدان، رئيس مجلس القضاء الأعلى، كان اقترح في مقال له نشره في «الشرق الأوسط» الثلاثاء الماضي تحت عنوان: «خطيئة التفسير الخاطئ للدستور» إجراء تعديل للدستور، أو لقانون مجلس النواب العراقي، لتحديد المقصود بـ«الكتلة الأكبر عدداً». وهذا الكتلة يقع على عاتقها تقديم مرشح لمنصب رئيس الحكومة بعد كل انتخابات تشريعية.

زيدان، في مقاله الذي أثار ردود فعل واسعة داخل العراق، أسهم في فك العقدة الخاصة بمفهوم «الكتلة الأكبر» التي هي طبقاً للدستور القائمة الفائزة بالانتخابات. وأيضاً مهد الطريق أمام القوى الشيعية لترشيح السوداني لولاية ثانية كونه هو الفائز الأول عبر كتلته «ائتلاف الإعمار والتنمية». ووفق زيدان، فإن «المادة (76) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 تُعد من أكثر النصوص الدستورية إثارة للجدل، نظراً لارتباطها المباشر بتشكيل السلطة التنفيذية. فقد نصّت على أن يقوم رئيس الجمهورية بتكليف مرشح (الكتلة النيابية الأكثر عدداً) بتشكيل مجلس الوزراء خلال مدة محددة». وأضاف: «غير أن الإشكال الدستوري ظهر في تفسير هذا المصطلح، وهو ما تصدت له المحكمة الاتحادية العليا، في قرارها الصادر بالعدد (25/اتحادية/2010) بتأريخ 2010/3/25 والذي ما زال محل جدل فقهي وسياسي»، مبيناً أن «الإشكال تمحور حول تحديد المقصود بـ«الكتلة النيابية الأكثر عدداً»: أهي الكتلة التي حصلت على أعلى عدد من المقاعد في الانتخابات؟ أم الكتلة التي تتشكل بعد إعلان النتائج من خلال تحالفات داخل مجلس النواب؟».


بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
TT

بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة

قد يصعب فهم أثر بيتر ثيل مؤسس شركة «بالانتير» ورئيسها العام لأنظمة تشغيل البيانات في السياسة والحروب من دون العودة إلى الفكرة التي صاغت مساره بعد مشاركته في تأسيس شركة «باي بال». ذلك أنه إذا كانت مكافحة الاحتيال المالي تعني جمع إشارات متناثرة وتحويلها إلى «خريطة خطر» في الوقت الحقيقي، فلماذا لا تُنقل الفكرة إلى مكافحة الإرهاب والاستخبارات ثم إلى ساحة القتال؟ هكذا وُلدت «بالانتير» عام 2003، بوصفها شركة تبني «أنظمة تشغيل للبيانات» أكثر منها شركة برمجيات تقليدية، وتحوّل التراكم الهائل للمعلومات إلى معرفة قابلة للتنفيذ.

في السيرة العامة لبيتر ثيل، من ألمع شخصيات العالم وأخطرها اليوم، يتكرّر خيط واحد: الارتياب من الدولة حين تعجز، والارتياب منها أيضاً حين تتضخّم. لكن الرجل اختار أن يبني جسراً بين الطرفين: إذ يزوّد المؤسّسات الأمنية والعسكرية بأدوات تجعلها «أكثر قدرة»، مع إبقاء المساءلة الأخلاقية والسياسية معلّقة في الهواء. وهو اليوم الرئيس العام «بالانتير»، وشريك في منظومات استثمارية شكّلت ما يُعرف بـ«مافيا باي بال»، وامتدت من رأس المال المغامر إلى السياسة والإعلام.

سيرة ذاتية

وُلد بيتر أندرياس ثيل عام 1967 في مدينة فرنكفورت بألمانيا، لوالديه سوزان وكلاوس فريدريش ثيل اللذين هاجرا مع العائلة إلى الولايات المتحدة عندما كان بيتر في سنته الأولى. وعاشت العائلة في مدينة كليفلاند (بولاية أوهايو)، حيث عمل والده كلاوس مهندساً كيميائياً. ثم عمل في كثير من شركات التعدين، ما تسبب في تنقل بيتر وشقيقه الأصغر باتريك مايكل بكثرة. وللعلم، في حين حصلت والدته على الجنسية الأميركية فإن أباه لم يحصل عليها. وهذا الإحساس المبكّر بالتنقّل والهشاشة المؤسسية، كما يقرأه مقرّبون من مسار ثيل، ترك أثره على نظرته إلى الدولة والسلطة.

درس ثيل في جامعة ستانفورد الشهيرة وتخرّج فيها، وهناك جمع بين القانون والفلسفة وثقافة المناظرة، قبل أن يخوض تجارب قصيرة في عالم المحاماة والمال. ثم ينعطف إلى ما سيصبح «ديناً» لوادي السيليكون الجديد: تحويل الأفكار إلى منصّات تُعيد تعريف الأسواق.

بدايات الثروة والمغامرة

في أواخر التسعينات شارك ثيل في تأسيس «باي بال»، التجربة التي صاغت ثروته الأولى وشبكته الأوسع. وهناك تبلوَرت قناعته بأن الخطر الحقيقي ليس الحدث الظاهر، بل «النمط» المخفي خلف ملايين الإشارات الصغيرة، وأن القدرة على الربط بين بيانات - أو معطيات Data - متفرّقة يمكن أن تمنح المؤسسة، أي مؤسسة، تفوّقاً نوعياً.

وبعد بيع «باي بال» مطلع الألفية، تحوّل إلى مستثمر مبكّر وفاعل حين أسس شركة «فاوندر فند»، وصار اسمه يتردّد بصفته أحد أول المستثمرين الخارجيين في «فيسبوك»، في خطوة رسّخت صورته كمَن يقرأ التحوّلات قبل أن تصبح تياراً جارفاً.

وبالفعل، احتل بيتر ثيل، الذي يعيش في مدينة سان فرانسيسكو، المرتبة الـ293 في «فوربس 400» عام 2011، مع ثروة صافية تقدّر بـ1.5 مليار دولار منذ مارس (آذار) 2012، ثم احتل المرتبة الرابعة في قائمة «فوربس ميداس» لعام 2014 بـ2.2 مليار دولار.

«بالانتير»... واليمين السياسي المحافظ

إلا أن «بالانتير» بقيت مشروعه الأكثر تعبيراً عن شخصية الرجل... إنها شركة تقف على الحد الفاصل بين وادي السيليكون وأجهزة الأمن القومي، وبين هوَس الخصوصية العام وحاجة الدولة إلى أدوات أسرع في الرصد والتحليل. موقع ثيل كرئيس لمجلس إدارة الشركة لسنوات جعل حضوره يتجاوز التمويل إلى تشكيل السردية: التكنولوجيا ليست ترفاً، بل «بنية قوة» في زمن تُخاض فيه الحروب عبر البيانات قبل الصواريخ.

وسياسياً، تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة. وهنا لم يكن دعمه العلني لدونالد ترمب عام 2016، ولا خطابه في المؤتمر الجمهوري، مجرّد تفاصيل؛ بل جاء ذلك إعلاناً بأن المعركة على «شكل أميركا» تُدار أيضاً من داخل منظومات التقنية والتمويل. وفي الخلفية، أثارت رهاناته واستثماراته في شركات مرتبطة بالتعرّف إلى الوجوه وتحليلات المراقبة جدلاً متصاعداً حول الحدود الأخلاقية: متى تصبح أدوات «الأمن» شبكة تجسّس، ومتى يتحول «القرار المدعوم بالبيانات» إلى قرارٍ يتخفف من المساءلة؟

من هنا يصبح الخلاف الراهن بين إدارة ترمب و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، وفي طليعتها شركة «أنثروبيك»، امتداداً طبيعياً لعالم صنعه ثيل ورعاه. إنه عالم تتنافس فيه الدولة والشركات، لا على «الفكرة» بل على شروط تشغيلها. فالشركات تحاول وضع قيود أخلاقية وقانونية على نماذجها وخوارزمياتها، بينما تريد المؤسسات الأمنية هامشاً أوسع للاستخدام باسم الأمن الوطني.

وبين الطرفين، تقف منصّات مثل «بالانتير» بوصفها «بوابة الإدماج»... ليست النموذج نفسه، بل الطبقة التي تُدخل النماذج في قلب آلة الدولة، حيث يتحوّل التحليل إلى قرار، ثم إلى فعل... وتصبح معركة الشروط معركة على السيادة وعلى مسؤولية من يضغط الزّر.

«حصّاد البيانات» في ثوب منصة

تقدّم «بالانتير» منصتين أساسيتين، هما: «غوثام» الموجّهة للاستخبارات والدفاع والعمليات الأمنية، و«فاوندري» الموجّهة للحكومات المدنية والشركات.

الفكرة المركزية ليست «امتلاك البيانات» بقدر ما هي «وصل البيانات»، عبر ربط قواعد متفرقة، وتنظيفها، وبناء طبقة دلالية (من الشخص/الكيان؟ ما العلاقة؟ ما الحدث؟). ومن ثم تمكين فرق العمل من تتبّع الأنماط، وبناء سيناريوهات، وتوليد توصيات عمل. هذا ما يجعلها قابلة لأن تصبح «غرفة عمليات» رقمية... من مكافحة الاحتيال، إلى تتبّع الشبكات، إلى التخطيط اللوجيستي، ووصولاً إلى الاستهداف العسكري.

هنا تحديداً تتقاطع «تقنيات الرصد» مع «الحرب». فما كان يُنجَز عبر الاستعانة بفرق تحليل ضخمة تعمل لأيام، بات يمكن ضغطه إلى ساعات أو دقائق، شرط أن تكون خطوط البيانات مفتوحة، أي من خلال: أقمار اصطناعية، ومسيّرات، واتصالات، وسجلات مالية، ونقاط عبور، ومصادر مفتوحة، أي كل ما يوسّع صورة الميدان.

وفي برامج مثل منظومة «مايفن»، التابعة لـ«البنتاغون» (وزارة الحرب الأميركية)، تظهر «بالانتير» بوصفها مشغّلاً برمجياً يرفع «سقف السرعة» في تحويل الرصد إلى قرار. ولقد زادت وزارة الدفاع سقف عقود «مايفن» عبر تعديلات كبيرة، ما يعكس توسع الطلب العسكري على هذا النوع من القدرات.

من الرصد إلى «الضغط على الزناد»

في أحدث تجلّيات هذا التحوّل، تصف تقارير أميركية كيف أصبح الذكاء الاصطناعي، عبر شراكات وتكاملات داخل المنظومات العسكرية، جزءاً من دورة اختيار الأهداف وترتيب أولوياتها في عمليات ضد إيران، وسط جدل سياسي وأخلاقي حاد حول حدود الاستخدام، ومَن يتحمّل المسؤولية عند الخطأ.

واللافت أن «الخصومة» بين «البنتاغون» وبعض شركات الذكاء الاصطناعي لا تدور فقط حول الأسعار أو الملكية الفكرية، بل أيضاً حول شروط الاستخدام: فهل تسمح الشركة بتطبيق نماذجها في مراقبة داخلية واسعة؟ وهل تقبل أن تكون خوارزمياتها جزءاً من أنظمة قد تنزلق إلى «الاستقلال الذاتي» في القتل؟

في هذا المناخ، برزت قضية شركة «أنثروبيك» بوصفها نموذجاً للصدام. إذ إن الشركة تتمسّك بقيود أخلاقية، بينما يضغط مسؤولون في إدارة ترمب و«البنتاغون» لتوسيع نطاق الاستخدام في ملفات الأمن الوطني، وفق ما أوردته تقارير حديثة.

هنا أيضاً يظهر «معنى ثيل» تحديداً: فـ«بالانتير» ليست شركة نماذج لغوية فقط، بل شركة «بنية تحتية تشغيلية» تستطيع إدخال أي نموذج من أي جهة، إلى «خط الإنتاج العسكري»، أي إلى سلسلة الاستشعار، والتحليل، والتوصية، والقرار، والتنفيذ. ومن ثم تصبح المعركة بين الحكومة وشركات الذكاء الاصطناعي معركة على من يتحكم ببوابة الإدماج: النموذج؟ أم المنصة التي تضعه داخل آلة الدولة؟

«المسح الوجهي» والرصد الشخصي

حين يُذكر «المسح الوجهي» بوصفه سلاحاً جديداً، لا يعني هذا أن «بالانتير» شركة كاميرات أو خوارزميات تعرُّف وجوه بحد ذاتها؛ لكنها بحكم طبيعتها التكاملية قادرة على إدخال مُخرجات أنظمة التعرف إلى الوجوه ضمن لوحة واحدة تربط الهوية بالحركة بالاتصالات بالمعاملات.

ومن جهة ثيل، يظهر اسمه مباشرة في ملف الاستثمار المبكّر في شركة «كلير فيو إيه آي» المثيرة للجدل، التي عُرفت بقدرتها على مطابقة الوجوه مع قواعد صور ضخمة جُمعت من الإنترنت، وما أثاره ذلك من مخاوف حقوقية.

بهذا المعنى، يغدو ثيل جزءاً من مشهد أوسع، حيث التزاوج بين رأس مال وادي السيليكون، وشهية الدولة للأدوات السريعة، وتحوّل الخصم من «إرهابي» إلى «دولة» إلى «شبكة سيبرانية»، إلى هدفٍ لا يمكن التعامل معه من دون تفوق معلوماتي. وفي الحروب الحديثة، السيبرانية والتدميرية معاً، لا تعود المعركة على السلاح وحده، بل على «الزمن»، بالذات: من يختصر دورة القرار، ومن يربح ثانية واحدة إضافية في الرصد والتشويش والضرب.

أوكرانيا وإسرائيل... مختبر حرب البيانات

إبان حرب أوكرانيا، نُقل النقاش إلى العلن أكثر. إذ نقلت تقارير موثوقة عن مسؤولين وشركة «بالانتير» أن البرمجيات تُستخدم في مجالات تتّصل بالاستهداف، وتحليل بيانات الميدان، وحتى توثيق ملفات يُراد استخدامها في ملاحقات جرائم حرب.

وفي ملف إسرائيل، ظهرت حساسية أكبر بسبب الاتهامات الحقوقية، إلى حد أن مستثمراً مؤسّسياً نرويجياً أعلن التخارج من أسهم الشركة بسبب مخاوف مرتبطة بعملها هناك، وفق ما أوردته «رويترز».

هذه الأمثلة ليست هامشية في «بروفايل» ثيل، لأنها تشرح كيف انتقلت أدوات جمع البيانات من كونها «مساعدة» إلى كونها «محدِّدة لمسار الحرب». فحين تكون المنصة قادرة على ابتلاع تدفقات متعددة (صورة - إشارة - نص - إحداثيات) وإخراج «قائمة أولويات» في الوقت الحقيقي، يصبح النقاش السياسي والأخلاقي حول القيود أو غيابها، جزءاً من الأمن الوطني نفسه.

من «مايفن»... إلى «تيتان»

وفي السنوات الأخيرة، تقدّمت «بالانتير» خطوة إضافية هي الدخول إلى برامج عسكرية تُجسّد فكرة «المعركة الموصولة» مثل مشروع «تيتان» (عقدة الوصول إلى استهداف الاستخبارات التكتيكية) للجيش الأميركي. وهو نظام يهدف إلى استيعاب بيانات من الجو والبر والفضاء، وتحويلها إلى معلومات استهداف أسرع وأكثر دقة. هذا، وأُعلنت عقود التطوير والنمذجة بوضوح عبر قنوات رسمية وعلاقات مستثمرين، بما يعكس انتقال الشركة من «مزوّد برمجيات» إلى لاعب دفاعي مكتمل الأركان.

وهنا أيضاً، تكتسب قصة ثيل قيمة تفسيرية. ذلك أن الرجل الذي دافع طويلاً عن فكرة أن ليس على التكنولوجيا أن تخجل من الدفاع، يجد في «بالانتير» منصة تقول عملياً إن تفوق الدولة في الحروب المقبلة سيُقاس بقدرتها على «تنظيم البيانات» مثلما يُقاس بقدرتها على امتلاك الذخيرة.

والصدام الذي ظهر أخيراً بين الإدارة و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، ليس تفصيلاً تقنياً. إنه صدام على «شكل القوة الأميركية»... فهل تُبنى على نماذج مغلقة بشروط أخلاقية صارمة تفرضها الشركات لحماية سمعتها؟ أم تُبنى على «منطق الدولة» الذي يريد حرية استخدام أوسع ما دام ذلك تحت عنوان الأمن القومي؟

تقارير حديثة عن التوتر مع «أنثروبيك»، وعن بحث جهات رسمية وشبه رسمية عن بدائل، تضع هذا السؤال في مركز السياسة الدفاعية.وفي هذا السياق، تبدو «بالانتير» ومعها إرث ثيل، أقرب إلى «حلقة الوصل» التي تقلق الجميع. فهي ليست مجرد نموذج ذكاء اصطناعي يمكن التوقف عن استخدامه، بل «بنية تشغيل» إذا استقرت داخل المؤسسات يصبح فِكاكها مكلفاً، وتصبح شروط استخدامها جزءاً من هندسة الدولة نفسها. وهذا ما يفسر لماذا يتحوّل الجدل حول «خوارزمية» إلى جدل حول السيادة، ولماذا تُقرأ الحروب الحديثة، من ساحات أوروبا الشرقية إلى الشرق الأوسط، بوصفها حروباً على من يمتلك «منصة القرار» قبل أن يمتلك منصة الإطلاق.


«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
TT

«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)

تبدو شركة «بالانتير» اليوم مثالاً مكثّفاً على التحوّل الذي يعيشه الاقتصاد الأميركي. مثال شركات بدأت كبرمجيات «تحليل بيانات»، ثم اكتشفت أن الدولة، لا السوق الاستهلاكية، هي الزبون الذي يضمن النمو الطويل، وبخاصة مع عودة المنافسة بين القوى الكبرى، وتحوّل الحروب إلى صراعات تُدار بالاستشعار والخوارزميات.

أُسست الشركة عام 2003، واليوم تبلغ قيمتها السوقية نحو 433 مليار دولار (مارس/ آذار 2026). وبحسب تقريرها السنوي عن 2025، بلغ «الرصيد المتبقي من قيمة العقود» أكثر من 11 مليار دولار، بينها 6.8 مليار لزبائن تجاريين، و4.4 مليار لزبائن حكوميين.

وتوضح الشركة أن هذه الأرقام لا تشمل العقود الحكومية غير المموّلة بالكامل، التي يصل سقفها التعاقدي الإجمالي إلى نحو 12.3 مليار دولار. وعلى صعيد العقود الأميركية الكبرى، وقّع الجيش اتفاقاً مؤسّسياً لمدة 10 سنوات بسقف حتى 10 مليارات يدمج 75 عقداً. وأعلنت عقداً ثابت السعر حتى نحو 100 مليون دولار على 5 سنوات لبرنامج «مايفين» مع «البنتاغون»، وعقداً آخر بقيمة 480 مليون دولار لتطوير البرنامج نفسه عام 2024. كذلك أبرمت وزارة الأمن الداخلي اتفاق شراء بسقف حتى مليار دولار، وتشمل العقود الحكومية جهات أميركية وحكومات حليفة خارجياً.

في الخارج، ساهمت الحروب في تسويق «بالانتير» بوصفها «أداة حرب بيانات» بقدر ما هي شركة تقنية. ففي أوكرانيا، نُقل عن الشركة ورئيسها التنفيذي، أليكس كارب، أن البرمجيات تُستخدم في سياقات تتصل بالاستهداف وتحليل الميدان، وفي توثيق ملفات لادعاءات جرائم حرب. وفي إسرائيل، أثارت طبيعة العمل حساسية استثمارية وحقوقية وصلت إلى تخارج مستثمر مؤسسي كبير.

هذا التوسّع السريع لا ينفصل عن موجة «عسكرة الذكاء الاصطناعي» داخل الغرب. هنا الشركات لم تعد تُباع كبرمجيات مكتبية، بل كمنصات تشغيل للقرار. وحين تصبح المنصّة جزءاً من بنية الدولة، يصبح نموها أقرب إلى «قصة اعتماد» طويلة الأجل: عقود متعددة السنوات، وتراكم بيانات، وتكلفة عالية للاستبدال، وهو ما يفسّر كيف تحوّلت «بالانتير» من اسم جدلي في وادي السيليكون إلى عنوان دائم في سوق الدفاع والأمن.