كيف يفقد عمال أميركيون وظائفهم بسبب سياسات ترمب؟

كريس برات - مدير في شركة «ميد كونتنانت»
كريس برات - مدير في شركة «ميد كونتنانت»
TT

كيف يفقد عمال أميركيون وظائفهم بسبب سياسات ترمب؟

كريس برات - مدير في شركة «ميد كونتنانت»
كريس برات - مدير في شركة «ميد كونتنانت»

عندما اشترت شركة مكسيكية مؤسسة «ميد كونتينانت نيل كورب» عام 2012، شعر العمال هنا بأنها بداية النهاية، وراودتهم الظنون بأن وظائفهم ستذهب لعمال أقل أجرا في المكسيك، وأن ذلك سيجلب مزيدا من الخسائر للصناعات الأميركية جراء المنافسة في التجارة العالمية.
لكن حدث أن تضاعف حجم مصنع «ميد كونتينانت» منذ صفقة «ديكيرو»، ونظرا لتراجع القيود المفروضة على صادرات الصلب بعد توقيع اتفاقية «التجارة الحرة لدول أميركا الشمالية»، باتت الشركة ترسل شحنات الحديد إلى ولاية ميسوري. كذلك رفعت الشركة أجور العاملين المهرة للاستفادة من كلفة الطاقة الرخيصة في الولايات المتحدة، ومن سهولة توصيل البضائع إلى المستهلك الأميركي.
- نيران ترمب الصديقة
غير أن الرئيس دونالد ترمب فرض تعريفة جمركية 25 في المائة على واردات الصلب، ليرفع بذلك من كلفة الإنتاج، ويدفع شركة «ديكيرو» لإعادة التفكير في تلك الخطوة. وبعدما رفعت شركة «ميد كونتينانت» أسعار المسامير، تراجعت الطلبات عليها بواقع 70 في المائة، مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، على الرغم من ازدهار صناعة الإنشاءات. وأفاد مسؤولو الشركة بأنه إن لم يجر تخفيف تلك الإجراءات فسيتوقف مصنع ميسوري عن العمل بحلول عيد العمال العالمي، وأن ما تبقى من الإنتاج ربما ينتقل إلى المكسيك أو لأي دولة أخرى.
ولذلك تسببت القيود التجارية الهادفة إلى منع ذهاب فرص العمل الأميركية إلى المكسيك، وإلى غيرها من الدول، في إعاقة جهود الشركة المكسيكية التي تقدر بمليارات الدولارات، وتعطيل مساعيها لخلق فرص عمل في الولايات المتحدة، وهي النتيجة التي لم تقصدها حرب ترمب العالمية التي أظهرت أنه من الصعب الهجوم على الشركاء التجاريين من دون إلحاق الضرر بالعمل داخل الولايات والبلاد.
لقد بدأت عمليات التسريح بالفعل، ويعمل بالشركة حاليا أكثر من 400 عامل، مقارنة بنحو 500 قبل تفعيل التعريفة الجديدة. كذلك أنهيت عقود العمالة المؤقتة، فيما رحل بعض العمال الدائمين إلى أعمال أخرى، في مؤشر على مزيد من التسريح الذي ربما ينتهي بإغلاق المصنع كليا.
وفي هذا الصدد، قال كريس برات، مدير العمليات بشركة «ميد كونتينانت»: «نحن الآن في وضع بتنا نحارب فيه دولتنا. يبدو أننا أصبحنا في معركة لم يكن لنا أن نخوضها من البداية». تحاول شركة «ديكيرو» أن تقرر ما يمكنها فعله لاحقا، وحاليا تستخدم الشركة الصلب الذي صدرته من قبل إلى الولايات المتحدة على هيئة معدات إنتاج أسلاك الحديد للأسواق المحلية، مما يجعل المستقبل غامضا.
وبحسب المتحدث الرسمي للشركة جيم غلاسمان: «من الواضح أن نقل صناعة المسامير إلى المكسيك أو لغيرها من الدول بات أمرا محتملا؛ لكنه يظل بديلا سيئا. شركة (ميد كونتينانت) لا تريد أن تتحرك ولا تنوي ذلك»، مضيفا أن «العمال هناك ما زالوا يأملون ويتوقعون أن ينقذ الرئيس ترمب وظائفهم».
أغرورقت عينا فيليب بينيت (37 عاما)، عامل صيانة بشركة «ميد كونتينانت»، عندما كان يتحدث عن ابنته، أبوري، البالغة من العمر خمسة أعوام، التي ولدت بعيب خلقي في القلب، يتطلب عددا من الجراحات التي يتحتم إجراؤها من خلال التأمين الصحي الذي منحته إياه شركة «ميد كونتينانت». وفي تعليقه على الأوضاع الحالية، قال بينيت، أحد أنصار ترمب: «هناك كثير من الأشياء الجيدة التي يؤديها (ترمب)، لكنه بات يؤثر علي شخصيا، ولا أحب ما يفعل». واستطرد: «أقصد أنني لا أتوقع منه أن يأتي إلى هنا ويطلع على أحوالنا. أتمنى لو أنه رأى تأثير ما يفعله ويرى الضرر الذي لحق بنا».
وفيما يخشى الناس في ولاية ميسوري مزيدا من إجراءات التسريح، لم يجر تسريح عامل مكسيكي واحد من عمله. وفي هذا الصدد، قال لويس ليل، نائب رئيس شركة «ديكيرو» لشؤون التجارة، في مقابلة عبر الهاتف من مقر الشركة بمدينة مونتيري المكسيكية: «لقد ساعدتنا قوة السوق المحلية (في المكسيك)».
- 5.5 دولار إضافية
وقد فرض ترمب تعريفات على واردات الصلب والألمنيوم في 1 يونيو (حزيران)، مستعينا ببند نادرا ما يستخدم، يسمح للرئيس بفرض عقوبات على الواردات بداعي الحفاظ على الأمن القومي. ولأن استخدام ذلك البند تزامن مع إجراءات جديدة استهدفت المكسيك وكندا والاتحاد الأوروبي والصين، وغيرهم من الشركاء التجاريين، فقد جاءت التعريفات الجديدة تنفيذا للوعود التي أطلقها ترمب خلال حملته الانتخابية، والتي بحسب نظره، ستنقذ العمال الأميركيين مما أطلق عليه «المذبحة الأميركية» التي تسببت فيها صفقات التجارة العالمية.
ورغم أن تعريفة 25 في المائة على واردات الحديد قد ساعدت صناعة الصلب الأميركية المحلية – بحسب ما أشارت وزارة التجارة في تصريح بأن كثيرا من مصانع الصلب قد عادت للعمل مجددا فيما توسع البعض الآخر – فإن ذلك قد أدى إلى زيادة الكلفة على الشركات الأميركية. فقد كانت شركة «ميد كونتينانت» تبيع علبة تحوي 50 مسمارا بسعر 27 دولارا، والآن أضافت مبلغ 5.5 دولار لتغطي التعريفة الجديدة، بحسب مسؤولي الشركة.
غير أن الشركات بإمكانها التقدم بطلب لوزارة التجارة للحصول على إعفاءات من تعريفات الصلب والألمونيوم، حال استطاعوا إثبات أن المنتجات التي يبحثون عنها لا يمكن الحصول عليها من داخل الولايات المتحدة بكميات كافية ونوعيات مناسبة.
لكن الحصول على هذه الاستثناءات أمر لا يخلو من الفوضى. فبعد فرض التعريفات في يونيو الماضي، شرعت الوزارة في تدريب 30 فنيا للقيام بعملية التقييم لمراجعة نحو 21 ألف التماس مقدم.
وفي هذا الإطار، أفادت وزارة التجارة بأنها ستتخذ خطوة أخرى فيما يخص مراجعة الالتماسات المقدمة من الشركات للحصول على استثناءات بنهاية الأسبوع الجاري؛ لكن الشركة لا تزال تواجه كثيرا من الصعاب قبل الحصول على الاستثناء. ويُظهر تأثير التعريفات على شركتي «ميد كونتينانت» و«ديكيرو» السبب الذي جعل خبراء الاقتصاد يقولون بصوت عال إن الحمائية يمكنها أن تفعل أكثر من ذلك لتدمير الاقتصاد، وليس نموه. وقال أحد الخبراء إن سياسة ترمب التجارية ستجلب كثيرا من الضرر على الاستثمارات الأجنبية في الولايات المتحدة، نظرا لأن تلك الشركات تتردد كثيرا قبل أن تنفق المال، وسط جو يشوبه الشك وعدم اليقين من القوانين في المستقبل.
- تغلغل الاستثمارات المكسيكية في أميركا
بين عامي 2005 و2016، تضاعفت الاستثمارات المكسيكية الأجنبية المباشرة في الولايات المتحدة أربعة أضعاف، لتصل إلى 17 مليار دولار، وهو التمويل الذي دعم أكثر من 123 ألف فرصة عمل للأميركيين.
الأمثلة واضحة في مختلف أنحاء الولايات المتحدة، حتى لو لم يدرك الأميركان أنهم يشترون منتجات مكسيكية. فشركة «سيميكس» المكسيكية، تعد أحد أكبر شركات إنتاج الإسمنت في الولايات المتحدة. وتمتلك شركة «غروبو إلكترا» شركة «أدفانس أميركا» التي تعد أكبر الشركات المقرضة في الولايات المتحدة. وتنتج شركة المخبوزات المكسيكية «بيمبو» حاليا منتجات شهيرة في الولايات المتحدة، مثل فطائر «سارا لي» وفطائر «أنتينمان» الخفيفة، ويعمل بالشركة 20 ألف عامل.
ويعود الفضل في تلك الاستثمارات إلى اتفاق «نافتا» (اتفاق التجارة الحرة بين دول أميركا الشمالية) وإلى الاقتصاد المكسيكي الحر الذي شجع شركاته على العمل خارج الحدود، بحثا عن فرص استثمارية.
وقد هدد ترمب مرارا بالانسحاب من اتفاقية «نافتا»، ودخلت إدارته في مباحثات مع مسؤولين مكسيكيين وكنديين لإعادة تفعيل اتفاق التجارة الذي أبرم عام 1994. وفي هذا الخصوص، قال أندرو سيلي، رئيس معهد سياسة الهجرة ومؤلف كتاب عن العلاقات المكسيكية: «أعتقد أن العام ونصف العام الماضي قد حمل صدمات لنا، وأرى أنه كان من المفترض أن تكون هذه المنطقة خالية من الخلافات الاقتصادية في ظل اتفاقية (نافتا)».
ومع انتظارها لسماع أنباء عن الإعفاءات، وجدت شركة «ميد كونتينانت» نفسها، وعلى غير المتوقع وبصورة غير مريحة، وسط معركة سياسية تدور رحاها حول حرب ترمب الاقتصادية.
- معركة سياسية في ولاية مؤيدة لترمب
وجاءت السيناتور كلير ماكسكيل (عضو الحزب الديمقراطي عن ولاية ميسوري) التي فازت في معركة انتخابية حامية بنسبة 19 في المائة عام 2016، في ولاية فاز فيها ترمب بغالبية الأصوات، لتستغل ورطة الشركة واستجوبت وزير التجارة، ويلبر روس، خلال جلسة استماع في الكونغرس الشهر الماضي. وتتبعتها وسائل الإعلام الأسبوع التالي في جولتها بمرافق الشركة، على الرغم من حرارة الجو الشديدة.
في الظروف العادية، كانت الشركة ستتوقف عن العمل بعدما ارتفع مؤشر الحرارة إلى ما فوق 105 درجات فهرنهايت (40 مئوية). ولأن زيارة ماكسكيل كانت متوقعة، فقد استمر العمال في العمل وفق نوبات عمل نظمها مديروهم داخل وخارج غرف مكيفة الهواء. وصرحت ماكسكيل بينما ترتدي بدلة أمان، بأن «الوقت قد حان لوضع نهاية لتلك الحرب التجارية». وفيما جعلت ماكسكيل من الشركة سببا لحملتها للاستمرار في منصبها، في الولاية التي منحت أصواتها لترمب، لم يهتم أعضاء الحزب الجمهوري كثيرا بالقضية؛ حيث حاولوا تعزيز تأييدهم لترمب في ظل التهديدات الاقتصادية التي جلبتها التعريفات الجديدة للبلاد.
ووسط الجدال الدائر حول تعريفات ترمب، خضعت الشركة لمزيد من التدقيق أيضا. فعلى مدى سنوات، خاضت شركتا «ميد كونتينانت» و«ديكيرو» حروبا تجارية صغيرة.
وفي تصريح رسمي، أشارت وزارة التجارة إلى أن شركة «ديكيرو» تواجه منذ عام 2009 اتهامات بتعمد إغراق الصلب (ممارسة تجارية تهدف إلى إضعاف المنافسين، ببيع السلعة في دولة أجنبية بسعر يقل عن سعر السوق). وأفاد غلاسمان، المتحدث الرسمي للشركة، بأن المراسلات السابقة بين وزارة التجارة وشركة «ديكيرو» لم يكن لها أي علاقة باستثناء الشركة من التعريفة الجديدة.
وطالبت شركة «ميد كونتينانت» الحكومة في بعض الأحيان بالتدخل في التعامل مع المنافسة الأجنبية. فقد أقام هذا القطاع التجاري دعاوى قضائية ضد مختلف دول العالم، ومنها الصين وكوريا وعمان وماليزيا، يتهمها فيها بتعمد إغراق السوق بالمسامير بأسعار أقل من السوق، مما يضر بالولايات المتحدة، بحسب مسؤولي الشركة.
والآن هناك منافس يعترض على طلب شركة «ميد كونتينانت» للحصول على إعفاء من التعريفة الجديدة. وقد أفاد روجر أورليو، الذي يدير شركة صغيرة لإنتاج المسامير في مدينة «غريفت» بولاية إنديانا، والتي تعيد بيع مسامير شركة «ميد كونتينانت» ومسامير غيرها من الشركات، بأن شركة «ميد» لم تقل سوى نصف القصة في الإعلام. وجادل أورليو بأن شركة «ميد كونتينانت» لم تكن شفافة بشأن حقيقة أنه رغم وقوعها في ولاية ميسوري، فهي شركة مكسيكية الملكية، ومنتجاتها يدون عليها «صنع في الولايات المتحدة» وأنها صنعت من حديد مكسيكي.
ويجادل أورليو كذلك بأنه في حال حصلت شركة «ميد» على إعفاءات ضريبية للاستيراد من المكسيك، فسوف يضعها ذلك في منافسة غير عادلة مع منافسيها.
وجادل أورليو بأن شركة «ميد» تحاول الحصول على مزايا ضريبية، رغم أن مالكيها غير أميركيين. ومن جانبهم رد مسؤولو «ميد» بأن أورليو، الذي يبيع المسامير ولا ينتجها، يستفيد من التعريفة التي تثقل كاهل شركة «ميد» المصنعة؛ لأنه يحصل على سعر أعلى للمسامير.
قال غلاسمان: «اشترى المستثمرون المكسيكيون شركة (ميد كونتيننتال) عام 2012، وأقاموا استثمارات برأسمال كبير، وأنفقوا كثيرا من المال في محاربة منافسة غير عادلة مع آسيا». واستطرد غلاسمان بقوله: «كانت النتيجة وجود 500 عامل، وهو ضعف العدد منذ خمس سنوات، جميعهم أميركيون، ويرعون عائلات أميركية».
وفي غضون ذلك، تسبب بروز شركة «ميد كونتينانت» في تسليط الضوء على مسؤوليها، وبات بعضهم هدفا للتحرش من قبل أعضاء حزب ترمب. وقاد أفاد برات، الذي رفض الإفصاح عن وجهة صوته في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، بأنه بدأ يتلقى عشرات المكالمات يوميا من مختلف أنحاء البلاد، يسألون فيها عن سياسته. والرسالة، بحسب برات، كانت تقول: «لقد صوت لصالح ترمب. ما انطباعك الآن؟».
- خدمة «واشنطن بوست»


مقالات ذات صلة

المحكمة العليا الأميركية تتجنب مجدداً الفصل في دستورية رسوم ترمب

الاقتصاد وحدة كلاب من شرطة المحكمة العليا الأميركية تقوم بدوريات أمام مبنى المحكمة في واشنطن (رويترز)

المحكمة العليا الأميركية تتجنب مجدداً الفصل في دستورية رسوم ترمب

أصدرت المحكمة العليا الأميركية 3 قرارات، الأربعاء، لكنها لم تبتّ في النزاع الذي يحظى بمتابعة وثيقة بشأن شرعية الرسوم الجمركية العالمية التي فرضها دونالد ترمب.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد منشأة «لويندل باسل» لتكرير النفط في هيوستن بولاية تكساس الأميركية (رويترز)

ارتفاع مخزونات النفط الخام والبنزين الأميركية

قالت «إدارة معلومات الطاقة» الأميركية، الأربعاء، إن مخزونات الخام والبنزين بالولايات المتحدة ارتفعت، بينما انخفضت مخزونات نواتج التقطير قليلاً، الأسبوع الماضي.

«الشرق الأوسط» (هيوستن (الولايات المتحدة))
الاقتصاد من اللقاء بين بيسنت ووزير المالية الكوري الجنوبي (إكس)

بيسنت: انخفاض الوون الكوري لا يتماشى والأساسيات الاقتصادية القوية لسيول

ناقش وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، الانخفاض الأخير في قيمة الوون الكوري مع وزير المالية الكوري الجنوبي كو يون تشيول.

الاقتصاد متجر «ساكس فيفث أفينيو» متعدد الأقسام في نيويورك (أ.ف.ب)

نمو مبيعات التجزئة الأميركية يتجاوز التوقعات في نوفمبر

سجلت مبيعات التجزئة في الولايات المتحدة زيادة بنسبة 0.6 في المائة خلال نوفمبر، متجاوزة توقعات المحللين التي كانت تشير إلى نمو بنسبة 0.4 في المائة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد فرع بنك «ويلز فارغو» في نيويورك (رويترز)

أرباح قياسية لـ«بنك أوف أميركا» و«ويلز فارغو» مع انتعاش قوي في أنشطة التداول

أعلن عملاقا المصارف الأميركية، «بنك أوف أميركا» و«ويلز فارغو»، عن ارتفاع ملحوظ في أرباحهما للربع الأخير والسنة الكاملة لعام 2025.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

مقترح «المقايضة الكبرى» المصري في مهب الانتقادات الاقتصادية

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي سبق وأن وعد هذا الشهر بخفض الديون (مجلس الوزراء المصري)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي سبق وأن وعد هذا الشهر بخفض الديون (مجلس الوزراء المصري)
TT

مقترح «المقايضة الكبرى» المصري في مهب الانتقادات الاقتصادية

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي سبق وأن وعد هذا الشهر بخفض الديون (مجلس الوزراء المصري)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي سبق وأن وعد هذا الشهر بخفض الديون (مجلس الوزراء المصري)

أثار مقترح «المقايضة الكبرى» الذي طرحه رجل الأعمال المصري، حسن هيكل، حلاً محتملاً لتخفيف أعباء الدين الداخلي، جدلاً واسعاً في الأوساط الاقتصادية، ومعارضة شديدة من خبراء ومصرفيين حذَّروا من تداعياته على استقلالية البنك المركزي ومن تعريض ودائع المواطنين للخطر.

وبينما يتصاعد النقاش حول المبادرة في الفضائيات والمؤتمرات الأكاديمية، لا تزال الحكومة تلتزم الصمت حيال هذا الطرح المثير للجدل.

تتلخص فكرة المقترح في نقل جزء من ديون الدولة من وزارة المالية إلى البنك المركزي، مقابل نقل ملكية أصول حكومية استراتيجية - وفي مقدمتها هيئة قناة السويس - إلى ميزانية «المركزي».

ووفقاً لرؤية هيكل، تهدف هذه المقايضة إلى تصفير أعباء الدين في الموازنة العامة؛ ما يتيح للدولة توجيه الموارد المالية نحو قطاعات حيوية كالتعليم والصحة، مقترحاً تطبيق الفكرة تدريجياً لتقييم أثرها.

ووفق التقديرات الأولية، يتوقع أن تسهِم هذه المقايضة في خفض كبير في مدفوعات الفوائد؛ ما يوفر مئات المليارات، قد تصل إلى 8 تريليونات جنيه (168.8 مليار دولار).

وفقاً لوزارة التخطيط المصرية، شهد الدين الخارجي قفزة بنحو 6 مليارات دولار منذ مطلع عام 2025، ليصل إلى 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو (حزيران) الماضي. في حين ارتفع الدين المحلي بنسبة 3.5 في المائة ليصل إلى 11.057 تريليون جنيه (وهو ما يساوي 233.2 مليار دولار).

الطرح الذي شرحه هيكل، باستفاضة، الأحد، خلال حلقة تلفزيونية، واستعرضه في اليوم نفسه أمام «المنتدى الاقتصادي» لكلية الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة القاهرة، سبق وأن قدمه في كثير من تدويناته المثيرة للجدل.

لقاء رجل الأعمال حسن هيكل التلفزيوني لشرح مقترحه «المقايضة الكبرى» (سكرين شوت)

في تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط»، اكتفى المستشار محمد الحمصاني، المتحدث باسم مجلس الوزراء، بالإشارة إلى أن «أي إجراءات تتعلق بالدين سيتم الإعلان عنها في حينه»، رغم تأكيدات رئيس الوزراء مصطفى مدبولي على وجود توجيهات صارمة بخفض عبء المديونية على الموازنة العامة.

تحذيرات من «ليّ ذراع» السياسة النقدية

واجه المقترح هجوماً حاداً من خبراء الاقتصاد الذين رأوا فيه تهديداً لجوهر العمل المصرفي. وحذَّر الباحث والخبير في أسواق المال، محمد مهدي عبد النبي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط» من أن تحويل البنك المركزي إلى جهة تدير الأصول أو تعمل كمطور عقاري، يخالف طبيعته ومهمته الأساسية في ضبط التضخم واستقرار العملة.

واتفق معه عضو مجلس النواب (البرلمان)، إيهاب منصور، قائلاً إن المقترح «غير موفق»، مشدداً في تصريح لـ«الشرق الأوسط» على ضرورة فصل «السياسة المالية للدولة والتي تديرها وزارة المالية عن السياسة النقدية التي يتحكم فيها البنك المركزي كجهة مستقلة عن الحكومة».

وتابع منصور: «لا يوجد حل سحري لأزمة الدين، الحل في التنمية، وفق وحدة الموازنة العامة».

وتشير وحدة الموازنة العامة للدولة إلى دخول كل إيرادات ومصروفات الدولة في موازنة واحدة، دون إخراج ميزانيات هيئات اقتصادية أو مؤسسات خارجها.

وأشار عبد النبي إلى أن «أقرب نموذج للمقترح صفقة (رأس الحكمة) والتي عادلت الحكومة فيها جزءاً من ديونها مع دولة الإمارات مقابل إشراكها في هذه الصفقة، كجزء من إدارة ذروة أزمة مصر في العملة الأجنبية».

وكانت مصر أبرمت صفقة مع الإمارات في فبراير (شباط) 2024، بقيمة 150 مليار دولار، تتضمن التنازل عن 5 مليارات دولار من الودائع الخاصة بالإمارات لدى البنك المركزي المصري.

وشرح عبد النبي أن مقترح تسوية الدين عبر منح الدائنين أسهماً في أصول الدولة بدلاً من السداد النقدي يفتقر للوجاهة الاقتصادية؛ لأنك بذلك تضحي بأصول استراتيجية تدر دخلاً مستداماً لسداد التزامات مالية تملك الدولة بالفعل السيولة المحلية اللازمة لتغطيتها.

خبراء اقتصاديون وأكاديميون يناقشون مقترح «المقايضة الكبرى» في منتدى كلية الاقتصاد بجامعة القاهرة (صفحة أستاذ الاقتصاد أنور النقيب عبر فيسبوك)

وكان رئيس البنك التجاري الدولي (CIB) هشام عز العرب، انتقد في رده على تدوينة لهيكل في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، المقترح، قائلاً إن «40 في المائة من الأذون الحكومية مملوكة لأجانب، فهل نمنحهم أصولاً في الدولة بدلاً منها، وهل من الممكن مصادرة أموال المودعين المحليين وإعطاؤهم أصولاً بدلاً منها؛ ما يفاقم أزمات المواطنين».

مقامرة كبرى

ورأى عضو مجلس الشيوخ ورئيس حزب الجيل الديمقراطي، ناجي الشهابي، أن مقترح «المقايضة الكبرى» لا يُعدّ حلاً للأزمة، بل نقلاً للدين من خانة مالية قابلة للإدارة إلى خانة التفريط في أصول الدولة، وفق تصريحه لـ«الشرق الأوسط». وقال إن الدين الداخلي، رغم ضغوطه، يظل ديناً داخل المنظومة الوطنية يمكن إعادة هيكلته وضبطه بسياسات مالية ونقدية رشيدة، أما تحويله أصولاً استراتيجية فهو تحويل للأزمة إلى تهديد دائم للأمن القومي.

وتكرر رفض المقترح خلال تعليقات عدّة لاقتصاديين عبر مواقع التواصل الاجتماعي. وكتبت أستاذة الاقتصاد في جامعة القاهرة، علياء المهدي، في حسابها على «فيسبوك»: «لا تقل المقايضة الكبرى، قل المقامرة الكبرى».

وأكد أستاذ الاقتصاد والتمويل في أكاديمية السادات، أنور النقيب، أن المقترح يُخرج «البنك المركزي» عن مهمته الرئيسية، وهي استقرار الأسعار وإدارة حصيفة للجهاز المصرفي، قائلاً عبر «فيسبوك» إن «الطرح بنقل المديونية من الحكومة إلى البنك المركزي مقابل نقل ملكية أصول للدولة وأحدها أهم مورد نقد أجنبي لمصر يخرج من نطاق أي مرجعيات علمية أو أكاديمية».

والنقيب واحد من المشاركين في المنتدى الاقتصادي لكلية السياسة والاقتصاد في جامعة القاهرة، لمناقشة أزمة الدين. ورفض كثير من المشاركين طرح هيكل خلال المنتدى، وفق وسائل إعلام محلية، من بينهم محافظ البنك المركزي الأسبق محمود أبو العنين.

وقال أبو العنين خلال المنتدى إن «القانون الحالي للبنك المركزي، يكرّس استقلاليته مالياً، فالبنك لا ينوب عن الحكومة، والتمويل الذي يقدمه يتم وفق ضوابط محددة ضمن موارد الدولة وإيرادات الخزانة العامة»، واصفاً أن مقترح هيكل بـ«السياسي»، لا سيما أنه يستخدم المواطن بشكل ملحوظ في الأزمة، ويصعب تطبيقه عملياً.

ورد هيكل خلال لقائه التلفزيوني، الأحد، على منتقدي طرحه، بمطالبتهم بتقديم طروحات أخرى لحل أزمة الدين في مصر، قائلاً: «نحن وصلنا إلى مرحلة أصبح فيه الدين الداخلي الذي أصله هو فائدة وليس تشغيلاً، فى مستوى لا يمكن التعايش معه، ويجب إيجاد حل محدد وعلى الأطراف الأخرى اقتراح حلول إضافية بدل الاكتفاء بالكلام العام».


المحكمة العليا الأميركية تتجنب مجدداً الفصل في دستورية رسوم ترمب

وحدة كلاب من شرطة المحكمة العليا الأميركية تقوم بدوريات أمام مبنى المحكمة في واشنطن (رويترز)
وحدة كلاب من شرطة المحكمة العليا الأميركية تقوم بدوريات أمام مبنى المحكمة في واشنطن (رويترز)
TT

المحكمة العليا الأميركية تتجنب مجدداً الفصل في دستورية رسوم ترمب

وحدة كلاب من شرطة المحكمة العليا الأميركية تقوم بدوريات أمام مبنى المحكمة في واشنطن (رويترز)
وحدة كلاب من شرطة المحكمة العليا الأميركية تقوم بدوريات أمام مبنى المحكمة في واشنطن (رويترز)

أصدرت المحكمة العليا الأميركية ثلاثة قرارات، يوم الأربعاء، لكنها لم تبتّ في النزاع الذي يحظى بمتابعة وثيقة بشأن شرعية الرسوم الجمركية العالمية التي فرضها الرئيس دونالد ترمب.

ولم تعلن المحكمة الموعد التالي الذي ستُصدر فيه أحكامها. ولا تعلن مسبقاً عن الأحكام التي سيتم إصدارها في تاريخ معين.

يمثل تحدي تعريفات ترمب اختباراً كبيراً للسلطات الرئاسية، فضلاً عن استعداد المحكمة للتحقق من بعض تأكيدات الرئيس الجمهوري بعيدة المدى عن السلطة منذ عودته إلى منصبه في يناير (كانون الثاني) 2025. وستؤثر النتيجة على الاقتصاد العالمي.

في أثناء المرافعات في القضية في الخامس من نوفمبر (تشرين الثاني)، بدا أن القضاة المحافظين والديمقراطيين يشككون في شرعية التعريفات الجمركية، التي فرضها ترمب من خلال الاحتجاج بقانون عام 1977 المخصص للاستخدام في أثناء حالات الطوارئ الوطنية. وتستأنف إدارة ترمب الأحكام الصادرة عن محاكم أدنى درجة بأنه تجاوز سلطته.


ارتفاع مخزونات النفط الخام والبنزين الأميركية

منشأة «لويندل باسل» لتكرير النفط في هيوستن بولاية تكساس الأميركية (رويترز)
منشأة «لويندل باسل» لتكرير النفط في هيوستن بولاية تكساس الأميركية (رويترز)
TT

ارتفاع مخزونات النفط الخام والبنزين الأميركية

منشأة «لويندل باسل» لتكرير النفط في هيوستن بولاية تكساس الأميركية (رويترز)
منشأة «لويندل باسل» لتكرير النفط في هيوستن بولاية تكساس الأميركية (رويترز)

قالت «إدارة معلومات الطاقة» الأميركية، الأربعاء، إن مخزونات الخام والبنزين في الولايات المتحدة ارتفعت، بينما انخفضت مخزونات نواتج التقطير قليلاً، الأسبوع الماضي.

وأوضحت أن مخزونات الخام ارتفعت 3.4 مليون برميل إلى 422.4 مليون برميل في الأسبوع المنتهي يوم 9 يناير (كانون الثاني) الحالي، مقارنة مع توقعات المحللين، في استطلاع أجرته «رويترز»، لانخفاض قدره 1.7 مليون برميل.

وأشارت إلى أن مخزونات الخام بمركز التسليم في كاشينغ بولاية أوكلاهوما زادت بمقدار 745 ألف برميل خلال الأسبوع.

ولم تشهد العقود الآجلة للنفط تغيراً يذكر على الرغم من الزيادة المفاجئة في مخزونات الخام.

وتُدُووِلت العقود الآجلة لـ«خام برنت العالمي» عند 66.13 دولار للبرميل، بزيادة 66 سنتاً، في الساعة الـ10:36 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة (15:36 بتوقيت غرينيتش)، في حين ارتفعت العقود الآجلة لـ«خام غرب تكساس الوسيط» الأميركي بمقدار 50 سنتاً عند 61.65 دولار للبرميل.

وقالت «إدارة معلومات الطاقة» إن استهلاك الخام في مصافي التكرير ارتفع 49 ألف برميل يومياً، في حين ارتفعت معدلات التشغيل 0.6 نقطة مئوية في الأسبوع إلى 95.3 في المائة.

كما أوضحت أن مخزونات البنزين الأميركية ارتفعت بمقدار 9 ملايين برميل في الأسبوع إلى 251 مليون برميل، مقارنة بتوقعات المحللين في استطلاع أجرته «رويترز» لزيادة قدرها 3.6 مليون برميل.

وأظهرت بيانات «إدارة معلومات الطاقة» أن مخزونات نواتج التقطير، التي تشمل الديزل وزيت التدفئة، ظلت شبه ثابتة مقارنة بالأسبوع السابق عند 129.2 مليون برميل، مقابل توقعات زيادة قدرها 512 ألف برميل.

وقالت «إدارة معلومات الطاقة» إن صافي واردات الولايات المتحدة من الخام ارتفع الأسبوع الماضي بمقدار 710 آلاف برميل يومياً.