وزير الداخلية اللبناني نهاد المشنوق: فتح معركة الرئاسة مبكراً يؤخر تشكيل الحكومة

تحدث لـ «الشرق الأوسط» عن انفتاح سعودي على لبنان بعد تأليفها

وزير الداخلية نهاد المشنوق
وزير الداخلية نهاد المشنوق
TT

وزير الداخلية اللبناني نهاد المشنوق: فتح معركة الرئاسة مبكراً يؤخر تشكيل الحكومة

وزير الداخلية نهاد المشنوق
وزير الداخلية نهاد المشنوق

وصف وزير الداخلية اللبناني نهاد المشنوق زيارته الأخيرة إلى المملكة العربية السعودية بأنها «زيارة سياسية ناجحة»، مشيداً بالموقف السعودي حيال لبنان «الذي يتعامل مع الدولة اللبنانية»، متوقعاً انفراجات في العلاقات الثنائية بعد تأليف الحكومة الجديدة.
وأقر المشنوق في حوار مع «الشرق الأوسط»، أن الاتهامات اليمنية لـ«حزب الله» صحيحة، منبهاً إلى أنه «لم يعد يصح لكل هذه التطورات الدولية أن يكون حزب الله جزءا منفذا للسياسة الإيرانية بالمنطقة ولا يتوقع بالوقت نفسه صدور قرارات دولية بحقه».
واعتبر المشنوق أن مقاربة عملية تشكيل الحكومة اللبنانية الجديدة من خلال الأعداد، خاطئة، ورأى أن الخلل الرئيسي الذي يؤخر تشكيل الحكومة هو أن معركة الرئاسة انفتحت مبكراً، والطموحات بالوراثة السياسية أو الطموحات الرئاسية أدخلت البلد باشتباك. وأشار إلى أن «شهر العسل بين المستقبل والتيار الوطني الحر تحول إلى تفاهم بعناوين محدودة وأفق محدود».
وفيما يأتي نص الحوار:

> كيف تصف نتائج زيارتك الأخيرة إلى المملكة العربية السعودية؟
- لا أستطيع إلا أن أكون في موقع التقدير والشكر لما قاموا به. أنا وزير في حكومة تصريف أعمال، ولن أكون وزيراً في الحكومة المقبلة انسجاماً مع قرار فصل النيابة عن الوزارة في تيار المستقبل. هو تكريم معنوي كبير، ولا أستطيع إلا أن أكون شاكراً ومقدراً له، باعتبار أنه تقدير سياسي، أكثر منه لتبادل المعلومات الأمنية. كل النقاشات أخذت منحى سياسياً في المنطقة وليس فقط في لبنان، وتناولت الموضوع السوري، والعراقي، واللبناني تحديداً. وأنا بالتأكيد شاكر ومقدر وممتن لإصرار وزير الداخلية الأمير عبد العزيز بن سعود بن نايف على إتمام هذه الزيارة وتحقيقها.
لأول مرة أجلس مطولاً معه لنتناقش، وهو شخص رصين يعبّر عن أفكاره بأقصر جمل ممكنة وبشكل واضح لا يترك مجالاً للاجتهاد. القيادات الأمنية أيضاً، كل واحد بمسؤولياته أو بطباعه الشخصية يعرف المهام المكلف بها وكيفية تنفيذ التعليمات من القيادة بشكل سليم. ثالثاً، واضح أن الجو الغالب بالسعودية هو جو تغيير بالكامل يتدرج في كل موضوع. عموماً في كل المجالات، هناك تغييرات كبرى تحتاج لوقت كي تظهر نتائجها، ولكن الانطباع الأول أنها كلها تبشر بالخير والنجاحات.
السعودية بطبيعتها سواء بالموضوع الديني أو الاقتصادي أو السياسي هي دولة قائدة بالمنطقة، وأنا أعتبر وأكرر دائماً أن التوازن بالمنطقة لا سيما في ظل هذا التمدد الإيراني، لا يقوم إلا على تحالف سعودي - مصري صلب، لأن كل دولة من الدولتين تمتلك عناصر قوة وخصوصيات ومشتركات كثيرة. ومؤخراً دخلت الإمارات باعتبارها دولة متماسكة وجدية بالمعنى العسكري والأمني وبمعنى القوة الناعمة.
> كيف ترى مستقبل العلاقات مع المملكة؟
- ما لاحظته من خلال النقاشات أن هناك قراراً بالتعامل مع الحكومة اللبنانية الرسمية التي ستؤلف، وتطوير العلاقات الرسمية والتبادل الاقتصادي والتجاري، وهناك تحضير لتوقيع معاهدات اقتصادية ومالية وتجارية بين البلدين. هم ينتظرون تشكيل الحكومة لإعادة إحياء اللجنة الوزارية العليا التي يرأسها من الجانب السعودي، ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، ومن الجانب اللبناني رئيس الحكومة. ومن المتوقع بعد تشكيل الحكومة وحصولها على الثقة، سوف تكون هناك زيارات لمسؤولين سعوديين كبار للبنان لتنسيق الاجتماعات وتحضير الملفات.
> كانت للمملكة ملاحظات على الأداء اللبناني، أولاً النأي بالنفس في المواقف الدولية والعربية، ثانياً وجود فريق لبناني يمارس نشاطات تضر بأمن المملكة ودول عربية أخرى.
- موقفهم من التدخل الإيراني ومن حراك «حزب الله» في البلاد العربية، تحديداً، لم يتغير. الاعتراضات السعودية نفسها لم تتغير، لكن الفرق هو اعتماد وسيلة مواجهة مختلفة، وذلك عبر الاستمرار بالعمل مع الدولة بشكل رسمي وأن تكون موجوداً بنفس الساحة تمارس دورك الطبيعي من خلال اتفاقات فيها مصلحة للبنان والسعودية، اقتصادية أو تجارية. شخصياً أعتقد أنه بعد كل الذي حصل من ممارسات بشأن ما يسمى «النأي بالنفس» والتعرض الذي حصل حيال السعودية، يجب أن تتم إعادة النظر بمسألة النأي بالنفس، وما هي حدودها وضوابطها وجديتها وما هو مضمونها، لأنها أصبحت مجال استنساب. كل قوة سياسية تستعمله بما يناسب مصالحها. لبنان بلد ليبرالي ومستوى الحريات فيه مرتفع، لكن هذه لا يجب أن تكون ذريعة لممارسات وأفعال وأقوال تهدد علاقات لبنان بمحيطه العربي ومسؤوليات لبنان تجاه عروبته وثوابت هذه العروبة.
شكوى اليمن محقة
> وزارة الخارجية اليمنية قامت بإرسال رسالة للبنان تشكو فيها تدخل «حزب الله» باليمن. كيف تنظر إلى هذه الخطوة؟
- هذا تطور جديد، ولكن كل الناس تعرف أن هذا صحيح. سبق للحكومة اليمنية نفسها أن نشرت بطاقات هوية ومعلومات عن أفراد لبنانيين مهما كانت صفتهم، مستشارين أو مقاتلين أو خبراء في صناعة الصواريخ أو تركيبها. معروف هذا الأمر وليس هناك مفاجأة. أعتقد أن الموقف اليمني موقف طبيعي، لأنه لم يعد يصح بعد كل هذه التطورات الدولية أن يكون حزب الله منفذاً للسياسة الإيرانية بالمنطقة، ولا يتوقع بالوقت نفسه قرارات دولية بحقه.
لماذا هو نيجيريا مثلاً؟ لماذا يقوم بتدريبات في نيجيريا وإنشاء مخازن أسلحة فيها؟ وما الهدف من الـ10 آلاف بدلة عسكرية التي ضبطت في الكويت؟ تمتين الاستقرار هناك؟ الأمور وصلت إلى مرحلة أن كل الناس ترفض الاستمرار في هذه السياسة. الموقف اليمني تعبير عن أن حزب الله مشكلة حقيقية للبنان بعلاقته بمحيطه العربي بقدر ما هو مشكلة للعرب.
> ألا يخشى من أن يُنفس الضغط الدولي الشديد على إيران بمكان مثل لبنان؟
- لنفترض ذلك، وبعدها؟ أول قرار عسكري تأخذه إيران سيكون آخر قرار لها. أولاً سوف تخسر كل المؤيدين لها بالمنطقة وستخسر كل ما يمكن أن تسميته بـ«الحليف»، وهم يعرفون المعادلة الدولية، وأن أي تهديد مباشر بالمنطقة سيكون أول وآخر قرار، لأنه لم يعد هناك مجال للمفاوضات. أمن إسرائيل همّ أميركي روسي، فكيف يمكنهم أن يواجهوا ذلك؟ وفي رأيي كما أن الإيرانيين يمتلكون كفاءة بالكلام الكبير والتأويل، أيضاً يمتلكون كفاءة بالمفاوضات و«الالتفاف» عند الضرورة القصوى، وليس أمامهم أي خيار آخر. منذ عام 2006 حتى اليوم لم تكن هناك طلقة واحدة على الحدود اللبنانية، أليس ذلك دليلاً على الالتزام بالقرارات الدولية ومعرفتهم أن هذه القصة أكبر من قدرتهم وأكبر من قدرة إيران؟
قواعد رقمية لتشكيل الحكومة
> في الشأن اللبناني، الكل ينتظر الحكومة في الخارج ولا يوجد ما يبشر بولادة حكومة. هل توافق على ذلك؟
- معايير تأليف الحكومة منذ اليوم الأول وضعت خطأ، لأنها وُضِعَت وفق قواعد رقمية كأنها تتشكل على الآلة الحاسبة أو ماسورة الخياط، اسميها «ماسورة الخياط الباسيلي» (نسبة لوزير الخارجة جبران باسيل) وهذا وهم في الحقيقة، لأن الحكومة تشكل وفق قواعد دستورية أولاً ووفق أعراف النظام التوافقي اللبناني وتفاهماته السياسية، وليس فقط معايير حسابية رقمية.
«التيار الوطني الحر» كل يوم يحكي عن القوة. أي قوة؟ أعتقد أن الخلل الرئيسي الذي يؤخر تشكيل الحكومة هو أن معركة الرئاسة انفتحت مبكراً، والطموحات بالوراثة السياسية أو الطموحات الرئاسية أدخلت البلد باشتباك وأسئلة لا أحد يمتلك أجوبتها، وبالتالي أنت تدور في حلقة مفرغة.
> لكن في بداية العهد تم تأليف الحكومة بسرعة قياسية؟
- تمّ بسبب التفاهم السياسي، ولأنه لم يكن مطروحاً في تلك اللحظة أن أطرافاً تخوض معركة رئاسية عبر تأليف الحكومة كما هو حاصل اليوم. مثلاً عندما كانت حصة القوات 8 نواب، كان نائب رئيس الحكومة من حصتهم، إلى جانب وزيرين آخرين. بعدها جاءت الانتخابات ودخلت كل القوى بأحجامها، برزت المعادلة الرقمية لدى «التيار الوطني الحر» على قاعدة كل 4 نواب لهم وزير. عندما كان عدد نواب القوات أقل حصلوا على نائب رئيس الحكومة واليوم ثمة من يريد حرمانهم من هذا المكسب رغم أنهم ضاعفوا حجم كتلتهم. ما هذه المعادلة؟
> التفاهم السياسي الذي كان قائماً سهل ولادة الحكومة؟
- نعم بين الجميع. التفاهم السياسي على انتخاب الرئيس استمر وعاش في تشكيل الحكومة، الآن لا يوجد انتخاب رئيس بل هناك أحلام رئاسية، والناس تدخل بحسابات رقمية لن توصل إلى مكان لا الأحلام الرئاسية ولا الذين يعتبرون أنفسهم لهم الحق بالرئاسة. أعتقد أنه بالنسبة لـ«التيار الوطني الحر»، الموضوع الرئيسي هو الموضوع الرئاسي، أما في «القوات اللبنانية» فالموضوع الرئيسي هو حق الفيتو على الرئاسة، أي الشراكة الحاسمة في تقرير هوية الرئيس المقبل.
> شهر العسل بين المستقبل والتيار الوطني الحر، هل انتهى أم اهتز؟
- برأيي تحول إلى تفاهم بعناوين محدودة وأفق محدود، وليس مفتوحاً كما في البداية. الحريري قادر على أن يكون نقطة ارتكاز لأكبر عدد ممكن من القوى السياسية، لم يعد قادراً أن يبقى على تحالف انفرادي مع التيار الوطني الحر، لكن من الواضح أنه يفصل تماماً بين التيار الوطني الحر ورئيس الجمهورية، ومحافظ على حدود وسطية من العلاقة ومع ذلك رئيس الجمهورية لم يقصر فيه أيضاً، فالبيان الذي صدر حول «مسألة» الصلاحيات، لغته قديمة عمرها عشرات السنين لا علاقة له بالواقع الآن والتطور الدستوري الذي حصل. ثم ما لبث أن استدرك الرئيس هذا الأمر بتسريبات صدرت عن زواره وهذا يحسب له. لكن المؤسف أنه عند البعض الأحلام والأوهام أصبحت موجودة بالسياسة اللبنانية أكثر بكثير من الوقائع والحقائق.
> نرى عودة للتكتلات السياسية، إذا نظرنا إلى التقارب بين «المستقبل» و«الحزب التقدمي الاشتراكي» و«القوات»، هل هي عودة لمنطق 14 آذار؟
- لا أعتقد أنه بالإمكان إرجاع الساعة إلى الوراء. 14 آذار لحظة مجيدة في الحياة السياسية والوطنية اللبنانية ولها ظروف لم تعد قائمة اليوم. لكن أعتقد أنه واضح أن هناك إمكانية جدية للتفاهم على الحد الأدنى بما يخدم مصلحة الاستقرار والتفاهم والإنماء بلبنان. وهذا متوفر في القوى الثلاث أكثر بكثير مما كانت عليه في البدايات. الفرق بينه وبين «14آذار»، أن الأخير كان مشروعاً وطنياً شاملاً له عناوين كبرى تتعلق بالسيادة والاستقلال وبمواجهة قوى كبرى سواء حزب الله أو النظام السوري. الآن ليست نفس العناوين مطروحة بل أقل من ذلك بكثير والتفاهم عليها ممكن، أصبح هناك إجماع إلى حد ما. مثلاً موضوع حزب الله لم يعد ممكنا إنهاؤه من دون تفاهم إقليمي، ولا يمكن إنهاؤه وفق تفاهم محلي، وهنا نتحدث عن إنهاء حالته العسكرية وليس إنهاء الحزب الموجود هو وجماعته. الأمر محصور بوجوده العسكري وتمدده وتدخله في سوريا واليمن أو بأي مكان فيه اشتباك وعدم استقرار، لأنه عملياً السياسة الإيرانية لم تكن ولا مرة جزءاً من الاستقرار بأي مكان دخلت عليه.
> ماذا عن المرحلة التالية لك ما بعد الوزارة؟
- مرتاح شخصياً ومرتاح سياسياً، وكما ذكرت قبل، وأكرر، أنا بحاجة لإجازة طويلة وبعدها أقرر أين يكون تموضعي «التنظيمي» إذا صح التعبير، ولا أقول السياسي تماماً، لأنني لست في وارد ترك الحريرية السياسية وإرثها الوطني الكبير. أما ما هو دوري فيها وأين؟ فأريد أن أعطي نفسي وقتاً كي أقرر. لا أريد أن أتعجل وأنا لست من النوع الذي يتحمس للانشقاقات والانقلابات. أنا حريص على جمهور رفيق الحريري وتيار المستقبل بمعناه العريض وليس التنظيمي، وحريص على علاقتي السياسية والشخصية بالرئيس سعد الحريري. أما الدور وشكل الدور فمسألة بحاجة إلى تفكير وتأنٍ.



لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
TT

لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)

منذ بداية العام الحالي، ترسم الأمم المتحدة صورة قاتمة لمستقبل الأزمة الإنسانية في اليمن، محذّرة بأن البلاد تقف على «حافة منعطف حرج» قد يدفع بملايين إضافيين إلى دائرة الخطر.

وفي تقريرها الأخير المعنون «اليمن 2026: ثمن التقاعس»، تشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 22.3 مليون شخص، أي غالبية السكان، يحتاجون إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية والحماية، في ظل تراجع حاد في التمويل الدولي وتقلّص نطاق الاستجابة.

يأتي هذا الانحسار في الموارد، في وقت تتصاعد فيه الاحتياجات بوتيرة مقلقة. ووفقاً لـ«مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)»، فإن نحو 18.3 مليون شخص قد يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي خلال العام الحالي، مع انزلاق مناطق جديدة نحو ظروف توصف بأنها «كارثية».

ويعاني نحو 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوءَ تغذية حاداً، في مؤشّر يعكس مخاطر طويلة الأمد تتجاوز الجوع إلى أضرار لا رجعة فيها بشأن النمو الجسدي والذهني.

بدوره، يقدم القطاع الصحي دليلاً إضافياً على هشاشة الوضع، إذ تشير التقديرات إلى أن 40 في المائة من المرافق الصحية تعمل جزئياً فقط، أو توقفت بالكامل، فيما يواجه نحو 19.3 مليون شخص مخاطر صحية متصاعدة.

وتتقاطع هذه المؤشرات مع واقع النزوح، حيث يعيش أكثر من 5.2 مليون يمني في ظروف قسرية متدهورة؛ مما يضاعف من هشاشة الفئات الأضعف ويزيد الضغط على الخدمات الأساسية.

في غضون ذلك، أعلن «صندوق التمويل الإنساني (YHF)» في اليمن أنه قدم المساعدة لأكثر من 307 آلاف شخص في المناطق الأكبر تضرراً من انعدام الأمن الغذائي في البلاد.

أزمة إدارة الإغاثة

وقال «الصندوق»؛ التابع للمكتب الأممي «أوتشا»، في تقرير حديث، إنه خصص، في الثلث الأخير من العام الماضي، 20 مليون دولار لدعم المجتمعات التي تعاني أعلى مستويات انعدام الأمن الغذائي، وسوء التغذية، ومخاطر الحماية في اليمن، مركزاً على الخدمات الأساسية المنقذة للحياة، وأولوية خدمات الحماية للأسر والأفراد الأكبر عرضة للمخاطر.

طفلتان برفقة والدتيهما تتلقيان خدمات علاجية أممية لمنع وعلاج سوء التغذية بين الأطفال (الأمم المتحدة)

وبلغ عدد المستفيدين 307.4 ألف شخص، بينهم 37 ألفاً من ذوي الإعاقة.

وحتى الآن، تلقى «الصندوق» نحو 14.3 مليون دولار مساهمات في ميزانيته للعام الحالي، أبرزها من الدنمارك (5.4 مليون)، وفنلندا (3.4 مليون)، والسعودية (3 ملايين)، وكندا (1.2 مليون)، إضافة إلى جهات مانحة أخرى.

ويرى جمال بلفقيه، المنسِّق العام لـ«اللجنة اليمنية العليا للإغاثة»، (لجنة حكومية)، أن تحسين آليات إدخال المساعدات يمثل نقطة مفصلية في خفض التكلفة وزيادة الفاعلية، مشدداً على أن الاستفادة من الممرات البرية والبحرية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة يمكن أن تحدّ من «الابتزاز» وتعزز انسيابية الإغاثة.

ويذهب بلفقيه، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «التعويل الآن هو على دور الداعمين الإقليميين، وعلى رأسهم السعودية، في سد الفجوة التمويلية، ليس فقط عبر المساعدات الطارئة؛ بل من خلال دعم مؤسسي ومشروعات تنموية طويلة الأمد».

مشروع أممي لتعزيز الأمن الغذائي في اليمن يوفر فرص عمل لـ42 ألفاً و964 شخصاً (الأمم المتحدة)

غير أن المسؤول الحكومي يقرّ بوجود اختلالات في إدارة العمل الإنساني خلال فترات سابقة، لافتاً إلى أن ضعف التنظيم والرقابة الميدانية أسهم في حرمان فئات من مستحقي المساعدات، ويطرح في المقابل مقاربة تقوم على «إعادة ترتيب أولويات التدخل وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، بما يفتح المجال أمام انتقال تدريجي من الاستجابة الطارئة إلى التعافي الاقتصادي».

ورغم استمرار حالة التهدئة النسبية منذ أبريل (نيسان) 2022، بعد سنوات من حرب مدمّرة بين الحكومة الشرعية والجماعة الحوثية الانقلابية، ألحقت أضراراً واسعة بالبنية التحتية والاقتصاد، فإن التحسن الأمني لم يُترجم إلى تعافٍ إنساني ملموس، وباتت فجوة التمويل العامل الأكبر تأثيراً في تحديد مصير الاستجابة.

اختبار أخلاقي للعالم

وتحتاج خطة الأمم المتحدة للعام الحالي إلى 2.16 مليار دولار لتقديم مساعدات منقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص فقط، أي نحو نصف المحتاجين.

وكالات أممية قدمت مساعدات لآلاف الأسر المتضررة من الفيضانات الأخيرة في 7 محافظات (الأمم المتحدة)

ويحذّر تقرير «أوتشا» بأن استمرار «التقاعس» سيؤدي إلى خسائر بشرية مباشرة، مع اقتراب أنظمة حيوية من الانهيار وتآكل قدرة المجتمعات على الصمود. ويشير إلى أن «الشركاء الإنسانيين اضطروا بالفعل إلى تقليص برامج أساسية نتيجة نقص التمويل وصعوبات الوصول»؛ مما يفاقم من فجوة الاحتياجات غير الملبّاة.

ويقدّم إيهاب القرشي، الباحث اليمني في الشؤون الإنسانية، قراءة أكبر تشاؤماً، عادّاً أن التراجع في تمويل خطط الأمم المتحدة يعكس تحولات أوسع في أولويات المانحين، في ظل أزمات دولية متزامنة، مستبعداً أن يتجاوز التمويل هذا العام 40 في المائة من المستويات السابقة؛ مما يعني عملياً اتساع الفجوة بين الاحتياجات والموارد المتاحة.

ويوضح القرشي لـ«الشرق الأوسط» أن «العجز التراكمي في تغطية الاحتياجات الإنسانية بلغ مستويات غير مسبوقة»، وأن «إخفاق المعالجات السياسية والاقتصادية أسهم في تعميق الأزمة وتحويلها إلى (حلقة ضغط) مستمرة على الوضع الإنساني».

تدريب أممي لأعضاء «جمعيات مستخدمي المياه» في ريف محافظة تعز على مهارات جمع التبرعات وإعداد المقترحات والتواصل مع المانحين (الأمم المتحدة)

وينبه إلى أن ملايين اليمنيين قد يواجهون صعوبات يومية في تأمين الغذاء، «مع ما يرافق ذلك من ارتفاع معدلات سوء التغذية ووفيات الأطفال، واتساع رقعة المجاعة»، في ظل هذه المعطيات.

ومن دون دعم مستدام، فسيظل ملايين الأشخاص عرضة لخطر تفاقم الجوع، والأمراض التي يمكن الوقاية منها، وتهديدات الحماية، حيث يتطلب خفض الاحتياجات المزمنة تعاوناً طويلاً بين جميع الفاعلين لاستعادة الخدمات الأساسية، وإنعاش وسائل الحياة، وتعزيز القدرة على الصمود في وجه الصدمات المستقبلية، وإنهاء الصراع.


هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)

قطعت عملية إعادة هيكلة ودمج التشكيلات العسكرية والأمنية في اليمن شوطاً متقدماً، مع اقتراب المرحلة الأولى من الاكتمال، في إطار جهود تقودها الحكومة اليمنية بإشراف ودعم من تحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية، بهدف إعادة تنظيم المؤسسة العسكرية وتعزيز كفاءتها القتالية والإدارية.

ووفق مصادر حكومية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، تركزت المرحلة الأولى على بناء قاعدة بيانات موحدة ودقيقة لجميع منتسبي الوحدات العسكرية والأمنية، باستخدام أحدث وسائل التحقق من الهوية، وعلى رأسها نظام البصمة الحيوية، بما في ذلك بصمة العين، وهو ما مكّن الجهات المختصة من كشف الاختلالات في سجلات القوى البشرية.

وأوضحت المصادر أن عملية التحقق كشفت وجود عشرات الآلاف من الأسماء المزدوجة، إلى جانب إدراج أسماء وهمية ضمن كشوفات القوات العسكرية والأمنية، في مؤشر واضح على حجم التحديات التي واجهت الدولة خلال السنوات الماضية، في إدارة هذا الملف الحيوي.

تنظيم المؤسسة العسكرية اليمنية وتعزيز كفاءتها القتالية (إعلام محلي)

وتقول المصادر إن العمل لا يزال مستمراً لاستكمال تسجيل جميع الأفراد ضمن قاعدة البيانات الجديدة، التي تُعدّ حجر الأساس لإعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس سليمة، مشيرة إلى أن هذه المرحلة أسهمت في إسقاط الأسماء غير القانونية، وتصحيح البيانات بما يعزز الشفافية والكفاءة في إدارة الموارد البشرية.

وأضافت أن استكمال هذه الخطوة سيفتح الطريق أمام الانتقال إلى المرحلة الثانية، التي تتضمن دمج مختلف التشكيلات العسكرية ضمن هيكل موحد يخضع لوزارتي الدفاع والداخلية، وفق الأطر القانونية المعتمدة.

إشراف مباشر

يتولى مسؤول القوى البشرية في القوات المشتركة بقيادة السعودية اللواء فلاح الشهراني، الإشراف على هذا الملف اليمني المعقد، الذي تعثر في مراحل سابقة بسبب تعدد التشكيلات العسكرية وتباين تبعياتها داخل معسكر الشرعية، وهو ما تطلب مقاربة تدريجية في التنفيذ.

وبدأت عملية الهيكلة من المناطق العسكرية في شرق اليمن، تحديداً المنطقتين الأولى والثانية، اللتين تشملان محافظات حضرموت والمهرة وأرخبيل سقطرى، قبل أن تمتد لاحقاً إلى عدن ولحج وأبين وشبوة، ثم إلى الساحل الغربي ومأرب، على أن تشمل في مراحلها المقبلة بقية المناطق، بما في ذلك تعز والضالع.

ويعكس هذا التسلسل الجغرافي حرص الجهات المعنية على تنفيذ العملية بشكل مرحلي ومدروس، بما يضمن دقة النتائج وتفادي أي اختلالات قد تعيق تحقيق الأهداف المرجوة.

استبعاد الأسماء الوهمية من قوام القوات اليمنية (إعلام محلي)

في السياق ذاته، ترأس وزير الدفاع اليمني الفريق الركن طاهر العقيلي، اجتماعاً لهيئة القوى البشرية في العاصمة المؤقتة عدن، اطّلع خلاله على مستوى التقدم المحرز في تحديث بيانات القوات المسلحة، والإجراءات المتخذة لتعزيز دقتها.

وقدم مسؤولو الهيئة شرحاً مفصلاً حول آليات العمل، بما في ذلك تحديث قواعد البيانات، وضبط الجوانب الإدارية والمالية، بما يسهم في تحسين كفاءة الأداء المؤسسي.

وشدد العقيلي على ضرورة مواصلة الإصلاحات، ومعالجة أوجه القصور، وضمان خلو قاعدة البيانات من أي ازدواج أو تكرار، مؤكداً أن بناء مؤسسة عسكرية حديثة يتطلب إدارة فعالة للموارد البشرية، قائمة على معايير دقيقة وشفافة.

وبحسب المصادر، فإن تأخر صرف رواتب بعض منتسبي وزارتي الدفاع والداخلية خلال الفترة الماضية، كان مرتبطاً بغياب قاعدة بيانات موحدة، إلا أن التقدم المحرز في هذا الجانب سمح ببدء صرف الرواتب للوحدات التي استكملت إجراءات التسجيل، على أن تستمر العملية تدريجياً لتشمل بقية الوحدات.

تمهيد للدمج الشامل

تُمهد هذه الإجراءات للانتقال إلى مرحلة أكثر تقدماً، تتضمن دمج كل التشكيلات العسكرية والأمنية ضمن قوام القوات المسلحة، بما يعزز وحدة القرار العسكري، ويحد من التشتت الذي عانت منه المؤسسة خلال السنوات الماضية.

وفي هذا الإطار، وجّه عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرمي، بتشكيل لجنة مختصة لمعالجة أوضاع بعض الوحدات، من بينها «لواء بارشيد» و«كتيبة الدعم الأمني»، من خلال تنظيم أوضاعها الإدارية والمالية، وضمها رسمياً إلى القوات المسلحة.

إنشاء قاعدة بيانات يمنية موحدة لجميع التشكيلات العسكرية والأمنية (إعلام محلي)

وتشمل مهام اللجنة حصر المعدات والآليات، وتجهيز معسكرات مناسبة، إضافة إلى إلزام الأفراد بالخضوع لإجراءات البصمة الحيوية، بما يضمن إدراجهم ضمن قاعدة البيانات الموحدة، وتمكينهم من الحصول على مستحقاتهم المالية وفق الأطر القانونية.

ويرى مراقبون أن نجاح هذه المرحلة يمثل خطوة مفصلية نحو إعادة بناء المؤسسة العسكرية اليمنية، بما يمكنها من أداء دورها في حفظ الأمن والاستقرار، ومواجهة التحديات الأمنية، في ظل دعم إقليمي ودولي يركز على تعزيز مؤسسات الدولة.


اليمن: انقطاع الكهرباء يهدد حياة مرضى الكلى في الحديدة

القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
TT

اليمن: انقطاع الكهرباء يهدد حياة مرضى الكلى في الحديدة

القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)

تتصاعد المخاوف الإنسانية في محافظة الحديدة الساحلية غرب اليمن، مع استمرار قطع التيار الكهربائي عن مراكز الغسيل الكلوي، في خطوة تُنذر بعواقب كارثية على حياة مئات المرضى الذين يعتمدون بشكل كامل على هذه الخدمات للبقاء على قيد الحياة.

وأثار هذا الإجراء، الذي تنفذه الجهة الحوثية المسيطرة على قطاع الكهرباء في المحافظة، موجة واسعة من الاستياء في الأوساط الطبية والإنسانية، وسط تحذيرات من ارتفاع وشيك في معدلات الوفيات.

تأتي هذه التطورات في ظل أوضاع صحية ومعيشية بالغة التعقيد، تعيشها الحديدة وبقية المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، حيث يواجه القطاع الصحي انهياراً كبيراً نتيجة نقص التمويل وشح الموارد، مما يجعل أي خلل إضافي، مثل انقطاع الكهرباء، عاملاً مباشراً في تهديد حياة المرضى، خصوصاً أولئك المصابين بالفشل الكلوي.

طفلة يمنية مريضة بفشل كلوي بمركز خاضع للحوثيين في الحديدة (إكس)

وأفادت مصادر طبية بأن استمرار انقطاع الكهرباء أدى إلى تعطيل عدد كبير من جلسات الغسيل الكلوي، وتأجيل أخرى، في وقت يعجز فيه الطاقم الطبي عن توفير بدائل مناسبة لتشغيل الأجهزة الحيوية.

وتزداد خطورة الوضع مع دخول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة، مما يضاعف من معاناة المرضى ويزيد من احتمالات تدهور حالتهم الصحية.

نقص حاد

أكدت المصادر الصحية أن مراكز الغسيل في الحديدة تعاني أصلاً من نقص حاد في الإمكانات، سواء من حيث عدد الأجهزة أو توفر المحاليل الطبية، فضلاً عن غياب مولدات كهربائية كافية أو توفر الوقود اللازم لتشغيلها بشكل مستمر.

ويُعد التيار الكهربائي عنصراً أساسياً لا غنى عنه لتشغيل أجهزة الغسيل، حيث تستغرق الجلسة الواحدة ما بين ثلاث إلى خمس ساعات، ويحتاج كل مريض إلى ثلاث جلسات أسبوعياً على الأقل.

صالة مركز الغسيل الكلوي في مدينة الحديدة خلال توقفه عن العمل (إكس)

في المقابل، تبرر الجهة الحوثية المسؤولة عن الكهرباء قرارها بتراكم فواتير الاستهلاك وعدم سدادها من إدارات المراكز الطبية، وهو ما يرفضه العاملون في القطاع الصحي، مؤكدين أن هذه المرافق تقدم خدمات إنسانية منقذة للحياة، ولا ينبغي إخضاعها لمثل هذه الإجراءات التي تتجاهل طبيعة عملها الحساسة.

كما كشف عاملون في أحد مراكز الغسيل عن توافد أعداد كبيرة من المرضى يومياً من مختلف مديريات الحديدة، إضافةً إلى مناطق مجاورة، مثل حجة والمحويت وريمة وذمار، مما يؤدي إلى ازدحام شديد أمام المراكز، في ظل محدودية القدرة الاستيعابية وتراجع مستوى الخدمات.

معاناة إنسانية

في ظل هذه الظروف، عبّر مرضى وأهاليهم عن استيائهم الشديد من استمرار انقطاع الكهرباء، مؤكدين أن هذا الإجراء يفاقم معاناتهم اليومية ويضع حياة ذويهم في دائرة الخطر المباشر.

وأوضحت المصادر أن المرضى يواجهون آلاماً متزايدة نتيجة تأخر جلسات الغسيل أو توقفها، وهو ما قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة، تصل في بعض الحالات إلى الوفاة.

وأشار الأهالي إلى أن فرض تحصيل الفواتير بهذه الطريقة لا يراعي الأوضاع الإنسانية الصعبة، ولا يأخذ في الاعتبار طبيعة الخدمات التي تقدمها هذه المراكز، مطالبين بتدخل عاجل لإعادة التيار الكهربائي وضمان استمرارية العمل دون انقطاع.

من جهتهم، حذر ناشطون في المجال الإنساني من خطورة استخدام الخدمات الأساسية، مثل الكهرباء، وسيلةَ ضغط، معتبرين أن ذلك يمثل انتهاكاً واضحاً للحقوق الإنسانية، ويزيد من تعقيد الأزمة التي تعيشها المحافظة.

وأكد الناشطون أن استهداف مراكز الغسيل الكلوي، التي تقدم خدمات حيوية، يعكس غياب الاعتبارات الإنسانية، وينذر بتداعيات خطيرة على حياة مئات المرضى.