سنوات السينما: La Nuit Américaine (1973)

الجمعة - 15 ذو القعدة 1439 هـ - 27 يوليو 2018 مـ Issue Number [14486]

La Nuit Américaine (1973)
تروفو بكاميرا تروفو

يتبع «ليلة أميركية» (أو «النهار كَلَيْل Day for Night» كما يُعرف بالإنجليزية) تلك الأفلام التي تدور حول صنع الأفلام. تحمل حكايات تقع خلالها وتعكس أحداث وأجواء العمل داخل السينما وتفحص أحلام العاملين فيها أو نهاياتهم. هو مثل «السكين الكبيرة» لروبرت ألدريتش (1955) و«السيئ والجميلة» لفنسنت مينيللي (1952) أو -أشهرها- «صنست بوليفارد» لبيلي وايلدر (1950) باختلاف أن هذا الفيلم الكاشف عما يدور ويؤول خلال التصوير هو فرنسي من توقيع مخرج عرف شأناً كبيراً في تاريخ السينما الفرنسية وما زال أحد أهم من أنجبتهم من سينمائيين وهو فرنسوا تروفو.
يؤدي تروفو شخصية مخرج اسمه فيراند يصوّر فيلماً بعنوان «قابل باميلا» في مدينة نيس. إنه تحت ضغط العمل فالمطلوب منه تحقيق فيلمه في سبعة أسابيع وبميزانية محدودة ومع ممثلة أميركية اسمها جولي (جاكلين بيسيت) الخارجة للتوّ من حالة انهيار عصبي (قد تعود) وأخرى اسمها ستايسي (ألكسندرا ستيوارت) تصل للتصوير وهي حامل في شهرها الثالث على عكس الدور المفترض بها تأديته. ثم هناك الممثلة سيفيرين (فالنتينا كورتيز، 93 سنة الآن) التي تنسى حوارها بسبب إدمانها الشرب. المشكلة هي أن المخرج لا يستطيع صرف أي منهن لأنه مرتبط بجدول عمل محكم وأي تأخير ناتج عن استبدال ممثلة سيعني أسبوعين (على أقل تقدير) من التأخير.
مشكلات ممثليه الرجال ليست أقل فداحة: لديه ممثل شاب صبيّ المزاج (جان - بيير ليو)، وممثل أكبر سناً (جان - بيير أومون) تتكشف مثليته التي حاول إخفاءها، فتُعرقل انسياب العلاقات بين كل الممثلين الأساسيين.
قام تروفو بكتابة السيناريو (مع آخرين) وفي باله ليس تحويل ما سبق من شخصيات إلى أدوات كوميدية بل الإبحار في ما يواجهه العمل السينمائي من مشكلات خلال التصوير. بعض هذه المشكلات من نتاج طينة العلاقات وبعضها من مشكلات نفسية وعاطفية، وبعضها الآخر قد ينتج عن قطة جميلة ترفض شرب الحليب المقدّم لها حسبما يتطلب التصوير.
خلال كل ذلك ينصرف تروفو لتقديم ما هو غائب عن مثل هذه الفئة من الأفلام فهو يعرض لكيفية العمل ذاته. كيف يتم التعامل مع مشكلات تقنية، أو كيف يتم تصوير مشاهد صعبة، وكيف يؤثر الوضع العاطفي أو النفسي لممثل واحد على العمل بأسره وعلى علاقاته بالآخرين.
الفيلم، بذلك، حالة خاصة، كونه لا يقدّم مشاهد عابرة لفيلم داخل فيلم بل يتحوّل إلى الفيلم ذاته. منظور المخرج هنا مزدوج من حيث إن هناك مخرجَين واحد هو المخرج الشامل للعمل، فرنسوا تروفو، والآخر المخرج الذي يؤديه تروفو داخل الفيلم. بذلك يعبر تروفو عن نفسه من خلال فيراند وفيراند يعكس بعض تروفو.
«ليلة أميركية» فيلم مدروس جداً وفيه مشاهد رائعة ذات دلالات لا يمكن تفويتها من بينها المشهد الذي يستلم فيه فيراند رزمة من الكتب بينها كتاب مفضل عن ألفريد هيتشكوك وضعه الناقد الراحل روبِن وود. ليس فقط أن الكتاب هو من بين أفضل ما صدر عن «هيتش»، بل إن هيتشكوك هو المخرج المفضل لدى تروفو أيضاً.
فاز «ليلة أميركية» بأوسكار أفضل فيلم أجنبي متجاوزاً فيلماً آخر ممتاز هو «الدعوة» للسويسري ألان تانر وثلاثة أفلام أخرى حملت أعلاماً هولندية وألمانية وإسرائيلية. وأعيد ترشيحه في العام التالي (بسبب قانون داخلي كان يتيح إعادة الترشيح إذا ما عرض الفيلم في عامين متلاحقين) في مسابقات أفضل سيناريو (خسرها لصالح سيناريو روبرت تاون «تشايناتاون») وأفضل ممثلة مساندة (فالنتينا كورتيز لكن إنغريد برغمن فازت عن دورها في «جريمة في قطار الشرق السريع») وفي مسابقة أفضل مخرج (انتزعها الرائع فرنسيس فورد كوبولا عن «العراب 2» بجدارة).

إقرأ أيضاً ...