شكوك حول توقيع اتفاق السلام بين فرقاء جنوب السودان

«أطباء بلا حدود» تعلق أنشطتها بإحدى المناطق بعد مهاجمة مقرها

الرئيسان السوداني والأوغندي يتوسطان سلفا كير ومشّار في الخرطوم الشهر الماضي (رويترز) - استيفن لوال نقور
الرئيسان السوداني والأوغندي يتوسطان سلفا كير ومشّار في الخرطوم الشهر الماضي (رويترز) - استيفن لوال نقور
TT

شكوك حول توقيع اتفاق السلام بين فرقاء جنوب السودان

الرئيسان السوداني والأوغندي يتوسطان سلفا كير ومشّار في الخرطوم الشهر الماضي (رويترز) - استيفن لوال نقور
الرئيسان السوداني والأوغندي يتوسطان سلفا كير ومشّار في الخرطوم الشهر الماضي (رويترز) - استيفن لوال نقور

في وقت تحبس فيه الأنفاس في السودان، مع اقتراب موعد توقيع اتفاقية سلام تتوسط فيها الخرطوم، تضع حدا لحرب أهلية مستمرة منذ 5 سنوات، في دولة جنوب السودان، وحسب المعلومات المتوفرة، فإن الوساطة السودانية حددت منذ عدة أيام يوم غد (الخميس) 26 يوليو (تموز) الحالي موعدا للتوقيع، لكن مياها كثيرة مرت تحت الجسر منذ ذاك الإعلان. وتشير المعلومات إلى احتمال كبير لتأجيل التوقيع عدة أيام، من أجل إتاحة الفرصة للوسطاء، لتقريب وجهات نظر الفرقاء.
وكشف قيادي بارز وعضو في مفاوضات فرقاء جنوب السودان، أن حكومة سلفا كير، قدمت مقترحات كادت تعصف بعملية السلام برمتها، في حين قدمت الحركة الشعبية المعارضة، مقترحا مغايرا، لكل مقترحاتها السابقة.
وحتى مساء أمس، فإن الوسيط السوداني، يبذل جهودا كبيرة لتقديم مقترح منقح يتم توزيعه على الأطراف الجنوبية على مدى الساعات المقبلة، يتضمن ملاحظاتها، بهدف إنقاذ السلام، وتوقيع الاتفاقية في موعدها غدا (الخميس).
وقال استيفن لوال نقور، القيادي البارز من جنوب السودان، عضو وفد التفاوض بمنتدى تنشيط عملية السلام بأديس أبابا والخرطوم، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن «المقترحات الجنوبية الجديدة، استهدفت رفع سقف التفاوض، مثل مقترح الحكومة بأن تعطى أكثر من 80 في المائة من نسبة المشاركة في السلطة، وأن تعطى بقية القوى السياسية بما فيها مجموعة رياك مشار ما بين 20 في المائة أو 30 في المائة».
وأضاف نقور: «أتت المعارضة أيضا بقيادة رياك مشار وطالبت بنسبة 40 في المائة، على أن تعطى الحكومة نسبة مشابهة أي 40 في المائة، مع إعطاء بقية القوى السياسية بجنوب السودان، نسبة 20 في المائة، إلا أن هذه المطالبات السلطوية لا تخدم عملية الانتقال السياسي ولا تلبي رغبات الشعب الجنوبي في عملية السلام الدائر الآن».
وقال نقور: «أقولها صراحة، إن هؤلاء القادة لم يضعوا رغبات الشعب الجنوبي المتعطشة للسلام في سلم الأولويات، ولم يعيروا الاستقرار أهمية، لأنهم بدلا من ذلك، ركزوا على تقاسم السلطة، وهذه كارثة تاريخية، ولن يعفيهم التاريخ ولا الشعب الجنوبي، إذا فشلوا في جلب سلام عادل، يحقق تطلعات شعب جنوب السودان». وأضاف: «بهذه الصفة، يكون قادة الجنوب، قد ضربوا بالتزامهم أمام الرئيس عمر البشير عرض الحائط، وهذا سبب كافٍ لتدمير ما تبقى من الشعب الجنوبي حال أعطاهم نسبة أكثر من 85 في المائة من نسبة السلطة، وذلك لتمسكهم بشكل اتفاق تمحور فقط حول تقاسم السلطة». وتابع: «المقترحات المقدمة من جانب الوسيط، تعتبر مدخلا قويا لتلبية رغبات الشعب الجنوبي، وأعطت الأطراف نسبة السلطة المطلوبة، وخاطبت نقاطا مهمة في مسألة الترتيبات الأمنية».
ووفق نقور، كانت الحكومة تحتاج إلى وجود مقترح جيشين، مؤكدا أن تلك الحجج لا تمس الواقع بشيء، مبينا أن أي اتفاقية بين معارضين وحكومات، تخضع دائما لترتيبات أمنية تكون في الغالب على شكل تجميع القوات وتدريبهم وإعادة دمجها. ويعتقد نقور، أن الأزمة القائمة في جنوب السودان، لا تتمحور في السلطة، بل في الترتيبات الأمنية، وطالما توصلت الأطراف إلى أكثر من نسبة 99 في المائة، يعني أن هنالك أملا كبيرا في الاتفاق وتوقيع اتفاق تقاسم السلطة، وستكون في أي لحظة بما فيها بقية الملفات العالقة.
وأوضح نقور، أن التحالف المعارض عكس الوجه الحقيقي لإنجاح السلام، وطالب بأهمية تكوين حكومة مصغرة وبرلمان مصغر يقود الفترة الانتقالية مع التزام الأطراف بكل البنود، أي أنها تسعى للتخلي عن عدد البرلمانيين الحالين البالغ عددهم أكثر من 400 إلى أقل من 200 أو 170 عضو برلمان.
وقال نقور: «إن التحالف المعارض، قدم مقترحاً بأن يكون هناك رئيس مجلس وزراء بصلاحيات مع تقليص صلاحيات الرئيس الحالية، وأن تقوم هذا الحكومة بقيادة فترة الانتقالية المقبلة وتشرف على الانتخابات بعد الفترة الانتقالية».
ويعتقد أن المقترح المقدم من «إيقاد» منطقي حال تم تعديله وفي حال توحدت كل القوى المعارضة، على اعتبار أن التقسيمات في السلطة في الغالب تعطي الحكومة نسبة أعلى من المعارضة بنسبة 1 في المائة، إلى 15 في المائة، أي تأخذ الحكومة نسبة 51 في المائة، وتأخذ المعارضة بمختلف تياراتها 49 في المائة».
ومع ذلك، توقع نقور، التوصل إلى اتفاق بخصوص ملف الترتيبات الأمنية ومن ثم القبول بمبدأ المحاسبة وتكوين محاكم الهجين من أجل محاسبة ومحاكمة قتلة الشعب الجنوبي، منوها بأن محور العدالة الانتقالية له أولوية في المجتمع الإقليمي و«الإيقاد» والمجتمع الدولي ومجلس الأمن بشكل خاص.
ويحدو أنقور أمل، بأن تنجح مبادرة السودان، بحكم أن السودان يعرف جذور الأزمة، بل يعرف الحلول السحرية لبعض الملفات، وهذا يكفي لجلب سلام عادل بجنوب السودان.
من جهته، اشترط تحالف المعارضة في جنوب السودان لتوقيعه على اتفاق السلام، تضمين ملاحظاته، التي قدمها لفريق الوساطة السوداني بشأن تقاسم السلطة والحكم.
وقال توماس سيرليو، رئيس جبهة الخلاص الوطني، عضو تحالف المعارضة، القائد السابق في جيش جنوب السودان، لإذاعة محلية إن التحالف «لن يوقع على اتفاق السلام، الذي قررت الوساطة السودانية التوقيع عليه غدا (الخميس) بالخرطوم، ما لم يتضمن الملاحظات التي قدمها التحالف في الوثيقة المقترحة من الوساطة»، مبرزا أن التحالف سبق أن رفض مقترح عنتبي، الذي ركز السلطات للحكومة الحالية، وقال: إن «هناك نقاطا جوهرية تقدمنا بها لحل الأزمة، ومن ضمنها تشكيل مجلس رئاسي تكون الصلاحيات فيه متساوية للمشاركين في المجلس، واتخاذ القرارات بشكل توافقي».
كما أوضح سيرليو أن المعارضة طالبت، ضمن مقترحاتها، بنظام فيدرالي للحكم في البلاد، وقال في هذا الصدد: «إذا لم تضمن هذه المطالب فإننا لن نشارك في التوقيع على الاتفاقية»، متهما حكومة الرئيس سلفا كير بأنها تسعى للعب بعقول قوى المعارضة، بطلبها ترك الحديث عن النظام الفيدرالي في الوقت الراهن، وإجراء مناقشات حوله في جوبا بعد توقيع اتفاق السلام. كما جدد سيرليو تمسك التحالف بالعودة إلى نظام الولايات الـ10 قبل اندلاع الحرب، مشددا على أن التحالف لن يوقع على الاتفاق في ظل تمسك جوبا بالولايات الـ32.
ونفى الجنرال السابق في جيش جنوب السودان موافقة المعارضة على مقترح فريق الوساطة، بحسب تصريحات وزير الخارجية السوداني الدرديري محمد أحمد، بقوله: «لم نقدم أي خطاب رسمي يؤكد موافقة المعارضة».
كما نفى سريلو تصريحات وزير خارجية السودان، الذي أكد على أن قوى المعارضة وافقت على المقترح الأخير؛ لأنها لم تقدم أي خطاب مكتوب يؤكد رفضها، موضحا أنهم «قدموا ملاحظاتهم للوساطة السودانية». وأوضح أن هناك توافق الأطراف حول أبرز المحاور المستعصية بخصوص ملف تقسيم وتوزيع السلطة وملف النواب والقضايا المتعلقة بالولايات، وأن الأطراف متوافقون حول الجدول الزمني المتعلق بحل ملف الولايات البالغ عددها 32 ولاية، والذي حُدد بـ180 يوماً.
من جهتها، أعلنت منظمة «أطباء بلا حدود»، أمس، تعليق أنشطتها في شمال شرقي جنوب السودان، وذلك بعد يوم واحد من اقتحام مسلحين مجهولين أحد مجمعاتها ونهب محتوياته وحرق معداته. وقالت المنظمة في بيان إن الحادث الذي وقع أول من أمس، في مابان بولاية أعالي النيل لم يؤد لإصابة أي من موظفيها. وأضاف البيان: «مجموعة من المسلحين المجهولين اقتحموا مكتب ومجمع منظمة (أطباء بلا حدود) في الصباح، ونهبوا (مكتب) المنظمة ومتعلقات الموظفين وحرقوا خيمة مليئة بالمعدات ودمروا معظم المركبات وأجهزة الاتصال». وتابع: «الهجوم أجبر منظمة (أطباء بلا حدود) على تعليق أغلب عمليات الدعم الطبي لسكان البلدات التي تستضيفها واللاجئين في منطقة مابان».



صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
TT

صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)

لطالما ساد اعتقاد بأن الحرب العالمية الثالثة، إن وقعت، ستندلع نتيجة شرارة واحدة تقسم العالم بين معسكرين متقابلين خلال أيام. غير أن هذا التصور لا يتطابق مع طبيعة الصراع الدولي الراهن. فبدلاً من «الانفجار الكبير» المفاجئ، يتشكل اليوم نمط جديد من النزاعات، أكثر تعقيداً وتداخلاً، بحيث يبدو العالم كأنه ينزلق تدريجاً نحو حرب نشهد، بل يعيش بعضنا فصولها الأولى، وإن لم يُعترف بها رسمياً بعد.

وفي هذا السياق، يمكن القول إن الأزمات الدولية لم تعد أحداثاً منفصلة، بل تحولت إلى حلقات مترابطة ضمن شبكة صراعات أوسع. من الشرق الأوسط إلى أوكرانيا، وصولاً إلى تايوان وأميركا اللاتينية، تتقاطع مصالح القوى الكبرى وتتشابك أدواتها العسكرية والاستخباراتية والاقتصادية، الأمر الذي يجعل أي تصعيد في منطقة معينة قابلاً للتمدّد إلى مناطق أخرى. ويترافق هذا الترابط مع تراجع واضح في فاعلية النظام الدولي القائم على قواعد «مثالية»، الأمر الذي يدفع بعض المراقبين إلى التأكيد أن العالم دخل فعلياً المرحلة التمهيدية لحرب عالمية ثالثة.

3 مقاتلات «إف 18 سوبر هورنيت» انطلقت من حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لنكولن» الموجودة في الشرق الأوسط (رويترز)

* مؤشرات ميدانية وسياسية

من يظنّ أن هذا الاستنتاج متسرّع عليه أن ينظر إلى مؤشرات ميدانية وسياسية لا يمكن تجاهلها؛ ففي الشرق الأوسط، تشكّل المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، إحدى أخطر بؤر التوتر. ويتخوف خبراء عسكريون من أن ترى الصين، مثلاً، في ذلك فرصة سانحة للتحرك عسكرياً تجاه تايوان، وهو سيناريو قد يفتح الباب أمام مواجهة دولية شاملة.

وفي هذا السياق، أجرت الصين تدريبات عسكرية واسعة النطاق، شملت محاكاة فرض حصار بحري على الجزيرة التي تدخل استعادتها في صلب العقيدة السياسية لبكين، إلى جانب تطوير قدرات تكنولوجية متقدمة؛ مثل أدوات تعطيل البنية التحتية الرقمية للدول المستهدَفة.

ولا يقل الوضع تعقيداً في شبه الجزيرة الكورية، حيث تواصل كوريا الشمالية تطوير قدراتها العسكرية، بما في ذلك الأسلحة النووية والصواريخ الباليستية. وقد كثف زعيم البلاد كيم جونغ أون زياراته للمصانع العسكرية و«استعراضات» إشرافه على تجارب صاروخية، فيما تتراجع فرص استئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية لإزالة أسباب التوتر.

إطفائيان يكافحان حريقاً في مدينة أوديسا الأوكرانية اندلع بعد هجوم بمسيّرة روسية (رويترز)

الأخطر من ذلك هو التقارب المتزايد بين بيونغ يانغ وموسكو، فقد أرسلت كوريا الشمالية قوات وأسلحة لدعم روسيا في حرب أوكرانيا، مقابل كلام عن حصولها على تكنولوجيا عسكرية متقدمة. ويعزز هذا التعاون ترابط ساحات الصراع المختلفة، ويزيد احتمال اتساع نطاق المواجهة.

وفيما يخص حرب أوكرانيا، لم يعد أحد يستخدم تسمية «عملية عسكرية خاصة» التي أطلقها فلاديمير بوتين في فبراير (شباط) 2022، فالحرب تجاوزت عامها الرابع ولا يُعلم متى وكيف تنتهي... ويرى بعض دول أوروبا في الحملة العسكرية الروسية مجرد محطة ضمن استراتيجية أوسع لإعادة رسم التوازنات في القارة. لذا؛ تتزايد التحذيرات الغربية من احتمال توسع النزاع، خصوصاً في مناطق حساسة مثل بحر البلطيق (شمال) أو منطقة البلقان (جنوب). كما أن الاختبارات الروسية المتكررة لقدرات حلف شمال الأطلسي، عبر اختراقات المجال الجوي أو تحركات عسكرية قرب الحدود، تعكس رغبة في تلمّس حدود الردع الغربي.

وقد دفع هذا التوتر المتصاعد عدة دول أوروبية إلى إعادة النظر في سياساتها الدفاعية، بما في ذلك رفع الموازنات العسكرية وتعزيز التحصينات الحدودية والانسحاب من اتفاقات تحدّ من استخدام بعض الأسلحة. ويعكس ذلك إدراكاً متزايداً لكون احتمالات المواجهة المباشرة، وإن لم تكن وشيكة، لم تعد مستبعدة كما كانت في السابق.

وفي المحصلة، يبدو أن العالم لا يتجه نحو حرب عالمية تقليدية؛ بل ينخرط في صراع متعدد الأبعاد، تتداخل فيه الجبهات وتتعدد أدواته بين العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية. وتقف الولايات المتحدة، بوصفها القوة العظمى الأبرز، في قلب هذا المشهد، سواء على أنها قائدة لتحالفات دولية أو طرف مباشر في النزاعات.

لكن ما يميز المرحلة الراهنة هو غياب الخطوط الفاصلة الواضحة بين الحرب والسلم، حيث تتآكل القواعد الدولية تدريجياً، وتُختبر حدود الردع باستمرار. والمؤكد أن العالم يعيش مرحلة انتقالية خطيرة، قد تعيد تشكيل النظام الدولي لعقود مقبلة.

تجربة إطلاق صاروخ فرط صوتيّ في كوريا الشمالية (أرشيفية - رويترز)

ومع ذلك، يرى بعض المحللين أن الحديث عن حرب عالمية ثالثة بصيغتها التقليدية غير دقيق. فالصراع الدائر اليوم لا يتخذ شكل مواجهة مباشرة واحدة، بل يتمثل في تنافس متشعّب الأضلع وطويل الأمد بين الولايات المتحدة من جهة، ومحور فضفاض يضم الصين وروسيا وإيران من جهة أخرى. وتُخاض هذه المواجهة عبر حرب مباشرة راهناً بين أميركا وإيران، وحروب بالوكالة، وضغوط اقتصادية، وصراع على المواقع الجيوسياسية الحساسة، بدلاً من معارك تقليدية واسعة النطاق.

* رؤى استشرافية

عالم اليوم مليء بالتناقضات، فمقابل التقدم التكنولوجي الهائل الذي استبشر به كثر آملين في القضاء على الفقر والجوع والمرض، ثمة هشاشة بنيوية صادمة: فيروس مجهري شلّ العالم، وعولمة اقتصادية لا تتمتع بالمرونة للتكيّف مع الأزمات، ومؤسسات دولية تعجز عن التعامل مع الطوارئ، وهوّة بين مجتمعات وأفراد يزدادون ثراءً وفقراء يزدادون بؤساً، وإرهاب وتطرف وحروب متنقلة، وتلوّث مستفحل وتدهور مناخي مستمرّ... ووسط كل هذا سباق محموم لامتلاك الأسلحة بما فيها النووية!

ويَصلح هنا أن نعود إلى أدبيات استشرافية حاولت قبل عقود قراءة مستقبل النظام الدولي، ومن أبرزها كتاب صدر عام 1997 بعنوان «سيناريوهات إعادة تشكيل المجتمع الأميركي والعالمي بواسطة العلم والتكنولوجيا» Scenarios of U.S. and Global Society Reshaped by Science and Technology، لجوزيف كوتس، وجون ماهافي، وآندي هاينز. وقد حددوا فيه التحولات الأربعة (تكنولوجيا المعلومات، وعلم الوراثة، وتكنولوجيا المواد، وتكنولوجيا الطاقة) التي ستؤدي دوراً حاسماً في إعادة صياغة التوازنات العالمية. واليوم، مع تصاعد الحروب السيبرانية والتنافس على الذكاء الاصطناعي والطاقة، يتّضح أن بعض تلك السيناريوهات صار جزءاً من الواقع.

وأصاب هذا الكِتاب في تحديد عوامل التحوّل، لكنه أخطأ في افتراض أنها ستقود إلى الاستقرار والسلام.

حاملة الطائرات الفرنسية شارل ديغول تغادر مرفأ خليج سودرا في جزيرة كريت اليونانية (رويترز)

وفي المقابل، برعَ رجل الأعمال والمفكّر الأميركي راي داليو - مؤسس صندوق التحوّط «بريدجووتر» - في تبيان أسباب اندلاع حرب عالمية ثالثة في إطار تحليلي واسع يربط بين التاريخ والدورات الاقتصادية والسياسية، خصوصاً في كتابه «النظام العالمي المتغيّر» (The Changing World Order) الصادر عام 2021.

ويرى داليو أن الحروب الكبرى لا تندلع فجأة، بل تكون نتيجة تراكمات ضمن «دورة كبرى» تتكرر عبر التاريخ، وتشمل مجموعة عوامل رئيسية:

- صعود قوة جديدة وتراجع قوة مهيمنة، وهذا ما يُعرف بـ«فخ ثوقيديدس»، حين يؤدي صعود دولة (مثل الصين) إلى تحدّي الدولة المهيمنة (الولايات المتحدة)، مما يولّد توتراً بنيوياً قد ينتهي بصراع عسكري.

- تفضي الديون والانهيار الاقتصادي في الدول الكبرى إلى أزمات اقتصادية حادة، تُضعف الاستقرار الداخلي وتزيد احتمالات الصراع الخارجي.

- الانقسامات الداخلية والاستقطاب السياسي والاجتماعي داخل الدول (خصوصاً الكبرى) يمكن أن يتحول كل ذلك إلى صراع داخلي يضعف الدولة، ويجعلها أكثر ميلاً للصدام الخارجي لكي تتجنب التفكك والانهيار.

- تراجع النظام العالمي القائم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى حد الاضمحلال، مع ضعف المؤسسات الدولية وتراجع الثقة بالقواعد التي تنظّم العلاقات بين الدول.

- الصراعات على الموارد الاستراتيجية والتكنولوجيا المتقدمة (كالذكاء الاصطناعي) تزيد حدة المواجهة بين القوى الكبرى.

ويخلص داليو إلى القول إن حرباً عالمية ثالثة لن تكون نتيجة «شرارة واحدة»، بل نتيجة تلاقي هذه العوامل ضمن دورة تاريخية متكررة، شبيهة بما حدث قبل الحربين العالميتين الأولى والثانية.

ومن الواضح أن هذه العوامل تتلاقى منذ سنوات، وتسلك مساراً تصادمياً إلى درجة تدفع بعض المراقبين إلى القول إن السؤال لم يعد «هل ستندلع حرب عالمية ثالثة؟»؛ بل «كيف ومتى وبأي تكلفة؟».


هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
TT

هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)

قالت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا)، إن رواد الفضاء الأربعة، أعضاء مهمة «أرتميس 2»، وهم أول بشر يسافرون حول القمر منذ أكثر من 50 عاما، هبطوا بأمان قبالة سواحل ولاية كاليفورنيا بعد مهمة استمرت 10 أيام.

وسيتم استقبال الرواد كريستينا كوتش، وفيكتور غلوفر، وجيريمي هانسن، وريد وايزمان من قبل فرق الإنقاذ قبل نقلهم جوا إلى سفينة عسكرية أميركية لإجراء فحوصات طبية.واجتازت المركبة «أوريون» التي تحمل أربعة رواد فضاء عائدة إلى الغلاف الجوي للأرض، بنجاح اختبار درعها الحراري الذي يحمي الكبسولة التي تضم الطاقم من درجات الحرارة الحارقة.


«ناتو»: ترمب ينتظر من الحلفاء تعهدات «ملموسة» بشأن «هرمز»

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

«ناتو»: ترمب ينتظر من الحلفاء تعهدات «ملموسة» بشأن «هرمز»

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

قالت متحدثة باسم حلف شمال الأطلسي (ناتو) إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتوقع من حلفائه في «الناتو» التزامات «ملموسة» للمساهمة في تأمين مضيق هرمز، وذلك بعد محادثاته مع الأمين العام للحلف، مارك روته.

وأوضحت المتحدثة أليسون هارت أن روته أطلع الشركاء على ما دار في لقاءاته بواشنطن، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وأضافت: «من الواضح أن واشنطن تنتظر تعهدات وإجراءات ملموسة لضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز».

ومن جانبها، نقلت وكالة «بلومبرغ» للأنباء عن مسؤول كبير في «الناتو»، الخميس، أن الولايات المتحدة طلبت من الحلفاء الأوروبيين تقديم خطط عملية خلال أيام، فيما ذكرت مجلة «دير شبيغل» الألمانية تفاصيل مماثلة.

وطالب ترمب أعضاء «الناتو» مراراً بدعم الجهود الأميركية لتأمين هذا الممر الملاحي الحيوي، لكنه يواجه حتى الآن مقاومة من جانبهم.

وقبل أقل من 24 ساعة من الإعلان عن هدنة هشة في الحرب مع إيران، التقى روته بترمب في واشنطن الأربعاء.

وبعد اللقاء، واصل ترمب التعبير عن إحباطه عبر منصته «تروث سوشيال»، حيث كتب يقول: «لم يكن (الناتو) موجوداً عندما كنا بحاجة إليه، ولن يكون موجوداً إذا احتجنا إليه مجدداً».

وفي منشور منفصل الخميس، اتهم ترمب الحلفاء بالفشل في التحرك دون ضغوط، وذلك دون أن يقدم تفاصيل إضافية.