ليبيا... صراع النفط

منافسة محمومة على مواقع الإنتاج وموانئ التصدير

جندي من الجيش الليبي أثناء استعادة الجيش السيطرة على موانئ تصدير النفط في رأس لانوف الشهر الماضي (رويترز)
جندي من الجيش الليبي أثناء استعادة الجيش السيطرة على موانئ تصدير النفط في رأس لانوف الشهر الماضي (رويترز)
TT
20

ليبيا... صراع النفط

جندي من الجيش الليبي أثناء استعادة الجيش السيطرة على موانئ تصدير النفط في رأس لانوف الشهر الماضي (رويترز)
جندي من الجيش الليبي أثناء استعادة الجيش السيطرة على موانئ تصدير النفط في رأس لانوف الشهر الماضي (رويترز)

يتسبب الصراع على النفط بين شرق ليبيا وغربها وجنوبها، في تعطيل عمل موانئ التصدير، وحرق مصافي النفط، وغلق صمامات على يد مسلحين، لمنع تدفق البترول والغاز إلى الدول المستوردة من ساحل البحر المتوسط، وعلى رأسها أوروبا. وفي المقابل، تستفيد دول وشركات عدة من غياب الحصة الليبية في سوق الطاقة، في وقت أصبح يعاني فيه عموم الليبيين من الفاقة وقلة السيولة المالية في المصارف، وكذا من نقص المواد الغذائية، وانقطاع الكهرباء، وغياب الخدمات الصحية.
وتعتمد موازنة الدولة على صادرات النفط والغاز، بنسبة تزيد على 95 في المائة. وكان حجم التصدير في عهد معمر القذافي يصل إلى نحو 1.6 مليون برميل يومياً، إضافة إلى صادرات الغاز، إلا أن كل هذه الكميات تقلصت بشكل كبير بعد إطاحة نظامه في 2011.
ولنحو سبع سنوات، ظلت مراكز استخراج الطاقة محل صراعات وانتشار للميليشيات المسلحة، بما فيها الجماعات المتطرفة. ففي الهلال النفطي الواقع بين بلدة أجدابيا في غرب بنغازي، وسرت في شرق طرابلس، استمرت أطول عملية إغلاق، بعد تدهور الوضع الأمني في عموم البلاد، خصوصاً في أعقاب سيطرة مسلحين على مناطق واسعة من ليبيا انطلاقاً من بنغازي، منذ عام 2013.
واستمر هذا الوضع لمدة ثلاث سنوات. وظهرت خلال تلك الفترة دعوات لانفصال المنطقة الشرقية الغنية بالنفط عن باقي عموم ليبيا. وظهر اسم إبراهيم الجضران ابن قبيلة المغاربة، على الساحة، بصفته آمر حرس المنشآت النفطية في المنطقة، حيث يتركز وجود قبيلته في منطقة موانئ التصدير في الشمال الأوسط من ليبيا.
ويوجد النفط والغاز الذي ينتج بتكاليف زهيدة مقارنة بدول أخرى، في ثلاثة أحواض رئيسية ضخمة، هي حوض سرت في وسط البلاد (الذي يوجد فيه الهلال النفطي)، وحوض مرزق في الجنوب، وحوض غدامس في الغرب.
- إشكالية الهلال النفطي
يعد اسم الهلال النفطي هو الأشهر، رغم أن الاسم الصحيح لهذه المنطقة التي تقع بين سرت وشرق أجدابيا، هو «حوض سرت» الذي يضم أكثر من 15 حقلاً منتجاً للنفط، أكبرها «حقل السرير». وتترقب الكثير من شركات النفط الدولية اقتناص فرص للاستثمار مع الجانب الليبي في هذه الحقول مستقبلاً، أو إحياء الاتفاقيات القديمة التي عطلتها أحداث سياسية مرت على ليبيا منذ بداية العقد الحالي.
وتقع غالبية حقول الهلال النفطي القادرة على إنتاج أقل قليلاً من ربع مليون برميل يومياً، في وسط الصحراء، جنوب أجدابيا، وحتى حقول الواحات، وتمتد منها أنابيب تصل إلى مصافٍ للتكرير وموانئ للتصدير على ساحل البحر المتوسط، قرب طبرق، وفي بنغازي، وأجدابيا نفسها، وفي رأس لانوف، والسدرة، غربي بنغازي.
ومن القبائل المنتشرة ما بين حقول الإنتاج في المناطق الصحراوية للهلال النفطي، وحتى ساحل البحر المتوسط، حيث مصافي التكرير والتصدير، هناك قبائل العبيدات، والمنفة، والقطعان، والعواقير، وغيرهم، إضافة إلى قبيلتي زوية والتبو، كثيرتي التخاصم، إلى جانب قبيلة المغاربة الأكبر في تلك المساحة، وهذه الأخيرة ينتمي إليها الآمر السابق لحرس المنشآت النفطية إبراهيم الجضران. وجرى طرده وطرد قواته، الشهر الماضي، من المنطقة على يد الجيش الوطني بقيادة المشير خليفة حفتر، وذلك للمرة الثانية خلال نحو عامين.
ومنذ خمسينات القرن الماضي، عند اكتشاف النفط في ليبيا، بدأت شركات أميركية وبريطانية، مناصفة مع الجانب الليبي، في العمل في حوض سرت، حيث مدت عشرات من الطرق الترابية في عمق الصحراء من أجل الوصول إلى مناطق الاكتشافات والتنقل بين الحقول. ويصل طول بعض هذه الطرق إلى مئات الكيلومترات. وفيما بعد أسست عدد من المطارات الصغيرة القادرة على استقبال طائرات نقل الموظفين والخبراء، وهي طائرات يتسع كل منها لنحو عشرة أفراد.
وغادرت غالبية الشركات الأجنبية ليبيا بعد قرارات تأميم اتخذها القذافي في سبعينات القرن الماضي، وأصبحت المؤسسة الليبية للنفط هي العمود الفقري لإدارة هذه الثروة في البلاد. وتولى الجيش وحرس المنشآت وما يعرف بـ«قوات الشعب المسلح» في عهد القذافي، حماية الطرق بين حقول النفط وموانئ تصديره.
لكن منذ 2011، استغلت جماعات خارجة عن القانون - بما فيها من جماعات متطرفة وأخرى وافدة من الخارج - الفوضى للاستيلاء على هذه الطرق والمواقع النفطية للتنقل والاختباء وتقوية نفسها، وسرقة سيارات المنشآت النفطية، وأجهزة الاتصالات اللاسلكية، والحواسب وغيرها.
وتعرض كثيرون من العاملين في هذه الحقول للقتل في السنوات القليلة الماضية إثر هجمات مباغتة، كان من بينها عمليات نفذها تنظيم داعش. كما فضلت شركات نفط، وخبراء أجانب، التوقف عن العمل، والرحيل من ليبيا، بانتظار استقرار الأوضاع.
وبخلاف الصراع الخفي، المحلي والدولي، على حوضي النفط والغاز في منطقتي مرزق جنوباً وغدامس غرباً، تصدرت الخلافات حول حوض سرت، أو الهلال النفطي، واجهة الأحداث بسبب وقوع هذا الحوض قرب خطوط التماس بين أكبر قوتين تاريخيتين في ليبيا، هما إقليم برقة في الشرق، وإقليم طرابلس في الغرب.
لقد كان التنافس دائماً، ولمئات السنين، بين إقليمي برقة وطرابلس، سواء في أيام الاحتلال العثماني أو الاحتلال الإيطالي. وأعطت الخلافات التي نشبت حول الثروة النفطية بين الأفرقاء الليبيين، عقب انتهاء عهد القذافي، زخماً جديداً للصراع، مع بروز أطراف إقليمية ودولية لديها شهية للنفط والغاز.
وبدأ الشقاق الكبير حول منطقة الهلال النفطي عندما جرت الانتخابات البرلمانية في 2014، وفاز بالأغلبية فيها تيار مدني؛ إذ أقصى الناخبون الليبيون، معظم مرشحي التيار الإسلامي. ولجأ هذا التيار إلى السلاح، وطردت ميليشياته البرلمان من طرابلس إلى طبرق.
وفي تلك السنة، لملم المشير حفتر ما تبقى من الجيش، وأعلن «عملية الكرامة»، وبدأ في شن حرب ضد المتطرفين المدعومين من قيادات في مصراتة وطرابلس. وكان ينبغي على الجضران أن يحدد موقفه مع الجيش أم ضده. ولم يصمد آمر حرس المنشآت طويلاً؛ إذ انحاز في نهاية المطاف إلى الجبهة المعادية لحفتر.
ومنذ ذلك الوقت جرت محاولات مستميتة من جانب قادة الغرب الليبي للاستحواذ بشكل كامل على منطقة الثروات في حوض سرت (الهلال النفطي)، وحوضي غدامس ومرزق. وفي المقابل، شاركت قوات من قبائل ليبية عدة، بينها التبو، مع الجيش، للحيلولة دون استحواذ فريق على النفط منفرداً.
وظلت حقول الهلال النفطي وموانئ التصدير معطلة معظم الوقت، وهي تحت سلطة الجضران. ويقول محققون عسكريون، إن العدادات التي تحسب الكميات المصدرة إلى الخارج جرى تخريبها؛ إذ يسود اعتقاد بأنه تم بيع مئات الآلاف من براميل النفط لحساب ميليشيات عن طريق سماسرة في البحر المتوسط.
وتعرضت الصادرات من الهلال النفطي لخسائر كبيرة طوال عامي 2014 و2015، إلى أن تمكن الجيش في العام التالي من طرد الجماعات المتطرفة من بنغازي والتمركز في المدينة الاستراتيجية، وبالتالي الاتجاه إلى فرض سلطته المستمدة من البرلمان على الهلال النفطي بالكامل.
ولعبت القبائل التي كان يعتمد عليها الجضران في سيطرته على الموانئ النفطية دوراً كبيراً، خصوصاً قبيلته المغاربة، في تسليم المنطقة بالكامل للجيش من دون قتال يذكر. لكن سبق انسحاب الجضران هجوم مباغت من «داعش»، انطلاقاً من مدينة سرت المجاورة على موانئ عدة في رأس لانوف والبريقة، حيث جرى حرق خزانات عدة بما فيها من نفط.
وأعطى حفتر المنتصر الحق للمؤسسة الوطنية للنفط، عبر مقرها من طرابلس، في بيع النفط، وإيداع عائداته في المصرف المركزي في العاصمة، رغم أن المقر الأساسي للمؤسسة يفترض أنه في بنغازي. ورغم أن البرلمان كان قد أقال رئيس المصرف المركزي في طرابلس، فإن الأمور سارت بهدوء بعد أن أخذ المصرف المركزي على عاتقه تقسيم العوائد بين المتنافسين في غرب البلاد وشرقها.
واختفى الجضران من المشهد حينذاك، إلى أن ظهر مجدداً في أحداث الشهر الماضي بهجومه على الهلال النفطي، حيث اشتعلت النيران في ثلاثة خزانات على الأقل لشركة الهروج في رأس لانوف والساحل المجاور لها. ويقول مصدر في إدارة التصدير في المؤسسة الوطنية للنفط، إن كمية ما تعرض للحرق داخل هذه الخزانات كانت تبلغ نحو 700 ألف برميل خام. ويضيف، أن معظم الخزانات في المنطقة أسستها شركات أجنبية قبل عشرات السنين، وأنه «يبدو أن الشركات نفسها هي من ستعيد بناء ما جرى تخريبه»، موضحاً أن «كلفة إصلاح هذه الخزانات تبلغ مئات ملايين الدولارات... لقد بدأت أجهزة الإبراق تدق. وفي كل مرة نتلقى عرضاً من شركة أجنبية لإصلاح ما تعرض للدمار. وبالطبع هذا كله على نفقة الليبيين».
وقرر حفتر نقل إدارة موانئ الهلال النفطي إلى المؤسسة في بنغازي شرقاً، متهماً قيادات في غرب البلاد باستخدام أموال النفط في تمويل الإرهاب، قبل أن يعود عن قراره استجابة لمناشدة من رئيس المؤسسة في طرابلس.
- صراع في الجنوب
يدور صراع خفي في الجنوب الغربي على ثروات النفط والغاز بين قبائل رئيسية تتمركز في الجنوب. ومنذ سقوط نظام القذافي نشبت حروب مستعرة على النفوذ في تلك المنطقة المنسية. ويشعر غالبية السكان من هذه القبائل، بالغبن من سطوة إقليمي برقة وطرابلس في الشمال، واستحواذ هذين الإقليمين على غالبية عوائد الثروة النفطية.
ويغرق الجنوب في أزمات نقص الوقود والكهرباء، وغياب الخدمات، رغم أنه يضع تحت أقدامه بحيرة من البترول والغاز تعرف باسم «حوض مرزق»، نسبة إلى إحدى البلدات التي تحمل الاسم نفسه. وتخرج من هذا الحوض العملاق أنابيب للتصدير إلى أوروبا، عبر موانئ في مصراتة والزاوية، على ساحل البحر قرب طرابلس. ويبلغ طول الأنابيب في بعض المناطق نحو 800 كيلومتر. واستضاف متنافسون أوروبيون على التواجد في الجنوب الليبي الغني قيادات محلية من الجنوب في الشهور الماضية، لبحث تنمية المنطقة.
كما تدخلت دول إقليمية عدة، من أجل ضمان سلامة الجنوب، أو على الأقل منع الآخرين من الوصول إلى ثروات فزان وعاصمته التاريخية مدينة سبها. وبعد أن ظل مسلحون من قبلتي الطوارق والتبو يتبادلون الكر والفر في هجمات دامية فوق حوض مرزق، من أجل حيازة أراضٍ وحقول نفط، اشتعلت حرب مماثلة بين قبيلتي أولاد سليمان، من جانب، وكل من القذاذفة والمقارحة، من جانب آخر، قرب مدينة سبها، ثم تفجرت الأوضاع أخيراً للأسباب نفسها بين قبيلتي أولاد سليمان والتبو.
ولا توجد في الجنوب قوات ذات شأن كبير، سواء كانت تابعة للمجلس الرئاسي في طرابلس، أو للجيش في بنغازي. وكثيراً ما تؤدي اشتباكات المسلحين جنوباً في إعلان المؤسسة الوطنية للنفط حالة «القوة القاهرة»، أي تعليق التصدير للخارج. وتمر خطوط الأنابيب من حوض مرزق في اتجاه الشمال عبر مناطق نفوذ قبلية أخرى بينها الزنتان والزاوية.
ويقول مسؤول أمني، إن بعض الدول الأوروبية تتدخل لتأمين تدفق النفط والغاز إليها عن طريق أموال لمسلحين. ويضيف، أن «هذا حدث، على سبيل المثال، على خط أنابيب الرياينة، المجاور للزنتان. كان فتح صمام الخط مقابل أموال لقادة مجاميع مسلحة. أعتقد أن مثل هذا الأمر هو ما يشجع على استمرار طمع حاملي السلاح لأنهم يتربحون من الفوضى».
- عين على غات
وأشهر حقلين في «حوض مرزق» هما حقل شرارة الذي ينتج أقل قليلاً من نصف مليون برميل يومياً، وحقل الفيل وينتج نحو 125 ألف برميل يومياً. واكتشفت الحقول في «حوض مرزق»، وشاركت في استغلالها بحصص مختلفة النسب، ولأوقات متفرقة، شركات غربية وآسيوية منذ عقدي الثمانينات والتسعينات، من بريطانيا، وإيطاليا، وإسبانيا، وفرنسا، ورومانيا، والنمسا، وكوريا. وفي الوقت الراهن، تتنافس أطراف غربية، على رأسها فرنسا، وإيطاليا، وبريطانيا، للهيمنة على هذا المخزون الضخم من الطاقة.
وعلى سبيل المثال، دار جدل لافت في أحد أروقة المجلس الرئاسي في العاصمة، حول السبب الذي يجعل مسؤولين إيطاليين يطلبون إقامة مخيمات للهجرة غير الشرعية في بلدة غات التي تقع في منطقة «حوض مرزق»، وبالقرب من حقل الفيل الذي يعتقد أنه يحتوي في باطنه على مخزون ضخم من النفط والغاز.
ودار النقاش عقب دخول عضو في المجلس الرئاسي على خط مباحثات إيطالية - ليبية لإقامة مخيمات لاجئين في غات. ورد عليه مسؤول في مؤسسة النفط بأن الإيطاليين لديهم رغبة في التواجد في غات من أجل النفط، وليس من أجل اللاجئين؛ لأن «المنطقة التي وضع الإيطاليون أعينهم عليها، بعيدة عن طرق الهجرة الآتية من وسط أفريقيا، وهي في الحقيقة منطقة تجري فيها استكشافات بواسطة المؤسسة الليبية للنفط، منذ ما قبل 2011».
- ملابسات حوض غدامس
أما حوض غدامس للنفط والغاز، فيقع في الشمال الغربي من ليبيا، وبالقرب من الحدود مع الجزائر. ووفقاً لتقارير أمنية، فقد حاولت شركات دولية العمل من داخل الجزائر للاستثمار في استكشافات الغاز قرب الحدود مع ليبيا، وهو أمر ينظر إليه الليبيون، وبعض شركائهم الأوروبيين، باعتباره يمكن أن يؤثر على مخزون الغاز المتعاقد عليه سلفاً داخل الحقل الليبي، في حوض غدامس، والمعروف باسم حقل الوفاء، الذي يقابله من الجانب الغربي للحدود، حقل الرار الجزائري.
وتنتشر أعمال تهريب النفط، قبل دخوله لموانئ التصدير، في غرب طرابلس. وينشط في تلك المنطقة مشترون من السوق السوداء في البحر المتوسط. وتذهب العائدات إلى جماعات مسلحة تنتشر في تلك المنطقة من دون ضابط ولا رابط.
وبالتزامن مع هذا الواقع المرير، يتحدث مسؤولون في طرابلس عن أن هناك أطرافاً قامت بتوسعات كبيرة في حقل الرار المجاور لحقل الوفاء، من أجل زيادة الصادرات الجزائرية، خصوصاً إلى أوروبا. ويقول أحد هؤلاء المسؤولين، إن الجانب الليبي يقوم حالياً بتقييم الوضع على الحدود، وإعادة النظر في مشروع اتفاقية سابقة بخصوص حقلي الوفاء والرار.
وفي خضم الصراع بين الليبيين، يسود اعتقاد بأن معظم المتداخلين الدوليين والإقليميين في الملف الليبي «لديهم رغبة»، وهم يتدافعون بالأكتاف، بالحصول على نصيب من الكعكة، وعلى رأسها موارد النفط والغاز، والأهم إعادة إعمار ما خربه الاحتراب الأهلي، سواء في الغرب أو الشرق أو الجنوب، حيث تقدر كلفة الاستثمارات في الطاقة، وكلفة الإعمار المتوقعة، بمئات المليارات من الدولارات.


مقالات ذات صلة

إنتاج النفط الأميركي يتراجع لأدنى مستوى في 11 شهراً خلال يناير

الاقتصاد حقل نفط أميركي (رويترز)

إنتاج النفط الأميركي يتراجع لأدنى مستوى في 11 شهراً خلال يناير

أظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية أن إنتاج الولايات المتحدة من النفط الخام انخفض 305 آلاف برميل يومياً إلى 13.15 مليون برميل يومياً في يناير.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد ناقلة نفط في بحيرة ماراكايبو في فنزويلا (إ.ب.أ)

أميركا تلغي ترخيص «موريل إي بروم» الفرنسية للنفط في فنزويلا

أعلنت مجموعة النفط الفرنسية «موريل إي بروم» يوم الاثنين أن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأميركية ألغى الترخيص الخاص بأنشطتها في فنزويلا.

الاقتصاد الشمس تغرب خلف مصفاة نفطية في إلدورادو بولاية كانساس الأميركية (أ.ب)

أسواق النفط تتجاهل تهديد ترمب بفرض رسوم جمركية على النفط الروسي

تجاهلت أسواق النفط يوم الاثنين تهديد دونالد ترمب بفرض رسوم جمركية على مشتري النفط الروسي، حيث بدأت آثار وابل التهديدات الصادرة عن البيت الأبيض تتلاشى.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
الاقتصاد حقل «هويتشو» يقع شرق بحر الصين الجنوبي على عمق مياه متوسط قدره 100 متر (أرشيفية - رويترز)

الصين تعلن اكتشاف حقل نفط ضخم في بحر الصين الجنوبي

أعلنت شركة الصين الوطنية للنفط عن اكتشاف حقل نفط «رئيسي» شرق بحر الصين الجنوبي، حيث تجاوزت الاحتياطيات المؤكدة للحقل الجديد 100 مليون طن.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد شعار شركة «إيني» الإيطالية (أ.ب)

«إيني» تؤكد حظر أميركا أي مستحقات من منتجات نفط فنزويلا

أكدت شركة «إيني» الإيطالية أن السلطات الأميركية أخطرتها بأنها لن تتمكن بعد الآن من الحصول على مستحقاتها مقابل إنتاج الغاز في فنزويلا، في صورة إمدادات نفط.

«الشرق الأوسط» (روما)

بام بوندي... تُدخل على وزارة العدل تغييرات جوهرية في سياق معارك ترمب القضائية

بوندي
بوندي
TT
20

بام بوندي... تُدخل على وزارة العدل تغييرات جوهرية في سياق معارك ترمب القضائية

بوندي
بوندي

عندما اختار الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، المدعية العامة السابقة لولاية فلوريدا، بام بوندي، لتكون أعلى مسؤول عن إنفاذ القانون في البلاد، كان من الواضح أنه يريد تجنّب تكرار تجربته «المُرَّة» السابقة مع وليام بار. إذ كان الأخير - بسبب استقلاليته - من أشد منتقديه منذ استقالته من منصبه بعد فترة وجيزة من انتخابات 2020. وقال إنه مستعدٌّ للظهور ضده شاهداً في محاكمته بشأن تهم فيدرالية تتعلق بالمساعي المزعومة لإلغاء انتخابات ذلك العام، في أحداث الهجوم على مبنى الكابيتول يوم 6 يناير (كانون الثاني) 2021. وبعدما بدا واضحاً أن ترمب في ولايته الثانية، يُعدّ لخوض «حروب» مع «الدولة العميقة»، كان من الطبيعي أن يختار مَن يعدّهم الأشد ولاءً له، بمعزل عن خبرتهم وكفاءتهم الشخصية.

المحامية بام بوندي، أصبحت منذ عام 2019 شريكةً في شركة «بالارد بارتنرز» (من بين عملائها شركتا «أمازون» و«أوبر») وهي «شركة ضغط» كانت تديرها سوزي وايلز، التي اختارها ترمب أيضاً، رئيسة موظفي البيت الأبيض في ولايته الثانية. ويُعد مؤسسها، برايان بالارد، من أبرز جامعي التبرّعات لصالح ترمب. وبوندي هي الرئيسة المشاركة لقسم القانون والعدالة في معهد «أميركا أولاً» للسياسة، المؤيد لترمب، والذي يعدّ «جوهر» إدارته الحالية.

بوندي مناصرة قديمة لترمب، وبعد انتخابه عام 2016، طُرح اسمها لشغل مناصب مختلفة في الإدارة، لكن لم يُكتب لها النجاح. اليوم عادت لتحتل أحد أبرز المناصب الحكومية في عهد ترمب الثاني، حيث تنخرط بنشاط في تنفيذ «أجندته» المعلنة لتقليص الحكومة الفيدرالية، والتصدّي للدعاوى القضائية المرفوعة ضد إدارته، خصوصاً ضد وكالة كفاءة الحكومة «دوج» التي يديرها حليف ترمب، الملياردير إيلون ماسك.

الدفاع عن ماسك

يوم الاثنين الماضي، أمرت بوندي النائبة الديمقراطية في ولاية تكساس جاسمين كروكيت بالاعتذار، بعدما اتهمتها بالترويج للعنف ضد ماسك وشركة «تسلا». وجاء طلب بوندي بعد يوم من تحذيرها كروكيت بضرورة «توخي الحذر الشديد»، جرّاء تشجيعها الاحتجاج السلمي ضد ماسك وشركته للسيارات الكهربائية، في الوقت الذي ينفذ هدف ترمب في تقليص الحكومة الفيدرالية وقواها العاملة، وسط انتشار المظاهرات في عدد من أنحاء البلاد، وكذلك أعمال التخريب.

وأوضحت كروكيت أنها تؤيد المظاهرات السلمية، ووجَّهت المشاركين إلى الالتزام بالقوانين المحلية، لكنها ذكَّرت بوندي بأن ترمب دعم الاحتجاجات العنيفة بعفوه عن مثيري الشغب المتطرفين في 6 يناير.

ومع أن بوندي أشارت إلى أن كروكيت قالت إنها لم تقصد الإيذاء الجسدي، فإن هذا لم يمنع وزيرة العدل من الاستمرار في وصف تعليقات كروكيت بأنها «تحريض على العنف»؛ إذ قالت بوندي: «للكلمات عواقب». وأردفت: «وماذا حدث بعدما قالت ذلك عن إيلون ماسك - فهي من تكساس - وفي ولايتها بعد قولها ذلك، عُثر هذا الصباح على 3 عبوات ناسفة في مدينة أوستن»، في إشارة إلى العبوات الحارقة التي عُثر عليها في وكالة سيارات «تسلا» هناك. وتابعت الوزيرة: «لذا عليها أن تُدين العنف بشكل قاطع. ماسك لن يذهب إلى أي مكان. عليها أن تعتذر فوراً ليس فقط لجميع سكان تكساس، بل لبلدنا، ولمساهمي «تسلا» الأميركيين لأنها تُشجع على العنف».

مواجهة القضاء «المسيّس»

بيد أن «الحروب» التي تستعد لها بوندي، لا تقتصر على الدفاع عن ماسك؛ إذ بدأت التصويب على القضاة الذين أصدروا قرارات قضائية لوقف أوامر ترمب التنفيذية، في قضايا وقف التمويل الحكومي، وإغلاق كثير من الوكالات الفيدرالية، وإقفال المؤسسات التي تقدِّم المساعدات الإنسانية داخل أميركا وخارجها، وترحيل المهاجرين، وإلغاء حق الجنسية بالولادة.

وقبل أيام، انتشر مقطع فيديو مثير للشبهات، تبين أنه مولَّد بالذكاء الاصطناعي، زعم أن بام بوندي واجهت قاضياً حاول معاقبتها على ارتدائها رمزاً دينياً (قلادة صليب) في قاعة المحكمة، لكنها أوقفته مستشهدةً بقوانين تحميها. وشهدت القصة التي قيل إنها وقعت في فلوريدا، انتشاراً واسعاً على وسائل التواصل الاجتماعي، وبالأخص من أنصار ترمب، ولم تنفها بوندي.

وحالياً، يسعى قادة الحزب الجمهوري إلى طرح تشريع يُضيف عشرات القضاة الفيدراليين في المحاكم الفيدرالية الجزئية قبل نهاية عام 2035 للتصويت في مجلس النواب يوم 7 أبريل (نيسان). وكان مشروع قانون مماثل قد أقرّه مجلسا الشيوخ والنواب في الدورة الماضية، لكن الرئيس السابق جو بايدن استخدم حق النقض ضده بعد فوز دونالد ترمب في الانتخابات في نوفمبر (تشرين الثاني).

ويأتي الضغط لإضافة مزيد من قضاة المحاكم الأدنى، في حين ينتقد ترمب وحلفاؤه سلسلةً من الأحكام «غير المواتية» الصادرة عن قضاة المقاطعات الذين سعوا إلى عرقلة بعض أوامره التنفيذية.

وبينما لا يملك الجمهوريون في مجلس النواب الأصوات اللازمة لعزل هؤلاء القضاة، كما اقترح ترمب وماسك وغيرهما من المتشددين، يبحث رئيس مجلس النواب مايك جونسون عن بدائل، منها طرح بعض مشاريع القوانين لتمكين وزارة العدل من الحد من أوامر المنع القضائية على مستوى البلاد. وقال جونسون إنه ينسق استراتيجيته مع البيت الأبيض، ومع أعضاء اللجنة القضائية لمحاسبة القضاة «الناشطين».

إعادة «النزاهة» إلى وزارة العدل

من ناحية أخرى، خلال جلسة تأكيد تعيين بوندي في مجلس الشيوخ، أصرَّت على أنها ستدير وزارة العدل بعيداً عن الاعتبارات السياسية. وتعهّدت: «إذا أصبحتُ المدعية العامة، فلن أُسيّس هذا المنصب». وخلال حفل تنصيبها قالت: «سأُعيد النزاهة إلى وزارة العدل، وسأحارب الجرائم العنيفة في جميع أنحاء هذا البلد، وفي جميع أنحاء العالم، وسأجعل أميركا آمنةً مجدداً».

ثم، بعد توليها منصبها بفترة وجيزة، أصدرت بوندي سلسلةً من المذكرات التي أشارت إلى تغييرات جوهرية في وزارة العدل. وأعلنت إحدى المذكرات إنشاء مجموعة لإنهاء «انتهاكات إجراءات العدالة الجنائية» من قِبل جهات إنفاذ القانون. وفي المذكرة، سمَّت عدداً من المدعين العامين الذين سبق أن وجّهوا اتهامات ضد ترمب. كذلك أعلنت أن وزارة العدل ستوقف برامج التنوّع والإنصاف والشمول التي تعدّها غير قانونية، وستوقف التمويل الفيدرالي لـ«مدن الملاذ»؛ وهو مصطلح ينطبق على الأماكن التي تحدّ من إنفاذ قوانين الهجرة الفيدرالية لحماية المهاجرين غير المسجَّلين.

وفي وقت لاحق من فبراير (شباط) 2025، أعلنت وزارة العدل أنها أسقطت تهم الفساد الموجَّهة ضد إريك آدامز، عمدة مدينة نيويورك، وهي «مدينة ملاذ». وجادلت الوزارة، جزئياً، بأن القضية تحدّ من قدرة آدامز على إنفاذ حملة ترمب على الهجرة غير الشرعية. ودفع هذا القرار عدداً من المدعين العامين الفيدراليين إلى الاستقالة، زاعمين وجود مقايضة.

أول مدعية عامة في فلوريدا

باميلا بوندي من مواليد 17 نوفمبر 1965 في مدينة تامبا بولاية فلوريدا. وهي محامية سبق أن صنعت التاريخ بوصفها أول امرأة تشغل منصب المدعي العام لفلوريدا (2011 - 2019).

إنها واحدة من 3 أبناء لجوزيف بوندي وباتسي لوريتا. كان أبوها أستاذاً جامعياً، وشغل أيضاً منصب عمدة ضاحية تمبل تيراس في تامبا من عام 1974 إلى عام 1978، وكانت والدتها معلمةً في مدرسة ابتدائية. ولقد درست بام بوندي العدالة الجنائية في جامعة فلوريدا (حصلت على بكالوريوس عام 1987).

وفي عام 1990 حصلت على شهادة القانون من جامعة ستيتسون الخاصة بشمال شرقي الولاية. وأصبحت لاحقاً مدعية عامة في مكتب المدعي العام في مقاطعة هيلزبورو بفلوريدا، حيث عملت لمدة 18 سنة.

اشتهرت بوندي بأسلوبها اللطيف في قاعة المحكمة، ما ساعدها على التواصل مع هيئة المحلفين. كما توسَّعت في عملها محلّلةً قانونيةً، فظهرت كثيراً ضيفةً على شبكتَي «فوكس نيوز» و«سي إن إن» التلفزيونيَّتين، خصوصاً خلال دفاعها عن ترمب.

دعمها لحزب «حفلة الشاي»

في عام 2010، مستغلةً موجة حزب «حفلة الشاي» اليمينية في الحزب الجمهوري، حصلت بوندي على تأييد المرشحة السابقة لمنصب نائب الرئيس سارة بالين، لتترشح وتفوز بمنصب أول مدعية عامة للولاية، وأُعيد انتخابها في عام 2014. وبصفتها المدعية العامة، استهدفت بوندي «مصانع الحبوب»، وهي عيادات تبيع الأدوية الموصوفة بشكل غير قانوني، ما أسهم في أزمة المواد الأفيونية في الولايات المتحدة. وأيضاً دافعت عن قانون الولاية الذي يحظر زواج المثليين، وقادت دعوى قضائية في ولايات عدة سعت - من دون جدوى - إلى إلغاء تشريع للرئيس باراك أوباما، يحمي المرضى والرعاية الميسرة.

تربط بوندي علاقة وثيقة بلارا ترمب، زوجة ابن الرئيس ورئيسة اللجنة الوطنية للحزب الجمهوري، وخاضتا معاً حملةً ضد حظر سباقات الكلاب في الولاية.

وفي الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري عام 2016، دعمت بوندي في البداية «جيب» بوش، حاكم ولاية فلوريدا السابق. ولكن بعد انسحابه، أيَّدت ترمب، على الرغم من أن مرشحاً آخر من الولاية، هو السيناتور ماركو روبيو، كان لا يزال في السباق.

ترسّخ علاقتها بترمب

عام 2016، ظهرت أنباء تفيد بأن دونالد ترمب دفع غرامة مقدارها 2500 دولار لأن مؤسّسته تبرّعت بشكل غير قانوني بمبلغ 25 ألف دولار للجنة الانتخابات السياسية لبوندي في عام 2013، قبل أن يقرّر مكتبها ألا يتابع التحقيق في قضية احتيال جامعة ترمب.

ودفعت مؤسسة ترمب في النهاية 25 مليون دولار لتسوية شكاوى الاحتيال ضد الجامعة التي أغلقت أبوابها. وصرَّحت بوندي بأنها لم تكن على علم بشكاوى جامعة ترمب في ذلك الوقت، وأن المساهمة لا علاقة لها بقرار مكتبها بوقف متابعة القضية. ومع ذلك، برّأتها لجنة أخلاقيات الولاية من انتهاك أي قوانين في فلوريدا. وعندما فاز ترمب في انتخابات عام 2016، قال إنه معجب ببوندي لإخلاصها له وسط الجدل، وضمها إلى فريقه الانتقالي.

وفي عام 2020 عملت بوندي محامية دفاع عن ترمب إبان محاكمة عزله الأولى في قضية أوكرانيا أمام مجلس الشيوخ، التي انتهت بتبرئته. وبعد خسارته الانتخابات أمام جو بايدن، أيَّدت مزاعم ترمب بشأن تزوير واسع النطاق للأصوات. وعندما أدانت هيئة محلّفين في مدينة نيويورك ترمب في قضية رشوة عام 2024، قالت بوندي خلال مقابلة مع قناة «فوكس نيوز» معلّقة: «لقد فُقد قدر هائل من الثقة في نظام العدالة الليلة».