زلزال سياسي في فرنسا بعد الحكم بسجن مارين لوبن

إبعاد زعيمة اليمين المتطرف عن السباق الرئاسي يعيد خلط الأوراق في البلاد

مارين لوبن لدى خروجها من قاعة المحكمة الاثنين (رويترز)
مارين لوبن لدى خروجها من قاعة المحكمة الاثنين (رويترز)
TT

زلزال سياسي في فرنسا بعد الحكم بسجن مارين لوبن

مارين لوبن لدى خروجها من قاعة المحكمة الاثنين (رويترز)
مارين لوبن لدى خروجها من قاعة المحكمة الاثنين (رويترز)

أحدث الحكم القضائي الذي أصدرته محكمة الجنح في باريس، الاثنين، بحق مارين لوبن، زعيمة حزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف، زلزالاً سياسياً في فرنسا، وأعاد خلط الأوراق الانتخابية، وأصاب إرث عائلة لوبن. وسيكون لهذا الحكم تبعات على المستويين الحزبي والشعبي، كما وصلت التداعيات إلى دول الاتحاد الأوروبي، وحتى إلى قصر الكرملين نفسه.

مصدر الزلزال أن المحكمة الفرنسية برئاسة القاضية بنديكت بيرتويس أنزلت حكماً صاعقاً بحق لوبن، إذ قضت بسجنها أربع سنوات، منها سنتان موقوفتا التنفيذ، وسنتان يمكن أن تقضيهما في منزلها، مع إلباسها سواراً إلكترونياً، وتحديد أوقات خروجها من البيت، فضلاً عن إرغامها على دفع 100 ألف يورو. بيد أن الحكم الأشد تمثل في حرمانها من الترشح لأي منصب انتخابي طيلة خمس سنوات على أن يكون هذا الحكم نافذاً فوراً رغم إمكان استئنافه. وعملياً، يعني ذلك أن مارين لوبن التي سبق لها أن ترشحت للانتخابات الرئاسية ثلاث مرات، منها مرتان وصلت خلالهما إلى الجولة الثانية، لن تكون قادرة على المشاركة في انتخابات عام 2027. ومع لوبن، التي تشغل راهناً مقعداً نيابياً في البرلمان، وترأس مجموعة حزبها داخل الجمعية الوطنية، أدين أيضاً ثمانية نواب أوروبيون بأحكام مخففة، لكنهم حرموا جميعهم من الترشح. كما أدانت المحكمة 12 من مساعديهم.

زعيمة اليمين المتطرف الفرنسي مارين لوبن لدى وصولها رفقة محاميها إلى المحكمة في باريس الاثنين (رويترز)

«في قلب نظام فاسد»

لم تنتظر لوبن التي حضرت الجلسة النطق بالحكم، إذ فهمت من الإدانة التي عبرت عنها رئيسة المحكمة أنها لن تنجو من حرمانها من الترشح. وفسرت المحكمة منع الترشيح بقولها إنه «بالإضافة إلى خطر عودة لوبن إلى ارتكاب الجرم (الذي تحاكم بسببه) أخذت المحكمة في الاعتبار التهديد الكبير للنظام العام، وإمكانية أن الشخص المدان في الدرجة الأولى يمكن أن يكون مرشحاً للانتخابات الرئاسية». والتهمة الأولى التي أدينت بها لوبن بها تتناول اختلاس الأموال العامة، والمقصود بها استخدام الأموال التي يوفرها البرلمان الأوروبي لأعضائه لأجل أنشطتهم البرلمانية لغير غرضها، وتحديداً من أجل أنشطة حزبية تخص حزب «التجمع الوطني». وإذا كانت المحكمة قد برأت لوبن من تهمة الإثراء الشخصي، فإنها جعلتها المسؤولة الأولى عن إقامة نظام ممنهج تواصل بين العامين 2004 و2016، ويقوم على ضخ الأموال الأوروبية «نحو ثلاثة ملايين يورو» لدفع رواتب متعاونين مع حزب «التجمع الوطني»، ويعملون لصالحه، ومن غير وجود أي صلة بانتداب النواب في البرلمان الأوروبي. وأخذت المحكمة على لوبن ليس فقط كونها نائبة وقعت وثيقة تنص على منع حرف استخدام الأموال العامة عن أهدافها، بل أيضاً كونها محامية، وبالتالي فإنها ملمة بالقوانين، وتعرف ما هو متاح، وما هو محرم. وبرأيها، فإن ما قامت به لوبن «ينتهك القواعد المعمول بها للأحزاب، وينسف العملية الديمقراطية».

واتهمت المحكمة لوبن بأنها كانت «في قلب» النظام الفاسد الذي أتاح استلاب أموال دافعي الضرائب الأوروبيين. وجاءت الأحكام المنطوق بها مخففة قياساً لما أراده الادعاء العام الذي طلب السجن خمس سنوات والحرمان من الترشح خمس سنوات، مع تغريم لوبن 300 ألف يورو.

وخلال شهري المحاكمة، ثابرت لوبن على نفي الاتهامات الموجهة إليها، والقائلة بأنها كانت على رأس النظام الذي يهدف إلى نهب أموال البرلمان الأوروبي لصالح حزبها الذي قادته، في البرلمان الأوروبي، من عام 2011 إلى عام 2021. كذلك سعت لوبن لثني المحكمة عن إصدار أحكام تمنعها من المنافسة الانتخابية، معتبرة أن ذلك يساوي «موتها السياسي». وقالت في إحدى مداخلاتها إن «هناك 11 مليون شخص صوتوا للحركة التي أمثلها. لذا، من المحتمل أن يرى الملايين والملايين من الفرنسيين أنفسهم محرومين من مرشحهم في الانتخابات غداً». وأول تعليق على الحكم الصادر بحقها جاء من جوردان بارديلا، النائب في البرلمان الأوروبي ورئيس حزب «التجمع الوطني» الذي رأى أن لوبن «تدان ظلماً» وأن الديمقراطية الفرنسية «تعرضت لعملية إعدام». وبعد ظهر الاثنين، أفاد حزب لوبن بأنها ستستأنف على الحكم.

باتريك ميزنوف محامي البرلمان الأوروبي لدى وصوله إلى المحكمة الاثنين (رويترز)

ترشيح البديل

واضح اليوم أن الحكم يمكن أن يقضي على مستقبل لوبن السياسي، وعلى طموحاتها الرئاسية. وكانت الأخيرة تحضر نفسها لتكون رئيسة الجمهورية القادمة، خصوصاً أن إيمانويل ماكرون الذي هزمها مرتين في انتخابات 2017 و2022 لن يكون مرشحاً في العام 2027 بسبب منطوق الدستور الفرنسي. كذلك كانت تراهن على استمرار الموجة الشعبية الدافعة لصالح آيديولوجيتها اليمينية المتطرفة، وللنجاحين اللذين حققهما حزبها في الانتخابات الأوروبية والبرلمانية العام الماضي. ورغم أن لوبن يمكنها استئناف الحكم، فإن مثل هذه الخطوة لن تؤدي إلى تعليق عدم أهليتها للترشح. والسؤال المطروح اليوم يتناول هوية الشخص الذي يمكن أن يكون بديلاً عنها. وثمة، في الواقع، اثنان: جوردان بارديلا «29 عاماً» من جهة، وماريون مارشال ــ لوبن «35 عاماً»، ابنة أختها من جهة ثانية. وكانت ماريون مارشال على خلاف سياسي مع عمتها العام الماضي، والتحقت بحزب «الاسترداد» الذي يقوده أريك زمور، اليميني الأكثر تطرفاً قبل أن تتقارب مجدداً مع مارين لوبن.

ومنذ قراءة نص الحكم تكاثرت ردود الفعل وكانت الأشد إدانة من جانب حلفاء لوبن من عائلة اليمين المتطرف بالمعنى الواسع. بارديلا: أعبر أن من أدين «ليست مارين لوبن وحدها، بل الديمقراطية الفرنسية التي نحرت». وتساءل أريك سيوتي، رئيس حزب «اتحاد اليمين من أجل الجمهورية» وحليف لوبن قائلاً: «هل ما زلنا نعيش في ديمقراطية؟» مضيفاً: «إن ما هو قائم نظام للاستحواذ على السلطة يستبعد بشكل منهجي أي مرشح يميني الهوى ويكون قادراً على الفوز». أما أريك زمور فقد رأى أنه «لا يعود القضاة أن يقرروا لمن يتعين على الناخبين أن يصوتوا». وكتبت ماريون مارشال على منصة «إكس»: «ثمة قضاة يعتبرون أنفسهم فوق الشعب السيد قرروا القضاء في المحكمة على تلك التي عجزوا عن هزيمتها في صناديق الاقتراع»، مضيفة أن «مارين لوبن كانت تقودنا على طريق النصر، وهذه خطيئتها الوحيدة. لذا قرروا إدانتها».

رودولف بوسولوت محامي مارين لوبن متحدثاً للصحافة بعد النطق بالحكم الاثنين (رويترز)

إرباك الأحزاب الفرنسية

بيد أن الحكم أوجد نوعاً من الإرباك داخل الأحزاب السياسية الأخرى. فلوران فوكييز، رئيس حزب «الجمهوريون» رأى أنه «يضع عبئاً ثقيلاً على ديمقراطيتنا»، وأن «السجالات السياسية يجب أن تحسمها صناديق الاقتراع» بمعنى أنها ليست من مهمة القضاء. وفي السياق ذاته، رأى النائب اليميني في البرلمان الأوروبي، فرنسوا كزافيه - بيلامي، أنه «ليس من الصحي استبعاد مرشحة من التنافس الانتخابي». ويساراً، أعلن حزب «فرنسا الأبية» المتشدد أنه «أخذ علماً» بالحكم. إلا أنه أضاف أن «حزبنا لم يتوسل يوماً اللجوء إلى القضاء من أجل التخلص من (التجمع الوطني). نحن نحاربه في صناديق الاقتراع، وفي الشارع، وسنهزمه غداً مهما كان مرشحه أو مرشحته». ومن جانبها، اعتبرت النائبة عن الخضر كليمانتين أوتين أن «اختلاس 2.9 مليون يورو لصالح حزب أمر مدان، غير مقبول أخلاقياً، ويحاسب عليه القانون. إنه سبب للاشمئزاز من السياسة». وقالت زميلتها سيرييل شاتلين: «القانون هو نفسه بالنسبة للجميع، وليس هناك أي عذر لسرقة أموال الشعب الفرنسي». وقال النائب عن «الحزب الاشتراكي» جيروم غيدج «إن العدالة يجب أن تكون واحدة بالنسبة للمسؤولين المنتخبين وغير المنتخبين على حد سواء، بالنسبة للأقوياء والضعفاء».

خارجياً، كان رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان أول المعلقين، إذ كتب على منصة «إكس»: «أنا مارين» فيما يعد تماهياً مع من يعتبرها ضحية سياسية. وأعرب غيرت ويلدرز، رئيس «حزب الحرية» في هولندا، عن «صدمته» من الحكم الذي وصفه بـ«بالغ القساوة»، مؤكداً أنه «مقتنع بأنها ستكسب دعواها أمام محكمة الاستئناف، وستكون الرئيسة القادمة للجمهورية الفرنسية». ومن جانبه، قال ماتيو سالفيني، رئيس حزب «الرابطة» اليميني المتشدد، ونائب رئيسة الوزراء الإيطالية في بيان أن الحكم بمثابة «إعلان حرب من بروكسل» وأنه «فيلم سيئ على غرار ما شهدناه مؤخراً في رومانيا». ووصلت أصداء الحكم إلى موسكو، حيث رأى الناطق باسم الكرملين دميتري بيسكوف أن «المزيد من العواصم الأوروبية يسلك مسارات تنتهك المعايير الديمقراطية».

واضح اليوم أن فرنسا السياسية ولجت مرحلة جديدة، وأن إزاحة لوبن تريح الكثيرين يميناً ويساراً، وتفتح الباب لوصول مرشحين جدد، وأفول نجم آخرين.


مقالات ذات صلة

«فيفا» يحقق مع مسؤولين في الاتحاد الكونغولي بتهمة «الفساد»

رياضة عالمية «فيفا» فتح تحقيقاً مع مسؤولي الاتحاد الكونغولي بتهمة الفساد المالي (الشرق الأوسط)

«فيفا» يحقق مع مسؤولين في الاتحاد الكونغولي بتهمة «الفساد»

فتحت لجنة الأخلاقيات في الاتحاد الدولي لكرة القدم تحقيقاً بحق مسؤولين في الاتحاد الكونغولي، على خلفية اتهامات بسوء إدارة مالية.

«الشرق الأوسط» (باريس)
المشرق العربي باسل السويدان رئيس (لجنة مكافحة الكسب غير المشروع) في سوريا (سانا)

«مكافحة الكسب غير المشروع» لنشر أسماء الشخصيات والشركات قيد التحقيق

تعمل (لجنة مكافحة الكسب غير المشروع) في سوريا، على إعداد لائحة شاملة سيتم نشرها عبر موقعها الرسمي.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
شؤون إقليمية احتشد آلاف الأتراك في ميدان ساراتشهانه أمام مبنى بلدية إسطنبول ليل الأربعاء - الخميس في ذكرى اعتقال رئيس البلدية أكرم إمام أوغلو مطالبين بإطلاق سراحه (حزب الشعب الجمهوري - إكس)

تركيا: المعارضة تتعهد هزيمة إردوغان في الانتخابات المقبلة

تعهدت المعارضة التركية انتزاع السلطة من الرئيس رجب طيب إردوغان في أول انتخابات مقبلة وحل مشاكل البلاد.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية زعيم المعارضة التركية رئيس حزب «الشعب الجمهوري» أوزغور أوزيل خلال مؤتمر صحافي الثلاثاء كشف فيه عن ممتلكات قال إنها تعود إلى وزير العدل أكين غورليك (حساب الحزب في إكس)

تركيا: معركة حامية بين المعارضة ووزير العدل حول ممتلكاته

ارتفعت حدة التوتر بين وزير العدل التركي ، أكين غورليك، والمعارضة، على خلفية الكشف عن ممتلكات ضخمة تقول المعارضة إنه تحصل عليها بطرق غير مشروعة قبل توليه منصبه

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية زعيم المعارضة التركية رئيس حزب «الشعب الجمهوري» أوزغور أوزيل متحدثاً أمام حشد من أنصار الحزب في مدينة أوشاك غرب تركيا السبت الماضي (حساب الحزب في إكس)

تركيا: زعيم المعارضة يواجه رفع الحصانة البرلمانية والمحاكمة

اتهم رئيس حزب «الشعب الجمهوري» المعارض أوزغور أوزيل الرئيس إردوغان بتحويل القضاء إلى «أداة سياسية» للانتقام من منافسه رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

حرب إيران على طاولة محادثات وزراء خارجية مجموعة السبع

كايا كالاس وجون نويل بارو في مقر اجتماع السبع ببلدة فوـ دوـ سيرني (رويترز)
كايا كالاس وجون نويل بارو في مقر اجتماع السبع ببلدة فوـ دوـ سيرني (رويترز)
TT

حرب إيران على طاولة محادثات وزراء خارجية مجموعة السبع

كايا كالاس وجون نويل بارو في مقر اجتماع السبع ببلدة فوـ دوـ سيرني (رويترز)
كايا كالاس وجون نويل بارو في مقر اجتماع السبع ببلدة فوـ دوـ سيرني (رويترز)

بينما كان وزراء خارجية السبع يتوافدون على بلدة فوـ دوـ سيرني، اتّهمت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، روسيا بتزويد إيران معلومات استخبارية «لقتل أميركيين» في إطار الحرب في الشرق الأوسط.

وقالت كالاس، الخميس: «لاحظنا أن روسيا تساعد إيران على المستوى الاستخباري لاستهداف أميركيين، لقتل أميركيين، وروسيا تزوّد أيضاً إيران بمسيَّرات لتتمكن من مهاجمة الدول المجاورة، إضافة إلى القواعد الأميركية». وأضافت: «إذا أرادت الولايات المتحدة أن تتوقف الحرب في الشرق الأوسط (...) فعليها أيضاً الضغط على روسيا لئلا تتمكن من مساعدة (إيران) في هذا المجال».

وجاءت هذه التصريحات لتعيد تسليط الضوء على تخوّف الأوروبيين من تداعيات حرب إيران على الأولويات الأميركية، مع تراجع الاهتمام بملف أوكرانيا في مقابل خطر تفاقم الصراع في الشرق الأوسط وتداعياته الاقتصادية الوخيمة.

وزير الخارجية الفرنسي يستقبل نظيره الهندي في فوـ دوـ سيرني (أ.ب)

وبدا كأن التاريخ يعيد نفسه، باجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع (الولايات المتحدة، وفرنسا، وبريطانيا، وألمانيا، وإيطاليا، واليابان وكندا) في دير سابق يقع في بلدة فوـ دوـ سيرني التي تبعد عن قصر رامبويه 15 كلم. فقبل خمسين عاماً، دعا فاليري جيسكار ديستان، الرئيس الفرنسي وقتها، قادة الدول الصناعية - باستثناء كندا- لقمة في قصر رامبويه التاريخي الشهير لمناقشة «الأزمة الاقتصادية الناتجة من صدمة النفط» التي نشبت بعد حرب أكتوبر (تشرين الأول) بين مصر وسوريا من جهة وإسرائيل من جهة أخرى في عام 1973. حينها، وُلدت «مجموعة الست لتصبح لاحقاً مجموعة السبع بانضمام كندا إليها، ثم الثمانية، بانضمام روسيا التي طلب الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما إخراجها عام 2014 من المجموعة بسبب حرب أوكرانيا الأولى.

حرب إيران في الواجهة

ينصبّ الاهتمام الأول لوزراء خارجية المجموعة، الذين سينضم إليهم نظيرهم الأميركي ماركو روبيو صباح الجمعة، ونظراؤهم الأربعة الذين دعتهم الرئاسة الفرنسية من كل من السعودية، والهند، والبرازيل وكوريا الجنوبية، على تطورات حرب الشرق الأوسط وتداعياتها. ومنذ صباح الخميس، كان هذا الملف محوراً للاجتماعات الثنائية التي جرت على هامش الحدث الأساسي، كما أن جلسة العمل الخامسة التي ستحصل بعد ظهر الجمعة ستلتئم تحت عنوان: «الوضع في إيران وتبعاته على المنطقة».

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو مستقبلاً نظيره السعودي الأمير فيصل بن فرحان لدى وصوله إلى مقر الاجتماع في فوـ دوـ سيرني (أ.ب)

كذلك، فإن باريس خطّطت لجلسة سادسة محورها «السلام والأمن» في العالم؛ ما سيسمح، وفق بيان أصدرته وزارة الخارجية بعد ظهر الخميس، بالتشاور حول أزمات إضافية، أبرزها الحرب في أوكرانيا وأوضاع غزة والسودان. ودُعي وزير الخارجية الأوكراني أندريه سيبيها للمشاركة في الاجتماع المخصص لبلاده المتخوفة من انعكاسات حرب الشرق الأوسط على الاهتمام الغربي، والأميركي بشكل خاص، بالحرب الدائرة بينها وبين روسيا منذ أكثر من أربع سنوات.

وتريد باريس خلال ترؤسها مجموعة السبع هذا العام التأكيد على ثلاثة مبادئ رئيسية: التضامن بين الدول، والاستقرار الاقتصادي، والمسؤولية الجماعية. ويتمثل الهدف في تنسيق المواقف والمبادرات من أجل العمل المشترك لصالح السلام والأمن، لا سيما في الشرقين الأدنى والأوسط.

انطلاقاً من هذه المبادئ، فإن اجتماعات فوـ دوـ سيرني، وفق ما صدر عن الخارجية الفرنسية، تدور حول ثلاثة محاور رئيسية. أولها البحث عن تسويات للأزمات الكبرى: أوكرانيا، إيران، السودان، غزة، هايتي، فنزويلا، كوبا، ومنطقة الهندي-الهادئ. كما سيكون لبنان حاضراً بقوة في هذه الاجتماعات وفي اللقاءات الثنائية الكثيرة بفضل التركيز الفرنسي على البحث عن سبل لوقف التصعيد بين إسرائيل و«حزب الله». وأفادت بيانات الخارجية بأن الاجتماعات الثنائية المتلاحقة التي عقدها جان نويل بارو، وزير الخارجية الفرنسي مع نظرائه وخصوصاً مع نظيره السعودي الأمير فيصل بن فرحان، صباح الخميس، والبريطانية إيفيت كوبر، والكندية أنيتا أناند، ركزت في جانب منها على الملف اللبناني.

وتسعى باريس للترويج لـ«ورقتها» الداعية إلى مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل، وإلى وقف الحرب. وسيكون اجتماع بارو - روبيو، الجمعة، أساسياً ليس فقط بالنسبة للبنان، بل أيضاً للتعرف على الخطط الأميركية الخاصة بإيران، حيث المعلومات الواردة من واشنطن غالباً ما تكون متضاربة.

شكاوى زيلينسكي

يتمثل المحور الثاني بإصلاح الحوكمة العالمية وإعادة الإعمار. وقالت الخارجية الفرنسية إن الهدف من المحور المذكور إطلاق أعمال ملموسة في مجال سلاسل الإمداد الإنسانية وإصلاح عمليات حفظ السلام». ومن المرتقب مشاركة رئيسة البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، في أعمال المحور المذكور الذي سيتناول أيضاً إعادة ترميم غلاف مفاعل تشرنوبيل الذي تضرر مؤخراً بسبب القصف.

زيلينسكي يتحدّث عبر الفيديو في اجتماع للمجلس الأوروبي 19 مارس الحالي (إ.ب.أ)

وأخيراً، فإن المحور الثالث يدور حول مكافحة التهديدات العابرة؛ أكان ذلك تهريب المخدرات أو الجريمة المنظمة، أو قضايا الأمن البحري والموانئ، والهجرة.

وشكا الرئيس فولوديمير زيلينسكي، في مقابلة مع صحيفة «لوموند» من تضارب الرؤى بين كييف وواشنطن إزاء النوايا الروسية ورغبة موسكو في التوصل إلى اتفاق سلام. وأكد مجدداً أن الضغوط الدولية وحدها يمكن أن تدفع الرئيس بوتين للبحث عن السلام. وسبق له أن أشار إلى أن الإدارة الأميركية تربط الضمانات الأمنية التي قد تقدمها لأوكرانيا بتنازلها عن منطقة الدونباس الشرقية لصالح روسيا، التي تجعل من الحصول عليها شرطاً رئيسياً لتوقف الحرب. بيد أن كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي ورئيسة وزراء أستونيا السابقة، عبَّرت، عقب اجتماعها بوزير خارجية فرنسا، عن «قلقها» إزاء الضغوط الممارسة على كييف. وقالت إنها تمثل «نهجاً خاطئاً بكل ⁠وضوح. إنها بالطبع ‌استراتيجية ‌التفاوض ​الروسية؛ إذ يطالبون بما لم ‌يكن لهم يوماً. ولهذا السبب؛ نحذر أيضاً من ‌الوقوع في هذا الفخ».

انتظار وزير الخارجية الأميركي

غير أن الهمّ الرئيسي لوزراء المجموعة عنوانه القلق من السياسات الأميركية ومن مستقبل إمدادات الطاقة والوضع في مضيق هرمز.

وقال مصدر دبلوماسي أوروبي في باريس إن المشكلة الأساسية تتمثّل في «انعدام الرؤية الواضحة بالنسبة لما ينوي الرئيس ترمب القيام به بسبب تصريحاته المتغيرة بين ليلة وضحاها، وانعكاس كل ذلك على الوضعين السياسي والاقتصادي، ليس في منطقة الخليج وحدها، بل على الصعيد العالمي». فشركاء واشنطن لم يتم التشاور معهم قبل اندلاع حرب إيران بالتنسيق والتنفيذ بين واشنطن وتل أبيب.

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إلى جانب الرئيس دونالد ترمب خلال اجتماع الخميس في البيت الأبيض (إ.ب.آ)

من هنا، التعويل على حضور ماركو روبيو الذي تُعلَّق عليه الآمال لتوفير مقاربة عقلانية ومقنعة لما تريد بلاده القيام به بعد نحو الشهر من سقوط أول الصواريخ والقنابل على إيران. كذلك، يريد ممثلو الدول السبع أن يتعرفوا على الخطط الأميركية لإتاحة الملاحة الحرة في مضيق هرمز. وبكلام آخر، فإن الوزراء الحاضرين يريدون التعرف على مصير الحرب على إيران، وصورة اليوم التالي، ومستقبل إمدادات الطاقة، والدور المطلوب منهم؛ لأن غالبيتهم أعلنت الاستعداد للمساهمة في تأمين الملاحة في المضيق المذكور.

ونقلت «رويترز» عن كريستوف غومار، الجنرال السابق في الجيش الفرنسي ومسؤول المخابرات العسكرية فيه، قوله إن «موقف الولايات المتحدة يُعدّ عنصراً مزعزعاً لاستقرار النظام الدولي لجميع الأطراف، ليس فقط لأعضاء مجموعة السبع، بل أيضاً للصين وللكثير من دول العالم».

لم تنس مجموعة السبع الصعوبات التي تواكب عادة بلورة بيان مشترك عقب اجتماعاتها، خصوصاً عندما تكون إدارة ترمب طرفاً فيها. لذا؛ ولتحاشي الإشكالات والجدل، فإنه من غير المقرر أن يصدر عن اجتماع فوـ دوـ سيرني الذي يعدُّ تحضيراً لقمة السبع المقررة في مدينة إيفيان الفرنسية بين 17 و19 يونيو (حزيران). وقبلها، سوف تستضيف فرنسا اجتماعاً مماثلاً يوم 30 مارس (آذار) لوزراء المالية في المجموعة.


حلفاء أميركا في «الناتو» زادوا إنفاقهم العسكري 20 % في 2025

الأمين العام لحلف «الناتو» مارك روته خلال مؤتمر صحافي في بروكسل (أ.ف.ب)
الأمين العام لحلف «الناتو» مارك روته خلال مؤتمر صحافي في بروكسل (أ.ف.ب)
TT

حلفاء أميركا في «الناتو» زادوا إنفاقهم العسكري 20 % في 2025

الأمين العام لحلف «الناتو» مارك روته خلال مؤتمر صحافي في بروكسل (أ.ف.ب)
الأمين العام لحلف «الناتو» مارك روته خلال مؤتمر صحافي في بروكسل (أ.ف.ب)

ارتفع الإنفاق العسكري لكندا والدول الأوروبية الأعضاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو) بنسبة 20 في المائة على أساس سنوي ليبلغ 574 مليار دولار في عام 2025، على ما أظهرت بيانات جديدة، الخميس.

ويطالب الرئيس الأميركي دونالد ترمب دول الحلف البالغ عددها 32 بزيادة إنفاقها الدفاعي، داعياً أوروبا إلى تحمل المسؤولية الأساسية عن أمنها، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية.

وأشار تقرير لـ«الناتو» إلى أن كل الدول الأوروبية الأعضاء وكندا تجاوزت الآن الهدف المحدد بتخصيص ما لا يقل عن 2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للإنفاق العسكري، وهو هدف تم تحديده في عام 2014 بغرض تحقيقه في مهلة أقصاها 2024. ومنذ ذلك الحين، وتحت ضغط ترمب، حدد الناتو هدفاً جديداً هو 5 في المائة بحلول 2035.

ولدى عرضه التقرير قال الأمين العام للحلف مارك روته: «أتوقع من أعضاء الحلف في قمة (الناتو) المقبلة في أنقرة أن يُظهروا أنهم يسيرون على طريق واضح وموثوق نحو تحقيق نسبة 5 في المائة».

وحققت ثلاث دول فقط هدف 3.5 في المائة العام الماضي، وهي بولندا ولاتفيا وليتوانيا. وزادت كل الدول إنفاقها العسكري العام الماضي، لكن ثلاثاً منها سجلت انخفاضاً طفيفاً في نسبة الإنفاق مقارنةً بناتجها المحلي الإجمالي.

في المقابل، تراجعت النسبة للولايات المتحدة من 3.30 في المائة عام 2024 إلى 3.19 في المائة، وفي جمهورية التشيك من 2.07 في المائة إلى 2.01 في المائة، وفي المجر من 2.21 في المائة إلى 2.07 في المائة.


تهديدات ترمب تضع قادة أوروبا أمام معادلة صعبة

الرئيس الأميركي لدى وصوله إلى قاعدة أندروز المشتركة يوم 23 مارس (نيويورك تايمز)
الرئيس الأميركي لدى وصوله إلى قاعدة أندروز المشتركة يوم 23 مارس (نيويورك تايمز)
TT

تهديدات ترمب تضع قادة أوروبا أمام معادلة صعبة

الرئيس الأميركي لدى وصوله إلى قاعدة أندروز المشتركة يوم 23 مارس (نيويورك تايمز)
الرئيس الأميركي لدى وصوله إلى قاعدة أندروز المشتركة يوم 23 مارس (نيويورك تايمز)

وجّه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في أحدث هجوم له على أوروبا، انتقادات لاذعة لقادة القارة لرفضهم المساعدة في إبقاء مضيق هرمز مفتوحاً. وقال على وسائل التواصل الاجتماعي الأسبوع الماضي: «إنهم يشتكون من ارتفاع أسعار النفط التي يُجبرون على دفعها»، لكنهم يرفضون «مناورة عسكرية بسيطة هي السبب الوحيد لارتفاع أسعار النفط».

ومهما بدت تصريحاته اندفاعية، فإنها تسلط الضوء على حقيقة أعمق؛ وهي أن ترمب وضع قادة أوروبا أمام معادلة مزدوجة. فالإغلاق الفعلي للممر المائي الاستراتيجي من جانب إيران أشعل أزمة طاقة شاملة في أنحاء القارة. ومع الارتفاع الحاد في أسعار النفط والغاز، الذي يثير غضب الناخبين في مختلف أنحاء أوروبا، تزداد الضغوط على القادة لاتخاذ إجراءات أكثر حزماً لإعادة فتح خطوط الشحن.

شبح حرب العراق

لكن في الوقت نفسه، تتّجه الرياح السياسية في أوروبا بشكل كبير ضد الحرب، ما يرفع تكلفة مشاركة أوروبا فيها. فالحملة العسكرية تتعرّض لانتقادات من كثير من الأوروبيين، خصوصاً على اليسار، الذين يرون أنها غير مبررة وغير قانونية، وأنها تهدد النمو الهش في أوروبا. كما لا يزال القادة يستحضرون حرب العراق، التي دعمتها بريطانيا، وندمت عليها لاحقاً. وقال جيرار أرو، السفير الفرنسي السابق لدى إسرائيل والولايات المتحدة: «نحن منقسمون كعادتنا. الأوروبيون يُظهرون ضعفهم على عدة مستويات. نحن في حالة صدمة كاملة مما يحدث».

ورغم المخاطر السياسية، هناك أسباب قوية تدفع أوروبا لضمان عدم إغلاق مضيق هرمز لفترة طويلة. ففي ألمانيا، تجاوز سعر البنزين 2 يورو للتر، أي ما يعادل 9.48 دولار للغالون، ما أجبر برلين ودولاً أخرى على اتخاذ إجراءات مكلفة، مثل بحث خفض الضرائب ووضع سقوف للأسعار للتخفيف من الصدمة.

وقال بيتر ويستماكوت، السفير البريطاني السابق لدى فرنسا والولايات المتحدة: «لدى الأوروبيين مصلحة كبيرة في فتح المضيق أمام ناقلات النفط والتجارة الأخرى، وفي إظهار أنهم حلفاء موثوقون للدول الخليجية».

ورغم الضغوط التي يمارسها ترمب على أوروبا، فإنه لم يُسهّل على قادتها دعمه. إذ لم تُشاور الولايات المتحدة حلفاءها بشأن العملية المشتركة مع إسرائيل ضد إيران، بل لم تُخطر غالبيتهم مسبقاً. وجاء غياب التنسيق بعد فترة متوترة صعّد فيها ترمب تهديداته بالسيطرة على غرينلاند، وتقلّب في دعمه لأوكرانيا.

ومنذ ذلك الحين، وجّه ترمب إهانات إلى القادة الأوروبيين، ولا سيما رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، الذي بذل جهوداً كبيرة لكسب وده. وقال إنه «ليس ونستون تشرشل»، قبل أن يروّج لمقطع ساخر يُظهر رئيس الوزراء وهو يرتجف قبل مكالمة هاتفية مع الرئيس.

انتقاد الحلفاء

وحتى عندما دعا الأوروبيين إلى زيادة مساهمتهم، لم يخلُ حديث ترمب من الانتقاص منهم، إذ قال إن الولايات المتحدة لا تحتاج فعلياً إلى قدراتهم العسكرية. ويرى دبلوماسيون ومسؤولون عسكريون أن ذلك يكشف دافعه الحقيقي: دفع أوروبا لتحمل المخاطر السياسية للانضمام إلى الحملة العسكرية.

ويشير محللون إلى أن أوروبا يمكن أن تسهم في عملية عسكرية في المضيق، عبر نشر كاسحات ألغام أو سفن حربية لمرافقة الناقلات، لكنهم يرون أن قيمة مشاركتها السياسية تفوق أهميتها العسكرية. وقال ميشال ياكوفليف، الجنرال الفرنسي المتقاعد والمخطط السابق في «الناتو»: «قد يكون من المفيد وجود مزيد من السفن، لكن هذا ليس طرح ترمب». وأضاف: «لو كان مستعداً للقول إن حجم المشكلة يتطلب موارد إضافية، لكان الحساب مختلفاً». وتابع: «لكن بما أنه قلّل من قيمة المساهمة العسكرية الأوروبية، فهذا يعني أن المسألة سياسية». وأشار إلى أن القادة الأوروبيين مُحقّون في عدم منح ترمب غطاءً سياسياً، لأنه لم يوضح أهدافه الاستراتيجية أو يطرح مساراً للخروج من الحرب. وكان الرئيس قد قال إن «محادثات جيدة جداً» جارية لإنهاء القتال، وهو ما سارعت إيران إلى نفيه.

وأضاف ياكوفليف أن تشكيل تحالف لتأمين المضيق يتطلب اتفاقاً على نطاق العملية ومساهمات كل طرف وسلسلة القيادة وقواعد الاشتباك، وهي عملية قد تستغرق شهرين على الأقل.

وفي الأسبوع الماضي، خفّف قادة أوروبيون، إلى جانب نظرائهم من آسيا والخليج، من معارضتهم للمشاركة في مثل هذه العملية، لكن بيانهم جاء حذراً، إذ قال: «نُعرب عن استعدادنا للمساهمة في الجهود المناسبة لضمان المرور الآمن عبر المضيق».

تحالف ما بعد الحرب

ويعمل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلف الكواليس للحصول على تفويض من الأمم المتحدة لعملية تضمن بقاء المضيق مفتوحاً بعد انتهاء النزاع، فيما طرح مسؤولون في الاتحاد الأوروبي فكرة توسيع مهام بعثات الحماية البحرية القائمة في المنطقة.

وقال أرو إن أوروبا، بالنظر إلى تاريخها في التفاوض مع إيران بشأن برنامجها النووي، يمكن أن تلعب دوراً دبلوماسياً أكثر فاعلية في إنهاء النزاع. لكنه أضاف أن أوروبا مكبّلة بثلاثة عوامل مترابطة: عدم ثقة ترمب ببروكسل خصوصاً بعد رفضها دعم الحرب؛ ومخاوفها من أن يؤدي استعداؤه إلى الإضرار بأوكرانيا؛ وشكوك إيران فيها نظراً للتردد الأوروبي في مواجهة واشنطن بشكل أكثر وضوحاً. وختم قائلاً: «يمكننا أن نؤدي دور الوسيط، لكن ترمب يفضل الباكستانيين»، مضيفاً أن «الإيرانيين لا يثقون بنا أيضاً؛ فهم يعتقدون أننا ندعم الأميركيين».

*خدمة صحيفة «نيويورك تايمز»