زلزال سياسي في فرنسا بعد الحكم بسجن مارين لوبن

إبعاد زعيمة اليمين المتطرف عن السباق الرئاسي يعيد خلط الأوراق في البلاد

مارين لوبن لدى خروجها من قاعة المحكمة الاثنين (رويترز)
مارين لوبن لدى خروجها من قاعة المحكمة الاثنين (رويترز)
TT

زلزال سياسي في فرنسا بعد الحكم بسجن مارين لوبن

مارين لوبن لدى خروجها من قاعة المحكمة الاثنين (رويترز)
مارين لوبن لدى خروجها من قاعة المحكمة الاثنين (رويترز)

أحدث الحكم القضائي الذي أصدرته محكمة الجنح في باريس، الاثنين، بحق مارين لوبن، زعيمة حزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف، زلزالاً سياسياً في فرنسا، وأعاد خلط الأوراق الانتخابية، وأصاب إرث عائلة لوبن. وسيكون لهذا الحكم تبعات على المستويين الحزبي والشعبي، كما وصلت التداعيات إلى دول الاتحاد الأوروبي، وحتى إلى قصر الكرملين نفسه.

مصدر الزلزال أن المحكمة الفرنسية برئاسة القاضية بنديكت بيرتويس أنزلت حكماً صاعقاً بحق لوبن، إذ قضت بسجنها أربع سنوات، منها سنتان موقوفتا التنفيذ، وسنتان يمكن أن تقضيهما في منزلها، مع إلباسها سواراً إلكترونياً، وتحديد أوقات خروجها من البيت، فضلاً عن إرغامها على دفع 100 ألف يورو. بيد أن الحكم الأشد تمثل في حرمانها من الترشح لأي منصب انتخابي طيلة خمس سنوات على أن يكون هذا الحكم نافذاً فوراً رغم إمكان استئنافه. وعملياً، يعني ذلك أن مارين لوبن التي سبق لها أن ترشحت للانتخابات الرئاسية ثلاث مرات، منها مرتان وصلت خلالهما إلى الجولة الثانية، لن تكون قادرة على المشاركة في انتخابات عام 2027. ومع لوبن، التي تشغل راهناً مقعداً نيابياً في البرلمان، وترأس مجموعة حزبها داخل الجمعية الوطنية، أدين أيضاً ثمانية نواب أوروبيون بأحكام مخففة، لكنهم حرموا جميعهم من الترشح. كما أدانت المحكمة 12 من مساعديهم.

زعيمة اليمين المتطرف الفرنسي مارين لوبن لدى وصولها رفقة محاميها إلى المحكمة في باريس الاثنين (رويترز)

«في قلب نظام فاسد»

لم تنتظر لوبن التي حضرت الجلسة النطق بالحكم، إذ فهمت من الإدانة التي عبرت عنها رئيسة المحكمة أنها لن تنجو من حرمانها من الترشح. وفسرت المحكمة منع الترشيح بقولها إنه «بالإضافة إلى خطر عودة لوبن إلى ارتكاب الجرم (الذي تحاكم بسببه) أخذت المحكمة في الاعتبار التهديد الكبير للنظام العام، وإمكانية أن الشخص المدان في الدرجة الأولى يمكن أن يكون مرشحاً للانتخابات الرئاسية». والتهمة الأولى التي أدينت بها لوبن بها تتناول اختلاس الأموال العامة، والمقصود بها استخدام الأموال التي يوفرها البرلمان الأوروبي لأعضائه لأجل أنشطتهم البرلمانية لغير غرضها، وتحديداً من أجل أنشطة حزبية تخص حزب «التجمع الوطني». وإذا كانت المحكمة قد برأت لوبن من تهمة الإثراء الشخصي، فإنها جعلتها المسؤولة الأولى عن إقامة نظام ممنهج تواصل بين العامين 2004 و2016، ويقوم على ضخ الأموال الأوروبية «نحو ثلاثة ملايين يورو» لدفع رواتب متعاونين مع حزب «التجمع الوطني»، ويعملون لصالحه، ومن غير وجود أي صلة بانتداب النواب في البرلمان الأوروبي. وأخذت المحكمة على لوبن ليس فقط كونها نائبة وقعت وثيقة تنص على منع حرف استخدام الأموال العامة عن أهدافها، بل أيضاً كونها محامية، وبالتالي فإنها ملمة بالقوانين، وتعرف ما هو متاح، وما هو محرم. وبرأيها، فإن ما قامت به لوبن «ينتهك القواعد المعمول بها للأحزاب، وينسف العملية الديمقراطية».

واتهمت المحكمة لوبن بأنها كانت «في قلب» النظام الفاسد الذي أتاح استلاب أموال دافعي الضرائب الأوروبيين. وجاءت الأحكام المنطوق بها مخففة قياساً لما أراده الادعاء العام الذي طلب السجن خمس سنوات والحرمان من الترشح خمس سنوات، مع تغريم لوبن 300 ألف يورو.

وخلال شهري المحاكمة، ثابرت لوبن على نفي الاتهامات الموجهة إليها، والقائلة بأنها كانت على رأس النظام الذي يهدف إلى نهب أموال البرلمان الأوروبي لصالح حزبها الذي قادته، في البرلمان الأوروبي، من عام 2011 إلى عام 2021. كذلك سعت لوبن لثني المحكمة عن إصدار أحكام تمنعها من المنافسة الانتخابية، معتبرة أن ذلك يساوي «موتها السياسي». وقالت في إحدى مداخلاتها إن «هناك 11 مليون شخص صوتوا للحركة التي أمثلها. لذا، من المحتمل أن يرى الملايين والملايين من الفرنسيين أنفسهم محرومين من مرشحهم في الانتخابات غداً». وأول تعليق على الحكم الصادر بحقها جاء من جوردان بارديلا، النائب في البرلمان الأوروبي ورئيس حزب «التجمع الوطني» الذي رأى أن لوبن «تدان ظلماً» وأن الديمقراطية الفرنسية «تعرضت لعملية إعدام». وبعد ظهر الاثنين، أفاد حزب لوبن بأنها ستستأنف على الحكم.

باتريك ميزنوف محامي البرلمان الأوروبي لدى وصوله إلى المحكمة الاثنين (رويترز)

ترشيح البديل

واضح اليوم أن الحكم يمكن أن يقضي على مستقبل لوبن السياسي، وعلى طموحاتها الرئاسية. وكانت الأخيرة تحضر نفسها لتكون رئيسة الجمهورية القادمة، خصوصاً أن إيمانويل ماكرون الذي هزمها مرتين في انتخابات 2017 و2022 لن يكون مرشحاً في العام 2027 بسبب منطوق الدستور الفرنسي. كذلك كانت تراهن على استمرار الموجة الشعبية الدافعة لصالح آيديولوجيتها اليمينية المتطرفة، وللنجاحين اللذين حققهما حزبها في الانتخابات الأوروبية والبرلمانية العام الماضي. ورغم أن لوبن يمكنها استئناف الحكم، فإن مثل هذه الخطوة لن تؤدي إلى تعليق عدم أهليتها للترشح. والسؤال المطروح اليوم يتناول هوية الشخص الذي يمكن أن يكون بديلاً عنها. وثمة، في الواقع، اثنان: جوردان بارديلا «29 عاماً» من جهة، وماريون مارشال ــ لوبن «35 عاماً»، ابنة أختها من جهة ثانية. وكانت ماريون مارشال على خلاف سياسي مع عمتها العام الماضي، والتحقت بحزب «الاسترداد» الذي يقوده أريك زمور، اليميني الأكثر تطرفاً قبل أن تتقارب مجدداً مع مارين لوبن.

ومنذ قراءة نص الحكم تكاثرت ردود الفعل وكانت الأشد إدانة من جانب حلفاء لوبن من عائلة اليمين المتطرف بالمعنى الواسع. بارديلا: أعبر أن من أدين «ليست مارين لوبن وحدها، بل الديمقراطية الفرنسية التي نحرت». وتساءل أريك سيوتي، رئيس حزب «اتحاد اليمين من أجل الجمهورية» وحليف لوبن قائلاً: «هل ما زلنا نعيش في ديمقراطية؟» مضيفاً: «إن ما هو قائم نظام للاستحواذ على السلطة يستبعد بشكل منهجي أي مرشح يميني الهوى ويكون قادراً على الفوز». أما أريك زمور فقد رأى أنه «لا يعود القضاة أن يقرروا لمن يتعين على الناخبين أن يصوتوا». وكتبت ماريون مارشال على منصة «إكس»: «ثمة قضاة يعتبرون أنفسهم فوق الشعب السيد قرروا القضاء في المحكمة على تلك التي عجزوا عن هزيمتها في صناديق الاقتراع»، مضيفة أن «مارين لوبن كانت تقودنا على طريق النصر، وهذه خطيئتها الوحيدة. لذا قرروا إدانتها».

رودولف بوسولوت محامي مارين لوبن متحدثاً للصحافة بعد النطق بالحكم الاثنين (رويترز)

إرباك الأحزاب الفرنسية

بيد أن الحكم أوجد نوعاً من الإرباك داخل الأحزاب السياسية الأخرى. فلوران فوكييز، رئيس حزب «الجمهوريون» رأى أنه «يضع عبئاً ثقيلاً على ديمقراطيتنا»، وأن «السجالات السياسية يجب أن تحسمها صناديق الاقتراع» بمعنى أنها ليست من مهمة القضاء. وفي السياق ذاته، رأى النائب اليميني في البرلمان الأوروبي، فرنسوا كزافيه - بيلامي، أنه «ليس من الصحي استبعاد مرشحة من التنافس الانتخابي». ويساراً، أعلن حزب «فرنسا الأبية» المتشدد أنه «أخذ علماً» بالحكم. إلا أنه أضاف أن «حزبنا لم يتوسل يوماً اللجوء إلى القضاء من أجل التخلص من (التجمع الوطني). نحن نحاربه في صناديق الاقتراع، وفي الشارع، وسنهزمه غداً مهما كان مرشحه أو مرشحته». ومن جانبها، اعتبرت النائبة عن الخضر كليمانتين أوتين أن «اختلاس 2.9 مليون يورو لصالح حزب أمر مدان، غير مقبول أخلاقياً، ويحاسب عليه القانون. إنه سبب للاشمئزاز من السياسة». وقالت زميلتها سيرييل شاتلين: «القانون هو نفسه بالنسبة للجميع، وليس هناك أي عذر لسرقة أموال الشعب الفرنسي». وقال النائب عن «الحزب الاشتراكي» جيروم غيدج «إن العدالة يجب أن تكون واحدة بالنسبة للمسؤولين المنتخبين وغير المنتخبين على حد سواء، بالنسبة للأقوياء والضعفاء».

خارجياً، كان رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان أول المعلقين، إذ كتب على منصة «إكس»: «أنا مارين» فيما يعد تماهياً مع من يعتبرها ضحية سياسية. وأعرب غيرت ويلدرز، رئيس «حزب الحرية» في هولندا، عن «صدمته» من الحكم الذي وصفه بـ«بالغ القساوة»، مؤكداً أنه «مقتنع بأنها ستكسب دعواها أمام محكمة الاستئناف، وستكون الرئيسة القادمة للجمهورية الفرنسية». ومن جانبه، قال ماتيو سالفيني، رئيس حزب «الرابطة» اليميني المتشدد، ونائب رئيسة الوزراء الإيطالية في بيان أن الحكم بمثابة «إعلان حرب من بروكسل» وأنه «فيلم سيئ على غرار ما شهدناه مؤخراً في رومانيا». ووصلت أصداء الحكم إلى موسكو، حيث رأى الناطق باسم الكرملين دميتري بيسكوف أن «المزيد من العواصم الأوروبية يسلك مسارات تنتهك المعايير الديمقراطية».

واضح اليوم أن فرنسا السياسية ولجت مرحلة جديدة، وأن إزاحة لوبن تريح الكثيرين يميناً ويساراً، وتفتح الباب لوصول مرشحين جدد، وأفول نجم آخرين.


مقالات ذات صلة

شؤون إقليمية احتشد آلاف الأتراك في ميدان ساراتشهانه أمام مبنى بلدية إسطنبول ليل الأربعاء - الخميس في ذكرى اعتقال رئيس البلدية أكرم إمام أوغلو مطالبين بإطلاق سراحه (حزب الشعب الجمهوري - إكس)

تركيا: المعارضة تتعهد هزيمة إردوغان في الانتخابات المقبلة

تعهدت المعارضة التركية انتزاع السلطة من الرئيس رجب طيب إردوغان في أول انتخابات مقبلة وحل مشاكل البلاد.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية زعيم المعارضة التركية رئيس حزب «الشعب الجمهوري» أوزغور أوزيل خلال مؤتمر صحافي الثلاثاء كشف فيه عن ممتلكات قال إنها تعود إلى وزير العدل أكين غورليك (حساب الحزب في إكس)

تركيا: معركة حامية بين المعارضة ووزير العدل حول ممتلكاته

ارتفعت حدة التوتر بين وزير العدل التركي ، أكين غورليك، والمعارضة، على خلفية الكشف عن ممتلكات ضخمة تقول المعارضة إنه تحصل عليها بطرق غير مشروعة قبل توليه منصبه

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية زعيم المعارضة التركية رئيس حزب «الشعب الجمهوري» أوزغور أوزيل متحدثاً أمام حشد من أنصار الحزب في مدينة أوشاك غرب تركيا السبت الماضي (حساب الحزب في إكس)

تركيا: زعيم المعارضة يواجه رفع الحصانة البرلمانية والمحاكمة

اتهم رئيس حزب «الشعب الجمهوري» المعارض أوزغور أوزيل الرئيس إردوغان بتحويل القضاء إلى «أداة سياسية» للانتقام من منافسه رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية أنصار حزب «الشعب الجمهوري» يرفعون صورة لرئيس بلدية إسطنبول المحتجز أكرم إمام أوغلو خلال تجمع بمدينة أوشاك غرب تركيا السبت الماضي (حساب الحزب في إكس)

تركيا: زعيم المعارضة يقترح فرض «الإقامة الجبرية» على إمام أوغلو

أثار اقتراح لرئيس حزب «الشعب الجمهوري» أوزغور أوزيل وضع رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو رهن الإقامة الجبرية لحين انتهاء محاكمته في قضية فساد جدلاً واسعاً.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

وزيرة الخارجية البريطانية قلقة من صرف الحرب الدائرة مع إيران الأنظار عن غزة والضفة

وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر لدى وصولها إلى مقر رئاسة الوزراء في 10 داوننغ ستريت بلندن (إ.ب.أ)
وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر لدى وصولها إلى مقر رئاسة الوزراء في 10 داوننغ ستريت بلندن (إ.ب.أ)
TT

وزيرة الخارجية البريطانية قلقة من صرف الحرب الدائرة مع إيران الأنظار عن غزة والضفة

وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر لدى وصولها إلى مقر رئاسة الوزراء في 10 داوننغ ستريت بلندن (إ.ب.أ)
وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر لدى وصولها إلى مقر رئاسة الوزراء في 10 داوننغ ستريت بلندن (إ.ب.أ)

أعربت وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر، الثلاثاء، عن «قلق بالغ» إزاء صرف النزاع الدائر في الشرق الأوسط الأنظار عن خطة السلام في غزة وأعمال العنف في الضفة الغربية.

وقالت كوبر أمام لجنة برلمانية: «أنا قلقة خصوصاً في الوقت الراهن بشأن ما يحدث في الضفة الغربية. ولدي قلق بالغ حيال إبقاء عملية خطة النقاط العشرين الخاصة بغزة على المسار الصحيح، خصوصاً بسبب اتّساع نطاق النزاع في الشرق الأوسط».

وأضافت: «أعتقد أن هناك قلقاً بالغاً وحقيقياً في هذه اللحظة مما يحدث في الضفة الغربية ومستوى عنف المستوطنين».

وتتركز الجهود الدبلوماسية حالياً على جلب إيران والولايات المتحدة إلى طاولة المفاوضات، لوضع حد لحرب مستمرة منذ أكثر من ثلاثة أسابيع، أشعل فتيلها هجوم أميركي - إسرائيلي قُتل فيه المرشد الأعلى في إيران علي خامنئي.

وبينما تتواصل الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران، ترد هذه بإطلاق المسيرات والصواريخ على الدولة العبرية ودول الخليج، في نزاع يؤثر بشكل كبير على اقتصاد العالم.

وقالت كوبر: «في ظروف أخرى، لكانت (قضية السلام في غزة والعنف في الضفة الغربية) استحوذت على حيّز كبير من تركيزنا جميعاً على مستوى العالم، لكن في الظروف الراهنة هناك أمور كثيرة تجري»، لافتة إلى أن ذلك ينطوي على خطر «عدم التركيز بمقدار كاف على تلك القضايا».

وتابعت: «سيكون علينا وضع رؤية أوسع نطاقاً للأمن والاستقرار الإقليميين، لا بد أن تشمل إسرائيل وفلسطين ولبنان، وكذلك مقاربة أشمل».


اصطدام سفينة شحن بجسر في ميناء نويس غرب ألمانيا

سفينة حاويات ترسو في ميناء نويس بعد اصطدامها بجسر ما أدى إلى سقوط عدة حاويات في الماء... في مدينة نويس بألمانيا 24 مارس 2026 (د.ب.أ)
سفينة حاويات ترسو في ميناء نويس بعد اصطدامها بجسر ما أدى إلى سقوط عدة حاويات في الماء... في مدينة نويس بألمانيا 24 مارس 2026 (د.ب.أ)
TT

اصطدام سفينة شحن بجسر في ميناء نويس غرب ألمانيا

سفينة حاويات ترسو في ميناء نويس بعد اصطدامها بجسر ما أدى إلى سقوط عدة حاويات في الماء... في مدينة نويس بألمانيا 24 مارس 2026 (د.ب.أ)
سفينة حاويات ترسو في ميناء نويس بعد اصطدامها بجسر ما أدى إلى سقوط عدة حاويات في الماء... في مدينة نويس بألمانيا 24 مارس 2026 (د.ب.أ)

اصطدمت سفينة شحن محمّلة بحاويات بجسر في ميناء بمدينة نويس غرب ألمانيا، ما أدى إلى سقوط حاويتين فارغتين في المياه، بينما مالت حاويات أخرى بشكل خطر، وفقاً لما أعلنته الشرطة.

وبحسب المعلومات الحالية، لم يسفر الحادث عن وقوع إصابات، فيما تم إغلاق الجسر المخصص لقطارات الميناء فقط، أمام حركة المرور لفحص الأضرار التي لحقت به، حسبما أفادت «وكالة الأنباء الألمانية».

وأوضحت السلطات أن السفينة كانت علقت أسفل الجسر، مشيرة إلى أنه نظراً لكونه جسراً متحركاً (يرفع هيدروليكياً)، فقد تم رفعه بأسرع ما يمكن لتحرير السفينة، وهو ما تسبب في سقوط المزيد من الحاويات غير المستقرة في الماء.

وبعد عدة ساعات من العمل، تمكنت الفرق المختصة من تحرير السفينة بنجاح.

سفينة حاويات ترسو في ميناء نويس بعد اصطدامها بجسر ما أدى إلى سقوط عدة حاويات في الماء... في مدينة نويس بألمانيا 24 مارس 2026 (د.ب.أ)

وهرعت إلى موقع الحادث عدة قوارب تابعة للشرطة وهيئة الإنقاذ المائي والإطفاء. بالإضافة إلى ذلك، قامت قوارب العمل والرافعات التابعة للميناء بتأمين الشحنة المفقودة ومنع انجرافها نحو نهر الراين.

كما استخدمت مروحية تابعة للشرطة لمراقبة ما إذا كانت الحاويات التي سقطت في الماء تسببت في أي تلوث بيئي، وأكدت التقارير أن ذلك لم يحدث. ولا تزال الشرطة تحقق في الأسباب التي أدت إلى اصطدام السفينة بالجسر.


هجوم مسيّرة على قاعدة بريطانية يدفع قبرص للمطالبة بإعادة النظر في اتفاق مع لندن

طائرة من طراز «يو-2» تحلق بعد إقلاعها من قاعدة أكروتيري التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني في قبرص 7 مارس 2026 (رويترز)
طائرة من طراز «يو-2» تحلق بعد إقلاعها من قاعدة أكروتيري التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني في قبرص 7 مارس 2026 (رويترز)
TT

هجوم مسيّرة على قاعدة بريطانية يدفع قبرص للمطالبة بإعادة النظر في اتفاق مع لندن

طائرة من طراز «يو-2» تحلق بعد إقلاعها من قاعدة أكروتيري التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني في قبرص 7 مارس 2026 (رويترز)
طائرة من طراز «يو-2» تحلق بعد إقلاعها من قاعدة أكروتيري التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني في قبرص 7 مارس 2026 (رويترز)

عندما أصابت طائرة مسيّرة من طراز «شاهد» إيرانية الصنع هنغاراً في قاعدة جوية بريطانية على الساحل الجنوبي لقبرص بعد دقائق من منتصف ليل 2 مارس (آذار)، كانت صفارات الإنذار قد دوّت بالفعل داخل القاعدة لتحذير الأفراد بضرورة الاحتماء.

لكن البريطانيين لم يُبلّغوا الحكومة القبرصية، وهو ما دفع الدولة الجزيرة في شرق المتوسط إلى المطالبة بإعادة تقييم وضع القاعدتين البريطانيتين على أراضيها في أكروتيري وديكيليا، وفق وكالة «أسوشييتد برس».

وكانت السفينة الحربية البريطانية «إتش إم إس دراغون» تتجه، يوم الثلاثاء، نحو المياه قبالة قبرص لتوفير حماية إضافية من أي هجوم محتمل.

«نحتاج إلى فتح هذا النقاش»

في الأول من مارس، قال رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إنه سيُسمح للولايات المتحدة باستخدام القواعد البريطانية «لغرض دفاعي محدد ومحدود» يتمثل في ضرب مواقع تخزين الصواريخ الإيرانية ومنصات إطلاقها. وقد أثار هذا الإعلان قلق السلطات القبرصية؛ إذ بدا متناقضاً مع تأكيدات بريطانية سابقة بعدم استخدام القواعد في الجزيرة. ولاحقاً، أوضح مسؤولون بريطانيون أن القواعد المقصودة تقع في إنجلترا والمحيط الهندي، وليس في قبرص.

وفي مساء اليوم التالي، وحسب مسؤولين قبرصيين رفيعين تحدثا لوكالة «أسوشييتد برس» بشرط عدم الكشف عن هويتهما لعدم تخويلهما بالتصريح علناً، لم تُصدر السلطات البريطانية أي تحذير للحكومة القبرصية بشأن طائرة مسيّرة كانت متجهة نحو قاعدة سلاح الجو الملكي في أكروتيري، ولا بشأن احتمال تعرّض قرية قريبة يسكنها ألف شخص للخطر.

ودفع هذا التطور الرئيس القبرصي نيكوس خريستودوليديس إلى الدعوة لإجراء «نقاش صريح ومفتوح» مع الحكومة البريطانية حول مستقبل القواعد.

وقال خريستودوليديس خلال قمة قادة الاتحاد الأوروبي في بروكسل في 20 مارس: «لن أتفاوض علناً، ولن أطرح طلبي على الملأ، لكننا بحاجة إلى فتح هذا النقاش. إن القواعد البريطانية في قبرص هي نتيجة من نتائج الحقبة الاستعمارية».

من جهته، قال مكتب ستارمر في بيان إنه تحدث مع خريستودوليديس خلال عطلة نهاية الأسبوع ليؤكد له أن «أمن قبرص يمثل أولوية قصوى للمملكة المتحدة كشريكين وأصدقاء مقربين». كما قيل إن ستارمر شدد مجدداً على أن قاعدة أكروتيري لن تُستخدم في أي ضربات أميركية ضد إيران.

بقايا الحكم الاستعماري

نالت قبرص استقلالها عن الحكم البريطاني في أغسطس (آب) 1960 بعد حملة تمرد استمرت أربع سنوات، لكن ذلك جاء بثمن تمثل في احتفاظ بريطانيا بقاعدتين تمتدان على مساحة 99 ميلاً مربعاً (256 كيلومتراً مربعاً).

ويكرّس دستور قبرص وجود هاتين القاعدتين، اللتين تتمتعان بقوة شرطة ومحاكم خاصة بهما، وتُعدان من الناحية القانونية الصارمة أراضي استعمارية بريطانية، وفقاً لكوستاس كليريديس، المدعي العام السابق للجزيرة.

وبعد نحو 66 عاماً، لا يزال كثير من القبارصة - ومن بينهم خريستودوليديس - ينظرون إلى القواعد باعتبارها تذكيراً بماضيهم الاستعماري. ويعيش نحو 10 آلاف مواطن قبرصي داخل أراضي القواعد ويخضعون لسلطتها.

وقد طُرحت سابقاً دعوات لإلغاء القواعد، لا سيما عندما تُستخدم في عمليات عسكرية بالمنطقة، لكن الاحتجاجات السلمية ضد استمرار وجودها أصبحت أقل بكثير مما كانت عليه في السابق.

دور متوسع

ورغم أن إنشاء القواعد كان يهدف أساساً إلى مراقبة حركة الملاحة عبر قناة السويس وتأمين تدفق النفط من الشرق الأوسط، فإن دورها توسّع كثيراً.

فلا تزال قاعدة أكروتيري تضم طائرة التجسس الشهيرة «يو-2» التي تنفذ رحلات استطلاع على ارتفاعات عالية فوق الشرق الأوسط. كما شكّلت مركزاً لوجيستياً رئيسياً للعمليات الأميركية في العراق عام 2003، واستُخدمت لاحقاً في الحملة ضد تنظيم «داعش» في سوريا والعراق. وتضم القواعد أيضاً محطة تنصّت على قمة جبل لمراقبة الاتصالات في الشرق الأوسط وخارجه.

وقالت حكومات قبرص المتعاقبة إن بريطانيا ستبلّغ السلطات بأي عمل عسكري ينطلق من القواعد، لكن يُفهم هذا الالتزام باعتباره إجراءً بروتوكولياً أكثر منه إلزاماً قانونياً.

وقال وزير الدفاع البريطاني جون هيلي أمام البرلمان، يوم الاثنين: «نؤدي دوراً قيادياً، بالتعاون مع جمهورية قبرص، في تنسيق القدرات المتزايدة في شرق المتوسط، لضمان بقاء هذه القاعدة السيادية محمية قدر الإمكان في ظل الظروف الراهنة وفي مواجهة التهديد الإيراني».