ترمب والأطلسي... سياسة الربح السريع

ترمب والأطلسي... سياسة الربح السريع

الجمعة - 29 شوال 1439 هـ - 13 يوليو 2018 مـ رقم العدد [ 14472]
حسام عيتاني
نقلت الإدارة الأميركية الحالية التغييرات التي يشهدها عالم العمل والاقتصاد إلى الحيز السياسي. فبعد بروز «الاقتصاد السريع» (أو اقتصاد «الغيغ») القائم على العمال والمتعاقدين المؤقتين الذين يؤدون مهمات محددة لرب العمل مقابل أجر ولفترة محدودة، على نحو يضمن الأرباح السريعة للمؤسسة ويحررها من الالتزامات والضمانات التي يحصل عليها الموظفون الثابتون، تريد واشنطن، على ما بدا من تصريحات الرئيس دونالد ترمب قبل قمة حلف شمال الأطلسي، نقل هذا المفهوم من مجال الأعمال إلى مجال العلاقات الدولية والسياسة الخارجية.
«غيغ» عبارة تطورت في العقود الماضية لتنتقل من كونها صفة للعربات الخفيفة والسريعة التي يجرّها حصان واحد إلى حفلات العرض الواحد الموسيقية، لتصل إلى الاقتصاد الأميركي الذي تغزوه شركات مثل «أوبر» لسيارات الأجرة التي تحقق أرباحها، من دون أن يكون لديها موظفون دائمون، حتى سيارات.
كان هذا الاقتصاد السريع جزءاً من موضوع النقاشات التي شهدتها الحملة الانتخابية الأميركية الأخيرة، حين دعت المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون إلى تنظيم العمل الحر وتقنينه ضمن معايير تحافظ على بعض حقوق العمال الذين يدفعون، رغم عدم ارتباطهم بأي مؤسسة ارتباطا ثابتاً، الضرائب ذاتها التي يدفعها أترابهم العاملون بعقود ثابتة، خصوصا أن عددا من الدراسات والتقديرات يشير إلى بلوغ نسبة الموظفين والعمال الأميركيين الذين ينشطون في إطار صيغة العمل هذه، الأربعين في المائة، من إجمالي قوة العمل الأميركية.
واضح أن تغير طبيعة سوق العمل سيفضي إلى تبدلات اجتماعية، وبالتالي تبدلات سياسية لم يُصر بعد إلى دراستها الدراسة الوافية. هناك من يدافع عن علاقات العمل الجديدة باعتبارها توفر للموظفين غير الثابتين وقتا إضافيا يخصصونه لمشاغلهم العائلية أو لاهتماماتهم الشخصية، في حين يرى آخرون أن الانعكاسات السلبية للعمل الحر المؤقت ستفوق الإيجابيات المذكورة، وأن الرابح الحقيقي هو رب العمل، في حين يضطر الموظفون إلى التنقل من مؤسسة إلى أخرى، ومن إدارة إلى أخرى، محرومين من الاستقرار النفسي، ومن فوائد التراكم المهني.
مهما يكن من أمر، عكست تصريحات ترمب المطالبة للشركاء الأوروبيين في الأطلسي بتحمل أقساط أكبر من مصاريف الحلف المالية هذه التبدلات، معتبرا أن الحصة التي تدفعها الولايات المتحدة مجحفة بحقها وبحق دافعي الضرائب الأميركيين، بل ذهب إلى اتهام ألمانيا بالخضوع لإملاءات روسيا، نظرا إلى استيراد برلين ستين في المائة من الطاقة التي تستهلكها من موسكو، فيما تطلب من الولايات المتحدة الدفاع عنها في وجه الروس.
وعلى جاري عادة الرئيس الأميركي، تحتاج تصريحاته إلى تدقيق ثانٍ من ناحية الأرقام والنسب المئوية والبيانات. لكنها، في المقابل، تعكس بصدق طريقة التفكير المهيمنة على البيت الأبيض منذ تولي الإدارة الحالية مهماتها. فترمب يحتج بلغته المباشرة على ما كانت الإدارات الأميركية السابقة تحث حلفاءها عليه منذ نهاية الحرب الباردة، إعادة توزيع التكاليف بعد انحسار الخطر السوفياتي الذي كانت الولايات المتحدة تقود المواجهة ضده. عدم تناسب الإنفاق الأميركي على الدفاع، بالمقارنة مع الحلفاء الأوروبيين، مسألة قديمة يعاد طرحها في اجتماعات «الناتو» وقممه غير الدورية، على غرار القمة الأخيرة في بروكسل.
الجديد في المسألة أن ترمب جاء إلى القمة الأطلسية حاملا تصورات الاقتصاد الأميركي السائر نحو تفكيك علاقات العمل التقليدية في سبيل الربح الآني والفوري. وبغض النظر عن أن الشركاء الأوروبيين لا يَبْدُون على استعداد لمراجعة هذا القدر من الاتساع لدور الحلف وتركيبته، فإن الرئيس الأميركي يبحث عن تعويض سريع للأموال التي تنفقها الولايات المتحدة في الدفاع عن أوروبا، وفي تحمل المهمات الكبيرة للحلف، تعويض يتضمن تحميل «الموظفين» الأوروبيين عبء الدفاع عن أنفسهم، ويجعل من الجهد الأميركي في الأطلسي استثماراً مربحاً وآنياً.
بلجيكا الناتو سياسة أميركية

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة