مذكرات حمادي الجبالي الحلقة (2): لولا نكسة 1967 ربما كنت ثائرا غير إسلامي

الثورة الإيرانية أعطتنا شحنة سياسية

الجبالي يبدو أعلى الصورة في المدرسة «التريكنة القرآنية» سنة 1957
الجبالي يبدو أعلى الصورة في المدرسة «التريكنة القرآنية» سنة 1957
TT

مذكرات حمادي الجبالي الحلقة (2): لولا نكسة 1967 ربما كنت ثائرا غير إسلامي

الجبالي يبدو أعلى الصورة في المدرسة «التريكنة القرآنية» سنة 1957
الجبالي يبدو أعلى الصورة في المدرسة «التريكنة القرآنية» سنة 1957

ردد حمادي الجبالي أثناء مقابلات «الشرق الأوسط» معه، أنه خلق ليكون ثوريا، وأن حرب 1967 تركت أثرا سلبيا في حياته، ما زال يعده إلى الآن الأكثر عمقا في نفسه.
كذلك كرر الجبالي مرارا أنه لولا هزيمة 1967 و«صدمته» في جمال عبد الناصر لربما كان ذا توجه غير إسلامي، والأرجح أنه سيكون قوميا. وان المهم بالنسبة إليه حسب ما ذكر، أن يجد «الحرية والمساواة» التي ينشدها.
ولم يأت ميل الجبالي الى المعارضة من فراغ، ذلك ان والده كان قبله معارضا ينتمي للتيار اليوسفي أو ما يعرف بجماعة «اليوسفيين» نسبة لصالح بن يوسف، القيادي المعارض للرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة منذ وصوله للرئاسة إثر استقلال البلاد عن الاستعمار الفرنسي وقيام الجمهورية.

«قرار أن أكون معارضا أتخذته ولم يكن بإمكاني التراجع عنه، فقد كنت على قناعة بأنه لا يمكنني إلا أن أكون معارضا. في البداية، كنت أعتقد أن هذا الأمر وراثي وطبيعي, لأن والدي كان معارضا لبورقيبة، وكان من مناصري الحركة اليوسفية والمناضلين فيها. لكن بعد ذلك، وجدت أشياء في الواقع دعمت توجهي هذا، وأهمها نظرتي للحكم البورقيبي، أو بالأحرى للحزب الدستوري. وهنا اختلط عندي عاملان في المسألة: عامل أن بورقيبة لم يسمح بالرأي المخالف، الذي جسده وقتها التيار اليوسفي، بينما كنت ارى أن التوجه اليوسفي تيار عروبي إسلامي قريب من الهوية، في حين أن بورقيبة قريب من فرنسا والاستعمار.
وهناك أمر آخر، هو أن صالح بن يوسف كان مع استقلال المغرب العربي، خاصة الجزائر،وهوالمطلب الذي تزايد بعد مؤتمر طنجة الذي جمع قيادات حزبية من المغرب والجزائر وتونس، واتفقت خلاله الحركات التحررية في هذه البلدان على العمل معا، و يتعاونوا في إطار مشترك، وأن لا يدخل أي منهم في مفاوضات مع فرنسا إلا في إطار المغرب العربي.
عندما كنت صغيرا كنت متشبعا بهذه الأفكار، خاصة أن بن يوسف كان عروبيا- إسلاميا، ومع تحرير لكل المنطقة، في حين أن بورقيبة أتى باستقلال داخلي، كنت أراه قريبا لفرنسا.
صحيح أن فكرة المعارضة كانت موجودة، لكنني لما أعيد النظر فيها الآن يمكنني القول إنها لم تكن صحيحة، لأنه بعد ذلك تبين لي زيف الطريق الذي كنت أتبع حيث كنت في مرحلة شبابي من اليوسفيين، و انطلقت إلى فكرة العروبة، وخاصة بعد الثورة المصرية، وانتقلت أنا ووالدي وإخواني إلى الفكر القومي؛ ثورة عبد الناصر والثورة العربية.
كنت أرى في عبد الناصر بطلا جاء ليحرر الأمة، ويأخذها نحو الوحدة.
وكانت بالنسبة لي المنقذ البطل، وكان بورقيبة بسياسته ضد هذه الوحدة التحررية، ضد عنصر الثورة العربية. هذا كان انطباعي عن بورقيبة والحزب، إلى جانب أني لم أكن أفهم معاني الحرية والديمقراطية والتعددية، وكنا نرى الحزب الحاكم هو المسيطر المهيمن، ويظهر علامات الفساد في البلاد.
المحطة الأخرى التي غيرت قناعاتي هي هزيمة 1967، التي أعدها نقطة تحول في حياتي.في ذلك الوقت كنت في صف البكالوريا (الثانوية العاته) .
وكانت الحرب بالنسبة لي مبعث أمل، وفكرة تحرير فلسطين، والوحدة العربية والقوى العربية.
وعلى قدر ما كانت خيبتي كان اندفاعي للقراءة والبحث عن البديل، بدأت بالبحث حول «الإخوان» والقراءة عنهم، كما كنت أقرأ كل ما توافر لي من كتابات أدبية وغيرها، قرأت لمصطفى لطفي لمنفلوطي، ولطه حسين، أيضا ركزت في بحوثي حول «اشتراكية عمر بن الخطاب»، و«الخلفاء والتاريخ الإسلامي»، ومن هنا جاء اكتشافي للفكر الإسلامي.
وبعدها بدأت أهتم بأخبار عبد الناصر وسياسته. بدأت التفكير في أسباب الهزيمة، وتوصلت إلى نتيجة أن الثورة كانت زائفة بعد الآمال التي انفتحت، وبعد النكسة لم يتحسن وضع العرب، وخاصة الانقلابات التي تلت الثورة المصرية عام 1952، وتوصلت إلى أن ما وقع في العالم العربي وقتها لم يكن ثورة، بل مجرد شعارات، و هذا التحول الثاني في حياتي بعد أن كان التحول الأول في طفولتي، هو سجن والدي.
أتذكر أنني دعمت المعارضة اليوسفية بشدة، خاصة لأنني كنت بكل جوارحي مع عبد الناصر لاسيما الفترة التي ألقى فيها بورقيبة بخطابه الشاذ، أو الذي عد شاذا وقتها، ودعا فيه للصلح بين إسرائيل وفلسطين.
يومذاك قال للفلسطينيين في الأردن والضفة الغربية لا خيار لهم إلا السلم وتقاسم الارض، فقامت القيامة عليه من طرف الجميع، ونعتوه بالخيانة. وعلق عبد الناصر وقتها على خطابه.
كل هذه الأمور جعلتني أدخل في تصادم مع الفكر العروبي والناصري والوحدوي والثوري والثورة.

أعجبتني اشتراكية عمر
كنت أميل لفكر عبد الناصر والثورة، لكن نقطة الضعف فيهأنه لم يكن يتكلم عن الحريات، كما ان الفكر الإسلامي كان بعيدا كل البعد عن الحرية والاشتراكية والرأسمالية، كانت بالنسبة لي قريبة للحكم الرجعي.
الثورة العربية وجدت فيها بعدا قوميا واشتراكيا، وهذا ما دفعني أيضا للبحث في الاشتراكية، واشتراكية عمر التي تشبعت بها، وأعجبت بها كثيرا.
ووجدت في الإسلام عبر فكر عمر العدالة الاجتماعية، والمساواة، وأنه جاء ضد رأس المال المتوحش، كما وجدت في البعد الإسلامي أبعادا اجتماعية.
وكنت قريبا أيضا من الاتحاد السوفياتي والثوار في كوبا.
وشيئا فشيئا اقتنعت بأن المبادئ التي تدعو إليها الاشتراكية، وخاصة مبادئ العدالة الاجتماعية، الإسلام قريب جدا منها، لكن متابعتي وتأثري بعبد الناصر، وتيتو، وفيدل كاسترو، وبتشي جيفارا لم يمنعني من التوصل إلى نتيجة أخرى، وهي أن الاشتراكية بالفعل بحث عن الحريات، لكنها في الوقت نفسه تقمع الحرية الدينية، فهي ضد حرية التدين، وواصلت بحثي على الأفكار الاشتراكية وكانت عدالة عمر بن عبد العزيز.
في ذلك الوقت كان الإسلام ضد الغنى الفاحش، بالنسبة لي ، ضد سلطة المال، وبالتالي لم يكن مصادما للاشتراكية، وعندما سافرت إلى الخارج، وجدت نفسي أقرب للشق اليساري الاشتراكي الفرنسي والأوروبي، ولهذا في الثمانينات كنت أميل للشق الفرنسي الشيوعي، لأن الشيوعيين عندهم بعد آيديولوجي حول الدين، وفهمت في ذلك الوقت بعد بحث أن الكنيسة كانت سببا فيما وصل إليه الفكر الماركسي. كما بحثت عن تبريرات للثورة الفرنسية، فكان هناك الإقطاعيون الذين يملكون الأرض، وهم السبب في فقر الناس والمظالم الاجتماعية، وجاءت الكنيسة لتبرر أفعال الملاك، وهذا ما دفع الشعب للثورة ضد الكنيسة، واسترجاع ملكية الشعب وحقوقه، وهكذا عوقبت الكنيسة بإخراجها من الحياة العامة.
أنا لم أسلم بفكرة قبل التوقف للتساؤل والبحث، بدأت بالبحث في هزيمة العرب، وتقدم الغرب، كنت شابا يبحث عن المثل في بلده الذي تركه الاستعمار الفرنسي، ليبقى الفقر.

الثورة الإيرانية وتأثيرها
بعد 1979، أخذت حركة النهضة منعرجا آخر، وهذا لتأثرها بالثورة الإيرانية، ولأننا كنا بعيدين عن الصراعات المذهبية، لم نكن ننظر إطلاقا إلى الجانب المذهبي الشيعي، لكن ولأن الشباب الموجود كان مهيأ للنفس الثوري الإسلامي، جرى التفاعل مع الثورة الإيرانية، ولو كانت ثورة أخرى حصلت في ذلك الوقت في بلد إسلامي آخر، لكنا تبنيناها.
وأذكر وقتها أننا عندما نقول «ثورة»، يعني التيار اليساري، ويعني أيضا تشي جيفارا، أو الثورة العربية، انذاك كانت كلمة الثورة محصورة في خيارين، إما التوجه اليساري أو التوجه القومي، الذي فقد شعبيته بعد 1967، و فقد أتباعه من الإسلاميين والقوميين ولم يبق بعدها غير الناصريين الذين كانوا قلة.
وأنا أرى أن ما قام به عبد الناصر انقلاب، وكذلك القذافي لم يكن ما قام به ثورة بل انقلاب في 1969. وايضا ما وقع في اليمن أو في سوريا، وكذلك كل الأحداث في تلك الفترة تركت رجة كبيرة في الصف القومي العروبي البعثي، خاصة بعد ذهاب عبد الناصر وتغيير التوجه مع أنور السادات الذي صار أقرب إلى أميركا.
ولولا خيبة 1967 لكنت شخصا آخر في نفسي، وفي الحركة، وحتى في راشد الغنوشي، هذه الخيبة كانت صدمة، وكانت منعرجا في توجهات كثير من الشباب العربي، وأغلبهم توجهوا بعدها إلى الفكر الإسلامي.
ان البحث عن بديل هو ما يفسر الخريطة الشبابية أو الآيديولوجية في تونس، حيث صار الحزب الحاكم محنطا.
أعتقد أننا أخطأنا في بداية عملنا بتركيزنا على مجال فقه التنزيل، ولم نبدأ منذ بداية العمل على إبراز أن الإسلام أداة تطور وعلم، وأنه قابل لأن يحتل القيادة. ورغم ذلك كانت مواجهة النظام لنا عنيفة جدا عبر أجهزة الشرطة التي كانت تعتمد أساليب القمع، ولم يبذل الحكم البورقيبي أي مجهود ليقدم البديل الذي يتطلع إليه الشباب وقتها، بل اعتمد شعارات مثل «فرحة الحياة» و«الأمة التونسية» و«حرية المرأة»، أيضا واجهنا اليساريون مبررين مواقفهم بواقع المسلمين المنحط.
في ظل كل هذه الظروف أتت الثورة الإيرانية لتلبي حاجات في نفوسنا، ولتصدق الرؤية التي كنا نطمح إليها وهي أن الإسلام يمكن أن يحكم، و يقضي على الظلم والتبعية والفساد، وكنا نرى في الثورة الإيرانية أنها قامت ضد الفساد، ضد الطاغية، وبصرف النظر عن أننا تونسيون، فقد نظرنا إليها بعيدا عن المذهب الشيعي، الذي كان «الإخوان» في مصر وفي المجتمعات الشرقية يأخذونه بعين الاعتبار.
وهذا ما جعل إخواننا في الخليج يستغربون، لقد استغربوا أننا كنا نؤيد الثورة الإيرانية، لأنهم «مكويون» بنارها التي شهدوها عبر حرب العراق، لكن بالنسبة لنا لم نعدها ثورة شيعة، بل ثورة إسلامية، لأننا لم نحتك بهذه المشاكل من قبل، فلم نكن نفهم من هم الزيدية والإمامية أو غيرها.. لكن ما أخذناه هو البعد التصوري السياسي، ولم ننظر للبعد المذهبي، فقط رأينا أنها ثورة على أميركا من ناحية، وعلى الرجعية، وبهذا لبت حاجة في نفس الشباب، ونظرنا للمعسكر الشيوعي على أنهم لهم ثورة كوبا، ونحن وجدنا في الثورة الإيرانية ثورتنا.
ومن هنا ابتدأت المصطلحات الخاصة بالحركة الإسلامية التونسية، مثل «الكادحين» و«المظلومين» و«الطغاة» وغيرها، وهي مصطلحات فكرية سياسية إلى درجة أن «الإخوان» في نمطهم التقليدي لم يستعملوها، وكنا نحن الحركة الوحيدة التي تبنت هذه الشعارات، وتحركنا بها، ومن هنا أيضا كانت بداية المسيرات في صفوف التلاميذ والطلبة، ودور هذا الجيل الطلابي في الحركة.
بدأنا نفكر بعد مدة من الانتشار في المساجد، خاصة في الأحياء، في النشاط في صفوف الكشافة وفي النقابات، وأصبحت الحركة الإسلامية تدافع عن العمال، وهنا بدأ اليسار يفقد شعبيته وتوازنه.
ذروة قوتنا كانت في 1979، والزواتنة (جماعة وعلماء مسجد الزيتونة) وقتها مجموعة كبيرة منهم كانوا موالين لبورقيبة، وهذا ما جعل بورقيبة يحار حتى في تسميتنا؛ فمرة يصفنا بـ«الخمينيين»، وأخرى «خوانجية»، أي تابعين لـ«الإخوان»، ومتطرفين».

* صالح بن يوسف.. أول اغتيال سياسي لزعيم معارض في عهد بورقيبة
* كان الزعيم الوطني صالح بن يوسف منذ مرحلة ما بين الحربين العالميتين أبرز قادة الحركة الوطنية التونسي. ولئن كان بورقيبة يسمى في الصحافة الوطنية {المجاهد الأكبر} فإن بن يوسف كان يوصف بـ{ الزعيم الكبير}.
وخلال الأربعينات والخمسينات كان بورقيبة - رئيس الحزب الدستوري - غالبا في المنفى أو في السجن وكان صالح بن يوسف الأمين العام للحزب والقائد الفعلي للحركة الوطنية. لكن منذ هزيمة فرنسا عام 1954 في فيتنام واتخاذها قرارا بالخروج من بعض المستعمرات من بينها تونس برزت خلافات حادة بين بورقيبة ومنافسه الكبير بن يوسف بسبب انحياز باريس لبورقيبة وإعلان بن يوسف وأنصاره في القيادة معارضتهم الشديدة لمشروع وافق عليه بورقيبة بتوقيع اتفاق تونسي فرنسي في يونيو (حزيران) 1955 ينص على منح تونس {حكما ذاتيا محدودا» مع الإبقاء لفرنسا بنفوذ كبير على السياسة الخارجية وعلى مؤسستي الأمن والجيش..
هاجر بن يوسف إلى القاهرة وتحالف مع جمال عبد الناصر وزعامات الحركة الوطنية الجزائرية ضد بورقيبة فيما دخل أنصاره في مواجهات مع بورقيبة والموالين له. إلا أن المعركة حسمت لصالح بورقيبة وحكومته التي اعتقلت آلاف {المعارضين اليوسفيين» وأعدمت عشرات منهم وأحالت مئات على محاكم استثنائية.
ظل بن يوسف يواجه بورقيبة عن بعد عبر إذاعات مصرية فيما كان خفت صوت أنصاره. وجرت محاولة للصلح بينه وبين رفيقه بورقيبة خلال لقاء جمعهما في سويسرا عام 1961 لكن اللقاء فشل وأسفر عن تبادل للاتهامات والشتائم.
في أغسطس (آب) من نفس العام أرسل بورقيبة صديقه البشير زرق العيون - وكان من أفراد عائلة صالح بن يوسف - إلى ألمانيا ومعه شخصيتان قامتا باغتيال {الزعيم الكبير} بكاتم صوت في غرفة بأحد الفنادق بعد {كمين} نصب له بدعوى أن خاله {البشير زرق العيون» جاءه محملا باقتراح جديد من بورقيبة للمصالحة والالتقاء مجددا.
تثبت خطب المحامي صالح بن يوسف - المتخرج مثل بورقيبة في جامعة السوربون - أنه كان ليبيراليا وعلمانيا مثله ومثل غالبية قادة الحزب الدستوري على الرغم من أصولهما المختلفة: بن يوسف من مواليد جزيرة جربة بالجنوب التونسي ومن عائلة غنية وبورقيبة من عائلة فقيرة من مدينة المنستير الساحلية شمالا. لكن منذ اندلاع الخلاف بينهما انحاز بن يوسف إلى جمال عبد الناصر وزعامات التيارين القومي العربي والإسلامي في تونس وأصبح يتهم بورقيبة بالولاء لفرنسا والخيانة والكفر ومعاداة القومية.
لكن اغتيال بن يوسف أنهى الجدل داخل تونس حول الموقف من القومية والعروبة والإسلام خاصة أن جمال عبد الناصر نفسه تصالح مع بورقيبة بعد دخوله في صراع مع فرنسا عام 1961 وتنظيمه لمعركة ضد قواتها شمالي البلاد لإجبارها على إجلاء ما تبقى من جنودها فيها وهو ما تحقق فعلا في أكتوبر (تشرين الأول) 1963.
كانت حادثة اغتيال صالح بن يوسف أول حادثة اغتيال لزعيم سياسي في عهد بورقيبة. لذلك بقي صالح بن يوسف رمزا لكل معارضي بورقيبة لاحقا وظلت خطبه المعارضة لبورقيبة في جامع الزيتونة وفي ساحات تونس - قبل فراره نحو ليبيا ثم مصر - مرجعا لكثير منهم لا سيما بسبب تبنيها شعارات {راديكالية» معارضة {للاستعمار الجديد} وأخرى عروبية إسلامية.

الجبالي في مذكراته لـ «الشرق الأوسط»: كنت شاباً مسيساً بدون توجه إسلامي

 



قوات حفظ السلام المصرية في الصومال... مشاركة مرتقبة تواجه تحديات

لقطة من مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري الأربعاء بشأن القوات المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال (صفحته على فيسبوك)
لقطة من مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري الأربعاء بشأن القوات المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال (صفحته على فيسبوك)
TT

قوات حفظ السلام المصرية في الصومال... مشاركة مرتقبة تواجه تحديات

لقطة من مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري الأربعاء بشأن القوات المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال (صفحته على فيسبوك)
لقطة من مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري الأربعاء بشأن القوات المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال (صفحته على فيسبوك)

دخلت قوات حفظ السلام المصرية، المنتظر أن تشارك في الصومال مرحلة جديدة، بعد اصطفاف عسكري حضره الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود بالقاهرة.

تلك القوات التي أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أنها أمام مشاركة «مرتقبة» في الصومال، تواجه تحديات عديدة منها، وبحسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، رد فعل «حركة الشباب» المتشددة، وإثيوبيا التي وجهت اعتراضات علنية لهذا الوجود المصري على خلفية خلافات البلدين.

وأفاد الجيش المصري، في بيان نقلته «وكالة أنباء الشرق الأوسط» الرسمية، الأربعاء، بأن «رئيس الصومال شهد اصطفاف القوات المصرية المشاركة ضمن بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم وحدة الصومال وأمنه وسلامة أراضيه، وذلك في إطار الدور المصري الريادي الداعم للجهود الدولية في حفظ السلام، وتعزيز ركائز الأمن والاستقرار بالقارة الأفريقية».

ووفق البيان، «أتمت القوات المشاركة أعلى درجات الجاهزية من خلال مستوى تدريبي احترافي يُمكّن من تنفيذ المهام الموكلة إليها بكفاءة واقتدار تحت مختلف الظروف».

وكان الرئيس المصري قد قال في مؤتمر صحافي، الأحد، بالقاهرة مع نظيره الصومالي: «تناولت محادثاتنا مشاركة مصر المرتقبة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم والاستقرار في الصومال، حيث أكدتُ أن مصر ماضية في استكمال نشر قواتها ضمن البعثة، في إطار التزامها تجاه القارة الأفريقية، وفي ظل حرصها على تحقيق الأمن والاستقرار في كافة ربوع الصومال».

الخبير العسكري والاستراتيجي والمستشار بالأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية، اللواء عادل العمدة، قال إن مشاركة مصر المرتقبة تأتي بطلب من الصومال وموافقة الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة، لافتاً إلى أن «الاصطفاف» يعني عسكرياً قرب المغادرة، وأن القوات جاهزة لإتمام المهمة المكلفة بها.

القوات المصرية المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال الأربعاء (مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري)

ووفقاً للخبير في الشؤون الأفريقية، علي محمود كلني، تشير المعطيات المتداولة منذ فترة إلى أن مشاركة القوات المصرية ضمن بعثة حفظ السلام المرتقبة في الصومال «لم تكن فكرة طارئة، بل خياراً مطروحاً بجدية ظل مرهوناً بالحصول على الضوء الأخضر من قيادتي البلدين في القاهرة ومقديشو»، متوقعاً انتشارها قريباً.

ويأتي هذا الاصطفاف بعد نحو شهرين من إعلان إسرائيل في 26 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، الاعتراف بإقليم أرض الصومال «دولة مستقلة ذات سيادة»، وحدوث مواجهات بالصومال، وهجمات من جانب «حركة الشباب».

وكان وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي قد أعلن في ديسمبر 2024 أن بلاده ستشارك في قوة حفظ السلام الجديدة التابعة للاتحاد الأفريقي في الصومال، المعروفة باسم «أوصوم»، التي حلت محل مهمة لمكافحة الإرهاب انتهت أواخر 2024.

وواجهت بعثة مصر منذ إعلان المشاركة تحديات. وفي يوليو (تموز) 2025، دعت الرئاسة المصرية المجتمع الدولي إلى توفير «تمويل كافٍ» لبعثة السلام في الصومال، بما يضمن استدامتها، ويساعدها على تنفيذ ولايتها بفاعلية.

وجاء نداء الرئاسة المصرية بعد دعوة رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، محمود علي يوسف، في اجتماع للبعثة في أوغندا خلال أبريل (نيسان) 2025، إلى ضرورة «توفير التمويل اللازم لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال بما يصل إلى 190 مليون دولار».

جانب من القوات المصرية المشاركة ضمن بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال الأربعاء (مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري)

ويرى العمدة أن أبرز التحديات تكمن في المهمة الموكلة إليها، وهي مكافحة الإرهاب والعناصر الخارجية على القانون، وتحديداً «حركة الشباب»، مستبعداً أن تكون هناك تحديات من الجانب الإثيوبي تجاه قوات مصر، «خاصة أن مصر دولة قوية وملتزمة بالإجراءات والمهام»، على حد قوله.

ويعتقد كلني أن احتمال وصول القوات المصرية لا يُنظر إليه بمعزل عن التوازنات الإقليمية الدقيقة؛ إذ يُرجَّح أن يثير قلق بعض دول الجوار، وفي مقدمتها إثيوبيا، في ظل استمرار ملفات خلافية عالقة بين القاهرة وأديس أبابا، وعلى رأسها أزمة سدّ النهضة.

ويضيف أن هذا التطور «يتقاطع مع شبكة من الترتيبات الأمنية والعلاقات المتشابكة التي تربط مصر بكلٍّ من إريتريا والسودان والصومال، فضلاً عن شبهات تتعلق بأدوار إسرائيلية غير مباشرة يُعتقد أن لإثيوبيا اطلاعاً عليها، وربما إسهاماً في تسهيل بعض مساراتها».

وعلى الرغم من وضوح دلالات هذا الحراك العسكري والسياسي، فإن تقدير حجم تأثير وصول القوات المصرية إلى الصومال لا يزال سابقاً لأوانه، وفق كلني الذي قال إن ردود فعل بعض دول القرن الأفريقي تبقى مفتوحة على احتمالات متعددة، لا سيما في ظل مخاوف معلنة من تنامي قدرات الجيش الصومالي تدريباً وتسليحاً.


«اتفاق غزة»: مقترح أميركي بشأن نزع تدريجي لسلاح «حماس» ينتظر ضمانات

TT

«اتفاق غزة»: مقترح أميركي بشأن نزع تدريجي لسلاح «حماس» ينتظر ضمانات

طفل يسير حاملاً وعاء ماء بعد أن ملأه من خزان مياه متنقل في مخيم المغازي للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
طفل يسير حاملاً وعاء ماء بعد أن ملأه من خزان مياه متنقل في مخيم المغازي للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

يقترب ملف نزع سلاح حركة «حماس» من تطور جديد يمكن أن يساعد في فك أكثر ملفات اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة تعقيداً، مع تسريبات أميركية عن مقترح جديد يستهدف حلاً تدريجياً يشمل إخراج العتاد الثقيل من الخدمة فوراً.

المقترح الذي لم يخرج إلى إطاره الرسمي بعدُ، ولم يتحدث عنه الوسطاء أو «حماس»، يعتقد خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أنه قد يكون حلاً مناسباً شريطة أن تكون هناك ضمانات خاصة أميركية لتنفيذه وعدم انقلاب إسرائيل عليه، مشيرين إلى أنه بخلاف الضمانات الأميركية ستكون الضمانات على أرض الواقع أهم؛ مثل الانسحاب الإسرائيلي وانتشار قوات الاستقرار الدولية وقوات الشرطة الفلسطينية.

وأفادت صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، الأربعاء، بأن واشنطن تعد مقترحاً جديداً موجهاً لحركة «حماس» يتضمن تسليم الأسلحة الثقيلة القادرة على ضرب إسرائيل، مع السماح لها بالاحتفاظ ببعض الأسلحة الخفيفة في المرحلة الأولى، وسيُقدَّم هذا المقترح خلال أسابيع.

مقاتلون من «كتائب عز الدين القسام» الجناح العسكري لـ«حماس» في خان يونس يوم 20 فبراير 2025 (د.ب.أ)

وحسب «نيويورك تايمز»، تهدف الخطة إلى إخراج الأسلحة الثقيلة من الخدمة فوراً، مع تسجيل الأسلحة الشخصية، ونقل مسؤولية الأمن إلى الإدارة الفلسطينية الجديدة في القطاع، فيما تتمسك إسرائيل بنزع سلاح «حماس» قبل أي انسحاب لقواتها من غزة، وتُصرّ الحركة على عدم التخلي عن أسلحتها دون ضمانات ملموسة تشمل دمج جهاز شرطتها ضمن الهيكل الأمني والإداري للقطاع.

ويأتي المقترح الذي سربته الصحيفة الأميركية بعد يومين من رفض القيادي البارز بـ«حماس»، خالد مشعل، في منتدى بالدوحة، الأحد، نزع السلاح كلياً قائلاً: «شعبنا ما زال تحت الاحتلال، لذلك فالحديث عن نزع السلاح هو محاولة لجعل شعبنا ضحية يسهل القضاء عليه وإبادته، من طرف (إسرائيل) المتسلحة بكل السلاح الدولي».

ودعا مشعل «مجلس السلام»، الذي يرأسه ترمب إلى اعتماد «مقاربة متوازنة» قبيل اجتماعه المرتقب يوم 19 فبراير (شباط) الحالي، فيما أعلنت رئاسة الوزراء الإسرائيلية أن نتنياهو وقَّع، خلال لقائه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الأربعاء، على عضوية الانضمام «لمجلس السلام» في غزة قبل لقاء الرئيس دونالد ترمب.

فلسطينيون يركبون على ظهر عربة تجرها سيارة في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويرى الخبير العسكري والاستراتيجي العميد سمير راغب أن هذا المقترح قد يكون مقبولاً فلسطينياً ويعد حلاً واقعياً، لافتاً إلى أن هذا القبول يأتي من منطلق استحالة نزع كل الأسلحة دفعة واحدة، خصوصاً في ظل حالة الفوضى وانتشار السلاح الخفيف بأيدي العامة، ووجود عدائيات ضد «حماس» لا سيما من الجماعات المدعومة من إسرائيل وهو ما يجبرها على الاحتفاظ بسلاح خفيف إلى حين وجود قوات أمنية رسمية ومسيطرة على القطاع بمهنية.

ولفت راغب إلى أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو استبق هذا المقترح وصرح برغبته في نزع 60 ألف قطعة سلاح خفيف من «حماس»، مما يعني أننا سنكون أمام جولة تتطلب ضغوطاً أميركية على إسرائيل لقبول هذا المقترح.

ونبه إلى أن المقترح قابل للتطبيق خصوصاً أن حركة «حماس» قد فقدت بالفعل الجزء الأكبر من سلاحها الثقيل، سواء بنفاد الذخيرة ببعض الأسلحة الثقيلة أو تدمير منظومة الصواريخ، والمتبقي لديها في الأغلب هو سلاح خفيف.

ويرى المحلل السياسي الفلسطيني، عبد المهدي مطاوع، أن هناك فرصة كبيرة لنجاح مخطط نزع السلاح تدريجياً، لأسباب أبرزها أن الإدارة الأميركية ستنزع أي مبرر لتعطيل المرحلة الثانية، وستعمل على وجود قوات الاستقرار، فضلاً عن أن «حماس» سوف تتمكن من تبرير مبدأ النزع لدى أنصارها الرافضين.

ويعتقد مطاوع أن إسرائيل تعيش عام انتخابات، وبالتالي نتنياهو وغيره سيصدرون تصريحات متشددة، وسيستغل نزع السلاح في هذا الأمر، لكن الموقف الأميركي وضغوطه حاسمة في هذا الاتجاه.

وفي الجانب الآخر، لا تزال إسرائيل تواصل عملياتها، وأعلن الجيش الإسرائيلي الأربعاء مقتل أحمد حسن، قائد كتيبة بيت حانون التابعة لحركة «حماس» في قطاع غزة، خلال عملية عسكرية شمال القطاع.

وفي ظل هذه الخروقات الإسرائيلية، يرى راغب أنه من الطبيعي أن تكون هناك ضمانات أميركية، والمضي في تنفيذ خطة السلام بإعادة الإعمار ونشر قوات الاستقرار الدولية التي من المفترض أن تكون مراقباً فاصلاً بين الطرفين لمدة عامين، لمنع أي اعتداءات إسرائيلية ومنع «حماس» من إحداث هجمات، مع الانسحاب الإسرائيلي الكامل من القطاع دون احتكاك.

وأوضح أن ذلك سيتم تحت رقابة قوات الاستقرار والشرطة الفلسطينية، وبالتالي لن تكون هناك فرصة لإعادة تسلح «حماس»، كما لن تكون هناك أسباب لعودة إسرائيل للحرب، خصوصاً أن كل شيء يمضي وفق خطة ترمب، مشيراً إلى أن تسليم السلاح يمثل بالنسبة لإسرائيل قضية رمزية تعني أنها نفذت أهداف الحرب، سواء كان جزءاً منها تم بالقوة أو آخر عبر التفاوض وتنفيذ مقترح ترمب.

ويعتقد مطاوع أن استمرار القصف شبه اليومي على غزة جزء من الملاحقة الساخنة التي تنتهجها حكومة نتنياهو ضمن سياق الانتخابات، والتأكيد على تنفيذ شروطها وأنها ستتوقف بعد نزع السلاح، لا سيما مع ضمانات مؤكدة من واشنطن في هذا الصدد لتهدئة المنطقة.


الزنداني لـ«الشرق الأوسط»: الحكومة إلى عدن قريباً… واحتفظت بـ«الخارجية» لإكمال الإصلاحات

TT

الزنداني لـ«الشرق الأوسط»: الحكومة إلى عدن قريباً… واحتفظت بـ«الخارجية» لإكمال الإصلاحات

الزنداني لـ«الشرق الأوسط»: الحكومة إلى عدن قريباً… واحتفظت بـ«الخارجية» لإكمال الإصلاحات

وضع رئيس الوزراء وزير الخارجية اليمني، الدكتور شائع الزنداني، أولى إشارات تحرك حكومته بعد 24 ساعة من أدائها اليمين الدستورية، قائلاً إن وجهتها المقبلة ستكون عدن؛ وفي وقت قريب.

كما علل احتفاظه بحقيبة «الخارجية» بأنه «لاستكمال العمل الذي بدأ»، مؤكداً أن «الانتقال إلى الداخل خطوة ضرورية لتفعيل الأداء»، وأضاف أن «الوجود في عدن يجب أن يرتبط بقدرة فعلية على إدارة الملفات؛ وأن الهدف إعادة انتظام المؤسسات».

جاء ذلك خلال حلقة خاصة من «بودكاست الشرق الأوسط»، سُجلت في استوديوهات قناة «الشرق» بمقر «SRMG» في «مركز الملك عبد الله المالي (KAFD)» بالرياض.

تحدث الزنداني وبلاده في لحظة ضغط اقتصادي وتوقعات سياسية مرتفعة. وقال إن «المرحلة لا تحتمل خطاباً واسعاً، وإنما (تحتاج) عملاً متدرجاً يعيد بناء الثقة»، مشيراً إلى أن «تثبيت الإيقاع المؤسسي يسبق أي توسع في الأهداف».

تساؤلات الحكومة

تطرق الزنداني عن تشكيل حكومته، وأولوياتها، والعلاقة بالشركاء، ومستقبل المسار السياسي، وصولاً إلى قراءته الشخصية لمسار اليمن خلال نصف قرن من العمل العام.

تشكيل الحكومة جاء، حسب رئيسها، وفق معايير مهنية بحتة، مشيراً إلى أن «الاختيار اعتمد على المفاضلة بين الكفاءات والتخصصات والتجربة، بعيداً عن الإملاءات الحزبية». وقال إن الحكومة استقبلت سيراً ذاتية ولم تتلقَّ طلبات محاصصة، مضيفاً: «لم نتعامل مع الخلفيات السياسية بقدر ما ركزنا على القدرة على إدارة الملفات».

وأوضح أن العدد المعلن للوزراء لا يعكس بالضرورة حجم الحقائب الفعلية؛ إذ «الوزارات الحقيقية نحو 26، بينما وزراء الدولة جرى تعيينهم لمهام محددة؛ ولإشراك الشباب». وأشار إلى مراعاة التوازن الجغرافي والوطني، مؤكداً أن التمثيل الجغرافي كان حاضراً؛ «بهدف تنوع الدولة، لا توزيع المكاسب».

يرى الزنداني أن المواطن يمثل نقطة ارتكاز برنامج حكومته، قائلاً إن «الإنسان هو محط اهتمام الحكومة... تحسين المعيشة والخدمات والتعافي الاقتصادي أولوياتنا».

وأشار إلى العمل على إعادة بناء المؤسسات وتعزيز الرقابة، مؤكداً أن ضعف البناء المؤسسي كان سبباً رئيسياً للاختلالات. وتحدث عن تحسن نسبي في بعض الخدمات، خصوصاً الكهرباء؛ بدعم سعودي، مضيفاً أن التحدي يكمن في استمرار الإصلاحات الاقتصادية وإدارة الموارد.

وفي ملف المحاسبة، قال إن توحيد القرار السياسي أتاح فرصة لتطبيق القانون، وزاد بالقول: «عندما تتوحد السلطة يصبح (الثواب والعقاب) ممكناً».

ويمتد حديث رئيس الحكومة إلى ما هو أبعد من توصيف الإجراءات التنفيذية، إذ يضع تشكيل حكومته في سياق أوسع يتعلق بإعادة تعريف علاقة الدولة بمجتمعها بعد سنوات من التآكل المؤسسي. فالحكومة التي تشكلت في ظرف استثنائي تسعى إلى إدارة الملفات اليومية، فضلا عن «إعادة تثبيت فكرة الدولة ذاتها في الوعي العام، من خلال انتظام الأداء، واستعادة الثقة، وفرض معيار الكفاءة في تولي المسؤوليات العامة».

هذه المقاربة تعكس إدراكاً بأن أزمة اليمن لم تكن سياسية أو أمنية فحسب؛ «بل أزمة ثقة ممتدة بين المواطن ومؤسسات الحكم، وهو ما يجعل إعادة بناء تلك الثقة مدخلاً لأي استقرار قابل للاستمرار».

تفعيل الرقابة

في الملف الاقتصادي، يتجنب الزنداني إطلاق وعود سريعة، ويفضل الحديث بلغة إدارة الموارد وإعادة ترتيب الأولويات، مشيراً إلى أن التعافي لا يمكن أن يتحقق عبر قرارات جزئية، بقدر ما يتطلب إعادة هيكلة الإدارة المالية، وتعزيز الشفافية، وتفعيل الرقابة. ويرى أن ضبط الموارد، واستثمارها بفاعلية، هما الخطوة الأولى نحو استعادة الثقة الداخلية واستقطاب الدعم الخارجي، مؤكداً أن الاستقرار المالي يمثل الأساس لأي تحسن ملموس في حياة المواطنين.

ويأتي الانتقال المرتقب للحكومة إلى عدن ضمن هذا السياق بوصفه ضرورة عملية ووطنية، إذ يؤكد أن وجود السلطة التنفيذية داخل البلاد ليس مجرد خيار إداري، وإنما شرط لفاعلية القرار وقدرته على ملامسة الواقع.

ويرى رئيس الوزراء اليمني أن العمل من الداخل يمنح الحكومة قدرة أكبر على فهم أولويات المجتمع والتفاعل معها، كما يعزز حضور الدولة في المجال العام، وهو حضورٌ تراجَع خلال سنوات الصراع. وفي هذا الإطار، يضع أداء اليمين في الرياض ضمن سياق دستوري وأمني فرضته ظروف المرحلة، عادّاً أن التركيز ينبغي أن ينصرف إلى مضمون العمل الحكومي، لا إلى رمزية الموقع.

أما في الشأن الأمني، فيتحدث بنبرة تجمع بين الواقعية والحذر، مشيراً إلى أن تراكمات السنوات الماضية لا يمكن محوها في زمن قصير، لكنه يرى أن التنسيق بين الأجهزة الأمنية، وتوحيد القرار السياسي، أسهما في تحسين نسبي للمشهد. ويقر بأن الاحتجاجات تمثل جزءاً من الحياة العامة في المراحل الانتقالية، لكنه يشدد على أهمية التزامها الإطار القانوني؛ «حفاظاً على الاستقرار ومنع الانزلاق إلى مواجهات تعطل مسار التعافي».

توحد القرار العسكري

بشأن إعادة تنظيم القوات العسكرية، يرى الزنداني أن توحيد القيادة، وإعادة تموضع الوحدات خارج المدن، يمثلان خطوة ضرورية لترسيخ سلطة الدولة وتقليص مظاهر التداخل بين الأدوار الأمنية والعسكرية.

ويرى رئيس الوزراء اليمني أن تعدد الولاءات، الذي طبع المرحلة السابقة، أضعفَ قدرةَ المؤسسات على أداء وظائفها، وأن تجاوزه يشكل أساساً لإعادة بناء الاستقرار وتفعيل الدور التنفيذي للحكومة.

وعلى المستوى الخارجي، يعكس حديث رئيس الوزراء اليمني إدراكاً لأهمية وضوح التمثيل السياسي في تعزيز موقع الدولة دولياً؛ إذ يشير إلى أن وجود حكومة بقرار موحد يُسهِّل التفاعل الدبلوماسي ويمنح اليمن حضوراً قانونياً أقوى تماسكاً. ويبرر احتفاظه بحقيبة الخارجية بالحاجة إلى استكمال عملية إصلاح بدأت بإعادة تنظيم الوزارة والبعثات، مؤكداً أن انتظام العمل الدبلوماسي يمثل امتداداً طبيعياً لإعادة بناء مؤسسات الدولة.

وفي سياق العلاقات الإقليمية، يصف العلاقة بالسعودية بأنها تجاوزت إطار الدعم التقليدي إلى شراكة متعددة الأبعاد، لافتاً إلى أن ما قدمته السعودية خلال السنوات الماضية انعكس على قطاعات حيوية، وأن المرحلة الحالية تتجه نحو توسيع هذا التعاون في مجالات التنمية والاستقرار الاقتصادي. ويرى أن هذه الشراكة تشكل أحد أعمدة الاستقرار، في ظل تعقيدات المشهد الإقليمي.

أما بشأن الحوثيين، فيؤكد أن الحكومة تعاملت مع مسار السلام بقدر من المرونة، لكنها اصطدمت بعدم الالتزام بالاتفاقات، مشيراً إلى أن التطورات العسكرية والاقتصادية الأخيرة أضعفت موقف الجماعة، ويرى أن أي مفاوضات مستقبلية ينبغي أن تستند إلى مرجعيات واضحة، وأن توحيد القوى المناهضة لهم منح الحكومة موقعاً تفاوضياً أقوى تماسكاً في ظل متغيرات إقليمية ودولية متسارعة.

نصف قرن من العمل الحكومي

عندما يستعيد الزنداني مسيرته المهنية، يتحدث عن تجربة تفوق الخمسين عاماً، وبدأت في سن مبكرة داخل التعليم، قبل أن تمتد لعقود في العمل الدبلوماسي.

ويرى أن اليمن مر بتحولات عميقة كشفت عن هشاشة البناء المؤسسي وأثرت في استقرار الدولة.

ومع ذلك، يؤكد أن التجربة التاريخية تفرض قراءة المستقبل بعين تتجاوز الإحباط، وتقوم على التعلم من الماضي، والعمل على تثبيت أسس الاستقرار، مشيراً إلى أن ما يبقى في نهاية المطاف هو مصلحة المواطن وليست المواقع أو المناصب.

ويمضي في حديثه مؤكداً أن التفاؤل في هذه المرحلة ليس خطاباً سياسياً، بل هو خيار عملي في مواجهة التعقيدات، وأن الرهان الحقيقي يكمن في إعادة بناء الثقة بين الدولة ومجتمعها، وتعزيز العمل المشترك مع الشركاء الإقليميين والدوليين، بما يفتح المجال أمام مرحلة تتوازن فيها إدارة التحديات مع استثمار الفرص المتاحة؛ لإعادة وضع اليمن على مسار الاستقرار والتعافي.