صراعات الطبقة العاملة تدفع ألكسندريا أوكاسيا كورتيز إلى تحقيق الانتصار

صراعات الطبقة العاملة تدفع ألكسندريا أوكاسيا كورتيز إلى تحقيق الانتصار
TT

صراعات الطبقة العاملة تدفع ألكسندريا أوكاسيا كورتيز إلى تحقيق الانتصار

صراعات الطبقة العاملة تدفع ألكسندريا أوكاسيا كورتيز إلى تحقيق الانتصار

عندما لا يتواجد علي أحمد في محل البقالة الصغير الذي يملكه بحي «كوينز» فلا بد أن يكون في سيارته التي يجوب بها شوارع المدينة كسائق أوبر.
يساعده العمل الإضافي في تدبير نفقات الرهن العقاري وفي سداد فواتير خدمات البيت الذي ابتاعه منذ عامين بضاحية «بارك شيستر» بحب «ذا برونكس» بنيويورك. أحمد يعيش ويعمل بحي «دائرة الكونغرس الرابعة عشرة» التي يتوقع لها أن تنتخب قريبا أصغر سيدة لعضوية الكونغرس الأميركي، وهي ألكسندريا أوكاسيا كورتيز.
يقول أحمد إنه يعمل باجتهاد لسداد الأقساط وإنه يحاول تأسيس قاعدة مالية أفضل لأطفاله. هو صراع يتردد صداه هنا بقوة بين الناخبين الذين دفعوا بأوكاسيا كورتيز (28 عاما) لتحقيق الانتصار الأسبوع الماضي في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي أمام منافسها من الحزب الجمهوري جوزيف كراولي.
يتألف الناخبون من عائلات من الطبقة المتوسطة التي تكافح لتوفير حياة كريمة لأبنائها في ظل الحياة الرغدة التي يعيشها غيرهم من سكان مانهاتن. في ضاحية «باركشستر»، يعيش سكان نيويورك الأصليون، المتحدرون من أصول إيطالية وغيرهم ممن قدموا من بورتريكو، جنبا إلى جنب مع المهاجرين الذين جاءوا خلال العقود الماضية من الإكوادور والمكسيك وبنغلاديش وغيرها من مختلف بقاع العالم. تتميز المناطق المجاورة لحي «كوينز» مثل جاكسون هايتس، و«أستوريا» و«صندايز» بنفس القدر من التنوع.
يعتبر حي «كوينز» نافذة على الاقتصاد الحديث. فقد عزز تعافي الاقتصاد الذي حدث في العقد الأخير من أوضاع بعض الأميركيين الذين انتعشوا من ارتفاع قيم المنازل ومن الارتفاع الثابت في أسواق المال. لكن رغم التراجع القياسي في مستوى البطالة في البلاد، فإن تلك الطبقة التي تعيش على هامش اقتصاد قوي وجدوا أنفسهم يعملون لفترتين لمجرد مواصلة الشهر إلى نهايته.
اضطر أحمد (41 عاما) إلى الانتقال مع عائلته إلى حي «برونوكس» بعد أكثر من 20 عاما قضاها في حي «كوينز» بسبب ارتفاع قيمة الإيجار بمنطقة «أستوريا» العصرية.
جعل الانتقال إلى سكن جديد بعض الأشياء أفضل والبعض الآخر أسوأ. ففي الحي القديم لم تكن المسافة بين بيت أحمد ومحله التجاري تستغرق سوى بضع دقائق بالسيارة، والآن باتت تستغرق ساعة كاملة. كذلك أصبحت قيم الأقساط أعلى باعتباره مالكا للبيت، لكن في المقابل أصبح لديه مساحة أكبر تتمثل في الفناء، وأصبح أطفاله (بنت 4 سنوات وولد 8 سنوات) أكثر سعادة.
وعن الحال في البيت الجديد، علق أحمد بقوله «عائلتي تشعر بالراحة هنا»، مضيفا أنه يعتقد أن الوضع سيكون أفضل لأطفاله على المدى البعيد. واستطرد في مكالمة هاتفية فيما كان أطفاله يلعبون إلى جواره في حديقة المنزل: «أريد أن يتلقى أطفالي تعليما جيدا، فأنا أبذل كل ما في وسعي لتحقيق ذلك. أملي هو أن أصنع مستقبلا أفضل لهم وأن ينعموا بعمل جيد».
وقال صاحب محل البقالة إنه لاحظ تطورا ما في أصدقائه وجيرانه، حيث أقدم الكثيرون على الانتقال إلى أماكن أخرى معقولة التكلفة بمدينة نيويورك. فالمهنيون الذين يعملون في مانهاتن انتقلوا إلى حي «كوينز» سعيا لإيجار أقل.
استطرد أحمد: «في مقابل كل شقة من غرفة نوم واحدة هناك 15 شخصا مشتريا يريد الانتقال إليها، ولذلك فإن الضغط كبير على العقارات هنا»، مضيفا أن الكثيرين من أصدقائه قد انتقلوا من حي «كوينز» إلى «برونكس» وإلى غيرها من الأحياء.
ونتيجة لذلك، فقد أخذت الأسعار في الارتفاع من حوله في حي «برونكس». فمثلا سأل ابن عمه عن شقة في نفس الحي وعلم أن القسط الشهري المطلوب منه هو 1500 دولار أميركي لشقة من غرفة نوم واحدة رغم أن المبلغ كان 1000 دولار منذ عامين فقط.
وأوضحت بيانات مكتب الإحصاء أن طبيعة المنطقة الانتخابية التي ستمثلها أوكاسيا كورتيز حال جرى انتخابها في نوفمبر (تشرين الثاني) قد تغيرت من منطقة ذات أغلبية بيضاء إلى منطقة تضم 50 في المائة من ذوي الأصول الإسبانية، و17 في المائة من ذوي الأصول الآسيوية، و23 في المائة من البيض عام 2016.
ونجح بعض السكان هناك بالفعل في وضع اللبنات الأولى الضرورية للنجاح الاقتصادي في الولايات المتحدة، مثل امتلاك بيت، وإلحاق ابن بالجامعة، وإدارة مشروع تجاري. كذلك هناك آخرون ممن يعانون الأمرين لتوفير المتطلبات الأساسية، وتلك هي الطبقة الكادحة التي تضم الخدم، والسائقين والبائعين.
بالنسبة للكثيرين، فإن العمل يعني رحلة طويلة إلى مقر العمل وقضاء يوم عمل طويل وشاق. وتتميز تلك الدائرة الانتحابية عما سواها، ومنها واشنطن، بخامس أعلى نسبة عمالة خدمية، بحسب بيانات مكتب الإحصاء. وتحتل المنطقة المركز السابع في طول المسافة والرحلة من البيت إلى العمل.
ليس من المفاجأة إذا أن الناخبين هنا قد انجذبوا إلى أوكاسيا كورتيز وإلى دعوتها بتوفير الرعاية الصحية للجميع وتوفير التعليم المجاني وحد أدنى معقول للأجور.
في منطقة «بوركشاستر» التي تبعد مسافة 35 دقيقة بالقطار عن محطة «غراند سنترال»، يقوم الناس بأعمال تجارية بعدة لغات منها الإنجليزية والإسبانية والبنغلاديشية. فمثلا في شارع «ستارلينغ أفينيو»، الذي بات يحمل اسم «السوق البنغالديشي» يتقاسم المكان محل كبير لبيع البيتزا مع مطعم بنغلاديشي ومحل لبيع اللحم الحلال.
وعلى مقربة من محطة قطارات «باركشستر» ستجد مقهى «ستارباكس» وصالونا لتجديل الشعر وآخر للحلاقة، ومطاعم لاتينية. وعلى جدار إحدى الصيدليات هناك لافتة تقول: «مطلوب عامل» شرط أن يتحدث الإسبانية، وعلى مظلة الصيدلية لافتة أخرى تقول إن «العاملين بالصيدلية يتحدثون اللغة البنغلاديشية» أيضا.
وعن طبيعة المنطقة، أوضح جورج بين، مالك صالون حلاقة بمنطقة «ويستشستر أفينيو»، أن المنطقة قد تغيرت كثيرا منذ انتقاله إليها من حي «هارلم» عندما كان طفلا صغيرا. فقد كانت المنطقة أبيض كثيرا عن الآن، وكانت «العنصرية ظاهرة»، بحسب جورج، لكن الوضع تغير بعد انتقال الكثير من السود ذوي الأصول الإسبانية إلى المنطقة، ليخلقوا بيئة أكثر ترحيبا بزوجته وأطفاله السود الذين تعود جذورهم إلى بورتوريكو.
وأفاد جورج (44 عاما) بأن الإيجارات المرتفعة والأحياء الفاخرة التي بنيت حول المدينة ساهمت في تدفق المزيد من السكان الذين يتطلعون إلى سكن معقول التكلفة للعيش فيه. أضاف: «جاء الكثيرون من أحياء مثل بروكلين وهارلم للعيش في برونكس».
وفي السياق ذاته، قالت إيلسا لونا (60 عاما) التي انتقلت للعيش في منطقة «باركشستر» قادمة من الإكوادور منذ عامين لتعيش بالقرب من ابنتها وحفيدتيها، إن «الكثير من الناس في هذه المنطقة يشعرون بالضغط. فالشيء الوحيد الذي تستطيع شراءه بسعر معقول هو الملابس». تعيش تلك الأسرة في بنايات سكنية بعيدة عن الشارع المزدحم المليء بمحلات التجزئة، لكنها اشتكت من أن «كل شيء غالي الثمن».
ميزانية الأسرة محدودة نظرا لأن إيلسا غير قادرة على العمل بسبب إصابة قديمة في جسدها. لكنهم يقضون الوقت في التنقل بين المتنزه والكنيسة. وهناك الكثير من اللغات بتلك المنطقة، ولذلك من الصعب التواصل في الكثير من الأحيان. وفي هذا السياق، قالت لونا: «جارتي هندية. هي تحبني وتعلم أنني أحبها، لكننا لا نستطيع أن نقول لبعضنا البعض أكثر من كلمة مرحبا».
تعتبر القدرة على تحمل تكاليف المعيشة الهم الأكبر وعنوان حملة المرشحة أوكاسيا كورتيز في انتخابات الكونغرس. ففي مقابلة صحافية مع مجلة «فوغ» الشهر الجاري، أشارت أوكاسيا إلى أن متوسط سعر الشقة التي تحوي غرفة نوم قد ارتفع بواقع 80 في المائة خلال الثلاث سنوات الماضية. واستطردت بقولها «لم ترتفع دخولنا بنفس النسبة بكل تأكيد، ومن شأن ذلك أن يؤدي إلى موجة عاتية من الإحلال للشرائح السكانية التي قضت عمرها هنا بشرائح أخرى».
بعد وفاة والدها بمرض السرطان، كان على أوكاسيا كورتيز الجمع بين ثلاث وظائف للمساعدة في تجنيب أسرتها مخاطر الرهن العقاري.
وعلى نفس المنوال، أفادت رزوانا بارفين التي انتقلت من بنغلاديش للعيش في الولايات المتحدة، بأن أسرتها تناضل من أجل الحياة رغم أن زوجها يعمل ما بين 60 إلى 70 ساعة أسبوعيا كبائع في أحد محال البقالة بمنطقة كوينز. أضافت روزانا بينما تجلس على أريكة وسط ابنتيها على مقربة من منزل مرشحة الكونغرس، أن زوجها «يسدد إيجار الشقة ولا يتبقى شيء بعد ذلك».
وأفاد جورج بين، صاحب صالون الحلاقة، بأنه نتيجة لتغيير البنية السكانية لتلك المناطق فإن معدلات الجريمة تأخذ أحيانا في الارتفاع تارة وفي الانخفاض تارة. ورغم أنه لم يعد يرى نوافذ سيارات مهشمة، فإنه يشعر بالقلق من ارتفاع معدلات الجريمة والعنف، وهي نفس المخاوف التي عبر عنها غيره من الجيران مستشهدين بروايات عن إطلاق نار عشوائي على المارة بغرض السرقة.
غير أن السكان يحدوهم أمل كبير في أن تتمكن مرشحة الكونغرس الشابة أوكاسيا كورتيز في المساعدة لتغيير الأوضاع هناك. والسبب جاء على لسان جورج، صاحب صالون الحلاقة، الذي اختتم بقوله: «عندما لا ترى تغييرا في الحقيقة، فإنك تقول لنفسك دعني أجرب شخصا جديدا».
- خدمة: {واشنطن بوست}


مقالات ذات صلة

«فالابوروا» بجنوب أفريقيا... سلاح واشنطن لكسر هيمنة الصين على المعادن النادرة

الاقتصاد جرافة أمامية تنقل الفوسفوجيبسوم في فالابوروا جنوب أفريقيا (أ.ب)

«فالابوروا» بجنوب أفريقيا... سلاح واشنطن لكسر هيمنة الصين على المعادن النادرة

رغم قرار إدارة ترمب وقف المساعدات المالية لجنوب أفريقيا في فبراير (شباط) الماضي، فإن المصالح الاستراتيجية العليا فرضت واقعاً مغايراً.

«الشرق الأوسط» (فالابوروا (جنوب أفريقيا))
الاقتصاد وورش يتحدث إلى وسائل الإعلام حول تقريره عن الشفافية في بنك إنجلترا عام 2014 (أ.ب)

«مقامرة المقايضة»... هل يرهن وورش استقلالية «الفيدرالي» لطموحات ترمب؟

يستعد كيفين وورش، مرشح الرئيس دونالد ترمب لرئاسة «الاحتياطي الفيدرالي»، للمثول أمام لجنة المصارف بمجلس الشيوخ يوم الثلاثاء المقبل.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد والر يتحدث في مؤتمر ابتكار المدفوعات (أرشيفية - الاحتياطي الفيدرالي)

حرب إيران ورسوم ترمب تُجمدان طموحات «أكبر مؤيدي» خفض الفائدة الأميركية

ربط محافظ «الاحتياطي الفيدرالي»، كريستوفر والر، مستقبل الفائدة، بـ«سرعة الحل» العسكري والدبلوماسي لحرب إيران.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد متداول يعمل في بورصة نيويورك (إ.ب.أ)

ارتفاع العقود الآجلة الأميركية وسط ترحيب المستثمرين بإشارات التهدئة

ارتفعت العقود الآجلة لمؤشرات الأسهم الأميركية، يوم الجمعة، متجهة نحو تسجيل إغلاق أسبوعي قوي، في ظل ترحيب المستثمرين بإشارات تهدئة التوترات في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)

ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

قال جون ويليامز، رئيس «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في نيويورك، الخميس، إن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط تؤدي بالفعل إلى زيادة ضغوط التضخم...

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

الأسهم السعودية تتراجع إلى 11464 نقطة في أولى جلسات الأسبوع

شاشة المؤشرات داخل مقر مجموعة «تداول» بالرياض (الشرق الأوسط)
شاشة المؤشرات داخل مقر مجموعة «تداول» بالرياض (الشرق الأوسط)
TT

الأسهم السعودية تتراجع إلى 11464 نقطة في أولى جلسات الأسبوع

شاشة المؤشرات داخل مقر مجموعة «تداول» بالرياض (الشرق الأوسط)
شاشة المؤشرات داخل مقر مجموعة «تداول» بالرياض (الشرق الأوسط)

أغلق مؤشر سوق الأسهم السعودية الرئيسية (تاسي)، جلسة الأحد، متراجعاً بنسبة 0.8 في المائة، إلى 11464.5 نقطة، وبتداولات بلغت قيمتها 5 مليارات ريال (1.3 مليار دولار).

وانخفض سهم «أرامكو السعودية»، الأثقل وزناً في المؤشر، بنسبة 1 في المائة إلى 27.2 ريال. كما تراجع سهما «معادن» و«أديس» بنسبة 1.5 و1 في المائة، إلى 70.3 و 18.73 ريال على التوالي.

وفي القطاع المصرفي، انخفض سهم «الراجحي» بنسبة 0.7 في المائة، في حين تراجع سهم «الأهلي» بنسبة 1.4 في المائة. وتراجع سهم «السعودية للطاقة» بنسبة 3 في المائة، إلى 17.12 ريال.

في المقابل، تصدّر سهما «نايس ون» و«الأندية للرياضة» الشركات الأكثر ارتفاعاً بنسبة 6 و5 في المائة على التوالي. وصعد سهم «تسهيل» بنسبة 2.7 في المائة، إلى 132 ريالاً.


كيف أصبحت الصين وسيط الطاقة في آسيا؟

صهريج لتخزين الغاز الطبيعي المسال في محطة الاستقبال التابعة لشركة «بتروتشاينا» بميناء رودونغ الصيني (رويترز)
صهريج لتخزين الغاز الطبيعي المسال في محطة الاستقبال التابعة لشركة «بتروتشاينا» بميناء رودونغ الصيني (رويترز)
TT

كيف أصبحت الصين وسيط الطاقة في آسيا؟

صهريج لتخزين الغاز الطبيعي المسال في محطة الاستقبال التابعة لشركة «بتروتشاينا» بميناء رودونغ الصيني (رويترز)
صهريج لتخزين الغاز الطبيعي المسال في محطة الاستقبال التابعة لشركة «بتروتشاينا» بميناء رودونغ الصيني (رويترز)

لم تعد الصين مجرد أكبر مستورد للغاز في العالم، بل تحوّلت خلال السنوات الأخيرة إلى لاعب محوري يُعيد تشكيل سوق الطاقة في آسيا، مستندة إلى شبكة معقدة من الإمدادات وخطوط الأنابيب وعقود الغاز المُسال، ما يمنحها نفوذاً متنامياً، خصوصاً في أوقات الأزمات. هذا ما أكده فيودور دميتريينكو، الباحث والمحلل الجيوسياسي في مجال سياسات الطاقة والتنمية المستدامة، في تقرير نشرته مجلة «ناشونال إنتريست» الأميركية.

وقال دميتريينكو إن حرب إيران كشفت ما بنته سنوات من صفقات خطوط الأنابيب وعقود الغاز الطبيعي المُسال بهدوء، وهو ما وصفه بـ«القبضة الصينية» على إمدادات الغاز في آسيا. فعندما ترددت أنباء عن قيام شركات صينية بإعادة بيع رقم قياسي بلغ 19 شحنة من الغاز الطبيعي المُسال خلال الربع الأول من عام 2026، منها 10 شحنات إلى كوريا الجنوبية، و5 إلى تايلاند، والبقية موزعة بين اليابان والهند والفلبين، قُدّم ذلك بوصفه تداولاً ذكياً، وكان كذلك بالفعل. إذ تبلغ تكلفة الغاز الروسي عبر خطوط الأنابيب بالنسبة لبكين نحو 250 دولاراً لكل ألف متر مكعب، في حين تجاوزت الأسعار الفورية في آسيا 830 دولاراً. وقد كان هامش الربح كبيراً للغاية، غير أن القصة الحقيقية تتجاوز بكثير أرباح مضاربات ربع سنوي واحد.

مخازن للغاز الطبيعي في نقطة تسلم تابعة لشركة «بتروتشاينا» في مدينة داليان الصينية (رويترز)

حرب إيران

وقال دميتريينكو إن ما كشفته حرب إيران هو تحول هيكلي جرى بناؤه على مدى عقد، إذ لم تعد الصين تكتفي بإعادة بيع فائض الغاز، بل تعمل على إنشاء نموذج لم تُجربه أي دولة من قبل، يتمثل في هيكل إمداد ثلاثي المستويات يجعلها المورد المرجّح لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ بأكملها. فهي تشتري الغاز بأسعار منخفضة عبر خطوط الأنابيب، وتبرم في الوقت نفسه عقوداً ضخمة للغاز الطبيعي المُسال عالمياً، ثم تُعيد توجيه الفائض إلى الدول المجاورة، حسب أسعار السوق أو متطلبات الأزمات.

ويضيف دميتريينكو أن الفجوة بين ما تتعاقد عليه الصين وما تستهلكه فعلياً تمثل فائض إعادة البيع. حالياً تبدو هذه الفجوة محدودة، في حدود 5 إلى 15 مليار متر مكعب، لكنها قد تتسع بحلول عام 2030 إلى ما بين 15 و50 مليار متر مكعب. وبحلول 2035، وإذا تحقق جزء حتى من مشروع «قوة سيبيريا 2»، فقد يصل الفائض إلى نحو 70 مليار متر مكعب، وهذه ليست أرقاماً هامشية، إذ إن 70 مليار متر مكعب تتجاوز إجمالي واردات اليابان السنوية من الغاز الطبيعي المُسال.

تعطل مضيق هرمز وميزة أمن الطاقة للصين

قبل 28 فبراير (شباط)، كانت هذه مجرد نظرية، لكن بعد هذا التاريخ أصبحت سياسة واقعية.

فعندما شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات على إيران، وأقدم «الحرس الثوري» الإيراني على خنق مضيق هرمز، بات لدى مستوردي الطاقة في آسيا أسباب جدية للقلق. إذ تحصل اليابان على نحو 93 في المائة من احتياجاتها النفطية عبر هذا المضيق. كما أعلن مجمع رأس لفان في قطر، وهو الأكبر من نوعه في العالم، حالة القوة القاهرة بعد هجوم بطائرة مُسيّرة.

وفي السياق ذاته، لم يكن لدى الفلبين سوى أقل من 10 أيام من مخزون الديزل، ما دفعها إلى إعلان حالة طوارئ في قطاع الطاقة، في حين أُغلق أكثر من 40 في المائة من محطات الوقود في لاوس.

وكانت إعادة بيع شحنات الغاز الطبيعي المُسال الجزء الأكثر وضوحاً في المشهد. ففي مارس (آذار) وحده، أعادت الصين بيع ما بين 8 و10 شحنات، وهو رقم قياسي شهري، إلى مشترين لم يكن لديهم خيار آخر. وجاء بعض هذه الشحنات من مشروعات روسية، وقد اشترتها اليابان رغم العقوبات المفروضة على الطاقة الروسية، إذ لم يكن أمامها بديل عملي سوى مواجهة خطر انقطاع الكهرباء.

دور الصين في سوق الغاز: صانع سوق لا منافس مباشر

يقول دميتريينكو إن السردية الناشئة، التي تصوّر الصين بوصفها منافساً للولايات المتحدة في سوق الغاز الطبيعي المُسال، تخلط بين الشكل والمضمون، فالولايات المتحدة ستضيف بحلول عام 2030 نحو 260–270 مليار متر مكعب من طاقة التصدير، أي ما يزيد على 30 في المائة من الإمدادات العالمية. في المقابل، لا تقوم الصين بتصدير أي كميات من الغاز المسال.

وبالمعنى الإنتاجي البحت، لا توجد منافسة مباشرة، لكن الصين، حسب دميتريينكو، لا تخوض هذه المنافسة أصلاً، بل تدير في الوقت نفسه 3 استراتيجيات مختلفة داخل السوق العالمية للغاز.

سفينة تحمل شحنة من الغاز الطبيعي المسال من روسيا في محطة للغاز بمقاطعة جيانغسو الصينية (رويترز)

ويقول دميتريينكو إن الاستراتيجية الأولى تتمثل في ضغط الأسعار عبر التحكيم السعري، إذ إن كل شحنة تضخها الصين في السوق الفورية الآسيوية تزيد السيولة وتدفع الأسعار إلى الانخفاض، ما يقوّض هامش العلاوة الذي يعتمد عليه المنتجون الأميركيون.

وتبلغ نقطة التعادل للغاز الأميركي نحو 7 إلى 9 دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية عند التسليم إلى آسيا. ومع تزايد الشحنات المعاد بيعها، قد تنخفض الأسعار إلى نحو 6 دولارات أو أقل، ما يجعل المشروعات الجديدة أقل جدوى ويثني المستثمرين.

الاستراتيجة الثانية هي تآكل الطلب الهيكلي. فكل مليار متر مكعب من الغاز الروسي أو التركماني المنقول عبر الأنابيب إلى الصين يقابله تراجع مماثل في الحاجة إلى الغاز الطبيعي المُسال من مصادر أخرى. وإذا ضخ مشروع «قوة سيبيريا 2» حتى 30 مليار متر مكعب من طاقته التصميمية البالغة 50 مليار متر مكعب، فإن ذلك وحده كفيل بتقليص الطلب الصيني على الغاز المُسال، بما يعادل إنتاج محطة تصدير أميركية كبرى.

ومع التوسع في الطاقة النووية والمتجددة، يتضح أن اعتماد الصين على الغاز المنقول بحراً يتراجع تدريجياً، في الوقت الذي يستعد فيه المعروض العالمي من الغاز المُسال للارتفاع.

وتشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى فائض في الغاز المُسال قد يبلغ نحو 65 مليار متر مكعب بحلول عام 2030، في حين قد تصل الطاقة الفائضة إلى نحو 130 مليار متر مكعب، أي ما يقارب 15 في المائة من القدرة العالمية غير المستغلة. وفي حين تستطيع قطر، بفضل انخفاض تكاليف إنتاجها، تحمّل هذا الفائض، يواجه منتجون آخرون تحديات أكبر بكثير.

ناقلة غاز طبيعي مسال تغادر الرصيف بعد تفريغها في محطة الاستلام التابعة لشركة «بتروتشاينا» في داليان بمقاطعة لياونينغ الصين (رويترز)

الاستراتيجية الثالثة هي النفوذ في أوقات الأزمات، وهي الأكثر إثارة لقلق صناع القرار في طوكيو وسيول ومانيلا ونيودلهي. فعندما أُغلق مضيق هرمز، كانت الصين الاقتصاد الآسيوي الكبير الوحيد الذي يمتلك فائضاً من الغاز يمكن طرحه في السوق. ولم يكن ذلك بدافع السخاء، بل بوصفه أداة نفوذ. كما أرسلت بكين ناقلات ديزل إلى الفلبين بعد أن بلغت أزمة الطاقة في مانيلا مستوى حاداً. وكانت الرسالة إلى كل جار يعتمد على الطاقة واضحة: أمن إمداداتكم تمر عبرنا الآن.

ما ينبغي أن يثير قلق واشنطن وطوكيو، خصوصاً منتجي الغاز الطبيعي المُسال الأميركيين، هو أن التوقيت يبدو قاسياً. فالولايات المتحدة على وشك تشغيل أكبر موجة من قدرات الإسالة في تاريخها، بنحو 100 مليار متر مكعب من طاقة التصدير الجديدة بحلول عام 2028، مع دخول مشروعات إضافية الخدمة لاحقاً.

وقد تمت الموافقة على هذه المشروعات على افتراض أن الطلب الآسيوي، وفي مقدمته الطلب الصيني، سيواصل نموه. وقد يتحقق ذلك جزئياً، لكن كل مليار متر مكعب من الغاز المنقول عبر الأنابيب من روسيا أو تركمانستان إلى الصين يعني عملياً تراجعاً مماثلاً في الطلب على الغاز الطبيعي المُسال في السوق القابلة للاستهداف.

وإذا واصل المشترون الصينيون إعادة توجيه شحنات الغاز ذات المنشأ الأميركي إلى دول ثالثة، كما يفعلون لتفادي الرسوم الجمركية، فإن جزيئات الغاز الأميركية تنتهي إلى منافسة نفسها في أسواق جنوب شرق وجنوب آسيا.

أما بالنسبة لليابان، فالمشكلة أعمق، فقد كشفت حرب إيران عن اعتماد تدركه طوكيو منذ عقود، لكنها لم تنجح في معالجته. إذ يمر نحو 93 في المائة من واردات اليابان النفطية، وجزء كبير من وارداتها من الغاز الطبيعي المُسال، عبر مضيق هرمز. وعندما أُغلق المضيق، وجدت اليابان نفسها مضطرة لشراء شحنات أعادت الصين بيعها، وربما تضمنت غازاً روسياً، وهو ما كانت العقوبات اليابانية تهدف في الأصل إلى تجنّبه.

وتواجه كوريا الجنوبية والهند والفلبين وتايلاند المعضلة ذاتها بدرجات متفاوتة. فلا واحدة منها تمتلك خطوط أنابيب برية مباشرة إلى كبار منتجي الغاز، وجميعها تعتمد على ممرات بحرية تمر عبر نقاط اختناق استراتيجية. والصين وحدها بين كبار مستوردي آسيا هي التي نجحت في بناء بديل بري متكامل، لا تستخدمه فقط لتعزيز أمنها الطاقي، بل أيضاً أداة نفوذ تجاري وسياسي في أنحاء المنطقة.

ويخلص دميتريينكو إلى أن هذا الوضع لم يتشكل مصادفة، بل جاء نتيجة استثمار امتد لنحو 15 عاماً وبمئات المليارات من الدولارات، شمل تطوير خطوط الأنابيب، ومحطات الغاز الطبيعي المُسال، والعقود طويلة الأجل، إلى جانب برامج تطوير الغاز الصخري والطاقة النووية. وعليه، لم تكن حرب إيران سبباً في خلق النفوذ الصيني في سوق الطاقة الآسيوية، بل كشفت عن حجمه الحقيقي. وبالنسبة للدول التي تسارع اليوم إلى تأمين إمداداتها من الوقود، فإن هذا الإدراك جاء متأخراً أكثر مما ينبغي.


لبنان ينشد تسريع الاستجابة المالية الدولية لمواجهة أعباء الحرب

وزير المال ياسين جابر مشاركاً في جلسة لوزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية خلال اجتماعات الربيع (الصندوق)
وزير المال ياسين جابر مشاركاً في جلسة لوزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية خلال اجتماعات الربيع (الصندوق)
TT

لبنان ينشد تسريع الاستجابة المالية الدولية لمواجهة أعباء الحرب

وزير المال ياسين جابر مشاركاً في جلسة لوزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية خلال اجتماعات الربيع (الصندوق)
وزير المال ياسين جابر مشاركاً في جلسة لوزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية خلال اجتماعات الربيع (الصندوق)

يشهد الملف المالي اللبناني زخماً موازياً لمسار الملف السياسي الذي أفضى إلى اتفاق هدنة لمدة 10 أيام قابلة للتجديد، في ظل ترجيحات باستكمال استجابة صندوق النقد الدولي لتمكين لبنان من الحصول على دعم مالي طارئ، إلى جانب إبرام اتفاقات تمويلية إضافية مع البنك الدولي. ومن المتوقع أن تُخصَّص مجمل هذه القروض لمواجهة جزء من الأعباء التراكمية الناجمة عن الحرب المتكررة في نسختها الثانية، بما في ذلك متطلبات النزوح السكاني وتقديم المساعدات الإنسانية.

ومع تكريس معادلة مرجعية تقضي بالربط التلقائي بين تدفق الدعم المالي والتمويل وتثبيت وقف إطلاق النار، والانطلاق في مسار إنهاء المواجهات العسكرية عبر اتفاق شامل، تُفيد المعلومات الواردة من واشنطن -حسب مسؤول مالي كبير تواصلت معه «الشرق الأوسط»- بسيادة «أجواء إيجابية» ومشجّعة رافقت مباحثات الوفد الوزاري اللبناني مع كبار المسؤولين في صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. ويأتي ذلك في إطار مساعٍ مكثفة لحشد دعم مالي «استثنائي» مخصّص لمعاونة النازحين، وإعادة إعمار البنى التحتية، والتحضير لمرحلة إعادة إعمار المساكن والقرى المدمّرة.

إشارات واعدة

وثمة إشارات واعدة، وفق المسؤول المعني، برزت في الاستجابة العاجلة لطلب الوفد اللبناني من قبل البنك الدولي، بتوقيع اتفاقية تمويل 200 مليون دولار مخصصة لدعم برنامج «أمان» للأسر الأكثر فقراً وتعزيز شبكة الأمان الاجتماعي.

بينما أظهرت إدارة صندوق النقد الدولي تفهماً معمقاً للاحتياجات المالية الطارئة، يؤمل ترجمته قريباً في اعتماد بدائل ملائمة لخطوط تمويلية تتعدّى المانع القانوني لفقدان لبنان شرط استدامة الدين العام، والناتج تلقائياً عن قرار «التعثر عن سداد مستحقات الديون السيادية» منذ ربيع عام 2020.

ومع تطلّع لبنان، وفق مساعي الوفد الرسمي، إلى شراكة متجددة مع البنك الدولي، تقوم على المرونة وسرعة الاستجابة، ومراعاة حجم التحديات الاقتصادية والإنسانية والتنموية التي تواجه البلاد، فقد ركّز على ضرورات توفير تمويل إضافي على شكل منح لدعم المجتمعات المتضررة، مع إعطاء أولوية خاصة لقطاع الإسكان، نظراً لما يُشكله من حاجة ملحّة في مرحلة ما بعد الحرب، إلى جانب دوره الأساسي في دعم الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.

من اليسار: وزير الاقتصاد والتجارة عامر البساط ووزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيّد ووزير المال ياسين جابر (إكس)

وقد فرضت الحرب والمواجهات العسكرية، على مدى 45 يوماً، بتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية، تغييراً جوهرياً في مهمة الوفد اللبناني المشارك في الاجتماعات الربيعية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، إذ جرى حصرها بهذه المستجدات. في المقابل، تم تعليق ملف الاتفاق التمويلي العالق، بما يتضمنه من التزامات تشريعية وتنفيذية مرتبطة بخطة التعافي الاقتصادي والإنقاذ المالي، إلى وقت لاحق، ريثما يتم احتواء الخسائر المستجدة وتلك الناجمة عن الحرب الأولى قبل أقل من عامين.

وفي ختام برنامج مكثّف من الاجتماعات مع كبار مسؤولي المؤسسات المالية الدولية والدول الصديقة، الهادفة أساساً إلى حشد الدعم للبنان وتعزيز فرص التعافي والاستقرار، واصل وزير المالية ياسين جابر، برفقة الوفد الرسمي، لقاءاته في العاصمة الأميركية. وشملت هذه اللقاءات بحثاً مع مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، جهاد أزعور، في الاستحقاقات المالية الداهمة، وتأكيد أهمية مواصلة الحوار البناء بين الطرفين، بما يفضي إلى التفاهم على أولويات المرحلة المقبلة والإصلاحات المطلوبة لتعزيز الاستقرار واستعادة الثقة.

وشدّد وزير المال في مباحثاته المتواصلة مع كبار المسؤولين في البنك الدولي، على «أهمية إعطاء الأولوية للمحفظة الحالية من المشروعات المموّلة من قبله، والتي تتعدى قيمتها الإجمالية 1.3 مليار دولار أميركي، والعمل على توجيهها، بما ينسجم مع الحاجات المستجدة، ولا سيما تلك المرتبطة بإعادة تأهيل البنى التحتية والخدمات الأساسية وتعزيز الصمود الاجتماعي». وبالتالي المساهمة في تحسين قدرات الحكومة على مواجهة الاحتياجات الأساسية للنازحين وإعادة تأهيل البنى التحتية الأساسية.

ومن المرتقب، وفق المسؤول المالي المعني، أن يبادر البنك الدولي إلى إعلان تقديرات أولية لإجمالي الخسائر المالية والاقتصادية الناجمة عن الحرب الجديدة، وذلك بعد التثبت من تثبيت وقف المواجهات العسكرية. وسيأتي هذا التقييم على غرار التقدير السريع للحرب السابقة الذي نُشر في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، والمستند إلى قاعدة بيانات إحصائية معزّزة بمسوحات ميدانية، بما يمهّد لتحديد الاحتياجات التمويلية العاجلة، ووضع برامج المساعدة على المديين المتوسط والطويل.

خسائر تتعدى الـ5 مليارات دولار

وثمة تقديرات أولية تشير إلى أن حجم الخسائر المسجّلة حتى إعلان الهدنة القائمة تجاوز 5 مليارات دولار، ما يرفع حكماً احتياجات إعادة الإعمار والتعافي التي كان البنك الدولي قد قدّرها بنحو 11 مليار دولار بنهاية الحرب السابقة. وقد بلغت الأضرار التي لحقت بالمباني وحدها آنذاك 6.8 مليار دولار، لتُشكل مجدداً مركز الثقل في التقديرات المرتقبة، فضلاً عن الخسائر الاقتصادية الناجمة عن تراجع الإنتاجية وفقدان الإيرادات وارتفاع تكاليف التشغيل، التي كانت قد ناهزت سابقاً 7.2 مليار دولار.

صدمة سلبية على الاقتصاد

وحسب رصد تقييمي لمعهد التمويل الدولي، عقب انقضاء الشهر الأول على اندلاع المواجهات العسكرية الجديدة، فإن العدوان على لبنان شكّل صدمة سلبية متكررة للاقتصاد، الذي كان ولا يزال يعاني أزمات حادة منذ خريف عام 2019، تمثّلت في الضغوط على الناتج المحلي الإجمالي، وتدهور الميزانية، وضعف المؤسسات.

وأشار معهد التمويل الدولي إلى أن هذه الحرب قد تؤدي إلى تراجع الناتج المحلي الحقيقي بنسبة تتراوح بين 12 و16 في المائة خلال العام الحالي، تبعاً لمدة الصراع. وفي المقابل، قدّر وزير المالية، خلال اجتماعاته في واشنطن، احتمال انكماش الناتج بنحو 7 في المائة نتيجة الحرب والخسائر الأولية. علماً بأن التقديرات الموثقة ستظل مرتبطة سلباً أو إيجاباً بمسار تطورات إنهاء الحرب وتدفّق الدعم الخارجي من المؤسسات الدولية والدول المانحة.

ومع تأكيده أن الدمار الأساسي الذي لحق بالبنى التحتية (كالطرقات والمرافق وشبكات الاتصال) قد تُسبب خسائر كبيرة، لاحظ المعهد الدولي أنّ تراجع حركة السياحة يُشكل السبب الرئيسي للانكماش، والمعزز بتأثراته على حركة الفنادق والمبيعات والنقل. بالإضافة إلى أن قطاعات منتجة، كقطاع الزراعة وقطاع الصناعة، قد عانت مشكلات وتعقيدات طرأت على صعيد سلسلة الإمداد، وتضرر الأراضي الزراعية وصعوبة تنقل القوى العاملة، ما أدّى إلى خفض الإنتاج وتراجع في حجم الاقتصاد.

وبالتوازي، أشار المعهد إلى أن نزوح أكثر من مليون شخص، أي نحو 20 في المائة من السكان، فاقم الضغوط على السكن والخدمات العامة وأسواق العمل. كما أسهمت الخسائر الكبيرة في الدخل، وارتفاع معدلات البطالة، وتعطل الأعوام الدراسية، والاضطرابات التي طالت قطاع الرعاية الصحية، في تراكم تكلفة اجتماعية مرتفعة، ولا سيما على الأسر ذات الدخل المحدود والأسر النازحة.