«الأناقة المحافظة»... من مفهوم تقليدي إلى موضة عالمية

كيف حولت المدونات وجهة نظر الغرب عن المرأة العربية ؟

مدونة الموضة الأميركية من أصول سورية سمر البرشا  -  المدونة الكويتية آسيا من أوائل المدونات اللواتي روجن لهذا المظهر
مدونة الموضة الأميركية من أصول سورية سمر البرشا - المدونة الكويتية آسيا من أوائل المدونات اللواتي روجن لهذا المظهر
TT

«الأناقة المحافظة»... من مفهوم تقليدي إلى موضة عالمية

مدونة الموضة الأميركية من أصول سورية سمر البرشا  -  المدونة الكويتية آسيا من أوائل المدونات اللواتي روجن لهذا المظهر
مدونة الموضة الأميركية من أصول سورية سمر البرشا - المدونة الكويتية آسيا من أوائل المدونات اللواتي روجن لهذا المظهر

خيط رفيع يربط بين الموضة والسياسة والاقتصاد، قد تبدو الموضة الجانب الناعم في الصورة، ولكن الحقيقة أنها تشهد صراعات وقفزات أحيانا أقوى من ساحات الصراع السياسي. وبين ليلة وضحاها تخرج للعالم بمفاهيم جديدة تكسر الكليشيهات.
وبعد أن كانت الثقافة الغربية هي ركيزة الموضة بدأت البوصلة تتحرك باتجاه مفاهيم جديدة تقوم على احتضان الآخر واتساع دائرة التقبل. فمن يتابع لعبة الموضة عن كثب يرصد بوضوح الاتجاه نحو صيحة «الملابس المحافظة» التي كانت في البداية تعكس منظورا دينيا فقط، ولكن تمكنت الفكرة من أن تتحول إلى صيحة عالمية تعكس أسلوب حياة يتوافق مع أسلوب حياة نساء من جنسيات وديانات مختلفة.
وحان الوقت للحديث بقوة عن هذا الاتجاه الذي ترسخ وتصدر المشهد بعد أن لحقت علامة «إتش أند إم» H&M أخيراً بسباق الموضة المحافظة بإطلاق خط جديد لهذه الصيحة. أعلنت في مايو (أيار) 2018 عن مجموعة تضم أول تصميم مقدم صراحة ليجاري صيحة الملابس المحافظة. وقدمت العلامة مجموعة من التنورات المنسدلة والبنطلونات والفساتين ذات الأكمام الطويلة والفضفاضة، كما قدمت القفطان الذي يعد علامة مميزة للمجتمعات العربية أو الإسلامية على وجه التحديد.
لم تكن علامة H&M هي الأولى، إذ سبقتها عدد من العلامات الكبرى في عالم الموضة مثل «دولتشي أند غابانا»: «أميركان إيغل» و«مايسيز» و«نايكي» وغيرهم. لكن كيف لعلامات كبرى مثل هذه أن تغير النمط الذي تقدمه وأن تتماشى مع مفهوم بعيد تماماً عن الاتجاهات الغربية؟.
تقول مدونة الموضة الأميركية من أصول سورية، سمر البرشا، في حوار خاص لصحيفة «الشرق الأوسط»: «مفهوم الملابس المحافظة لا يقتصر على المسلمات أو المحجبات، بينما هي صيحة قديمة. فإذا توقفنا عند الملابس الكلاسيكية التي تتصدر المحافل الفاخرة، سنجدها في الأصل ملابس تتمتع بالحشمة والوقار، وها هنا نقطة الالتقاء التي تجمعت عليها نساء العالم في اختيارهن لهذه الصيحة».
وعن دورها في صعود صيحة الملابس المحافظة بهذا الشكل تقول: «عندما أطلقت مدونتي الخاصة كان الهدف هو أن أقدم للفتاة العربية اختياراً يناسبها كل يوم، خاصة أن مصممي دور الأزياء لا يضعونهن في الحسبان، ولم أكن أعرف أن هذه الخطوة سيكون لها كل هذا التأثير والصدى ليس وسط الفتيات العربيات أو المسلمات بينما على نطاق أوسع متجرد من الدين أو الجنسية أو حتى العرف الاجتماعي».
لا شك أن مدونات الموضة قوة ناعمة سوّقت لهذه الصيحة، حتى وإن كان الأمر جاء من دون تخطيط مسبق. ترى غدير العجباني، وهي مستشارة في الموضة، أن المدونات قدمن أسلوب حياة كسر الصورة النمطية التي ارتبطت بالفتاة المسلمة، من خلال أسلوب حياة عصري ساعد صانعي القرار في عالم الموضة ليس على تقبله فحسب بل الاحتفاء به. ولكنها شددت «على أن هذه الصيحة ليست حديثة على الإطلاق ولا تعكس دينا أو جنسية بعينها، لأننا لو عدنا للأصول سنجد أن الأناقة المحافظة هي علامة مميزة للملوك والأميرات في إنجلترا والسويد أو أي دولة بها نظام ملكي. وظلت رمزاً للوقار، حتى أن السيدة عندما تقدم على مقابلة عمل ترتدي البذلة أو التايور الذي يغطي مفاتنها ويساعدها على أن تشعر بالراحة والثقة.
والتقط مصمم الأزياء المصري محمد سامي، الذي أطلق مؤخراً خط ملابس محافظة باسم دار «مولا»، أطراف الحديث ليؤكد رأي غدير العجباني، قائلا: «الملابس المحافظة هي الزي الأصلي لأجدادنا، وتطورت حتى أصبحت سلوكا اجتماعيا يتسق مع حرية المرأة في أن تشعر بالراحة والطمأنينة وأن تحافظ على جسدها حتى وإن كانت وسط مجتمع يتمتع بالأخلاق الرفيعة». ويضيف: «على عكس الاعتقاد فإن الملابس المحافظة اختيار عملي يساعد المرأة على القيام بمهامها بسهولة، مقارنة بالأزياء المكشوفة التي أعتبرها خيارا مناسبا للسهرات أو نزهات الشواطئ».
ورغم أن الفتيات المسلمات هن من حركن الماء الراكد وفرضن أسلوب حياة عصريا يحترم حرية المرأة أياً كانت اختياراتها، إلا أن رد الفعل جاء من علامات أزياء أوروبية وأميركية، حيث أطلقت دار «دولتشي أند غابانا» منذ عامين تشكيلة من العباءات الخليجية خصتها بها منطقة الشرق الأوسط والمرأة العربية عموما. كما اختارت مدونة عربية وهي روبي زاي لتكون وجهها الترويجي. بعدها التقطت علامات أخرى الخيط وقدمت تشكيلات تصب في نفس الاتجاه.
ولم تكن تجربة محلات «إتش أند إم» السويدية، لهذا العام هي الأولى للعلامة، إذ سبق وأن اختارت فتاة مسلمة، ماريا الإدريسي، لتكون وجها دعائيا لها في حملتها لعام 2015. ولكن هذه المرة هي الأولى التي تطلق فيها مجموعة أزياء محافظة بشكل صريح. ولا يمكن إغفال تجربة علامة «نايكي» أيضا، حين قدمت ملابس السباحة الإسلامية أو ما عُرف بـ«البوركيني» الذي شهد رواجاً كبيراً كاختيار صحي يحافظ على الجسم من مياه المسبح أو البحر كما من أشعة الشمس فوق البنفسجية، وبدأت غير المسلمات يقبلن على شرائه.
وتُرجم نجاح الأزياء المحافظة إلى محفل دولي للموضة، حيث أُطلق أسبوع الموضة المحافظة في لندن لعامين متتاليين، كان هدفه تغيير مفهوم كلمة «محافظة». فعندما تتردد هذه الكلمة أول ما يتبادر إلى الذهن سيدة تختبئ وراء ملابس سوداء، ولكن المصممين العصريين كسروا هذه الصورة التقليدية وقدموا اختيارات تجمع بين المحافظة والأناقة العصرية معاً. وهذا ما يؤكد عليه أسبوع الموضة المحافظة الذي يحتضن كل الاتجاهات والمصممين العصريين بمختلف أفكارهم وإبداعاتهم، فلا فرق بين مبدع يقدم ملابس محافظة وآخر يقدم موضة أكثر جرأة.
بالنسبة لمدونة شابة مثل المصرية فرح عمارة، فإن إطلاق هذه الصيحة والتوسع فيها يضع أمامها اختيارات متنوعة. تشرح: «لم يكن من السهل لفتاة محجبة تحرص على أن تبدو بإطلالة عصرية أن تعثر على ما يناسبها في سوق تسيطر عليه علامات أوروبية وأميركية ويختفي منه الطابع العربي المحافظ، وهو ما ذهب بالإطلالة المحافظة إلى القُبح والفوضى، حتى إن خرجت صيحة الملابس المحافظة من دور الأزياء الأوروبية وبدأت تشهد رواجاً وتضع أمام كل فتاة اختيارات عدة». وتتابع: «لدي صديقات لا يرتدين الحجاب ولكنهن يبحثن عن ملابس تحقق لهن الراحة والحرية وتعزز شعورهن بالاطمئنان والأمان بغض النظر عن ديانتهن».
صحيح أن صيحة الملابس المحافظة انبثقت من اتجاه اجتماعي إلا أنه لا يمكن إغفال الجانب الاقتصادي لهذا القرار، حسب رأي غدير العجباني. فـ«القوة الشرائية للدول الإسلامية بشكل عام، ودول الخليج بشكل خاص، هي إحدى العوامل الرئيسية لانتشار هذه الموجة. فالعلامات الكبرى لديها استراتيجيات قائمة على أرقام ودراسات دقيقة للسوق، ولا شك أنها أدركت أهمية سوق الخليج والشرق الأوسط وشمال أفريقيا بشكل عام، وأنها بحاجة لتغيير مفهوم الأناقة لتتماشى مع الخلفية الاجتماعية لهذه الدول». ويعلق مصمم الأزياء محمد سامي قائلا: «المرأة الخليجية والعربية بشكل عام تعتني كثيراً بأناقتها وربما تنفق أضعاف ما تنفق المرأة الأوروبية على إطلالتها، من ثم فهي قوة لا يستهان بها وتستحق الاهتمام والمداراة».
لكن هذا لا يعني أن هذه الظاهرة قوبلت بالترحيب من قبل الجميع في البداية. فمثل أي موضة جديدة ومختلفة كانت صادمة بالنسبة للبعض. فقد تعالت أصوات قلقة بأنها تعدٍ على حرية المرأة واستقلاليتها. تُعلق مدونة الموضة سمر البرشا على هذا بقولها «أنا لم أر الأمر خروجا عن العادي، بقدر ما يعكس حالة من التنوع وتقبل الآخر، وهو ما يحتاجه العالم». وتتفق معها غدير العجباني التي رأت في هذا الاتجاه تحقيق مفهوم تمكين المرأة بطرح خيارات كثيرة أمامها. وهذه الموضة تتسق مع شخصيتها وأفكارها ولا تؤثر على حريتها على الإطلاق.
من جهتها ترى فرح عمارة أن الملابس المحافظة ليست مجرد موضة أو صيحة بل هي حراك اجتماعي تشهده الموضة منذ سنوات، ويحاول أن يحتضن التنوع بكل أشكاله وأديانه وألوانه.


مقالات ذات صلة

«غُرّة الانفصال»... لماذا تقصّ المرأة شَعرها بعد انكسار قلبها؟

يوميات الشرق بين الانفصال العاطفي وقَصّ الشعر علاقة وثيقة لدى النساء (بكسلز) p-circle 01:15

«غُرّة الانفصال»... لماذا تقصّ المرأة شَعرها بعد انكسار قلبها؟

يُجمع المعالجون النفسيون ومزيّنو الشعر على أنّ النساء غالباً ما يلجأن إلى قصّ شعرهنّ بعد انفصالٍ، أو خيبة عاطفية.

كريستين حبيب (بيروت)
لمسات الموضة جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)

جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

في عالم الموضة اليوم، يمدّ الحاضر يده للأمس. من أزياء وإكسسوارات مستلهمة من التسعينيات والخمسينيات وغيرها من الحقب السابقة، إلى تنظيم معارض تُسلِط الأضواء على…

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)

زيندايا بين السجادة الحمراء والأزياء الرياضية

لكل زمن نجومه، ويبدو أننا حالياً في زمن زيندايا؛ فهي في كل مكان، ولا يمر أي ظهور لها مرور الكرام.

لمسات الموضة جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)

جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

خلال ثماني سنوات تغيَرت أمور كثيرة في حياة ميغان ماركل، إلا تعاملها مع إطلالاتها وأزيائها كرسائل مبطنة

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)

درجات التراب والرمل تُلوِّن خزانة الرجل هذا الموسم

درجات التراب والرمل والذهب، لها سحر خاص، لأنها ليست لوناً واحداً، بل عشرات الاحتمالات، يتغيَّر كل واحد منها حسب النسيج والكثافة وطريقة الانسدال وانعكاسات الضوء

جميلة حلفيشي (لندن)

جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
TT

جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)

في عالم الموضة اليوم، يمدّ الحاضر يده للأمس. من أزياء وإكسسوارات مستلهمة من التسعينيات والخمسينيات وغيرها من الحقب السابقة، إلى تنظيم معارض تُسلِط الأضواء على مُصممين غيَّبهم الموت ولم تُغيِّب ما خلَّفوه من إبداع. هذه المعارض باتت تفتح أبوابها لذكراهم بشكل منتظم، بهدف عرض أعمالهم من جهة، ومنح الأجيال الجديدة فرصة لاكتشاف إرثهم وكيف لا يزال يُؤثر على خياراتهم لحد الآن من جهة أخرى.

أسس لمدرسة كل ما فيها مبالغ في زخرفاته وألوانه (فيرساتشي)

فمنذ أسابيع احتضن متحف «فيكتوريا آند ألبرت» معرضاً شاملاً عن إلسا سكياباريللي، وفي متحف «مو مو» ببلجيكا انطلق أول معرض يُكرم أعمال مصمَمي «إنتوورب الستة». وفي متحف مايول بباريس، سيجد عشاق تاريخ الموضة في الأسبوع الأول من شهر يونيو (حزيران) المقبل، فرصة للتعرف على جياني فيرساتشي. وربَما يكون هذا الحدث الأكثر جذباً لما تتمتع به الدار من قاعدة جماهيرية واسعة، ولتزامنه مع مرحلة مهمة في تاريخها، بعد تنحِي شقيقته دوناتيلا فيرساتشي عن منصبها كمدير إبداعي في مارس (آذار) الماضي، مسلِمة المشعل لداريو فيتالي لفترة وجيزة، إذ لم تمر سوى ثمانية أشهر حتى غادرها، في وقت استعداد الدار للانضمام إلى مجموعة «برادا» في صفقة قدِرت بـ1.25 مليار يورو.

في فبراير (شباط) أُعلن عن تعيين بيتر مولير مديراً إبداعياً جديداً ليتولى مهامه ابتداءً من شهر يوليو (تموز) المقبل. بالنسبة لعشاق مدرسة جياني فيرساتشي، يمثِل هذا التحول نهاية مرحلة مهمة بدأت في عام 1987 مع مصمم شاب جريء في رؤيته، كما في حياته وأسلوبه. روَّضت أخته بعضاً من جموحه «الغرائزي» بعد وفاته، لكن في كتب الموضة، سيبقى اسمه مرتبطاً بالإثارة في التصميم كما في التسويق.

لم يكن يعترف بالحلول الوسطى في الألوان أو النقشات أو التصاميم المثيرة (فيرساتشي)

ومع ذلك لا تُلغي هذه التحوُّلات تاريخ جياني الغني. فقد أسَّس مدرسة خاصة به، ربما لا تروق للجميع لأن الخيط بين ما كان يراه إثارة أنثوية، وما كان آخرون يرونه ميلاً إلى الابتذال كان رفيعاً. لكنها في المقابل حققت نجاحات تجارية، بل وفنية أيضاً، إذا أخذنا بعين الاعتبار نقوشاته المستقاة من فنون كلاسيكية، واستقطابه شخصيات بارزة، مثل الأميرة ديانا وليز هيرلي وغيرهما. والأهم أن بصمته لا تزال حاضرة حتى اليوم.

باريس: عاصمة الـ«هوت كوتور»

ويأتي اهتمام باريس به من خلال هذا المعرض اعترافاً بمكانته وإرثه، وبأنه لم يُنكر يوماً أهميتها كمنصة وعاصمة عالمية للموضة. هذا بالرغم من اعتزازه بـ«إيطاليته» ومساهمته في نهاية السبعينيات في منح ميلانو الزخم الذي كانت تحتاجه لتتحوّل إلى مركز قوة، إلى جانب أبناء جيله من المصممين الذين نجحوا في فرضها على الإعلام والمشاهير وعشاق الأزياء الجاهزة.

جياني فيرساتشي في مكتبه (فيرساتشي)

في المقابل، كان يُدرك أنه، عندما يتعلق الأمر بالـ«هوت كوتور» فلا أحد يضاهي باريس مكانة وأهمية. لذلك أطلق خطه «أتيلييه فيرساتشي» في عام 1989، لتُصبح عروضه في فندق الريتز الأيقوني مسرحاً لها. في هذا المكان، قدَّم عروضاً باذخة، وفيه أيضا ظهر للمرة الأخيرة محاطاً بالعارضات السوبر، قبل وفاته المأساوية في ميامي عام 1997.

المعرض وهو بعنوان «جياني فيرساتشي: استعراض شامل» يضم نحو 450 قطعة استثنائية، تشمل الأزياء والإكسسوارات والرسومات والصور إلى جانب مقابلات نادرة مصوَّرة مع المصمم الراحل.

يبدأ المسار من نشأته في كالابريا وتأثره بالمذهب الكاثوليكي، مروراً باهتمامه بالنحت اليوناني، والأوبرا الإيطالية وعصر الباروك بكل ما يحمله من فخامة وبذخ. كما يستعرض السياق الاجتماعي لعصره، بما في ذلك دوره في صعود ظاهرة العارضات السوبر، وتأثيرات فن البوب، من خلال تعاونه مع أسماء مثل مادونا، وبرينس وجورج مايكل، إلى جانب دخول بعض أعماله في حوارات بصرية مع بوتشيلي، وكانوفا، وبيكاسو وأندي وورهول.

قطعة يظهر فيها تأثير أندي وورهول عليه (فيرساتشي)

ويستحضر المعرض كيف نجح جياني في تجسيد كل هذه التأثيرات في أعمال خلّدتها عدسات مصوري موضة كبار، مثل ريتشارد أفيدون، إرفينغ بن، وهيلمون نيوتن، وباتريك دمارشلييه وماريو تيتستينو، ممَن ساهموا في ترسيخ صورة مثيرة وجريئة لعلامة «فيرساتشي» في عهده، وفي وقت ظهرت فيه مدرسة مضادة بألوانها الهادئة وتصاميمها الكلاسيكية المعاصرة يقودها ابن بلده وابن جيله جيورجيو أرماني.

تأثيره على الموضة:

كانت الإثارة الحسية واحدة من السمات التي اشتهر بها (فيرساتشي)

لم يقتصر تأثير جياني فرساتشي على الموضة من خلال الألوان الصارخة والنقشات المتضاربة المستوحاة من الأساطير القديمة وفنون البوب الحديثة، بل امتد أيضاً إلى علاقاته الشخصية مع مشاهير ظلوا أوفياء له حتى بعد رحيله. الأميرة الراحلة ديانا مثلاً كانت من المقربات له وحضرت جنازته في سابقة من نوعها. كما لا يمكن إغفال علاقته بالعارضة والممثلة إليزابيث هيرلي، التي ساهمت الدار في شهرتها من خلال «ذلك» الفستان الأسود الشهير، المُثبَّت بدبابيس ذهبية ضخمة، والذي دخل تاريخ الموضة. كما ارتبط اسمه بعارضات بارزات مثل كارلا بروني، وناعومي كامبل، وسيندي كروفورد، وكارين مولدر، وليندا إيفانجيلستا وكريستي تورلينغتون. صورتهن الجماعية في أحد عروضه، كانت ثورية بكل المقاييس، سرعان ما تحوّلت إلى صورة أيقونية ساهمت في ارتقائهن من مجرد عارضات أزياء إلى مصاف النجمات.

من المعروضات التي سيحتضنها متحف مايول الباريسي (فرساتشي)

في امتداد لهذه الروح الاستعراضية التي ميَّزت عروضه، يأتي تصميم المعرض في متحف مايول مستنداً إلى مفهوم المدرج، حيث يمتد عبر معظم فضاءاته ليُحوِل تجربة المشاهدة إلى رحلة حيَّة في عالم جياني فيرساتشي، من بداياته إلى إرثه الخالد في الموضة والثقافة العالمية. بعد نجاحه في لندن وبرلين ومالقة، سيفتح المعرض أبوابه في باريس من الخامس من شهر يونيو إلى شهر سبتمبر (أيلول) المقبل في لحظة رمزية تواكب عشية الذكرى الثلاثين لوفاته وما كان سيكون احتفالاً بعيد ميلاده الثمانين.


زيندايا بين السجادة الحمراء والأزياء الرياضية

في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)
في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)
TT

زيندايا بين السجادة الحمراء والأزياء الرياضية

في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)
في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)

لكل زمن نجومه، ويبدو أننا حالياً في زمن زيندايا؛ فهي في كل مكان، ولا يمر أي ظهور لها مرور الكرام. تستطيع بمجرد قبعة، مهما كانت بسيطة أو مبالغاً فيها، أن تخطف الأضواء، وبفستان أن تعيد تسليط الضوء على مبدعه حتى وإن غاب عن الساحة لسنوات أو كان مغموراً.

لهذا ليس غريباً أن يتودّد لها صناع الموضة ويتمنون رضاها. بالنسبة لهم، هي تتمتع بسحر نجمات هوليوود وثقة بنات جيل زد. أما صورها فتقول إن كل شيء فيها، من إيماءاتها ونظراتها إلى ملامحها، يصرخ بثقة، بما لا يترك أدنى شك في أن النجومية تحتاج إلى حضور. ليس كافياً أن تكون موهوباً أو مدفوعاً برغبة جامحة للتألق فحسب، فالكاريزما أولاً ثم إدارة الصورة بعناية عنصران حاسمان. وبينما الكاريزما ملكيتها الخاصة، فإن إدارة الصورة واختيار الإطلالات يتولاهما خبير الأزياء، لو روتش، منذ بداياتها وهي في سن المراهقة.

علاقة عمل ناجحة

في فستان من خط الـ«هوت كوتور» من تصميم دانيال روزبيري (سكياباريلي)

لقد قطعت زيندايا شوطاً طويلاً منذ أن وقفت أمام الكاميرات أول مرة بوصفها نجمة ديزني. لم تكن مجرد مراهقة عادية بعينين لامعتين تتطلّعان للسماء، كانت ذكية، أدركت منذ البداية أن الموضة سلاح لا يخيب. علاقتها بخبير الأزياء لو روتش تُعد حالياً من أنجح العلاقات في عالم الموضة والسينما على حد سواء. . شكّلا منذ البداية ثنائياً ناجحاً، حيث نجح روتش في «هندسة» صورتها من أميرة ديزني حالمة إلى رائدة لبنات جيلها، رغم أنها لم تكن معروفة حينها. بادلته هي الوفاء نفسه؛ إذ تُدخله في أي مشروع يُقترح عليها.

في أي مناسبة وأي إطلالة تتألق كأيقونة موضة (ميسيكا)

والحقيقة أن مهمة روتش انتقلت من الصعب إلى السهل بسلاسة. نعم كانت صعبة في البداية بحكم أنها كانت صغيرة سنّاً ومغمورة فنياً، إلا أنها لم تأخذ وقتاً طويلاً لتتحوّل إلى أيقونة متحركة، ينطبق عليها المثل القائل: «الجميل جميل ولو ارتدى خيشاً». بحضورها ورشاقتها وثقتها في التعامل مع الكاميرا، سهّلت عليه الكثير؛ فحتى حين يقترح عليها أزياء عادية، وأحياناً غريبة، تنجح في أن تُضفي عليها من سحرها الكثير.

من الأدوار السينمائية إلى التعاونات

كان من الطبيعي ألا يبقى هذا الحضور محصوراً في الشاشة أو في مناسبات السجادة الحمراء، وأن يمتدّ إلى شراكات تجارية مُجزية لكل الأطراف. تعاونت مؤخراً مع علامة ON «أون» السويسرية، وطرحت مجموعة ملابس وأحذية رياضية، تعكس شخصيتها وروحها المنطلقة، وفي الوقت ذاته خبرة «أون» في تصميم قطع رياضية توازن بين الأداء والأناقة. كل ما فيها يقول إنها تستهدف جيل زد المتابع لها.

تم تصويرها في قلب هذه الحملة لتضفي عليها من سحرها الكثير (أون)

ولأنه كان لا بد من الاستفادة الكاملة من «كاريزما» زيندايا، تم تصويرها في قلب هذه المجموعة من خلال حملة على شكل فيلم ترويجي بعنوان: Shape of Dreams. لم تكن حملة عادية، فهي من إخراج سبايك جونز، المخرج الحائز على جائزة أوسكار، وبالتالي تحمل طابع فيلم سينمائي، تدور أحداثه داخل عالم زيندايا التخيلي. عالم تتطور فيه القصّات وتتغير الخامات وتصقل الأفكار. ومع تقدّم الفيلم، تأخذ العملية طابعاً سريالياً؛ إذ تتمدد الملابس وتنكمش وتتبدّل حتى تصل إلى شكلها النهائي.

لقطة مصورة للمجموعة التي صممتها مع لو روتش وشركة «أون» الرياضية (أون)

غني عن القول إن لو روتش أسهم في عملية التصميم. تقول زيندايا عن هذه التجربة: «كان العمل مع لو وفريق (أون) ممتعاً للغاية. أردنا ابتكار تصاميم متعددة الاستخدام وسهلة الارتداء، بحيث تتحرك مع صاحبها عبر لحظات مختلفة من اليوم». وأضافت: «أما العمل مع سبايك جونز، فكان رائعاً؛ لأنه منح رؤيتنا بعداً آخر تماماً».


جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
TT

جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)

ثماني سنوات مرَت على أوَل زيارة قامت بها دوقة ساسيكس ميغان ماركل وزوجها الأمير هاري إلى أستراليا، وكأن الزمن توقَّف عند تلك اللحظة من ناحية الصورة وليس الأحداث. فهذه حملت تحوَّلات كبيرة غيَّرت وجه المؤسسة الملكية إلى حد ما، لكن الصور الأولى لتلك الزيارة بقيت حاضرة بوصفها مرجعاً يقارن به الماضي بالحاضر. فرغم ما رافق الزيارة الحالية من انتقادات وجدل بعد الإعلان عنها رسمياً قبل نحو شهر تقريباً، فإن الصور المتداولة بمجرد أن حطّت بهما الطائرة، تُخلّف الانطباع أن الثنائي لا يبدو منشغلاً بضجيج التعليقات على السوشيال ميديا. فقد بدت ميغان أكثر تألقاً ببشرة نضرة وماكياج ناجح أضفى عليها ألقاً. وطبعاً، كان من الصعب فصل الحدث عن تفاصيل إطلالاتها.

8 سنوات مرت على الزيارة الأولى تغيَّرت فيها أشياء كثيرة ولم تتغيَّر المصممة (أ.ف.ب + موقع كارين جي)

كانت لافتة عودتها إلى المصممة الأسترالية كارين جي التي سبق أن ظهرت بأحد تصاميمها خلال زيارة عام 2018: فستان أبيض بتصميم مستقيم. أجمل ما كان فيه بساطته وأناقته الهادئة.

هذه المرة ولدى وصولها إلى ملبورن، اختارت فستاناً كحلياً يحمل اسم «بريسيلا». يتميّز بياقة دائرية تحيط بالعنق وحزام رفيع يحدد الخصر، مستوحاة بشكل غير مباشر من روح «النيولوك» لكريستيان ديور لكن بأسلوب معاصر يناسب الأيام العادية. كسّرت المصممة عمق لونه بستة أزرار ذهبية عند الصدر ألغت الحاجة إلى قلادة أو سلاسل. كل ما في الفستان يحمل السمات التي تميل إليها ميغان، وهي اللون الأحادي والخطوط الواضحة والبسيطة التي تناسب مقاييس جسدها المعقّدة. نسّقت الإطلالة بحذاء من «ديور».

ميغان ماركل والأمير هاري في ظهورهما الثاني في أستراليا (إ.ب.أ)

في الظهور الثاني لها، خلال زيارتها لمتحف الفنون الوطني للمحاربين القدامى في ملبورن، كانت أكثر جُرأة نسبياً، عبر سترة من السويد باللون الكاكي، وتنورة مستقيمة طويلة من نفس خامة ولون السترة من العلامة الأسترالية «سانت أغني» مع كنزة بلون الموكا من علامة «بي جونسون». كانت رسالة تؤكد فيها استمرار استخدام علامات أسترالية ضمن الجولة كنوع من البروتوكول الرمزي.

اختيار كارين جي للمرة الثانية نقطة تستحق التوقف. أوَّل تفسير يتبادر للذهن أن المصممة التي يوجد مقرها في سيدني، لا تُقدّم أزياء موسمية بقدر ما تركّز على ملابس عملية يمكن ارتداؤها في أكثر من مناسبة. إضافة إلى هذا، فإنها بنت سمعتها على أسلوب مضمون «يمكن الاعتماد عليه في كل زمان أو مكان» وفق وصفها، وهي فلسفة ترتكز على الاستدامة أكثر من الصرعات الموسمية العابرة، سواء من ناحية الألوان أو الخطوط البسيطة والهادئة.

صور ميغان ماركل تشير إلى استمرارية رمزية وكأن خروجها من المؤسسة الملكية لم يكن (رويترز)

هذا التوجه نحو المضمون يخدم صورة ميغان التي تزعزت في السنوات الأخيرة. وبينما كان ظهورها بالفستان الأبيض عام 2018 كفيلاً بتسليط الضوء على مصممته كارين جي عالمياً؛ نظراً لمكانتها آنذاك ضمن المنظومة الملكية، فإن عودتها إليها اليوم، يتقاطع مع ما صرّحت به في مقابلة سابقة عن وعيها بتأثير كل ظهور علني لها. قالت إنها تُدرك تماماً أن كل صغيرة وكبيرة تخضع للتمحيص والتحليل؛ الأمر الذي يدفعها لتوجيه هذا التأثير بشكل إيجابي، إما لدعم مصممين صاعدين تُؤمن بمساراتهم، أو تربطها بهم علاقات شخصية.

لا تزال ميغان تتعامل مع جولاتها وكأنها رسمية يجب أن تخضع لبروتوكولات الأناقة (أ.ب)

بيد أن هناك أيضاً عامل الاستمرارية، وكأن دوقة ساسيكس تريد أن تقول إن مكانتها محفوظة، وبأن الحاضر ما هو إلا امتداد للأمس. على الأقل من ناحية تأثيرها الذي تراه لا يزال قوِياً، حتى بعد تمرّدها على المؤسسة الملكية البريطانية وخروجها منها في 2020. حينها كانت دوقة جديدة، تتمتع بشعبية كبيرة، إلى حد أن جولتها فيها، كانت ناجحة بدرجة لافتة مقارنة ببقية أفراد العائلة المالكة، بمن فيهم كاثرين ميدلتون وزوجها الأمير ويليام. حينها كانت إطلالات ميغان تُقرأ ضمن إطار البروتوكول الملكي، واليوم يبدو أنها تعتمد الأسلوب نفسه تقريباً لفرض نفسها، أو على الأقل التذكير بمكانتها.