القمة الأفريقية تبحث في نواكشوط مكافحة الإرهاب والفساد

دعوات لتسريع اعتماد خطة إصلاح الاتحاد

الرئيس الموريتاني لدى افتتاحه فعاليات القمة الأفريقية بنواكشوط أمس (أ.ف.ب)
الرئيس الموريتاني لدى افتتاحه فعاليات القمة الأفريقية بنواكشوط أمس (أ.ف.ب)
TT

القمة الأفريقية تبحث في نواكشوط مكافحة الإرهاب والفساد

الرئيس الموريتاني لدى افتتاحه فعاليات القمة الأفريقية بنواكشوط أمس (أ.ف.ب)
الرئيس الموريتاني لدى افتتاحه فعاليات القمة الأفريقية بنواكشوط أمس (أ.ف.ب)

انطلقت أشغال قمة الاتحاد الأفريقي الحادية والثلاثين، أمس، في العاصمة الموريتانية نواكشوط على أن تستمر يومين. ويشارك أكثر من عشرين رئيس دولة أفريقية في القمة التي تناقش قضايا تتعلق بمكافحة الفساد وإصلاح مؤسسة الاتحاد الأفريقي، بالإضافة إلى ملفات الإرهاب والهجرة غير الشرعية والحرب الأهلية في جنوب السودان.
وقال الرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز، الذي تستضيف بلاده أول قمة أفريقية في تاريخها، إن «هذه القمة تكتسب لدى الشعب الموريتاني أهمية خاصة، فلأول مرة تتشرف بلادنا، العضو المؤسس لمنظمة الوحدة الأفريقية، باستضافة اجتماع على مستوى القمة لقادة قارتنا».
ودعا الرئيس الموريتاني في كلمته خلال الجلسة الافتتاحية للقمة إلى وضع «مقاربة جماعية» تقوم على تنسيق الجهود بين الدول الأفريقية، وذلك من أجل «مواجهة تحديات أمنية محدقة بالقارة، لا سيما الإرهاب والتطرف والمخدرات وتضاعف بؤر التوتر، (وهي) تحديات تشكل عائقا حقيقيا في وجه التنمية المستدامة، إذ لا يمكن تصور تنمية من دون أمن»، على حد تعبيره.
وأضاف الرئيس الموريتاني أنه «لضمان نجاح المقاربة في القضاء على ظواهر الإرهاب والعنف والتطرف، وإخماد بؤر التوتر، يتوجب علينا تضمينها أبعادا تعالج الاختلالات الاجتماعية والاقتصادية التي قد تدفع بعض شبابنا إلى التشدد والانحراف».
وأوضح ولد عبد العزيز أن الخطوة المهمة في مسار إصلاح الاتحاد الأفريقي تبدأ من «إحراز النصر في محاربة الفساد»، مؤكداً أن ذلك «يعتبر شرطا ضروريا للنمو والرخاء». وتنعقد قمة نواكشوط تحت عنوان «القضاء على الفساد»، كما أعلن على هامشها أن يوم 11 من يوليو (تموز) أصبح هو «اليوم الأفريقي لمحاربة الفساد». واختار الزعماء المشاركون في القمة رئيس نيجيريا محمدو بخاري «قائداً للحرب على الفساد في أفريقيا»، وكلفوه بمهمة وضع خطة للقضاء على الفساد في القارة.
من جهة أخرى، قال الرئيس الموريتاني إن مشروع إنشاء منطقة للتبادل الحر في القارة الأفريقية «يمثل خطوة حاسمة على طريق الاندماج التجاري والاقتصادي على مستوى قارتنا»، وأكد أن هذه المنطقة «ستوفر فرصا حقيقية لتشغيل الشباب الأفريقي، من خلال تشجيع التصنيع وتعزيز الاستثمارات على عموم قارتنا».
وتندرج هذه المشاريع الاقتصادية ضمن «إصلاح مؤسسي» سيخضع له الاتحاد الأفريقي باقتراح من لجنة يقودها الرئيس الرواندي بول كاغامي، تسعى إلى ضمان استقلالية مالية للاتحاد الأفريقي، وتشمل هذه المشاريع بالإضافة إلى منطقة للتبادل الحر، اعتماد بروتوكول حرية تنقل الأفراد وإنشاء سوق جوية مشتركة في أفريقيا.
من جانبه، دافع رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي موسى فقي محمد بقوة عن «الإصلاح المؤسسي» المقترح، وقال إن الاتحاد الأفريقي يواجه الكثير من التحديات من أبرزها «تحدي تحويل التزاماتنا إلى إجراءات ملموسة، وتحدي إعطاء المصداقية لجهودنا، والتي يجب أن تنعكس بشكل أفضل على حياة شعوبنا، وتحدي القدرة على أن نتكلم ونتحرك معاً على الساحة الدولية». وعاد فقي محمد، في كلمته خلال افتتاح القمة، ليطالب دول الاتحاد الأفريقي بالإسراع في اعتماد خطة الإصلاح المؤسسي. وقال: «منذ أن توليت هذا المنصب، كانت رسالتي واضحة ومحددة: الإصلاح شرط وجودي لاتحادنا»، ولكنه عبر عن ارتياحه لمستوى التقدم الحاصل في عملية الإصلاح، خاصة فيما يتعلق بالجانب الاقتصادي منه، وقال إنه «يجب علينا الاستمرار في هذا الطريق».
ودعا فقي محمد إلى ضرورة أن يشمل الإصلاح جميع هيئات الاتحاد الأفريقي، بما في ذلك المفوضية التي يتولى قيادتها. وقال إن «الإصلاح مهم جداً داخل مفوضية الاتحاد الأفريقي، إذ تجب مراجعة معايير اختيار إدارة المفوضية، وإقامة قسمة واضحة للعمل مع المنظمات الاقتصادية الإقليمية في القارة».
وقال فقي مخاطبا القادة الأفارقة: «يجب علينا أن نبذل جهداً حقيقياً من أجل تطبيق اتفاقية منطقة التبادل الحر، والتوقيع على بروتوكول حرية تنقل الأفراد، وأحقية الإقامة، قبل شهر مارس (آذار) من العام المقبل (2019)، ذكرى القمة التاريخية التي انعقدت في كيغالي»، مشيراً إلى أن أربع دول فقط هي التي وقعت على اتفاقية إقامة منطقة تبادل حر، هي كينيا وغانا ورواندا والنيجر، أما بالنسبة لبروتوكول حرية تنقل الأفراد في القارة، فلم توقع عليه سوى رواندا وحدها.
وبخصوص الوضع الأمني في القارة الأفريقية، قال موسى فقي محمد إنه «بقيت 18 شهراً فقط من المهلة التي حددها قادة ورؤساء دول الاتحاد الأفريقي في عام 2020. من أجل إسكات صوت السلاح في القارة، وتخليصها من تحدي الصراعات والأزمات»، وقال إن «تحقيق هذا الهدف يتطلب جهوداً مضاعفة من جميع الأطراف المعنية».
وقال فقي محمد إن جدول أعمال قمة نواكشوط يتضمن مناقشة اتفاقية تعاون جديدة مع الاتحاد الأوروبي، ستحل محل اتفاقية الشراكة الموقعة في كوتونو؛ مشيراً إلى أن المجلس التنفيذي للاتحاد الأفريقي سبق وأن وحد موقفه حيال مراجعة هذه الاتفاقية في القمة الاستثنائية التي انعقدت مارس الماضي في كيغالي، عاصمة رواندا.
وبعد الجلسة الافتتاحية، دخل القادة الأفارقة في جلسات مغلقة لمناقشة نقاط جدول الأعمال، وهي النقاط التي تتضمن في أغلبها ملفات اقتصادية تدخل في سياق خطة الإصلاح المقترحة من طرف اللجنة التي يقودها الرئيس الرواندي بول كاغامي، بالإضافة إلى نقاط أخرى متعلقة بالأزمات التي تعصف بالقارة الأفريقية، وفي مقدمتها الحرب الأهلية في دولة جنوب السودان والنشاط الإرهابي في منطقة الساحل الأفريقي، ومخاطر الهجرة غير الشرعية.
في غضون ذلك، كانت السلطة الفلسطينية ممثلة في القمة الأفريقية بوفد يقوده الوزير الفلسطيني للشؤون الخارجية رياض المالكي، الذي ألقى كلمة أمام القادة الأفارقة شكر فيها الاتحاد الأفريقي على الدعم الذي يقدمه للقضية الفلسطينية. وقال إن «فلسطين تسعى دوماً إلى دعم القارة الأفريقية في كفاحها ضد الكيان الصهيوني لاسترجاع سيادتها واستقلالها»، مشيراً إلى أن أفريقيا تمثل دعما سياسيا «ذا بعد استراتيجي».
وطلب المالكي من الدول الأفريقية التي تقيم علاقات مع إسرائيل إلى «مراجعة» هذه العلاقات، وقال في هذا السياق: «أدعو الدول الأفريقية إلى تطبيق المبادئ التي تم على أساسها بناء الاتحاد الأفريقي لمراجعة علاقاتها مع الدول المستبدة والعنصرية، وعلى رأسها إسرائيل».
من جانبه، أعلن أحمد أبو الغيط، أمين عام جامعة الدول العربية، أن الجامعة تساند كل جهود دول الاتحاد الأفريقي لحفظ السلم والأمن في القارة. وقال في هذا السياق: «لقد قطعنا شوطا طويلا في طريق تحقيق الأهداف التي انطلقت عليها الشراكة (العربية - الأفريقية) منذ تأسيسها 1977»، وأكد أن الجامعة العربية ستواصل عملها المؤسسي مع مفوضية الاتحاد الأفريقي.
وقال أبو الغيط في كلمته خلال افتتاح القمة الأفريقية بنواكشوط، إن «العالم العربي والقارة الأفريقية يواجهان جملة من الأزمات والتحديات المشتركة التي تمس أمن وسلامة دولنا واستقرار مجتمعاتنا، وهو ما يحتم علينا مضاعفة الجهود المشتركة والمساعي السياسية المتناسقة لتسوية هذه النزاعات ومعالجة جذور الأسباب التي تؤدي إلى نشوب بؤر التوتر».
وأعرب أبو الغيط عن دعم جامعة الدول العربية لدول الساحل الخمس (موريتانيا، مالي، النيجر، تشاد وبوركينافاسو) التي تحارب الإرهاب، مشيداً بالقوة العسكرية المشتركة التي أطلقتها هذه الدول من أجل الحد من مخاطر الجماعات الإرهابية المنتشرة في منطقة الساحل الأفريقي.
بدوره، ألقى الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس الوزراء المصري، بيان بلاده نيابة عن الرئيس عبد الفتاح السيسي، حيث أعرب عن دعم مصر لجهود إصلاح وتطوير الاتحاد الأفريقي، والأجهزة التابعة له بما يعزز من قدرته. وتناول رئيس الوزراء موقف شمال أفريقيا إزاء عملية الإصلاح المؤسسي، ومنها التأكيد على أهمية الإبقاء على نظام انتخاب أعضاء المفوضية، وضرورة تطوير الهيكل الإداري للمفوضية، والمطالبة بالالتزام بقواعد الإجراءات الخاصة بأجهزة صنع السياسات في الاتحاد بما يضمن أن تكون السياسات الصادرة عنها معبرة بحق عن الدول الأعضاء.
وأكد مدبولي أن مصر تقدر أهمية تعديل جدول الحصص المقدرة الحالي، والذي يفتقر إلى مبدأ العدالة حيث يحمل النصيب الأكبر من الأعباء على عدد محدود من الدول، لا سيما مع زيادة الأعباء المالية بوتيرة سريعة عقب البدء في تنفيذ قرار قمة جوهانسبرج الخاص بتمويل الاتحاد.
وأشار إلى أن مصر تؤمن بأهمية صندوق السلام في تحقيق مبدأ الحلول الأفريقية للمشكلات الأفريقية، إلا أن مساهمات الدول الأفريقية في الصندوق لا يجب أن تكون بديلاً عن دور المجتمع الدولي أو منفذاً يُسقط عن مجلس الأمن الدولي واجبه الرئيسي في حفظ السلم والأمن الدوليين.
وتختتم أشغال قمة الاتحاد الأفريقي في نواكشوط مساء اليوم (الاثنين)، بإصدار بيان ختامي سيتضمن توصيات وقرارات سيركز أغلبها على الإصلاحات المؤسسية التي سيخضع لها الاتحاد الأفريقي، وفق ما أكده مصدر دبلوماسي لـ«الشرق الأوسط».
ومن المنتظر أن يحل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في العاصمة الموريتانية نواكشوط، اليوم (الاثنين) للمشاركة في جلسات ولقاءات على هامش القمة الأفريقية، من ضمنها لقاء سيجمعه مع رؤساء دول الساحل الخمس، لمناقشة العراقيل التي تعيق تفعيل القوة العسكرية المشتركة لمحاربة الإرهاب في الساحل الأفريقي.



العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.