«نفير ندى» تحيي الجناح النسوي العسكري لـ{القاعدة}

وفاء الشهري وأسماء أخرى مستعارة تصدرت المشهد.. وشاركت في تحفيز المقاتلين باليمن

TT

«نفير ندى» تحيي الجناح النسوي العسكري لـ{القاعدة}

بعد حصر المرأة وأدوارها في أضيق نطاق من قبل التيارات الأصولية الإسلامية عادت اليوم الحيوية و«المرونة» لتوسيع مشاركتها. كيف ولماذا صار هذا؟
هناك من يشرع لمشاركتها بأخطر وأعقد الأحوال، حتى انتهى بدعوتها إلى الخروج للطرقات العامة في صورة اعتصامات وتجمهرات نسوية، حتى بلغ الحال بهم في تحريض النسوة على الهرب بدعوى الهجرة إلى بلاد الإسلام أو الاستجابة لنداء النفير.
الخروج الأخير لسيدة سعودية ملتحقة بشقيقها في سوريا (ندى معيض القحطاني) كان أبرز ورقة مثيرة في هذا الملف أخيرا.

«نفير ندى» كان حديث المتداولين في مواقع التواصل الاجتماعي. احتفى بها أحد المشاركين عبر موقع «تويتر» بكونها (ابنة أسير سابق وزوجة أسير سابق)، بعد إعلانها عبر حسابها الخاص في «تويتر» نفيرها إلى بلاد الشام للقتال إلى جانب المقاتلين هناك وحصر دورها بدعاء أطلقته لتمنح السداد في إحدى العمليات الاستشهادية، إلى جانب فرار من سبقنها إلى اليمن أمثال وفاء الشهري للحاق بزوجها سعيد الشهري، زعيم تنظيم القاعدة في اليمن، والذي قتل أخيرا (تزوجت اثنين من أعضاء تنظيم القاعدة، وشقيقها هو يوسف الشهري أحد عناصر القاعدة في اليمن)، قبل أن تلحقها أروى البغدادي زوجة أحد أفراد التنظيم والمعتقل لدى السلطات السعودية (أنس البغدادي) بعد تمكنها من الهرب قبيل انتهاء محاكمتها بدعوى تمويلها ودعمها الآيديولوجي لتنظيم القاعدة، وما يضاف إلى ذلك من نشاط مثير لنسوة المعتقلين الأمنيين لدى السلطات السعودية عبر موقعي التواصل الاجتماعي «تويتر» و«فيس بوك».

ندابات «القاعدة»
اليوم وبعد أن تصدرت أسماء نسوية مستعارة عبر الشبكة العنكبوتية، على سبيل المثال لا الحصر، «المتطرفة» أو «أم القادة» و«بنت الأشم» و«مجاهدة» للتأييد والتجييش، تعود من جديد عادة العرب القديمة والتي استمرت حتى العصور الحديثة في تصدر دور النساء بغرض تحفيز المقاتلين عبر قيام إحدى فتيات القبيلة من بيوت القيادة بامتطاء جمل وتحريض المقاتلين، وهو ما كان يسمى حينها «العطفة» ويعنى به الهودج الذي على الجمل، والذي تركبه المرأة لتشجع وتحث الفرسان أثناء وقبل القتال، لينتقل دورها بعد المعارك لوظيفة «الندب والتوبيخ» في سبيل الأخذ بالثأر، لعل الأبرز في ذلك موقف هند بنت عتبة من مقتل والدها وعمها وشقيقها في معركة بدر، مثيرة المشاعر الرجولية عبر عويلها وأشعارها.
يشبه هذا ما فعلته القاعدية السعودية وفاء الشهري عبر ندائها في مايو (أيار) 2010 لنساء «القاعدة» في السعودية بالهروب إلى اليمن في مقالة نشرتها مجلة «صدى الملاحم» بعنوان «نداء إلى نساء أرض الحرمين» قالت فيه: «إذا عجز الرجال عن الدفاع عنكن والمحافظة عليكن، فتعالين إلى أسود المجاهدين في جزيرة العرب ليكرموكن ويذودوا عنكن» في خطوة مهمة لإحياء الجناح النسوي في القاعدة».
وظيفة «النياحة» رغم منافاتها للتعاليم الدينية وظيفة نسوية بامتياز تتلقى عليها الندابات، كما كان في مصر، أجرا في سبيل تهييج أهل الميت وإعانة الآخرين على البكاء، قبل أن يقوم الخديو إسماعيل بحظر عمل الندابات عام 1880، وأمر رجال الأمن بالقبض عليهن إن وجدن، قبل ذلك كان محمد علي باشا قد أمر برفع الضرائب المفروضة على طائفة الندابات عام 1836.
وانطلاقا من هذا الإرث التاريخي قامت التنظيمات المتطرفة بتوظيف «المرأة» بأدوار معنوية لا تتجاوز حض أوليائهن على القتال وإثارة النخوة للأخذ بالثأر وهو ما بات يعرف اليوم بملف «الحرائر» حتى أخذت ورقة «الحرائر» هي القضية فقط بعد ذبول ورقة الموقوفين الرجال، وباتت هذه الورقة تلعب أدوارا أكبر في التهييج وتنظيم وتنسيق الاعتصامات.

نساء «القاعدة».. فقه خاص!
قبل أن تختلف الجماعات المتطرفة كثيرا حول فتواها بشأن المشاركة النسوية العسكرية كما جسدته «هيلة القصير»، أو «سيدة القاعدة»، كما أطلق عليها التنظيم، والتي أثبتت محاكمتها احتفاظها بكميات من الأسلحة في منزلها إلى جانب إيواء مطلوبين أمنيين، اقتصر دور المرأة بالنسبة لتنظيم القاعدة على البقاء في المنزل والاكتفاء بالعمل على راحة ذويهن من أبناء التنظيم من إعداد المأكل والملبس والتحريض والحث على «الجهاد».
في رسالة كتبها يوسف العييري (قتل في اشتباك مع قوات الأمن السعودية 2003، وهو مؤسس تنظيم القاعدة بالسعودية)، تحدث عن أهمية دور المرأة في التنظيم، الرسالة كانت بعنوان (دور النساء في جهاد الأعداء) وقال فيها: «سبب مخاطبتنا في هذه الورقات المرأة هو ما رأيناه بأن المرأة إذا اقتنعت بأمر كانت أعظم حافز للرجال بأدائه، وإذا عارضت أمرا كانت من أعظم الموانع له».
التقت نسوة «القاعدة» في ساحات التطرف الإلكتروني للتهييج والتجنيد في اقتداء بما قالته العرب: «ليست الثكلى كالنائحة المستأجرة»، لتنضم أسماء جديدة يوما بعد آخر في قائمة «ندابات القاعدة»، كان أحدثها احتفاء التنظيم بالخروج الأول لـ«هيلة العييري 15 عاما» الابنة الوسطى ليوسف العييري، مؤسس القاعدة في السعودية، والتي لم تتجاوز حين مقتله خمسة أعوام، في أولى تغريداتها بكنية «ابنة شهيد الجزيرة» أو «ربيبة السلاح».
سعى التنظيم منذ بداية تشكله حسم موقفه من مشاركة المرأة بين صفوفه للقتال لتبقى غائبة عن الأدوار العسكرية بين صفوف المقاتلين الأفغان العرب، وحتى بعد انتقال الخلايا إلى السعودية وتحولها عقب ذلك إلى اليمن، قبل أن تظهر للمرة الأولى بتفخيخ نفسها في العراق في 2005 من خلال إعلان «القاعدة» حينها على لسان قائدها الزرقاوي تجنيد عشرات الفتيات كانتحاريات.
ورغم أن مشاركة المرأة في القتال إلى جانب صفوف الرجال بتنظيم القاعدة وهو ما أثاره أخيرا «نفير ندى معيض» الملقبة بـ«أخت جليبيب» إلى سوريا، لم يقتصر، في التاريخ، على التنظيمات الدينية المتطرفة، بل عرفها كذلك الحزب الشيوعي من خلال جميلة بوحيرد، وتنظيم الجبهة الشعبية الفلسطيني اليساري القومي عبر ليلى خالد، كما استخدمت النساء حركة إيلام في سريلانكا.
إلا أن اللافت بالأمر يكمن بمجانبة «الخلف» لما تركه «السلف» من فتاوى لقادة القاعدة كان أبرزها ما قاله المؤسس الأول لـ«القاعدة» بالسعودية العييري في نشرته الخاصة بدور النساء قائلا: «نحن لا نريد منك أن تدخلي أرض المعركة لما فيه من تبذل وفتنة، ولكننا نريد منك أن تقتدي بنساء السلف في تحريضهن على الجهاد وإعدادهن له وفي صبرهن على هذا الطريق وفي شوقهن للمشاركة بكل شيء مقابل انتصار الإسلام»، متابعا: «فأقل ما يطلب منك في حال خروج الرجال إلى الجهاد أن تسكتي وترضي بما أمر الله به، واعلمي أنك حين تثنين الرجال عن الجهاد، سواء كانوا أبناء أو زوجا أو إخوة فإن هذا نوع من الصد عن سبيل الله لا يرضاه أبدا».
رغم هذا الموقف التأصيلي والقديم السلبي تجاه المشاكرة القتالية للمرأة، من قبل شخص قدوة لشبان «القاعدة»، فإن مجموعة من النسوة خرجن ببيان تحت اسم «رفيقات الجنان» للمنافحة عن موقف «أخت جليبيب» في نفيرها لتقول الأخوات الست: الفدائية، وكويتية موحدة، وحفيدة عائشة، ودروب سنية، وحفيدة عمر بن الخطاب، وجناح السلام درة بحجابي، إن: «نفير المرأة المسلمة إلى الشام إنما هو شأن خاص ولها الحرية في الإقبال على ذلك طالما كان دون معصية».
لتتولى «رفيقات الجنان» وظيفة الإفتاء بشأن حكم خروج المرأة مع محرمها للجهاد بحسب ما قلنه: «إنه في حال كان الجهاد واجبا وجوبا كفائيا فلا يجب على المرأة المشاركة فيه، وإن خرجت جاز لها ذلك وتثاب عليه ويكون خروجها لمداواة الجرحى والسقاية وغيرهما».
وتأتي مطالب النسوة المناصرات للنافرة ندى، في ختام بيانهن أو بالأحرى فتواهن: «لا يطلق الإنسان لنفسه العنان في التحدث بأمور لا يعلم حكمها الشرعي، فمن الواجب على المسلم أن لا يتحدث في أمور الشرع ويجيز ويمنع ويحكم فيما لا يعلم، فالحذر من التحدث في أمور الدين والإسهاب في ذلك بلا علم».
الغريب أن هذا الكلام، ليس فقط مناقضا لشخصية مؤسسة في «القاعدة» مثل يوسف العييري، بل هو مناقض لفقيه «القاعدة» الأول، الأردني أبو محمد المقدسي، حيث كانت فتوى «أبي محمد المقدسي» منظر تنظيم القاعدة ضمن «سلسلة أوراق من دفتر سجين»، والتي نشرها عبر المواقع الإلكترونية منذ ثلاثة أشهر فقط ردا على أحد المستفتين بشأن نفير النساء إلى سوريا قال فيها: «لا ينبغي لأخ موحد عاقل أن يعرض أهله لتسلط أعداء الله عليهم، خصوصا أن منهم من لا عهد لهم ولا دين ولا ذمة ولا مروءة»، مضيفا، بعد سرد لحال النساء في سوريا: «إذا كان الأخ الذي يطلب لحاق أهله من النساء بساحة الجهاد في سوريا غافلا عنها فهو من أغفل الناس عما يمكر به ويحاك له، ولا يليق بالمجاهد مثل هذه الغفلة، وإن لم يكن غافلا عنها وهو الأرجح عندي والظن بأهل الجهاد، فكيف يحل له أن يزج بأهله في مثل هذه المعمعة وإخواننا السوريون أنفسهم يفرون بنسائهم وبناتهم منها؟».
ويشدد المقدسي في إنكاره على إحضار الزوجات إلى ساحات القتال بقوله: «لا ينبغي لأخ أن يتهور بطلب أهله إلى تلك الساحة فوقوعهم بأيدي المرتدين قبل وصولهم إلى سوريا خطر وأخطر منه وقوعهم بأيدي النصيريين وشبيحتهم».

رماح وسلاح وعباءة
الصور التي تناقلتها حسابات المغردين المؤيدين لـ«نفير ندى معيض» تارة بحمل الرمح والسهام وأخرى بالتباهي باحتضان «رشاش» في أحد سهول سوريا، تبدو صورا مغايرة لما هو عليه حال وفاء الشهري وأروى البغدادي باليمن، حيث لا يبارحن مخابئهن سوى للضرورة القصوى، كما ظهر ذلك من خلال رسالة عبد المجيد الشهري الإلكترونية، والتي بثها أخيرا لرواية قصة ثبات عمته زوجة أبي سفيان الأزدي «سعيد الشهري» بعد مقتله، والتي يذكر فيها توسلها له باصطحابها لتوديع زوجها بعد مقتله، وفاء لما وعدت به سابقا من قبل التنظيم.
ترنح التنظيم بشأن دور المرأة بالقفز بين تقييد لحركتها شديد وإفساح لها بشكل غاية في السماحة، تارة أخرى، كذلك كان موقف التنظيم من مسألة زيها العسكري، والذي يظهر من خلال الصور التي تتناقل عبر مواقع التواصل الاجتماعي، فمقاتلات يحملن الرشاشات يلتحفن العباءات السوداء من فوق الرأس منتقبات ومع حجب للكفين بالقفازات، وأخر ذهبن صوب الزي البنجابي أو الأفغاني متلثمات، وأخريات كان الزي العسكري بصورته العصرية المتمدنة بلبس البنطال والدروع الواقية حاسرات الوجه، إلا أنه في كل الأحوال كان اللون في ذلك السواد.



ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.