يوم حاسم في المسيرة السياسية لأنجيلا ميركل

أزمة اللجوء تهدد بزعزعة تحالف الديمقراطيين المسيحيين مع شركائهم المسيحيين الاجتماعيين

يوم حاسم في المسيرة السياسية لأنجيلا ميركل
TT

يوم حاسم في المسيرة السياسية لأنجيلا ميركل

يوم حاسم في المسيرة السياسية لأنجيلا ميركل

في أروقة المستشارية الألمانية بالعاصمة برلين يجهد محامون بالبحث عن نصوص دستورية وقانونية تحدد مَن له السلطة العليا في إعطاء أوامر للشرطة: المستشارة أم وزير الداخلية. وعلى بعد أمتار قليلة في مقر وزارة الداخلية محامون يقومون بالمثل. ذلك أن وزير الداخلية هورست زيهوفر الذي له السلطة العليا على الشرطة في ألمانيا، قد هدّد باستخدام صلاحياته لنصب نقاط تفتيش على الحدود لمنع دخول اللاجئين الذين تقدموا بطلبات لجوء في دولة أوروبية أخرى وأولئك الذين رُفضت طلباتهم. أما المستشارة أنجيلا ميركل فقد هددت باستخدام صلاحيتها كرئيسة للحكومة مكلّفة حسب الدستور برسم السياسات العامة للدولة، لوقف هكذا قرار.
زيهوفر، زعيم حزب الاتحاد الاجتماعي المسيحي –حليف حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي– في ولاية بافاريا، يريد خفض عدد اللاجئين في ألمانيا والحد من «الهجرة الثانوية» داخل أوروبا، في حين تريد ميركل الحفاظ على حرية التنقل في الاتحاد الأوروبي، وتخشى أن تبدأ سابقة قد تؤدي إلى إعادة الحدود بين دول الاتحاد الـ28.
الخلاف بين الحليفين «الشقيقين» والشريكين المحافظين في الحكومة الائتلافية تضخّم على مدى الأيام الماضية حتى بات يهدد ليس فقط الحكومة الألمانية الحالية ومستقبل ميركل، بل يهدد أيضاً عموم الخريطة السياسية في ألمانيا.

استغرق تشكيل الحكومة الائتلافية الحالية في ألمانيا قرابة الخمسة أشهر، إلا أنها قبل أن يمضي على عمرها 4 أشهر باتت مهددة بالسقوط.
الخلاف الجديد الذي يلف الحكومة ليس الأول منذ تشكيلها، إلا أنه حتماً الأكثر خطورة. أما السبب وراء اندلاع الخلاف فهو نفسه الذي أخّر عملية تشكيلها وأيضاً الذي أوصل اليمين المتطرف للمرة الأولى إلى البرلمان: اللاجئون.
كثيرون تحدثوا عن فرص ضئيلة باستمرار هذه الحكومة طويلاً بسبب الخلافات التي ظهرت منذ البداية بين أعضائها، خصوصاً بين الحزبين الشقيقين: الاتحاد الديمقراطي المسيحي برئاسة ميركل، والاتحاد الاجتماعي المسيحي البافاري برئاسة زيهوفر.

- أزمة اللجوء
الأخير يعتمد خطاً أكثر تطرفاً تجاه اللاجئين منذ موجة الدخول الكبير عام 2015، فيومذاك انتقد زيهوفر قرار ميركل الأحادي السماح بدخول ما يقارب مليون لاجئ من سوريا، وعبور كثيرين منهم عبر أراضي ولايته بافاريا الواقعة على الحدود مع النمسا. وهدد زيهوفر، في حينه، حتى بإغلاق حدود ولايته أمام اللاجئين بمعزل عن قرار الحكومة الاتحادية.
ومع أن الأمور عادت فهدأت بين الحليفين، فإن التوتر استمر منذ ذلك الحين حول سياسة اللجوء. بل، وفاقمت نتائج الانتخابات التي أجريت خلال سبتمبر (أيلول) الماضي، التي أظهرت تراجع التأييد للحزبين لصالح حزب «البديل لألمانيا» اليميني المتطرف الذي يدعو لإعادة كل اللاجئين لبلادهم، «غضب» الحزب البافاري من ميركل. وكان زيهوفر قد دأب على الترويج لـ«خطة كبرى» لاحتواء أزمة اللجوء حتى قبل تسلمه حقيبة الداخلية. وبالفعل، لم تمض أسابيع قليلة على تسلمه الوزارة حتى وضع خطته هذه المؤلفة من 63 نقطة، وافقت ميركل على 62 منها، وبقيت واحدة عالقة... هي تلك التي تتعلق بإغلاق الحدود في وجه بعض اللاجئين. ولم تنفع اللقاءات الطارئة بين الطرفين و«القمم» المصغّرة والموسّعة على صعيد الحزبين في ردم الهوّة حول هذه النقطة.
من ثمّ، إزاء تصلب زيهوفر، لم يعد أمام ميركل إلا الاستنجاد بأوروبا. وهكذا، كسبت على الأقل جولة بإقناع حليفها الداخلي بالتريث لمدة أسبوعين قبل اتخاذ قرار أحادي قد يفرط العقد بينهما.
المهلة تنتهي غداً (الأحد).

- لقاء بروكسل الأوروبي
وبالفعل لم تخذل أوروبا ميركل. فعلى مدى اليومين الماضيين اجتمع القادة الأوروبيون في «العاصمة الأوروبية» بروكسل لبحث ملف الهجرة بشكل رئيسي. وفي الخامسة من فجر أمس (الجمعة)، بتوقيت بروكسل، خرجت ميركل من «اجتماع ماراثوني» طال لأكثر من 12 ساعة، ووقفت أمام الصحافيين مبتسمة وشيء من الارتياح بادٍ على محيّاها. تحدثت عن «تقدم كبير» في النقاش حول الهجرة، إلا أنها اعترفت باستمرار وجود «خلافات كبيرة» بين دول الاتحاد حول الموضوع.
الاجتماع الأوروبي نجح، بالفعل، في تحقيق اختراق، إذ توصل إلى اتفاق حول التعاطي مع اللاجئين غير الشرعيين الواصلين عبر البحر إلى اليونان وإيطاليا، بهدف تخفيف العبء عن هاتين الدولتين. لقد اتفق الزعماء على نقل المهاجرين واللاجئين الذين يتيسر إنقاذهم من البحر، إلى مراكز إيواء سيصار إلى تشييدها في «دول متطوعة» داخل أوروبا، وأيضاً، خارجها، في إشارة إلى إمكانية تشييد مثل هذه المراكز في دول شمال أفريقيا مثل ليبيا وتونس والمغرب ومصر. ومنها، يوزع اللاجئون على الدول الأوروبية.
الحل المقترح أرضى إيطاليا وحكومتها الائتلافية اليمينية المتشددة، التي كانت قد بدأت في الأيام الماضي برفض استقبال بواخر منظمات إنسانية تحمل لاجئين جرى إنقاذهم من البحر، مطالبةً أوروبا بتقاسم عبء اللاجئين.
بيد أن النقطة الأهم التي تؤرّق زيهوفر، وكانت هي الدافع وراء تهديداته بإغلاق الحدود الألمانية أمام بعض اللاجئين، أي «الهجرة الثانوية» -أي التنقل الحر للاجئين المرفوضة طلباتهم داخل أوروبا- لم تَلقَ الكثير من البحث في هذا الاجتماع. ولم يأتِ البيان النهائي على ذكر المشكلة إلا مروراً عابراً، بالقول: «على الدول الأعضاء اتخاذ كل الخطوات الضرورية داخلياً، على صعيد القانون والإدارة، للتصدي لهكذا تحركات والعمل معاً لمواجهة ذلك».

- الكرة في ملعب زيهوفر
مع هذا الاتفاق ازدادت الأسئلة حول ما إذا كانت نتائج القمة ستكون مقبولة لهورست زيهوفر، وكافية لحثه على البقاء في الحكومة... أم أنه سيمضي قدماً بتنفيذ وعده وإعطاء أوامر للشرطة ببدء التفتيش على الحدود.
الكاتب والصحافي الألماني يواخيم فانامه، توقّع في اتصال مع «الشرق الأوسط» أن تحاول ميركل إقناع زيهوفر بأن تقدماً «كافياً» حصل على الصعيد الأوروبي، وأن اهتمامها سينصبّ الآن على الاتفاقات الثنائية مع الدول الأوروبية. في حين يعتبر كريستيان كاستروب، من معهد «برتلسمان شتيفتنغ» أن قرار زيهوفر بتصعيد المواجهة مع ميركل أو القبول بالنتائج التي تحملها معها من بروكسل، سيكون قراراً «سياسياً». ويوضح في اتصال مع «الشرق الأوسط» أنه «مهما حملت ميركل معها من قرارات أوروبية، يمكن أن يقول زيهوفر إنها غير كافية. وفي النهاية القرار سياسي، وعلى حزب الاتحاد الاجتماعي المسيحي أن يقرّر ما إذا كان يريد البقاء مع الاتحاد الديمقراطي المسيحي أم ينفصل عنه». ولكن هذه «المغامرة» تبدو غير منطقية بالنسبة إلى الكثيرين. إذ إنه لا وجود للحزب البافاري إلا في ولاية بافاريا، حيث لا ينافسه الديمقراطيون المسيحيون بموجب اتفاق قديم بين الطرفين. ومن ثم، فأي «طلاق» بينهما قد يعني أن حظوظ الحزب البافاري بالمشاركة في الحكومات الفيدرالية المقبلة ستغدو محدودة. ويتابع كاستروب تحليله للموضوع: «أنا لا أفهم حقيقةً لماذا اختار زيهوفر أن يصعد الأمر بهذه الطريقة، إنه بهذا يخوض مجازفة ضخمة، وقد لا تكون استراتيجية ناجحة».

- اعتبارات انتخابية محلية
حقيقة الأمر أن ما يحاول زيهوفر فعله، هو إبعاد حزبه عن سياسات ميركل «الصديقة» للمهاجرين. فهو مقبل على انتخابات محلية في بافاريا في نهاية أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، واستطلاعات الرأي تشير إلى تراجع الاجتماعيين المسيحيين بشكل كبير مقابل تقدّم حزب «البديل لألمانيا» اليميني المتطرف والمعادي للهجرة، على حسابهم. وبالتالي، إذا فشل الاجتماعيون المسيحيون في الفوز بأغلبية مريحة تسمح لهم بالحكم منفردين في بافاريا، فستكون هذه ضربة موجعة لحزب اعتاد على الحكم منفرداً منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية. في المقابل، ليس مؤكداً أو مضموناً أن هذا الخلاف الذي أثاره زيهوفر مع ميركل سيترك أصداء إيجابية لدى ناخبي حزبه. إذ أظهر استطلاع للرأي نشرته مجلة «دير شبيغل» قبل يومين من انعقاد القمة الأوروبية، تراجع التأييد للحزبين المحافظين الألمانيين الحليفين إلى أدنى من 30، ووصلت نسبة تأييد الاجتماعيين المسيحيين في معقلهم بافاريا فقط إلى 40%، وهذه نسبة لن تسمح لحزبهم بالحكم منفرداً. يواخيم فانامه يرى أن أي قرار أحادي يتخذه زيهوفر الآن بإعادة نقاط تفتيش على الحدود سيدفع بميركل إلى إقالته، وهذا سيعني انسحاب حزبه من الائتلاف الحكومي وخطر نشوء «نظام سياسي جديد في ألمانيا». ويرى الكاتب المتخصص في الشؤون الأوروبية أن إقالة زيهوفر قد لا تعني بالضرورة «نهاية ميركل... على الأقل ليست نهاية فورية». ويتوقع أن تنجح ميركل في ضم حزب «الخضر» البيئي المعارض إلى حكومتها بشروط، شارحاً: «ستكون لديها خيارات بعد إقالة زيهوفر مثل إدخال (الخضر) إلى الحكومة بدلاً من (الاجتماعيين المسيحيين)، ولكن سيكون ذلك بشرط استقالتها في مرحلة ما، ربما، في العام المقبل«.

- سيناريوهات محتملة
من جهته، يحذر كاستروب من «سيناريو أكثر سوداوية» لألمانيا في حال انفرط العقد التاريخي بين حزبي ميركل وزيهوفر، قائلاً: «إذا كسب التفكير المنطقي فإن الحكومة الحالية يمكن أن تبقى في الحكم كما هي، ولكن الأمر المقلق أن الحكومات الائتلافية في المستقبل ستكون أضعف. وفي وقت من الأوقات أعتقد أن ألمانيا ستشهد تغيرات جذرية على مشهد الأحزاب السياسية كما حصل في فرنسا، مع ظهور حزب ماكرون من لا شيء. وأعني أن نشهد ظهور حزب يقف في الوسط وهذا سيكون جيداً لأنه يعني أننا لن نسمح لليمين المتطرف بأن يسيطر على المشهد السياسي»، غير أنه يتابع محذّراً «... ولكن الخطر يكمن في أن الأحزاب اليمينية المحافظة ستجنح أكثر نحو اليمين، كما يحصل الآن مع الحزب الاجتماعي المسيحي البافاري لردم الهوّة مع اليمين المتطرف وإعادة كسب الأصوات... هذه استراتيجية خطيرة لأنها تؤدي إلى خسارة الأصوات الوسطية». ويستطرد كاستروب قائلاً: «قد يكون أمراً جيداً أن تنقسم الأحزاب وتظهر أحزاب وسطية جديدة... لكن الخطر سيتمثل في زوال الأحزاب الوسطية لصالح الأحزاب اليمنية المتطرفة واليسارية المتطرفة كما حصل في إيطاليا».
المفارقة الآن هي أن هذه الأزمة «المفتعلة» حول اللجوء واللاجئين تأتي في وقت انخفضت فيه أعداد الذين يعبرون إلى أوروبا بطريقة غير شرعية بنسبة 95%، حسب بيان القادة الأوروبيين بعد اجتماعهم، أمس. ويعود الأمر بشكل أساسي لاتفاق أبرمته دول الاتحاد مع تركيا لوقف نشاط المهرّبين تتلقى بنتيجته أنقرة 6 مليارات يورو، صُرف منها 3 مليارات وأقرّ القادة الأوروبيون صرف الـ3 مليارات المتبقية في اجتماعهم الأخير.

- تفاهمات... عبر المتوسط
والآن، يبحث قادة أوروبا عن اتفاقات مشابهة لعقدها مع دول شمال أفريقيا، خصوصاً ليبيا التي تنشط فيها حركة التهريب على أيدي ميليشيات مستفيدة من الفوضى هناك. وكانت الحكومة الإيطالية قد قدّمت، بالفعل، حوافز مالية لبعض الميليشيات التي تنشط في تهريب اللاجئين في ليبيا، مقابل وقف عملياتها. غير أن التخوف من انعدام وجود سلطة قوية في طرابلس، واستمرار الفوضى في البلاد، يعنيان أن الاتحاد الأوروبي قد لا يجد شريكاً فعالاً في ليبيا لتنفيذ الخطة معه، كما حصل مع تركيا.
وهنا يرى الكاتب كاستروب أن من بين الدول المطروحة لإبرام اتفاقات ثنائية معها شبيه بالاتفاق التركي، فإن ليبيا تعد الحلقة الأضعف. ويفصّل شارحاً: «كانت أوروبا تدفع الملايين للقذافي كي يوقف الهجرة غير الشرعية إليها، ولكن بعد قتله تحولت ليبيا إلى (دولة فاشلة) لا يوجد شريك قوي للحوار معه».
من ناحية ثانية، الاقتراحات القاضية بتشييد مراكز لإيواء طالبي اللجوء، تلاقي معارضة شديدة من منظمات حقوق الإنسان التي تعدها مراكز «غير إنسانية». ولقد علّقت منظمة «برو أزيل» على بيان قادة أوروبا بالقول: «هذه قمة اللا إنسانية، تعذيب وملاحقة بشر في أوروبا بهذا الشكل غير إنساني. قادة الدول الأوروبية يفتقرون إلى التعاطف مع الملاحَقين. داخل وخارج أوروبا هناك الآن مخيمات يأس». وكان ظهور شريط فيديو نهاية العام الماضي، لمهاجرين أفارقة يباعون في مزاد علني كعبيد في ليبيا، قد تسبب في صدمة وموجة إدانات دولية. وقبل أيام، رفضت سفينة إنقاذ تابعة لمنظمة إنسانية ألمانية أوامر خفر السواحل الإيطالية بتسليم مئات المهاجرين الذين أنقذتهم إلى خفر السواحل الليبية بسبب الخوف من انتهاكات بحقهم.
ومن بين النقاط الأوروبية التي تم التوافق عليها أيضاً، مواجهة أكثر صرامة لمهربي البشر عبر زيادة التمويل لـ«فرونتكس»، وهي الوكالة الأوروبية المكلفة تأمين حدود القارة. إلا أن كاستروب يشك أيضاً في مدى فاعلية ذلك، ويقول: إن وقف المهربين «يتطلب ملاحقة المسؤولين عنهم، الذين يجلسون عادةً في مكاتب في لندن وباريس ويعطون الأوامر للميليشيات الموجودة على الأرض». ويعتبر أن ملاحقة هؤلاء «معقدة»، الاتحاد الأوروبي «ليس جاهزاً بعد» لمواجهتهم بسبب ضعف أدواته المحلية.

- لا تغيير عند المتطرفين
مع هذا، فإن كل هذه النقاط التي خرجت بها القمة الأوروبية، لم تكن كافية لحزب «البديل لألمانيا» اليميني المتطرف، الذي خرجت زعيمة كتلته النيابية أليس فيدل، لتنتقد البيان الأوروبي، قائلة إن القرارات «نصف ناضجة». وأضافت: «تأمين الحدود من قبل (فرونتكس) بشكل جدّي لن يبدأ قبل عام 2020، ما يعني أن هذا سيترك باب الاتحاد الأوروبي مفتوحاً كباب حظيرة للعامين المقبلين». وكان الاتحاد الأوروبي قد أقر خطة لزيادة الدعم لـ«فرونتكس» ليصل عدد موظفيها إلى 1000 بحلول عام 2020.
فهل يقبل زيهوفر بـ«الحلول الوسط»، كما وصفها حزب «البديل لألمانيا» أم أنه سينفّذ تهديداته بالتصرف أحادياً ونصب نقاط تفتيش على الحدود؟
الإجابة ستعرفها ميركل، غداً (الأحد)، بكل تأكيد بعد أن تنتهي من مناقشة ما توصلت إليه في أوروبا، وتحاول إقناعه بأن المزيد من الاتفاقيات لتحويل أوروبا إلى «حصن منيع» في وجه اللاجئين... آتٍ. ومن ثم، فغداً (الأحد)، قد يكون اليوم الأهم في حياة ميركل السياسية حتى الآن.

- التسلسل الزمني لأزمة اللجوء
أغسطس (آب) 2015: ميركل تعلن فتح أبوابها أمام اللاجئين السوريين الهاربين من الحرب، وبدء تدفق مئات الآلاف عبر الحدود البرّية من النمسا والدخول إلى ألمانيا عبر بافاريا.
أكتوبر 2015: دخول نحو مليون لاجئ سوري إلى ألمانيا، وهورست زيهوفر -رئيس حكومة بافاريا آنذاك- يهدّد بتصرف أحادي وبإغلاق الحدود في ولايته أمام اللاجئين لـ«حماية أمن» بافاريا، وميركل تحذّره.
24 سبتمبر 2017: الانتخابات النيابية الألمانية تُظهر تراجع تحالف الحزبين المحافظين الاتحاد الديمقراطي المسيحي والاتحاد الاجتماعي المسيحي، ودخول حزب «البديل لألمانيا» اليميني المتطرف البرلمان الألماني للمرة الأولى.
4 مارس (آذار) 2018: ميركل تعلن عن نجاحها في تشكيل ائتلاف حكومي بين حزبها الاتحاد الديمقراطي المسيحي الديمقراطي وحليفه التقليدي في ولاية بافاريا الاتحاد الاجتماعي المسيحي، مع أكبر أحزاب المعارضة الحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي). وهورست زيهوفر يتسلم حقيبة وزارة الداخلية، بعد تصريحات أدلى بها سبقت تسميته تحدث فيها عن «خطة كبرى» لاحتواء أزمة اللجوء.
16 مارس 2018: أول خلاف علني بين ميركل وزيهوفر بعد أيام على تشكيل الحكومة بسبب تصريحات للأخير قال فيها إن «الإسلام لا ينتمي إلى ألمانيا»، ورد ميركل بنفسها على التصريحات وتؤكد أن الإسلام بات جزءاً من بلادها.
11 يونيو (حزيران) 2018: زيهوفر يقدم لميركل «الخطة الكبرى» لاحتواء أزمة اللجوء وتضم 63 نقطة، وافقت ميركل عليها كلها باستثناء نقطة واحدة تشير إلى إغلاق الحدود أمام لاجئين سبق أن رُفضت طلباتهم أو تقدموا بطلبات في دولة أوروبية أخرى. وزيهوفر يلغي مؤتمراً صحافياً كان مجدولاً لليوم التالي كان من المفترض أن يعرض فيه «خطته الكبرى» حول اللاجئين.
14 يونيو 2018: جلسة نقاش طويلة امتدت طوال ساعات الليل بين زيهوفر وميركل لم تؤدِّ إلى نتيجة. خرج بعدها زيهوفر ليؤكد تمسكه بنشر الشرطة على الحدود وخرجت ميركل لتعلن رفضها الأمر بحجة أنه يهدد «اتفاقية شينغن» في التنقل الحر.
17 يونيو 2018: تفاقم الخلاف بين ميركل وزيهوفر، وقمة طارئة بين الطرفين تفشل في حل العقدة، إلا أنها تنتهي بموافقة زيهوفر على إمهال ميركل أسبوعين لمحاولة التوصل إلى حل على مستوى أوروبا.
28 و29 يونيو 2018: انعقاد القمة الأوروبية في بروكسل، وبحث حل أوروبي لأزمة اللجوء، وإمكانية إدخال تعديلات على «اتفاقية دبلن» التي تحدد مسؤولية الدول عن البت في طلبات اللجوء.
1 يوليو (تموز) 2018:
لقاء مرتقب بين ميركل وزيهوفر لبحث نتائج القمة الأوروبية، واتخاذ قرار حول الخطوات المقبلة ومصير التحالف بين حزبيهما في ألمانيا.

- أسماء متداولة لخلافة ميركل
> آنيغريت كرامب كارنباور: متعارفٌ عليه أنها خيار ميركل لخلافتها، إلا أنها غير معروفة كثيراً على الصعيد الوطني. تشغل حالياً منصب الأمين العام للحزب المسيحي الديمقراطي، وتؤيد سياسة ميركل المتسامحة تجاه اللاجئين.
> فولكر بوفيير: رئيس حكومة ولاية هيسه (تضمن مدينة فرانكفورت) ويعد ضمن الدائرة المقربة من ميركل. كان ضمن فريق من 15 شخصاً من الاتحاد المسيحي الديمقراطي شاركوا ميركل في مفاوضات تشكيل الحكومة.
> فولفغانغ شوبيله: رئيس البرلمان الاتحادي (الفيدرالي) منذ 2017: سياسي مخضرم يبلغ من العمر 75 سنة، وتسلم حقيبتي الداخلية والمالية في حكومات ميركل السابقة. يعد من الأوفياء لميركل، لكنه أيضاً ينتقد سياستها المتعلقة باللجوء.
> ينس سبان: وزير الصحة في الحكومة الحالية، ويعد من أصغر منافسي ميركل، إذ يبلغ من العمر 38 سنة. يقف على يمين ميركل في رؤيته الاجتماعية المتعلقة باللاجئين.
> أورسولا فون در ليين: وزيرة الدفاع منذ 2013، وهي أول امرأة تتولى المنصب. الوزيرة الوحيدة التي خدمت في كل الحكومات التي شكّلتها ميركل منذ 2005. كان اسمها مطروحاً بقوة لخلافة ميركل ولكنها رُشّحت أخيراً لمنصب أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».
> يوليا كلوكنر: وزيرة الزراعة في الحكومة الحالية. أخيراً بدأ يُطرح اسمها كخليفة محتملة لميركل. تدعو لسياسة لجوء أكثر تشدداً لكنها تحرص على عدم الظهور بمظهر المنتقد لسياسات المستشارة.
> بيتر ألتماير: وزير الاقتصاد، ويُنظر إليه على أنه من أقرب المستشارين لميركل. معروف بدبلوماسيته وقدرته على التموضع في الوسط.


مقالات ذات صلة

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

حصاد الأسبوع تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب

أحمد جمال (القاهرة)
حصاد الأسبوع صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة

براكريتي غوبتا (نيودلهي)
حصاد الأسبوع الدكتور محمد يونس (آ ب)

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
حصاد الأسبوع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو مع السفير لدى «ناتو» ماثيو ويتيكر في بروكسل (غيتي)

جولة مع القراءة الفرنسية لسياسات واشنطن الجديدة

تواجه العواصم الأوروبية، وفي مقدمتها باريس، اختباراً وجودياً غير مسبوق أمام سياسات واشنطن الجديدة؛ حيث أدت الضغوط الأميركية للاستحواذ على غرينلاند والتدخلات

أنيسة مخالدي (باريس)
حصاد الأسبوع سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)

ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

تغييب سيف الإسلام القذافي عن المشهد السياسي الليبي، ليس مجرد خروج لفاعل سياسي من «لعبة الكراسي» المتآكلة، بل هو إيذان بأفول «الخيار الثالث» الذي لطالما عُد،

جمال جوهر (القاهرة)

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.