«ثوار العشائر» لـ «الشرق الأوسط»: نستعد لدخول بغداد ولدينا مسلحون داخلها

مسؤولون عراقيون يخشون من «الخلايا النائمة»

عربة مدرعة تابعة للجيش العراقي معلقة وسط مياه النهر قرب مدينة ديالى، شرق بغداد، التي تدور فيها مواجهات بين مسلحين والقوات الحكومية (رويترز)
عربة مدرعة تابعة للجيش العراقي معلقة وسط مياه النهر قرب مدينة ديالى، شرق بغداد، التي تدور فيها مواجهات بين مسلحين والقوات الحكومية (رويترز)
TT

«ثوار العشائر» لـ «الشرق الأوسط»: نستعد لدخول بغداد ولدينا مسلحون داخلها

عربة مدرعة تابعة للجيش العراقي معلقة وسط مياه النهر قرب مدينة ديالى، شرق بغداد، التي تدور فيها مواجهات بين مسلحين والقوات الحكومية (رويترز)
عربة مدرعة تابعة للجيش العراقي معلقة وسط مياه النهر قرب مدينة ديالى، شرق بغداد، التي تدور فيها مواجهات بين مسلحين والقوات الحكومية (رويترز)

قال الناطق الرسمي باسم ثوار العشائر العراقية، إن «مقاتلينا يستعدون لدخول بغداد وهم الآن عند أطرافها»، مشيرا إلى أن «هدفنا هو إسقاط حكومة نوري المالكي وإنهاء التدخل الإيراني وتشكيل حكومة إنقاذ وطني».
وأضاف أبو عبد النعيمي قائلا لـ«الشرق الأوسط» عبر الهاتف من منطقة وصفها «على مشارف بغداد» قائلا: «إن ثوار العشائر العراقية هم من يسيطر على مدينة تكريت وأقضيتها ونواحيها باستثناء سامراء»، مشيرا إلى أن «ما تعلنه أجهزة الإعلام الحكومية (المالكية) من أن (داعش) تسيطر على تكريت محض أكاذيب»، نافيا أن «تكون القوات الحكومية قد دخلت تكريت».
وأضاف النعيمي قائلا: «نحن عراقيون ومع شعبنا شيعة وسنة من العرب والأكراد والتركمان والمسيحيين، ولا نريد تأسيس حكم طائفي مثلما فعل المالكي وجماعته، وسوف نقضي على تنظيمات داعش عندما نحقق أهدافنا ونخلص العراق من المالكي»، مشيرا إلى أن «سبب مصائب العراق هو الحكم الطائفي الذي انتهجه رئيس الوزراء الذي كان بمقدوره إنقاذ البلد لو استمع لمطالب السنة المشروعة، ونحن لا نقاتل باسم السنة فقط، بل إن عشائر الفرات الأوسط والجنوب تدعمنا وهي معنا»، منبها إلى أن «هناك قوى كثيرة تدعمنا في داخل العاصمة بغداد وهي مهيأة للانضمام لمقاتلينا عندما ندخل إلى المدينة وبينهم ضباط في الجيش العراقي الحالي».
من جهتهم، يقول مسؤولو أمن عراقيون وأميركيون بارزون، إن المسلحين السنة يعدون العدة للهجوم على بغداد، وإن الخلايا النائمة التي زرعت داخل العاصمة ستستيقظ في «ساعة الصفر» وتدعم المقاتلين القادمين من أطراف المدينة.
وكان المقاتلون السنة قد استولوا على مساحات شاسعة من الأراضي في شمال وغرب العراق خلال تقدم خاطف بدأوه منذ ثلاثة أسابيع وهم يقولون إنهم يزحفون صوب العاصمة التي يقطنها سبعة ملايين نسمة والتي لا تزال تعاني أثر الاشتباكات الضارية بين أحيائها السنية والشيعية خلال الاحتلال الأميركي.
وتقول الحكومة إنها تتعقب الخلايا النائمة وتقبض على عناصرها لتأمين العاصمة وتقول جماعات شيعية شبه عسكرية إنها تساعد السلطات. وهناك من السكان السنة من يقول، إن الحملة تستخدم لترويعهم. ويتحدث العراقيون عن «ساعة الصفر» التي سيبدأ فيها تنفيذ خطة هجوم معدة سلفا.
ويقدر مسؤول أمني عراقي رفيع عدد عناصر الخلايا النائمة بنحو 1500 في غرب بغداد، إضافة إلى 1000 عنصر في مناطق على مشارف العاصمة.
وقال إن هدف هذه الخلايا هو اختراق «المنطقة الخضراء» شديدة التحصين التي أقامتها الولايات المتحدة وتضم مباني الحكومة على الضفة الغربية لنهر دجلة. وأضاف أن ذلك سيكون بمثابة نصر دعائي سينطلق منه المقاتلون لإقامة جيوب لهم في غرب بغداد وفي مناطق نائية.
وتابع المسؤول قائلا: «توجد خلايا نائمة كثيرة في بغداد، ستسيطر على منطقة ولن تسمح لأحد باستردادها.. هي جاهزة ومتأهبة في غرب بغداد».
وقال رجل يصف نفسه بأنه عنصر في خلية من هذه الخلايا، وهو أصلا من محافظة الأنبار التي تقع بالغرب وتقطنها غالبية سنية والتي كانت معقلا للمسلحين السنة، إنه يشتغل في بغداد عاملا، بينما يجمع سرا معلومات لجماعته السنية. وأضاف الرجل الذي طلب الإشارة إليه باسم أبو أحمد أن الهجوم على العاصمة سيأتي قريبا، وخلال لقاء في مكان عام قال لـ«رويترز» وهو يتلفت بتوتر خشية أن يكون هناك من يتابع الموقف: «نحن جاهزون. هذا يمكن أن يحدث في أي لحظة». وقال: «عندنا مفاجآت». وعند اقتراب أي غريب كان يتوقف عن الحديث ويجذب قبعته ليغطي بها أكبر قدر ممكن من وجهه.
وكان هناك رجل ضخم في منتصف الثلاثينات كان يرتدي قميصا رياضيا مقلما، وقال إنه قاتل مع جماعة اسمها كتائب ثورة العشرين في سنوات الاحتلال الأميركي وسجنته الحكومة العراقية من 2007 إلى 2009. توقف عن القتال في 2010 بعد أن سئم الحرب وكان متفائلا نسبيا إزاء المستقبل، لكنه حمل السلاح مجددا العام الماضي غضبا من حملة الحكومة التي يهيمن عليها الشيعة على المحتجين السنة وانضم للمجلس العسكري وهو اتحاد فضفاض يضم جماعات سنية ومقاتلين من العشائر.
لم يكن من الممكن التيقن من كل تفاصيل روايته، لكن مراسلي «رويترز» كانا واثقين من هويته.
وأبو أحمد، مثله مثل كثيرين من المقاتلين السنة، لا ينتمي للتنظيم الذي كان يطلق عليه «الدولة الإسلامية في العراق والشام» والذي خرج من عباءة «القاعدة» وله رأي متذبذب في التنظيم الذي أطلق شرارة الانتفاضة الأخيرة حين بسط سيطرته على مدينة الموصل الرئيسة في الشمال في العاشر من يونيو (حزيران) ثم أعلن منذ أيام تغيير اسمه إلى (الدولة الإسلامية) وحسب.
كانت جماعات سنية كثيرة قد انقلبت على تنظيم القاعدة خلال الاحتلال الأميركي، لكنها تلتف الآن حول حملة الدولة الإسلامية ضد الحكومة رغم أن بعضها يشجب أسلوب التنظيم في قتل مدنيين واتهام الشيعة بالهرطقة.
وقال أبو أحمد إن جماعته، التي تضم ضباطا سابقين من جيش صدام حسين، تؤيد بعض أهداف تنظيم الدولة الإسلامية. وأضاف: «هناك طيبون في الدولة الإسلامية وهناك أشرار. بالنسبة للطيبين قضيتنا واحدة».
وتقول الحكومة إنها قادرة على حماية العاصمة وإن لديها عيونا تتعقب الخلايا النائمة من أمثال أبو أحمد لاعتقالها.
وقال الفريق قاسم عطا، المتحدث باسم القائد العام للقوات المسلحة العراقية، إن السلطات لديها الكثير من الخطط الأمنية، مشيرا إلى أن الخلايا النائمة ليست في بغداد وحسب، بل وفي كل المحافظات الأخرى وأنها تنتظر أي فرصة للهجوم. وأضاف أن هذه الخلايا تخضع لمتابعة يومية دقيقة وأنه جرى اعتقال عدد منها وتكليف ضباط في المخابرات بتتبعها عن كثب. وقال إن هناك خططا خاصة للتصدي لأنشطة هذه الخلايا.
ومحاولة السيطرة على بغداد، وهي مدينة أغلبية سكانها من الشيعة وبها مناطق خاضعة لتأمينات قوية، ليست بالمهمة اليسيرة بالنسبة للمسلحين الذين ركزوا اهتمامهم حتى الآن على السيطرة على مناطق سنية. ويقول كثير من أهل بغداد، منهم السنة ومنهم الشيعة، إنهم سيتصدون للمسلحين الذين يسعون لإقامة خلافة إسلامية.
كانت العاصمة هي ساحة المعركة الرئيسة في أسوأ اقتتال طائفي شهده العراق خلال عامي 2006 و2007 حين قتل عشرات الآلاف معظمهم من المدنيين في القتال بين المسلحين السنة والميليشيات الشيعية والقوات الأميركية.
وبعدها فر الملايين من العاصمة وترك ملايين آخرون منازلهم ببغداد وتحولت أحياء كانت يقطنها مزيج طائفي من قبل إلى قلاع تهيمن عليها طائفة أو أخرى. ورغم مرور ست سنوات على الأقل منذ آخر مرة سيطر فيها مسلحون سنة وميليشيات شيعية على قطاعات كاملة من بغداد ما زالت العاصمة عرضة للاختراق من قبل انتحاريي الدولة الإسلامية الذين لا يكاد يوم يمر دون أن يضربوا أهدافا شيعية وحكومية.
وصرح مسؤول كبير بالمخابرات الأميركية بأن واشنطن لديها أدلة على أن الدولة الإسلامية تتأهب للهجوم على بغداد من خلال خطة تشمل هجمات انتحارية منسقة،
غير أن مسؤولين أميركيين آخرين يرون أن الدولة الإسلامية يمكن أن تحمل نفسها عبئا لا قبل لها به إن هي حاولت السيطرة على بغداد بأسرها. وهم يقولون إن الخطة الأكثر ترجيحا هي أن يسيطر المقاتلون على منطقة سنية ويحدثوا بلبلة بهجمات تفجيرية.
أما مقاتلو الدولة الإسلامية فيؤكدون أن خطتهم هي السيطرة على العاصمة والإطاحة بالنخبة السياسية في بغداد.
قال أبو سعدة وهو مقاتل من التنظيم جرى الاتصال به هاتفيا في الموصل: «سنتلقى الأوامر الخاصة بساعة الصفر». وأضاف أن الجماعة لديها خلايا في بغداد تتواصل معها عبر البريد الإلكتروني رغم أن الحكومة تقطع اتصالات الإنترنت من آن لآخر سعيا لعرقلة عمل المسلحين.
الأمر بالمدينة الآن أشبه بلعبة القط والفأر. وقال أبو أحمد إن المسلحين زرعوا عيونا لهم في قوات الأمن العراقية والوزارات الحكومية وداخل المنطقة الخضراء. أما هو ورفاقه فيحاولون تفادي الحملة المكثفة التي تقوم بها قوات الأمن والميليشيات الشيعية للامساك بالمتآمرين. وقال إن هناك «مزيدا من الاعتقالات الآن وخاصة لضباط الجيش السابقين ومن كانوا في السجون الأميركية.. تقتحم قوات الشرطة الخاصة والميليشيات منازلهم ثم لا نسمع شيئا عنهم بعد ذلك. نبحث عنهم في السجون فلا نجد لهم أثرا».
وقد نجحوا في تحرير 12 منهم حتى الآن أحدهم على الأقل من خلال رشوة قدرها 20 ألف دولار. وهو يرى أن سوء المعاملة التي يلقونها من الحكومة العراقية هي التي تدفعهم للقتال. وفتح قميصه ليكشف عن أثر جرحين غائرين في صدره قال إنه أصيب بهما خلال استجوابه وهو في الحجز. وما من سبيل للتحقق من روايته عن قيام قوات الأمن بانتهاكات.
ودفع احتمال الهجوم على بغداد جماعات شيعية شبه عسكرية - يعمل معظمها في السر منذ عام 2008، للتعبئة هذا العام لمساعدة السلطات في التصدي لتنظيم الدولة الإسلامية. وتقول جماعة عصائب أهل الحق الشيعية التي تعتقد واشنطن أنها تتلقى تمويلا وتسليحا من إيران، إنها ساعدت في ضبط عناصر مسلحة في بغداد.
وتقول الحركة إنها تتلقى أوامر من الحكومة وتشير إلى فتوى أصدرها دعاة شيعة قبل ثلاثة أسابيع تحث المواطنين على مساعدة القوات المسلحة.
وقال أحمد الكناني، المتحدث باسم عصائب أهل الحق، إن هدف المسلحين هو «السيطرة على بغداد وأيضا إفشال العملية السياسية في بغداد. سيحاولون تنفيذ هذه الخطة بخلاياهم النائمة.. نمسك بهم ونسلمهم لقوات الأمن».
وتعيد هذه الأفعال إلى أذهان كثير من السنة في بغداد ذكريات الاقتتال الطائفي في العقد الماضي حين كان أعضاء ميليشيات شيعية ومسلحون سنة يجوبون الشوارع ويمسكون بأبرياء ويقتلونهم بذريعة استئصال شأفة خصومهم الإرهابيين. وعادت الآن ظاهرة الاختفاء من جديد.
وقالت امرأة سنية طلبت عدم الإفصاح عن اسمها خشية انتقام عصائب أهل الحق، إن الشرطة احتجزت أخاها 13 يوما في أبريل (نيسان) الماضي وبعد ثماني ساعات من إطلاق سراحه اقتحم ملثمون من الجماعة منزلهم واصطحبوه. قالت: «كانوا يغطون وجوههم ولم تكن هناك أرقام على سياراتهم»، ولم تره بعدها.



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.