«السرقات الأدبية» هاجس يؤرق الأدباء.. ومطالب بتطبيق حازم للملكية الفكرية

تعددت الحيل والأدوات.. والجريمة واحدة

«دار الفكر العربي» أصدرت خلال ثلاث سنوات 154 كتابا هيمن عليها الشباب
«دار الفكر العربي» أصدرت خلال ثلاث سنوات 154 كتابا هيمن عليها الشباب
TT

«السرقات الأدبية» هاجس يؤرق الأدباء.. ومطالب بتطبيق حازم للملكية الفكرية

«دار الفكر العربي» أصدرت خلال ثلاث سنوات 154 كتابا هيمن عليها الشباب
«دار الفكر العربي» أصدرت خلال ثلاث سنوات 154 كتابا هيمن عليها الشباب

تشكل ظاهرة السرقات الأدبية على المستويين الثقافي والإعلامي، ظاهرة تؤرق الأدباء والمثقفين السعوديين، في ظل الحاجة لتعزيز الجانب التشريعي المحلي لتجريم ومعاقبة التجاوزات على المنتج الفكري والأدبي. يُضاف إلى ذلك ما تشهده قاعات المحاكم واللجان المختصة من خصومات حول الملكية الفكرية.
واعتبر عدد من الأدباء والمثقفين السعوديين أن السرقات الأدبية باتت تفاجئهم عبر ما يرصدونه من تجاوزات، سواء بالاقتباس أو الاختصار أو الاستيلاء على موروثهم الأدبي والفكري، معتبرين أن السرقات الأدبية في محتواها المعنوي أصعب ما يمكن أن يتعرض له المبدع في إنتاجه الأدبي، مطالبين الكثير منهم بضرورة تطبيق حقوق الملكية الفكرية، التي تحفظ حقوق الناشر في أي مكان، مجمعين على ضرورة مواكبة حركة حماية هذه الحقوق عالميا، وكان التأخر عن ركبها سببا في مفاقمة مسألة السرقات الأدبية محليا.
عبده خال: من يحمي المؤلف؟
من جانبه، بيَّن الروائي السعودي عبده خال، أنه يفترض أن يكون هناك واقع قانوني يحمي المؤلف، وينتصر لقضاياه وحقوقه في حال تعرض منتجه الفكري لسرقة، مشيرا إلى أن الواقع التشريعي المعمول به محليا لا يوجد كواقع قانوني، وإنما كبنود قانونية تصف الظاهرة دون انتصار لصاحب الحق (المؤلف).
وأوضح خال أنه ظهرت أخيرا بنود قانونية، لكنها لم تنتصر للمؤلف، وإن انتصرت في الداخل، ضاعت في الخارج؛ كون معظم الكُتَّاب السعوديين يقومون بالطباعة خارج المملكة في دور طباعة خارجية، مؤكدا أنه لا توجد جدية لحماية المؤلف، وذلك ليس في السعودية فقط، وإنما هذه مشكلة عامة في العالم العربي، الذي يعاني إهمالا وإهدارا لحقوق المؤلفين.
وقال خال: «إن البنود الثانوية في الحقوق الفكرية لم تستطع حتى الآن الانتصار للمؤلف»، مبينا أن الكثير من المؤلفين الأوروبيين يشكون من السطو على أعمالهم وترجمتها إلى العربية، وتحويلها إلى أعمال درامية، وهذا ما رأيناه في كتابات المؤلف العالمي ماركيز، الذي يشكو ترجمة أعماله الروائية إلى اللغة العربية من دون إذن منه.
وعن الأمور التي يمكن أن يخسرها المؤلف جراء سرقة أعماله، أكد خال أن الخسائر المادية شيء لا يُذكر بجانب الأمور الأخرى، ووصف هذه الخسائر بأنها هزيلة؛ كون المنتج في العالم العربي، سواء كان كاتبا أو مؤلفا يعاني قلة المردود، مبينا أن الخسائر الكبيرة تكون في القيمة، وعدم احترام ملكية المؤلف، وعدم إعطاء الكاتب قيمته المعنوية، فكتاب واحد في أوروبا يمكن أن يصنع المعجزات لمؤلفه، بينما في الوطن العربي قد لا يتمكن مؤلف من استرداد قيمة الطباعة.
وأكد أن الإشكالية ليست مادية بقدر ما هي حماية لحقوق واحترام لإنتاج أدبي إبداعي، والمشكلة أن السرقات الفكرية تعد - في نظر الكثيرين - نقلا للمعلومة ونشرا للخير، وهذا ما ترسخ في الثقافة العربية.

* جنحة ثقافية
وفي السياق ذاته، يقول سعود البلوي، كاتب رأي بصحيفة «الوطن»، وعضو الجمعية السعودية لكتَّاب الرأي: «بالنسبة للسرقات المتعلقة بمقالات الرأي، أقل ما يمكن أن توصف به أنها جنحة ثقافية، على الرغم من أن السرقة عموما، سواء كانت أدبية، أم علمية، أم فكرية جريمة متجاوزة لكل القوانين والأعراف والأخلاقيات المتعلقة بحقوق الملكية الفكرية وأخلاقيات الإعلام».
وأشار البلوي إلى تعرضه لحادث سرقة أدبية، تمثل في السطو على أحد مقالاته، موضحا أن تلك الحادثة كشفت له تعرض كثير من زملاء المهنة لما تعرض له من سطو على منتجهم الأدبي والفكري.
ولفت البلوي إلى أن ما توفره وسائل الاتصال الحديثة وشبكات الإنترنت سهَّل الوصول إلى المعلومة وإمكانية الاستيلاء عليها بطرق غير مشروعة، مؤكدا أن كشف عمليات «السطو الفكري» أصبح متاحا بفضل التقنيات الحديثة التي تكشف هويات لصوص الكلمات والأفكار.
وشدد على ضرورة تكريس مبادئ الملكية الفكرية في الأوساط التربوية والثقافية والإعلامية، عبر غرس أخلاقيات العلم والعمل الإعلامي، وقال: «ربما أستطيع الذهاب إلى أبعد من ذلك، بالقول إنه يمكن من خلال إقرار برامج محو الأمية الإعلامية (التربية الإعلامية) في المناهج الدراسية الارتقاء بالعمل الإعلامي مهنيا وأخلاقيا؛ إذ إن تعليم الإعلام في المراحل التأسيسية يحقق أهدافا عدة، منها وجود الاحترافية والمهنية لدى إعلاميي المستقبل، وتكوين المهارات اللازمة لديهم للتعامل مع الإعلام، ومساعدتهم كذلك على قراءة الرسائل الإعلامية، وتحليل مضامينها، واستقاء المعلومات وردها إلى مصدرها، وبالتالي نشأة حد معقول من المصداقية التي قد تحد من ظاهرة السرقات العلمية والأدبية والفكرية في الصحافة والإعلام تحديدا».

* «سرقة خيرية»
وأكد الأديب محمد زايد الألمعي، أن أسوأ من يتعرض لعمليات السرقات الفكرية هم الكتاب؛ حيث إن الفنانين والموسيقيين أكثر من يجري الحفاظ على إبداعهم، خاصة من خلال «يوتيوب»، أو توثيق هذه الأعمال بكاميرا فيديو، فهم لا يعانون السرقات كغيرهم من المبدعين الذين يجري سرقة أفكارهم، منتقدا نظرة المجتمع إلى هذه السرقات باعتبارها فعلا للخير، وتبادلا للمنفعة والمعلومة، حيث قال إنها متاجرة بالحقوق، وهذا ما نراه من استفادة الكثير من الشركات من جمع المعلومات من كتب أخرى وبيعها.
وأضاف أن خسارة المؤلف قضية الملكية الفكرية لا تقتصر فقط على الخسارة المادية، وإنما هي خسارة مركبة تؤدي إلى انقطاع علاقته بعمله الإبداعي منذ السرقة الأولى، وعند التسامح في هذه القضية يجري الاستمرار في هذه الانتهاكات الخاصة بحقوق المؤلف، في حال إهمال الدولة هذه السرقات، فهو ميراث الأديب الذي يجب أن يحافظ عليه من أيدي العابثين، حيث يجري بيعه والاتجار به، مضيفا أن الكتب أوعية للمعلومات، وهي أكثر ما يمكن أن يتعرض للسرقة من الأعمال الإبداعية.
وشدد الألمعي على ضرورة وجود قوانين صارمة ورادعة لحماية الملكية الفكرية في البلاد العربية والسعودية، وأن تكون هناك توعية كافية في الأوساط الثقافية بثقافة الحقوق، مبينا أن المنتج الأدبي والثقافي يحتاج دعما كبيرا من قبل وزارة الثقافة والإعلام لتعريف المثقفين بحقوقهم، وكذلك سن قوانين صارمة وعقوبات وغرامات على من يتعدى على الملكية الفكرية لغيره.
وأضاف: «إن مشكلتنا في العالم العربي أننا نهتم بالملكية الفكرية على الورق فحسب؛ إذ اهتمت بعض الدول العربية منذ وقت طويل بوضع قوانين صارمة تتعلق بمسائل الملكية الفكرية، في دول المغرب العربي، خاصة تونس، كما أن كثيرا من الدول العربية توقع الاتفاقيات الدولية الخاصة بحقوق الملكية الفكرية إثر الاتفاقات، دون أن نجد ثقافة احترام الملكية الفكرية».
* المحامي القاروب: السعودية تمتلك قوانين رادعة لحماية الملكية الفكرية
* أشار المحامي ماجد قاروب، إلى أن القوانين الرادعة للملكية الفكرية في السعودية موجودة بشقيها الأدبي والصناعي، وهي متوافرة منذ سنوات طويلة، منها نظام العلامات التجارية، وحماية حقوق المؤلف، وبراءة الاختراع، وغيرها من الأنظمة التي شهدت عبر سنوات طويلة تجديد وتحديث وصدور أنظمة جديدة لاستكمالها، والتي اكتملت قبل سبع سنوات عند انضمام السعودية إلى منظمة التجارة العالمية، وكان من شروط انضمامها، اكتمال المنظومة التشريعية فيما يخص قوانين ولوائح الملكية الفكرية، وعلى أثرها جرى انضمام المملكة إلى عضوية المنظمة العالمية للملكية الفكرية؛ حيث أصبحت القوانين في السعودية متوافقة مع الأنظمة العالمية بإقرار جميع دول العالم.
وأكد قاروب أن هناك ضعفا كبيرا في ثقافة الحقوق، مشيرا إلى أن السعودية لديها جميع القوانين الرادعة، من عقوبات وغرامات وإتلاف ومصادرة، بالإضافة إلى قوانين التشهير والمخالفات وقضايا التعويضات، مؤكدا أن نضوج الأفكار في هذا المجال لا يأتي إلا من خلال الاستثمار في التعليم، ونشر الثقافة الحقوقية، وذلك يحتاج جهدا ووقتا.
وشدد قاروب على حرص السعودية للحفاظ على الملكيات الفكرية، من خلال سن القوانين واللوائح وتجنيد كافة طاقاتها لتعزيز فكرة الملكية الفكرية في القطاعات المختلفة، على الرغم من تعددية الإنجازات الفكرية، وأبواب المعرفة، ووسائل الاتصال؛ ما يتطلب أن تكون هناك قوانين صارمة في هذا المجال، يجري تحديثها وفقا لكل ما هو جديد.
من جانبها بينت الدكتورة ملحة عبد الله، الأديبة والكاتبة المسرحية السعودية، أنها بصفتها عضوا في الحماية الفكرية التابعة لجامعة الدول العربية، يمكنها القول إنه لا توجد هناك - في العالم العربي - أي قوانين تحمي المبدع والمفكر، وإن وجدت هذه القوانين، فإنه لا يجري تفعليها بالشكل المطلوب.
وقالت: «يعد ذلك نوعا من السطو الأدبي غير العادي على الأفكار، خاصة السينما والمسرح، وكذلك الرسائل العلمية»، مؤكدة تعرض بعض أعمالها للسطو والتقليد والاقتباس، وأنها اكتفت بالاعتذار والاعتراف بملكيتها الفكرية لمنتجاتها.
وزادت: «هناك حالات سطو على السينما العالمية، وسرقة للأفكار، وتحويلها إلى سينما عربية بشكل واضح، دون أي رقابة، وهذه الحالة تسمى لدى النقاد (قلب الجراب)، ولا يمكن أن تكتشف إلا من قِبَل النقاد، والمبدع نفسه الذي يكتشف السرقة».
وذهبت ملحة عبد الله إلى القول: «إن الحل يكمن في أن تقوم جامعة الدول العربية ووزارة الثقافة والإعلام في المملكة بوضع قوانين رادعة للملكية الفكرية، وأن تكون موضوعية وشفافة، ونحن المثقفين لا نريد أخذ حقوقنا عن طريق المحاكم؛ لصعوبة استرجاع الحقوق من هذه الأماكن؛ ولكن يجب أن يجري استرجاع الحقوق عن طريق مختصين بمجال الملكية الفكرية؛ حتى يستطيع كل مؤلف الاطمئنان على مؤلفه».



روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك
TT

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعد أن كان يُنظر إليه على أنه ترفيهي ثانوي، تحول أدب الخيال إلى فضاء تعبيري عميق يعكس مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل غامض تهيمن عليه تكنولوجيا متسارعة، فانفجرت مبيعاته بشكل لافت، مما أعاد إشعال النقاش حول شرعيته الأدبية.

ففي فرنسا مثلاً كشفت دراسة لـ«مرصد الخيال» (أوبسرفاتوار دو ليماجينار) لعام 2025 عن الأرقام التي تؤكد هذا الانتعاش، حيث تبين أن مبيعات روايات الخيال العلمي قد قفزت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2023 و2024، ومعها ظهرت أيضاً دور نشر جديدة متخصصة في هذا النوع الأدبي. التوجه نفسه ينطبق على سوق الكتب الأميركية، والتي شهدت أيضاً ارتفاعاً في مبيعات رواية الخيال العلمي، فحسب بيانات معهد سيركانا بوك سكان، وصلت نسبة الزيادة إلى 12 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، في حين شهدت مبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا قفزة مذهلة بنسبة 41.3 في المائة في المملكة المتحدة بين عامي 2023 و2024 بحسب تقرير نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية بعنوان: «بوك توك وراء ارتفاع كبير لمبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا».

"حكاية الخادمة" لمارغريت أتوود

وبعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل هذه الروايات في طابعها الترفيهي القائم على المبالغة، والغرابة، والكائنات الخرافية، والسفر عبر الزمن، والتقنيات الخارقة التي لا وجود لها في الواقع، فإن الصورة أصبحت اليوم أقرب للأدب الاستكشافي الذي يستعين بالخيال العلمي لفهم قضايا سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، من خلال إسقاطات مستقبلية، ورمزية.

يرى سيمون بريان، الباحث المختص في مركز دراسات الآداب الفرنسية بجامعة السوربون، أن الخيال العلمي يعمل بوصفه أداة لتشخيص الحاضر عبر تضخيم قضايا محورية، مثل رقمنة الحياة، أو الكوارث المناخية الوشيكة، وهو ما نراه مثلاً في رواية 1984 لجورج أرويل التي لا يظهر فيها التقدم التقني بوصفه أداة لرفاهية الإنسان، بل باعتبار أنه «عين ساهرة» لا تنام، تهدف إلى إلغاء الخصوصية، وإعادة صياغة العقل البشري. وفي السياق ذاته، يشير جان بول أنجيليبيرت، أستاذ الأدب المقارن في جامعة بوردو إلى أن هاجس نهاية العالم في هذه الروايات ليس مجرد ترف فني، بل هو محاولة لاستباق مخاوفنا عبر سيناريوهات تحبس الأنفاس، مما يجنب الإنسان المعاصر ضياع البوصلة في حاضر يفتقر إلى ثوابت مستقرة. ففي رواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي توظف التكنولوجيا، والتحكم العلمي في الإنجاب، والتكييف النفسي لتحقيق مجتمع مستقر ظاهرياً، لكنه فاقد للحرية، والإرادة الفردية، وهو تجسيد لمخاوفنا من أن تؤدي التقنيات الحديثة إلى تسليع الإنسان، وتحويله إلى كائن مبرمج. كما تعبر أعمال مثل «هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك عن القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث يتداخل الحد الفاصل بين الإنسان والآلة، وأسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية في عصر التكنولوجيا.

العامل المشترك وراء هذا الانتعاش الجديد يعود حسب تقرير صحيفة «الغارديان» إلى فضل المنصّات الرقمية، وبالأخص «بوك توك»، حيث تشير دراسة معهد سيركانا بوك سكان إلى أن واحداً من كل اثني عشر كتاباً ورقياً يباع في الأسواق العالمية حالياً يعود الفضل في انتشاره مباشرة إلى تأثير صُنّاع المحتوى على «تيك توك».

ومن الأمثلة الأخيرة رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، والتي حققت نجاحاً ساحقاً بفضل «بوك توك»، مما دفع دور النشر إلى رفع سقف التوقعات، والطباعة الأولية لأعمالها اللاحقة إلى أرقام فلكية تتجاوز 300 ألف نسخة طبعة أولى، وهو رقم كان يُعد مستحيلاً لرواية من فئة الخيال قبل عصر الـ«تيك توك». على أن تأثير مجتمع الـ«تيك توك» لم يقتصر على الإصدارات الحديثة فقط، بل امتد ليعيد روايات منسية إلى الواجهة. على سبيل المثال: رواية «أغنية أشيل» التي نُشرت عام 2011، والتي شهدت انفجاراً في المبيعات بعد سنوات من صدورها لتتجاوز مليوني نسخة في 2024بفضل مقاطع فيديو عاطفية قصيرة لم تتجاوز الستين ثانية.

وأقدم منها رواية 1984 لجورج أرويل، والتي تشهد زيادة مستدامة في المبيعات السنوية بنسبة تتراوح بين 10 إلى 20 في المائة مقارنة بما قبل عصر المنصة، وهو رقم ضخم لعمل تجاوز عمره سبعة عقود. ولذا، فلن نبالغ إن قلنا إن المنصات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» قد لعبت دوراً حاسماً في كسر النخبوية المحيطة بالشرعية الأدبية، فمن خلال إعادة إحياء الكلاسيكيات، والاحتفاء بالروايات الديستوبية، فرض الجمهور الشاب ذائقته على دور النشر، ولم يعد الاعتراف يأتي من «الأكاديميات» فحسب، بل من قوائم الأكثر مبيعاً التي تسيطر عليها الآن روايات الخيال العلمي، والفانتازيا.

نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والحريات الفردية والهندسة الوراثية

لقد ظل أدب الخيال العلمي، ولفترة طويلة، مهمشاً باعتباره «أدباً شعبياً»، أو «شبه أدب»، حيث اعتبره قسم من النقاد أدباً استهلاكياً يفتقر إلى العمق الإنساني، والتعقيد اللغوي. وفي هذا السياق، تقول الكاتبة الشهيرة أورسولا كيه لو غوين، التي خاضت معارك طويلة لنيل اعتراف النقاد بهذا النوع، ما يلي : «لقد تم حصرنا في محميات أدبية وكأننا لا نكتب عن البشر، بينما الحقيقة أن الخيال العلمي هو الأداة الأقوى لاستكشاف ما يعنيه أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول».

والملاحظ أن نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية، مثل التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والحريات الفردية، والهندسة الوراثية، ولم يعد هذا الأدب مجرد نبوءات تكنولوجية، بل أصبح بمثابة مختبر اجتماعي، وفلسفي. ويرى الكاتب الفرنسي المختص في هذا الجنس الأدبي جان مارك ليني أن الخيال العلمي هو أدب الواقع، لأنه لا يهرب من العالم، بل يستخدم المستقبل مجهراً لمراقبة الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية الحالية، وقد كان الكاتب الفرنسي-الكندي الراحل موريس دانتيك قد صرّح في إحدى مقابلاته مع الصحافة الفرنسية بأن الأدب الفرنسي الكلاسيكي يعاني من النسيان، وأن الخيال العلمي هو النوع الوحيد القادر على دمج الانفجار التكنولوجي العلمي في الرواية الإنسانية. وقد أثبت النجاح الكبير الذي حققه آلان داماسيو مع روايته المعروفة «المتسلّلون» التي بيعت بأكثر من 150 ألف نسخة، وحصلت على عدة جوائز، أن الكتابة المتقنة للغاية يمكن أن تتزاوج بشكل مثالي مع موضوعات الاستباق السياسي. وفي نفس السياق تشكل الجوائز الأدبية علامة بارزة على هذا الاعتراف، وأفضل مثال: رواية «حكاية الخادمة» لمرغاريت أتوود التي فازت بعدة جوائز، منها جائزة آرثر سي كلارك للخيال العلمي، وكانت مرشحة لجائزة بوكر، وقد بيع أكثر من 8 ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وحدها.


تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران
TT

تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء السكنية في المدينة الإسلامية القديمة، من بخارى وسمرقند شرقاً حتى مراكش وفاس غرباً، يكشف عن قانون متماسك يراعي الهوية الحضارية والتجانس الاجتماعي والاتساع والبهجة مع الحرص على البساطة وعدم المبالغة.

ويشير المؤلف إلى أن الأماكن العامة في تلك المدينة كانت تقع على جانبي الشارع التجاري «قصبة المدينة»، وتشمل الأسواق المركزية للمدينة والمتاجر الكبرى المغطاة والمكشوفة وورش المهنيين والمساجد الكبرى ومجموعات الأسواق المتخصصة والحمامات. وتتفرع من هذا الشارع الأنشطة الحرفية للحي ومساجده وحماماته ومقاهيه، ويتخللها بعض الدور والمساكن وهى أكثر ارتفاعاً.

أما الأماكن الخاصة، فهي التي تقع على امتداد الحواري والمسالك المسدودة الضيقة، أو المنعطفات، وتتفرع من الشوارع المركزية للأحياء، وتشمل المباني السكنية التي تتميز بواجهات مبانيها القليلة الارتفاع والفتحات، في حين التزمت مباني الأحياء بارتفاع يكاد يكون ثابتاً عدا المساجد. كما نلحظ تعدد الأفنية وتداخلها بين مجموعات المباني، لاستقطاب حياة الناس إلى الداخل، بينما تنساب الأسواق المغطاة خلال الكتلة العمرانية للمدينة، مكوّنة محاور للحركة ونقطة تلاقٍ للسكان بين الأحياء المختلفة.

ويخترق الحي أو المجاورة شارع رئيسي واحد في الغالب، ويسكنه مجتمع متجانس عادة وقليل العدد نسبياً، وتربط ما بين أفراده روابط دينية أو عرقية أو مهنية، ويتوفر لديهم شعور قوي بترابط الجماعة، وباحترام الواجبات والالتزامات المتبادلة بينهم.

ورغم ذلك، لا يتم تقسيم الأحياء بحسب مكانة الطبقات الاجتماعية؛ فالحي عالم مصغر، يعيش فيه الغني والفقير جنباً إلى جنب، ويتشاركان في الجوامع والأسواق والحمامات والأسبلة.

وقد عدّت سلطات الدولة الحي، وحدة إدارية وكان له رئيسه ومجلسه، وفي أوقات الاضطرابات، عدّ أيضاً وحدة دفاعية. ورغم أنه قد تُحرس بوابات الأحياء بالحراس في الليل في أوقات القلاقل، لكن الحي ليس محدداً تحديداً معمارياً في الغالب، ويتصل اتصالاً عضوياً بالمباني المجاورة للأحياء الملاصقة، ويستطيع السكان أن يوطدوا علاقاتهم دائماً.

والملاحظ أن الكتل المعمارية في الحي السكني منفصلة عن بعضها بواسطة ما يحتّمه التخطيط، من ترك الفراغات حول الأبنية، فإذا اتصلت هذه الفراغات بفراغات الشوارع، تكونت مساحات كبيرة من الفراغات التي تكوّن كمية كبيرة من الضوء، والحرارة لكل من في المنطقة. وهذا الاتجاه يكاد يكون سائداً في معظم التجمعات السكنية، في أنحاء العالم وخصوصاً في الدول الغربية التي كانت سباقة في اتباع هذا الاتجاه، وتبعها بعض دول العالم، ومن بينها الدول الإسلامية، التي لم تحاول مناقشة مدى صلاحية هذا الاتجاه لطبيعة بلادها.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى ما يسمى «الرحبات» التي تمثل مناطق التقاء في المدن الإسلامية، فهي نقطة تلاقٍ للشوارع وتتوسط الأحياء السكنية، وكان اتساعها سبباً في اتخاذها مكاناً للباعة الجائلين، ما أدى إلى تسمية «الرحبة» باسم التجارة التي تروج بها مثل «رحبة البصل» في دمشق. وقد تضم الرحبة أحد المرافق العامة، ومن أمثلة ذلك الرحبة التي كانت أمام مسجد الدرعي بمدينة الفسطاط المصرية، فقد اشتملت على «بئر سابلة» أي بئر ماء عامة تمد من يرغب بالمياه، وهذا مؤشر على بدايات الصهاريج العامة والأسبلة في مصر.


العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
TT

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»، فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة الملتقى في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

وفي حفل أقيم مساء الأربعاء على مسرح مكتبة الكويت الوطنية، بحضور عدد كبير من الكتّاب والنقّاد والمثقفين الكويتيين والعرب والمترجمين، أعلن الدكتور محمد الشحّات، رئيس لجنة التحكيم، قرار اللجنة بالإجماع فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي بالجائزة في هذه الدورة عن مجموعته «لا بار في شيكاغو».

وقال الشحّات، إن الأعمال القصصية المشاركة في هذه الدورة بلغ مجموعها 235 مجموعة قصصية، مرّت بعدد من التصفيات انتهت إلى القائمة الطويلة بعشر مجموعات، ثم القائمة القصيرة بخمس مجموعات.

وأوضح الشحّات: «باتت جائزة الملتقى عنواناً بارزاً على ساحة الجوائز العربية، لا سيّما والنتائج الباهرة التي حقَّقها الفائزون بها في الدورات السابقة، وذهاب جميع أعمالهم إلى الترجمة إلى أكثر من لغة عالمية، فضلاً عن الدور الملموس الذي قامت به الجائزة في انتعاش سوق طباعة ونشر المجموعات القصصية التي أخذت تُزاحم فنّ الرواية العربية في سوق الكتاب الأدبي العربي، وفي معارض الكتب الدولية في العواصم العربية الكبرى».

وقد وصل إلى القائمة القصيرة خمسة أدباء هم: أماني سليمان داود عن مجموعتها (جبل الجليد)، وشيرين فتحي عن مجموعتها (عازف التشيلّو)، ومحمود الرحبي عن مجموعته القصصية (لا بار في شيكاغو)، وندى الشهراني عن مجموعتها (قلب منقّط)، وهيثم حسين عن مجموعته (حين يمشي الجبل).

من جهته، قال القاص العماني الفائز محمود الرحبي، إن فوزه «بجائزة الملتقى يعني الفوز بأهم جائزة عربية على الإطلاق للقصة القصيرة، وهو فوز بأوسكار الجوائز الأدبية العربية، وسوف يضع مسؤولية على كاهلي بأن أقدّم القصة القصيرة المبدعة دائماً».

المجموعة القصصية «لا بار في شيكاغو» الفائزة بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» (الشرق الأوسط)

«الكويت والقصة القصيرة»

وفي الندوة المصاحبة التي ترافق إعلان الفائز، أقامت جائزة الملتقى ندوة أدبية بعنوان: «الكويت والقصة القصيرة العربية» شارك فيها عدد من مبدعي الكتابة القصصية في الوطن العربي، إضافة إلى النقاد والأكاديميين.

وبمناسبة إطلاق اسم الأديب الكويتي فاضل خلف، على هذه الدورة، وهو أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955، تحدث الشاعر والمؤرخ الدكتور يعقوب يوسف الغنيم، وزير التربية السابق، عن صديقه الأديب فاضل خلف، حيث وصف فاضل خلف بأنه «صديق قديم، عرفته منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، واستمرت صلتي به إلى يوم فراقنا بوفاته. ولقد تعرفت عليه قبل أن أعرفه، وذلك من خلال ما نشر في مجلة (البعثة) ومجلة (الرائد) وغيرهما. وكانت له صلة مع عدد كبير من الأدباء في الكويت وفي عموم الوطن العربي».

وأضاف الغنيم: «للأستاذ فاضل تاريخ أدبي ناصع، فقد كان من أبرز كتاب القصة القصيرة في الكويت، وكان يتابع كل ما يتعلق بالمفكرين العرب سعياً إلى الاطلاع على إنتاجهم. ويكفيه فخراً أنه من فتح باب نشر المجاميع القصصية حين أصدر مجموعته الأولى (أحلام الشباب) عام 1955».

من جانبه، قال الدكتور محمد الجسّار، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (راعي الجائزة): «نعيش حدثاً إبداعياً ثقافياً عربياً مُتميّزاً، احتفاءً بفن القصة القصيرة العربية، وتكريماً لذكرى أحد رجالات الكويت الأفاضل الأديب الكويتي المبدع (فاضل خلف)، الذي كان في طليعة كتّاب القصة الكويتيين الذين اتخذوا من فن القصة طريقاً لمسيرة حياتهم، حين أصدر مجموعته القصصية الأولى (أحلام الشباب) عام 1955، حاملة بُعدَها الكويتي ونَفَسها العروبي الإنساني».

وأضاف الجسار: «جائزة الملتقى للقصة القصيرة، منذ انطلاقها عام 2015، كانت تنتمي إلى الكويت بقدر انتمائها للمشهد الإبداعي العربي، حيث أكّدت دورها الريادي في دعم فن القصة القصيرة، وها نحن نحتفل بالدورة الثامنة للجائزة، مؤكّدين التزام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدعم ورعاية جائزة الملتقى، بوصفها مبادرة إبداعية ثقافية ترفع من شأن الإبداع والأدب، وتعزز من مكانة دولة الكويت بوصفها حاضنة للفكر والإبداع العربيين».

طالب الرفاعي: صوت الكويت

من جانبه، أشار مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة الأديب طالب الرفاعي، إلى «اقتران اسم الجائزة بالقصة القصيرة من جهة والكويت من جهة أخرى، وذلك بعد مرور عشر سنوات على إطلاقها، وهذا ما جعل الكويت طوال السنوات الماضية حضناً وبيتاً للقصة العربية، وقبلة لأهم كتّاب القصة القصيرة في الوطن العربي».

وأكّد أن الجائزة تزداد حضوراً وأهميةً على مشهد الجوائز العربية والعالمية، حيث صار يُشار إليها بوصفها «أوسكار الجوائز العربية الأدبية»، وأنها سنوياً تقدم للترجمة العالمية قصاصاً عربياً مبدعاً.

وقال الرفاعي إن «القصة أصبحت وجهاً مشرقاً من وجوه وصل الكويت بالمبدع العربي».