جاسم الصحيّح: ما زلت أسعى إلى «الانحراف عن الأسلاف» وليس إلى إكمالهم

الشاعر الفائز بجائزة «عكاظ» يقول إن هناك قسطاً من التجريب في شعره

جاسم الصحيح
جاسم الصحيح
TT

جاسم الصحيّح: ما زلت أسعى إلى «الانحراف عن الأسلاف» وليس إلى إكمالهم

جاسم الصحيح
جاسم الصحيح

يتوج بعد غدٍ (الأربعاء) الشاعر السعودي جاسم محمد الصحيّح بجائزة سوق «عكاظ» الدولية للشعر العربي الفصيح خلال الدورة الـ12 لعام 2018.
والشعار الصحيّح هو ابن المدينة التي كتب عنها غازي القصيبي قبل سنوات: «الأحساء تطلق صاروخاً شعرياً»، في عبارة اختارها ليعلن من خلالها «ولادة شاعر عابر لحدود المكان... شاعر (استثنائي) يشق طريقه نحو القمة».
وبمناسبة فوزه بهذه الجائزة، التقينا الشاعر جاسم الصحيّح في الأحساء حيث يقيم، وساهم في جانب من الحوار شعراء الأحساء: جاسم عساكر وعبد اللطيف المبارك وناجي حرابة.
> جاسم الصحيّح معروفٌ في المشهد الثقافي بأنه شاعر كلاسيكي قادمٌ من التراث، ما علاقتك بالتراث؟
- التراث بالنسبة لي يمثل فضاءً معرفياً مهماً جداً، يجب دائماً استقراؤه واستقصاؤه والعودة إليه، لكن لسنا مجبرين أن نعتمد طرائقَ تعبيره الشعرية. إننا بمقدار ما يجب أن ننصهر في الماضي عبر معرفته، يجب أن نكون ذاتنا في لحظة الكتابة وممارسة الحياة. الماضي طاولة نتكئ عليها حينما نريد أن نكتب المستقبل بقلم الحاضرِ وأوراقه.
شخصياً، أسعى دائماً إلى الانحراف عن الأسلاف، وليس إلى إكمالهم. بمعنى أنني أؤمن بالمغامرة فيما لم يغامروا همْ في مجاهيله خلال بحثهم عن الجمال، وهذا بالضبط ما قصده الشاعر الأميركي الشهير روبرت فروست حينما قال:
«هناك طريقان يتفرعان في الغابة، وأنا اخترتُ الطريقَ الأقل اختياراً»...
الخلاصة، أنني رغم اعتمادي للقالب الكلاسيكي في الكتابة، إلا أن هناك قسطاً من التجريب في عملي الشعري، حيث إن الشعر هو فن التطلع وليس فن التذكر، والشاعر إذْ يعود للماضي، فإنه يحاول معرفته كي يتجاوزه لا لكي يكرره. فإذا كان المثل العربي القديم يقول «من شابه أباه فما ظلم»، فإن الحقيقة الشعرية تقول «من شابه أباه في الشعر فقد ظلم»، وهذه ليست دعوة لقتل الأب، لكنها دعوة إلى تجاوزه.
> بعد ثلاثين عاماً ونيف من علاقتك مع الكتابة، هل يختلف إحساسك الآن عما كان عليه في السابق عندما تمسك القلم لكتابة قصيدة جديدة؟
- لا شك أنه يختلف اختلافاً كبيراً، وقد عبّرت عن ذلك في بعض اللقاءات حيث أكدت أن علاقتي بالكلمات كانت في السابق تشبه علاقة الطفل بالألعاب والدمى، لكنني كلما كسرت لعبة لاكتشاف أسرارها، فوجئت بالأسرار الكامنة في محركاتها الداخلية؛ الأمر الذي دفعني إلى التعامل مع المفردات بحذرٍ شديد إلى درجة أنني أصبحت الآن أتعامل معها بوصفها قنابل موقوتة وألغاماً مفخخة جاهزة للانفجار في أي لحظة.
إلا أن كل ما تقدم يفضي إلى أنني حاولت قدر الإمكان أن تكون لي حساسية شعرية خاصة في استخدام اللغة، نتج منها أسلوبٌ خاص في التعبير المعبأ بالإيحاء عن مكنونات تجربتي الذاتية.
> في ديوانك الجديد «قريبٌ من البحر... بعيدٌ عن الزرقة» تقول: «نَسَبَتْنِي إلى (اليسار) طباعي وإنِ اختارَني الطريقُ المُيَامِنْ - شاعرٌ كلما توهجتُ شعراً غزلياً أحرقتُ لحية كاهنْ»... ماذا تقصد بهذا النسب إلى (اليسار) الذي نمته إليك طباعك كما تقول؟
- الشعر يمثل صرخة احتجاج ضد القبح والاستعباد في الحياة. ولا أبالغ إذا قلت إن الشعر يولد «معارضاً يسارياً» إن صح التعبير... لكنْ بالمعنى الإنساني وليس الآيديولوجي، والشعراء يوجهونه كما يريدون لاحقاً. هو صرخة احتجاج ضد أي شكلٍ من أشكال التسلط، سواء كان اجتماعياً أم سياسياً أم دينياً أم تاريخياً، وغيرها من أشكال التسلط.
الشعر هو محاولتنا الدائمة لاختطاف حريتنا من براثن العالم. بمقدار ما تشعر بحريتك أيها الإنسان حينما تقف أمام العالم، أنت شاعر. الحب والشعر والحرية توائم سيامية لا يمكن فصل الواحد عن الآخر. لكن وراء هذا السعي نحو الحرية تقبع مكابدات الشاعر... كما تتجلى فرادته عن الآخرين.
> بناءً على تجربتك مع القصيدة ومعرفتك بمعاناة الكتابة، نرجو أن تحدثنا عن معاناة الشاعر مع كتابة قصيدته؟
- هذا سؤال كبير جداً؛ أعتقد أن جميع الشعراء منذ العصر القديم تحدثوا عن معاناتهم مع الكتابة، وقد وردت هذه المعاناة في أشعارهم.
ولعل أهم من عبر عن هذا المعنى هو الشاعر سُويد بن كُراع، القائل:
أبيتُ بأبواب القوافي كأنما
أُصادي بها سرباً من الوحش نُزعا
إذا خِفتُ أن تُروَى علي رددتُها
وراء التراقي خشية أن تَطَلعا
هكذا يستشعر الشاعر القصيدة داخل نفسه قبل خروجها إلى الورق، فهو إذا خاف أن تكون القصيدة ضعيفة، ردها وراء التراقي ولم يسمح لها بالخروج.
فالشعر استجابة جمالية لوخزة داخل النفس قد تكون وخزة ألم أو وخزة شغف، أو أي وخزة من وخزات العاطفة. لذلك؛ قال الشاعر الكبير راينر ماريا ريلكه، صاحب «رسالة إلى شاعر شاب» (letters to young poet): «لا تكتب الشعر إلا حينما تشعر بأنك ستموت إذا لم تكتب».
إذنْ، فالكتابة الشعرية لدى ريلكه تجاوزت كونها مواجهة سرب من الوحوش، وأصبحت تمثل المعادل المعنوي للحياة في مجابهة الموت.
> كيف نستطيع أن نمد جسراً يربط بين آيديولوجية جاسم الصحيّح ببساطته في مجتمعه المتدين، وبين جاسم الصحيّح المنفلت في بعض أفكاره وشطحاته على الصعيد الإبداعي، كما يراه البعض... ألا يعد ذلك نفاقاً اجتماعياً؟
- النفاق؛ عموم النفاق تحكمه حالة من التستر، وأنت تقول إنني منفلت في بعض أفكاري وشطحاتي، أي أنني لا أتستر وإنما أصرح بما أراه دون مواربة. لا أرى تناقضاً بين حضوري الاجتماعي المتصالح مع الناس، وبين حضوري الشاطح على الورقة. نصي هو المربع الوحيد الذي تستدرجني إليه الفكرة لأخوض فيه معاركي لاستعادة ذاتي السبية من قبضة حاضرها وماضيها، أو بكلامٍ أدق، ليخوضها الشعر والفكر والحبرُ نيابة عني. أعترف بأنني لست مهيأً بطبيعتي للتمرد على بعض المألوفات والمسلمات ما دمت أقيم خارج مربع النص، لكن عندما ألج إلى داخل هذا المربع تولد داخلي شجاعة مفرطة حد التهور في بعض الأحيان، وربما كان السبب هو أن حيثية الرغبة في الكتابة لها «هرمون» خاص ينسرب في مساماتي بمجرد أن أقف على أعتاب النصوص، وربما كان الإيمان بمسؤولية الكتابة هو الذي يدفعني للمواجهة، لكن بأسلوبٍ جمالي يروض شراسة النزال.
> ليس على الشاعر أن يكون منظّراً أو فيلسوفاً؛ لأن الشعر في حقيقته هو خليط من العقل والروح، فهل توظيف الشعر والدفع به تجاه القضايا الآنية يُفقده معناه؟
- الشعر ليس ملتزماً بهدف اجتماعي أو منظومة أفكار آيديولوجية، وليس مُستَكتَباً في وظيفة دينية أو دنيوية. يقول الدكتور السريحي «بمقدار ما يخدم الشعر قضية ما، بمقدار ما يخسر من شعريته». ويعبر أدونيس عن الشعر فيقول «لا وظيفة للإبداع إلا الإبداع». إن القضايا الدينية والسياسية والاجتماعي تتطلب إيصالاً مباشراً لها بالطرُقِ التقليدية، وهذا ما يتنافى مع جوهر الشعر.
لكن الشعر - في الوقت ذاته - ليس حيادياً في رؤيته للحياة ونظرته للعالم من حوله. إن الشعر كائنٌ متأمل له رسالته الجمالية، كما أن له وسيتله التعبيرية الإيحائية عن هذه الرسالة التي تقوم دائماً على هدم الحياة المعلبة الجاهزة وإعادة بنائها مجازياً على شكلٍ أجمل.
> بنى محمود درويش تجربته الشعرية في مجموعاته الأخيرة على فكرة «الديوان المشروع»، كـ«حالة حصار، وجدارية»، بحيث يعالج الديوان فكرة واحدة، فهل سيخطو جاسم الصحيّح هذه الخطوة؟ وهل سنرى صورة مختلفة لأسلوبك الشعري؟
- القصيدة ثاكلٌ وليست ندابة؛ حيث الندابة ذاتُ طلاوة لفظية على هياكل عظمية فارغة من أي عاطفة. أما الثاكل فإن حزنها ينبع من أعماقها وعواطفها. والقصيدة مثكولة ومفجوعة في الإنسانية كلها، وفي كل شيءٍ حقيقي وجميل على هذه الأرض. بناءً على ذلك؛ فإن الكتابة الشعرية ليست كتابة قصدية يمكن التخطيط لها على أن تكون طويلة أو قصيرة، خصوصاً إذا ما تحدثنا عن كتابة القصيدة الشعرية الحديثة التي تتجه ناحية الومضة. رغم ذلك، تبقى كتابة القصيدة الطويلة ممكنة، إلا أنها تحتاج إلى جَلَد شعري كافٍ ولياقة إبداعية كي تسمو على احتمالية سقوطها في السائد والمتكرر والمبتذل.
> هل القصيدة هي حالة خلاص من صراع عنيف يعيشه الشاعر، أم هي شيء آخر؟
- أعتقد أنه فريدريك نيشه الذي دعانا إلى أن نسمو بأمراضنا إلى مستوى الأفكار. وربما كانت القصيدة أعظم من مجرد هذا السمو... ربما كانت ردة فعلنا الإنسانية باتجاه الموت، ومقاومته الأبدية باللغة العالية كما يتجلى ذلك في ملحمة جلجامش السومرية.
> هل يُتَوَقع من الشاعر المتميز أن يشهد قفزات مستمرة في منجزه الشعري؟ وما مدى التطور الممكن الذي يحدث للموهبة الشعرية؟
- نحن نؤمن بأن الجمال ليس له حدود، وهذا يقودنا إلى أن الموهبة الشعرية ليس لها حدود أيضاً، ما دامت قادرة على تجديد طاقتها وفاعليتها وحيويتها وقدرتها الإيحائية.
إن مسؤولية الموهبة كبيرة جداً؛ فهي تبلور الأسلوب التعبيري، وتبتكر الرؤى الجديدة، وتنسج أجنحة الخيال، وتخلق الحساسية اللغوية، وتعبر من الكلام إلى ما وراء الكلام. وكل ذلك لن يحدث إلا إذا اشتغل الشاعر باجتهادٍ كبير على صقل موهبته والعبور بها إلى مناطق جديدة من الحياة والأحلام واللغة والتجربة والقراءات التثقيفية. هكذا تبقى الموهبة متوقدة في روحها، ومتوثبة في طموحها فكلما بلغتْ ذروة في الشعر، تفتح لها مدارٌ جديد للانطلاق نحو الأعلى. لكن هذا التحدي الكبير لا ينجح فيه إلا القليل، ولا أراني منهم، وإنما أراني من الشعراء الذين لهم طاقة محدودة، أو عمرٌ افتراضي في الإبداع، وقد استهلكت غالبية هذا العمر.
> في السعودية ومع «رؤية 2030» التي أطلقها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، أصبحت المرأة كتفاً إلى كتف مع الرجل، ماذا سيعكس ذلك على المشهد الثقافي والأدبي من حراك؟
- لا بد لي في البداية أن أتقدم بالشكر الجزيل لولي العهد الأمير محمد بن سلمان؛ على هذه الخطوة الشجاعة التي فتحت للمرأة بوابة الحياة على مصراعيها بعد أن بقيتْ هذه البوابة مغلقة طوال عقود من الزمن. وأنا واثقٌ كامل الثقة بأن المرأة في مجتمعنا تعلم جيداً أن ما قام به ولي العهد يحمل تكليفاً عليها بمقدار ما هو تشريف لها، وأنها سوف تتحمل مسؤوليات كبرى على كل صُعد الحياة، ومنها الصعيد الثقافي.
سابقاً، وعندما كانت المرأة مغيبة، كان «ثلاثة أرباع» المجتمع مغيباً، ولا أقول «نصف» المجتمع؛ فالمرأة تتجاوز النصف في أهميتها الاجتماعية وليست العددية؛ والرجل لا يمثل أكثر من «الربع» في أهميته.
وقد يقول قائل إن المرأة في المؤسسات الثقافية كانت حاضرة سابقاً؛ فهي عضو مشارك في إدارة الأندية الأدبية، وهي شاعرة وروائية وقاصة وكاتبة، ولها حضورها على المنابر الثقافية. أقول هذا كلام صحيح، لكن ذلك الحضور للمرأة كان دائماً مبتوراً بسبب غيابها عن الحضور في بقية ميادين الحياة؛ أما الآن فسوف يكون حضور المرأة حضوراً كاملاً في كل ميادين الحياة ميداناً يعضدُ ميداناً. وإذا ما أضفنا ذلك إلى وقوف المرأة كتفاً إلى كتف مع الرجل في كل تلك الميادين، فإننا على ثقة من صناعة مجتمعٍ حضاري متكامل في كل شؤون الحياة.



مقهى الحرب ومصحّها... زياد الرحباني يعود من الشاشة لتفكيك حاضر بيروت

المشهد يعرفنا أكثر ممّا نعرفه (الشرق الأوسط)
المشهد يعرفنا أكثر ممّا نعرفه (الشرق الأوسط)
TT

مقهى الحرب ومصحّها... زياد الرحباني يعود من الشاشة لتفكيك حاضر بيروت

المشهد يعرفنا أكثر ممّا نعرفه (الشرق الأوسط)
المشهد يعرفنا أكثر ممّا نعرفه (الشرق الأوسط)

عادت سينما «متروبوليس» البيروتية إلى العمل بعد إقفال فرضته الحرب، حاملةً معها مسرحيتَيْن، بين عروض أخرى، تبدوان كأنهما كُتبتا لهذه اللحظة. «بالنسبة لبكرا... شو؟» (1978) و«فيلم أميركي طويل» (1980) لزياد الرحباني، عادتا من الأرشيف بصفة مواجهة. في الصالتين، امتلأت المقاعد على نحو يُذكّر بسنوات كان فيها الجمهور يذهب إلى المسرح فيما القصف قريب، لإيمان بأنّ الثقافة شكل من أشكال الاحتماء، والعودة إلى نصوص تعرف هذا البلد أكثر من نفسه محاولة لفَهْم ما يتكرَّر من دون أن يُسمَّى.

في العتمة تجلس بيروت لتشاهد نفسها من بعيد (الشرق الأوسط)

المفارقة أنّ المسرحيتَيْن، رغم المسافة الزمنية، تبدوان متداخلتَيْن إلى حدّ الذوبان. مقهى «بالنسبة لبكرا... شو؟» ومصحّ «فيلم أميركي طويل» مرحلتان من الحالة نفسها. في الأول، يتّخذ القلق شكل بطالة متفاقمة وأحلام مُعلَّقة ومدينة تُغري الوافدين إليها قبل أن تضعهم أمام واقع ضاغط يُبدِّل مساراتهم. في الثاني، يتكثَّف هذا القلق حتى يصير اضطراباً داخلياً، كأنّ ما كان يحدث في الشارع انتقل إلى الرأس. بين المكانين، يمكن قراءة امتداد كامل من التعب الاجتماعي إلى التشظّي النفسي، ومن الانتظار إلى الاختلال.

ما يفعله زياد الرحباني في هذين العملين يتجاوز تسجيل اللحظة. هو يُفكّكها من الداخل ويضع اليد على الأعصاب التي تتحرَّك تحت الجِلْد الجماعي. يرى الفقر خلخلة في منظومة العلاقة مع الذات، بينما يراه آخرون نقصاً في المال، ويُعرِّف البطالة على أنها تصدُّع في الإحساس بالدور. الغربة داخل المدينة في مسرحه تتخطَّى الابتعاد الجغرافي نحو الإحساس بأنّ المكان لا يتعرَّف إلى أهله. وسط هذا المناخ، يصبح الكلام اليومي مادةً درامية، وتتحوَّل النكتة وسيلةَ توازن، وتغدو السخرية لغةً موازية للبقاء.

في العتمة تجلس بيروت لتشاهد نفسها من بعيد (الشرق الأوسط)

في «بالنسبة لبكرا... شو؟»، يشتغل النصّ على فكرة التعليق الدائم. الغد حاضر في الجُملة وغائب في الواقع. كلّ شيء مُرحَّل إلى لحظة لاحقة تظلُّ بعيدة. هذا المشهد الذي عكس في زمنه مرحلة اقتصادية واجتماعية مضطربة، يبدو اليوم مُطابقاً لواقع بلد يترنَّح على حافة الانتظار. تتبدّل التفاصيل، وتبقى البنية نفسها القائمة على وعود تتقدَّم دائماً خطوة إلى الأمام، وحياة تُدار على قاعدة الاحتمال.

أما في «فيلم أميركي طويل»، فيبلغ التفكيك مستوى أعلى حدّة، حيث يتحوّل المصحّ مساحةً كاشفة تُبيّن كيف يتغلغل الاضطراب العام داخل الأفراد. لا مكان للعلاج في بنية أصابها اعتلال من جذورها، ولا مرجعية ثابتة تملك حقّ تعريف العقل في زمن مختلّ. فالجنون امتداد طبيعي لمحيط فَقَد توازنه يصدر عن الأفراد وينعكس عليهم. والسُّلطة التي تُشخِّص وتُصنِّف تبدو بدورها جزءاً من الخلل، تُكرِّسه وهي تظنّ أنها تضبطه، لتفقد اللغة، التي يُفترض أن تشرح وتُحدِّد، قدرتها على الإحاطة، وتتحوَّل أداةً عاجزة عن تثبيت المعنى، تدور حوله وتُضاعف غموضه.

اللافت في استعادة هذين العملين اليوم أنهما يخرجان من حدود السياق الذي وُلدا فيه. الحرب التي شكّلت خلفيتهما الأولى تُعيد رسم صورتها في الحاضر، حيث تتكرَّر ملامحها ضمن سياقات جديدة.

يتكلَّم التعب الذي تعجز الشوارع عن قوله (الشرق الأوسط)

يُخيِّم مناخ متقلِّب على الفضاء العام، ويضغط الاقتصاد على الحياة اليومية، بينما الناس يتنقّلون بين التكيُّف والإنهاك. ضمن هذا الواقع، تبدو المسرحيتان كأنهما نصّ واحد يتكلَّم بصيغتين؛ واحدة تلتقط الخارج وهو يتشقَّق، وأخرى تلتقط الداخل وهو ينهار.

تكمن أهمية استعادة هذا الإرث اليوم في ما يتجاوز قيمته الفنّية المباشرة. أجيال تلقَّت هذه الأعمال عبر الصوت وحفظت مقاطعها حتى استقرّت في الذاكرة الجماعية، من دون أن تلامسها في حضورها البصري كما هو. لذا؛ يفتح العرض السينمائي باباً لعودة الجسد المسرحي إلى الواجهة، فتستعيد التفاصيل البصرية مكانها ويُقرأ الإيقاع بعين مختلفة.

حين تضيق المدينة... يتّسع المسرح (الشرق الأوسط)

مما يمنح هذه العودة معناها الأشدّ تأثيراً قدرةُ زياد الرحباني على كتابة نصوص تتقدَّم الزمن الذي خرجت منه. لم ينشغل بمتابعة الحدث في ظاهره، فاتّجه إلى تفكيك بنيته الكامنة ورصد منطقه الداخلي، كاشفاً آليات تشكُّل السؤال من داخل التجربة نفسها. لهذا؛ تبدو مسرحياته كأنها تتحرّك مع البلد، تتبدَّل قراءتها كلّما تبدَّل السياق، وتحتفظ بقدرتها على الإضاءة كلّما اشتدَّ العتم.

تُقدِّم سينما «متروبوليس» المسرحيتَيْن خارج إطار الاستعادة، وتريدهما امتداداً مباشراً للحاضر. الجمهور الذي ملأ صالتَيْها على وَقْع قلق يُثقل الشوارع، يدرك أنّ حضوره يتجاوز فعل المُشاهدة. يذهب ليُعاين المسافة بين الضحك والاختناق، وبين الفَهْم والعجز.


البكاء لا يُريح دائماً... دراسة تُفكِّك الوهم الشائع

ليست كل الدموع طريقاً إلى الراحة (شاترستوك)
ليست كل الدموع طريقاً إلى الراحة (شاترستوك)
TT

البكاء لا يُريح دائماً... دراسة تُفكِّك الوهم الشائع

ليست كل الدموع طريقاً إلى الراحة (شاترستوك)
ليست كل الدموع طريقاً إلى الراحة (شاترستوك)

يسود اعتقاد شائع بأنّ البكاء يساعد في تخفيف التوتّر ويُحقق الراحة النفسية، ولكن دراسة حديثة أُجريت في النمساً أثبتت أنّ الأمر ليس بهذه البساطة.

وسجَّل فريق بحثي من جامعة كارل لاندشتاينر للبحوث الطبية في النمسا 315 نوبة بكاء، بغرض فَهْم الأسباب التي تدعو إلى ذرف الدموع، وما يتبع هذه النوبات من انفعالات ومشاعر.

ووفق الدراسة التي نشرتها دورية علمية متخصّصة في طبّ النفس ونقلتها «وكالة الأنباء الألمانية»، استخدم الباحثون تطبيقاً إلكترونياً يعمل على الهواتف من أجل إتاحة الفرصة للمشاركين في التجربة، للكشف عن طبيعة مشاعرهم بعد نوبة البكاء مباشرة، ثم مرة أخرى بعد 15 و30 و60 دقيقة.

وخلص الباحثون إلى أنّ البكاء لا يجلب دائماً شعوراً فورياً بالارتياح؛ بل إن كثيرين يشعرون بأنهم أصبحوا أسوأ حالاً بعد توقُّف الدموع.

ووجد الباحثون أنّ البكاء بسبب الشعور بالتوتّر أو الوحدة أو الضغوط النفسية عادة ما يرتبط بمشاعر سيئة بعد توقُّف الدموع، أما البكاء بسبب الاستماع إلى قصة مؤثّرة أو مُشاهدة فيلم درامي مثلاً، فعادة ما يعقبه شعور بالارتياح.

وتوصّلوا إلى أنّ المرأة عادة ما تبكي أكثر وبشكل أكثر حدّة، وعادة ما يكون هذا البكاء ناجماً عن الشعور بالوحدة، في حين أنّ الرجال يبكون على الأرجح عند الشعور بالعجز عن التصرُّف، أو عند مشاهدة بعض المواد الإعلامية.

ويرون أيضاً أنّ أي تأثير انفعالي ناجم عن البكاء، سواء كان إيجابياً أو سلبياً، عادة ما يتبدَّد في غضون ساعات.

وصرّح أعضاء فريق الدراسة لموقع متخصص في البحوث الطبية، بأنه «لا توجد أي دلائل علمية مؤكدة تُثبت أنّ البكاء يجعل الأشخاص يشعرون بأنهم أفضل حالاً من طبيعتهم المُعتادة».


«أرتيميس 2» في مدار القمر

كريستينا كوتش من طاقن "آرتيميس 2" تنظر إلى الكرة الأرضية من نافذة مركبة "أورايون" (أ.ف.ب)
كريستينا كوتش من طاقن "آرتيميس 2" تنظر إلى الكرة الأرضية من نافذة مركبة "أورايون" (أ.ف.ب)
TT

«أرتيميس 2» في مدار القمر

كريستينا كوتش من طاقن "آرتيميس 2" تنظر إلى الكرة الأرضية من نافذة مركبة "أورايون" (أ.ف.ب)
كريستينا كوتش من طاقن "آرتيميس 2" تنظر إلى الكرة الأرضية من نافذة مركبة "أورايون" (أ.ف.ب)

دخل رواد الفضاء الأربعة ضمن مهمة «أرتيميس2» إلى مدار القمر، أمس، في وثبة عملاقة للبشرية، تمكنهم من مشاهدة أجزاء قمرية لم تَرَها عين مجردة لإنسان من قبل.

وقبل أقل من ساعة من التحليق في مدار القمر، كان مقرراً أن يصير رواد الفضاء الأربعة أبعد مَن يصل إلى هناك من البشر، متجاوزين الرقم القياسي للمسافة الأبعد، البالغ 400 ألف و171 كيلومتراً، الذي سجلته المركبة الفضائية «أبولو13» في أبريل (نيسان) 1970. وتوقع مركز التحكم في المهمة أن تتجاوز كبسولة «أوريون» التابعة لـ«أرتيميس2» هذا الرقم القياسي بأكثر من 6600 كيلومتر.

وعلى رأس قائمة أهداف البعثة «حوض أورينتال»، وقد أظهرت صورةٌ أرسلها الطاقم هذه الفوهةَ التي لم تسبق رؤيتها إلا بواسطة كاميرات تدور في مدار حول القمر من دون وجود طاقم، بالإضافة إلى أطراف منطقة القطب الجنوبي، وهي الموقع المفضل لعمليات الهبوط المستقبلية.