جاسم الصحيّح: ما زلت أسعى إلى «الانحراف عن الأسلاف» وليس إلى إكمالهم

الشاعر الفائز بجائزة «عكاظ» يقول إن هناك قسطاً من التجريب في شعره

جاسم الصحيح
جاسم الصحيح
TT

جاسم الصحيّح: ما زلت أسعى إلى «الانحراف عن الأسلاف» وليس إلى إكمالهم

جاسم الصحيح
جاسم الصحيح

يتوج بعد غدٍ (الأربعاء) الشاعر السعودي جاسم محمد الصحيّح بجائزة سوق «عكاظ» الدولية للشعر العربي الفصيح خلال الدورة الـ12 لعام 2018.
والشعار الصحيّح هو ابن المدينة التي كتب عنها غازي القصيبي قبل سنوات: «الأحساء تطلق صاروخاً شعرياً»، في عبارة اختارها ليعلن من خلالها «ولادة شاعر عابر لحدود المكان... شاعر (استثنائي) يشق طريقه نحو القمة».
وبمناسبة فوزه بهذه الجائزة، التقينا الشاعر جاسم الصحيّح في الأحساء حيث يقيم، وساهم في جانب من الحوار شعراء الأحساء: جاسم عساكر وعبد اللطيف المبارك وناجي حرابة.
> جاسم الصحيّح معروفٌ في المشهد الثقافي بأنه شاعر كلاسيكي قادمٌ من التراث، ما علاقتك بالتراث؟
- التراث بالنسبة لي يمثل فضاءً معرفياً مهماً جداً، يجب دائماً استقراؤه واستقصاؤه والعودة إليه، لكن لسنا مجبرين أن نعتمد طرائقَ تعبيره الشعرية. إننا بمقدار ما يجب أن ننصهر في الماضي عبر معرفته، يجب أن نكون ذاتنا في لحظة الكتابة وممارسة الحياة. الماضي طاولة نتكئ عليها حينما نريد أن نكتب المستقبل بقلم الحاضرِ وأوراقه.
شخصياً، أسعى دائماً إلى الانحراف عن الأسلاف، وليس إلى إكمالهم. بمعنى أنني أؤمن بالمغامرة فيما لم يغامروا همْ في مجاهيله خلال بحثهم عن الجمال، وهذا بالضبط ما قصده الشاعر الأميركي الشهير روبرت فروست حينما قال:
«هناك طريقان يتفرعان في الغابة، وأنا اخترتُ الطريقَ الأقل اختياراً»...
الخلاصة، أنني رغم اعتمادي للقالب الكلاسيكي في الكتابة، إلا أن هناك قسطاً من التجريب في عملي الشعري، حيث إن الشعر هو فن التطلع وليس فن التذكر، والشاعر إذْ يعود للماضي، فإنه يحاول معرفته كي يتجاوزه لا لكي يكرره. فإذا كان المثل العربي القديم يقول «من شابه أباه فما ظلم»، فإن الحقيقة الشعرية تقول «من شابه أباه في الشعر فقد ظلم»، وهذه ليست دعوة لقتل الأب، لكنها دعوة إلى تجاوزه.
> بعد ثلاثين عاماً ونيف من علاقتك مع الكتابة، هل يختلف إحساسك الآن عما كان عليه في السابق عندما تمسك القلم لكتابة قصيدة جديدة؟
- لا شك أنه يختلف اختلافاً كبيراً، وقد عبّرت عن ذلك في بعض اللقاءات حيث أكدت أن علاقتي بالكلمات كانت في السابق تشبه علاقة الطفل بالألعاب والدمى، لكنني كلما كسرت لعبة لاكتشاف أسرارها، فوجئت بالأسرار الكامنة في محركاتها الداخلية؛ الأمر الذي دفعني إلى التعامل مع المفردات بحذرٍ شديد إلى درجة أنني أصبحت الآن أتعامل معها بوصفها قنابل موقوتة وألغاماً مفخخة جاهزة للانفجار في أي لحظة.
إلا أن كل ما تقدم يفضي إلى أنني حاولت قدر الإمكان أن تكون لي حساسية شعرية خاصة في استخدام اللغة، نتج منها أسلوبٌ خاص في التعبير المعبأ بالإيحاء عن مكنونات تجربتي الذاتية.
> في ديوانك الجديد «قريبٌ من البحر... بعيدٌ عن الزرقة» تقول: «نَسَبَتْنِي إلى (اليسار) طباعي وإنِ اختارَني الطريقُ المُيَامِنْ - شاعرٌ كلما توهجتُ شعراً غزلياً أحرقتُ لحية كاهنْ»... ماذا تقصد بهذا النسب إلى (اليسار) الذي نمته إليك طباعك كما تقول؟
- الشعر يمثل صرخة احتجاج ضد القبح والاستعباد في الحياة. ولا أبالغ إذا قلت إن الشعر يولد «معارضاً يسارياً» إن صح التعبير... لكنْ بالمعنى الإنساني وليس الآيديولوجي، والشعراء يوجهونه كما يريدون لاحقاً. هو صرخة احتجاج ضد أي شكلٍ من أشكال التسلط، سواء كان اجتماعياً أم سياسياً أم دينياً أم تاريخياً، وغيرها من أشكال التسلط.
الشعر هو محاولتنا الدائمة لاختطاف حريتنا من براثن العالم. بمقدار ما تشعر بحريتك أيها الإنسان حينما تقف أمام العالم، أنت شاعر. الحب والشعر والحرية توائم سيامية لا يمكن فصل الواحد عن الآخر. لكن وراء هذا السعي نحو الحرية تقبع مكابدات الشاعر... كما تتجلى فرادته عن الآخرين.
> بناءً على تجربتك مع القصيدة ومعرفتك بمعاناة الكتابة، نرجو أن تحدثنا عن معاناة الشاعر مع كتابة قصيدته؟
- هذا سؤال كبير جداً؛ أعتقد أن جميع الشعراء منذ العصر القديم تحدثوا عن معاناتهم مع الكتابة، وقد وردت هذه المعاناة في أشعارهم.
ولعل أهم من عبر عن هذا المعنى هو الشاعر سُويد بن كُراع، القائل:
أبيتُ بأبواب القوافي كأنما
أُصادي بها سرباً من الوحش نُزعا
إذا خِفتُ أن تُروَى علي رددتُها
وراء التراقي خشية أن تَطَلعا
هكذا يستشعر الشاعر القصيدة داخل نفسه قبل خروجها إلى الورق، فهو إذا خاف أن تكون القصيدة ضعيفة، ردها وراء التراقي ولم يسمح لها بالخروج.
فالشعر استجابة جمالية لوخزة داخل النفس قد تكون وخزة ألم أو وخزة شغف، أو أي وخزة من وخزات العاطفة. لذلك؛ قال الشاعر الكبير راينر ماريا ريلكه، صاحب «رسالة إلى شاعر شاب» (letters to young poet): «لا تكتب الشعر إلا حينما تشعر بأنك ستموت إذا لم تكتب».
إذنْ، فالكتابة الشعرية لدى ريلكه تجاوزت كونها مواجهة سرب من الوحوش، وأصبحت تمثل المعادل المعنوي للحياة في مجابهة الموت.
> كيف نستطيع أن نمد جسراً يربط بين آيديولوجية جاسم الصحيّح ببساطته في مجتمعه المتدين، وبين جاسم الصحيّح المنفلت في بعض أفكاره وشطحاته على الصعيد الإبداعي، كما يراه البعض... ألا يعد ذلك نفاقاً اجتماعياً؟
- النفاق؛ عموم النفاق تحكمه حالة من التستر، وأنت تقول إنني منفلت في بعض أفكاري وشطحاتي، أي أنني لا أتستر وإنما أصرح بما أراه دون مواربة. لا أرى تناقضاً بين حضوري الاجتماعي المتصالح مع الناس، وبين حضوري الشاطح على الورقة. نصي هو المربع الوحيد الذي تستدرجني إليه الفكرة لأخوض فيه معاركي لاستعادة ذاتي السبية من قبضة حاضرها وماضيها، أو بكلامٍ أدق، ليخوضها الشعر والفكر والحبرُ نيابة عني. أعترف بأنني لست مهيأً بطبيعتي للتمرد على بعض المألوفات والمسلمات ما دمت أقيم خارج مربع النص، لكن عندما ألج إلى داخل هذا المربع تولد داخلي شجاعة مفرطة حد التهور في بعض الأحيان، وربما كان السبب هو أن حيثية الرغبة في الكتابة لها «هرمون» خاص ينسرب في مساماتي بمجرد أن أقف على أعتاب النصوص، وربما كان الإيمان بمسؤولية الكتابة هو الذي يدفعني للمواجهة، لكن بأسلوبٍ جمالي يروض شراسة النزال.
> ليس على الشاعر أن يكون منظّراً أو فيلسوفاً؛ لأن الشعر في حقيقته هو خليط من العقل والروح، فهل توظيف الشعر والدفع به تجاه القضايا الآنية يُفقده معناه؟
- الشعر ليس ملتزماً بهدف اجتماعي أو منظومة أفكار آيديولوجية، وليس مُستَكتَباً في وظيفة دينية أو دنيوية. يقول الدكتور السريحي «بمقدار ما يخدم الشعر قضية ما، بمقدار ما يخسر من شعريته». ويعبر أدونيس عن الشعر فيقول «لا وظيفة للإبداع إلا الإبداع». إن القضايا الدينية والسياسية والاجتماعي تتطلب إيصالاً مباشراً لها بالطرُقِ التقليدية، وهذا ما يتنافى مع جوهر الشعر.
لكن الشعر - في الوقت ذاته - ليس حيادياً في رؤيته للحياة ونظرته للعالم من حوله. إن الشعر كائنٌ متأمل له رسالته الجمالية، كما أن له وسيتله التعبيرية الإيحائية عن هذه الرسالة التي تقوم دائماً على هدم الحياة المعلبة الجاهزة وإعادة بنائها مجازياً على شكلٍ أجمل.
> بنى محمود درويش تجربته الشعرية في مجموعاته الأخيرة على فكرة «الديوان المشروع»، كـ«حالة حصار، وجدارية»، بحيث يعالج الديوان فكرة واحدة، فهل سيخطو جاسم الصحيّح هذه الخطوة؟ وهل سنرى صورة مختلفة لأسلوبك الشعري؟
- القصيدة ثاكلٌ وليست ندابة؛ حيث الندابة ذاتُ طلاوة لفظية على هياكل عظمية فارغة من أي عاطفة. أما الثاكل فإن حزنها ينبع من أعماقها وعواطفها. والقصيدة مثكولة ومفجوعة في الإنسانية كلها، وفي كل شيءٍ حقيقي وجميل على هذه الأرض. بناءً على ذلك؛ فإن الكتابة الشعرية ليست كتابة قصدية يمكن التخطيط لها على أن تكون طويلة أو قصيرة، خصوصاً إذا ما تحدثنا عن كتابة القصيدة الشعرية الحديثة التي تتجه ناحية الومضة. رغم ذلك، تبقى كتابة القصيدة الطويلة ممكنة، إلا أنها تحتاج إلى جَلَد شعري كافٍ ولياقة إبداعية كي تسمو على احتمالية سقوطها في السائد والمتكرر والمبتذل.
> هل القصيدة هي حالة خلاص من صراع عنيف يعيشه الشاعر، أم هي شيء آخر؟
- أعتقد أنه فريدريك نيشه الذي دعانا إلى أن نسمو بأمراضنا إلى مستوى الأفكار. وربما كانت القصيدة أعظم من مجرد هذا السمو... ربما كانت ردة فعلنا الإنسانية باتجاه الموت، ومقاومته الأبدية باللغة العالية كما يتجلى ذلك في ملحمة جلجامش السومرية.
> هل يُتَوَقع من الشاعر المتميز أن يشهد قفزات مستمرة في منجزه الشعري؟ وما مدى التطور الممكن الذي يحدث للموهبة الشعرية؟
- نحن نؤمن بأن الجمال ليس له حدود، وهذا يقودنا إلى أن الموهبة الشعرية ليس لها حدود أيضاً، ما دامت قادرة على تجديد طاقتها وفاعليتها وحيويتها وقدرتها الإيحائية.
إن مسؤولية الموهبة كبيرة جداً؛ فهي تبلور الأسلوب التعبيري، وتبتكر الرؤى الجديدة، وتنسج أجنحة الخيال، وتخلق الحساسية اللغوية، وتعبر من الكلام إلى ما وراء الكلام. وكل ذلك لن يحدث إلا إذا اشتغل الشاعر باجتهادٍ كبير على صقل موهبته والعبور بها إلى مناطق جديدة من الحياة والأحلام واللغة والتجربة والقراءات التثقيفية. هكذا تبقى الموهبة متوقدة في روحها، ومتوثبة في طموحها فكلما بلغتْ ذروة في الشعر، تفتح لها مدارٌ جديد للانطلاق نحو الأعلى. لكن هذا التحدي الكبير لا ينجح فيه إلا القليل، ولا أراني منهم، وإنما أراني من الشعراء الذين لهم طاقة محدودة، أو عمرٌ افتراضي في الإبداع، وقد استهلكت غالبية هذا العمر.
> في السعودية ومع «رؤية 2030» التي أطلقها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، أصبحت المرأة كتفاً إلى كتف مع الرجل، ماذا سيعكس ذلك على المشهد الثقافي والأدبي من حراك؟
- لا بد لي في البداية أن أتقدم بالشكر الجزيل لولي العهد الأمير محمد بن سلمان؛ على هذه الخطوة الشجاعة التي فتحت للمرأة بوابة الحياة على مصراعيها بعد أن بقيتْ هذه البوابة مغلقة طوال عقود من الزمن. وأنا واثقٌ كامل الثقة بأن المرأة في مجتمعنا تعلم جيداً أن ما قام به ولي العهد يحمل تكليفاً عليها بمقدار ما هو تشريف لها، وأنها سوف تتحمل مسؤوليات كبرى على كل صُعد الحياة، ومنها الصعيد الثقافي.
سابقاً، وعندما كانت المرأة مغيبة، كان «ثلاثة أرباع» المجتمع مغيباً، ولا أقول «نصف» المجتمع؛ فالمرأة تتجاوز النصف في أهميتها الاجتماعية وليست العددية؛ والرجل لا يمثل أكثر من «الربع» في أهميته.
وقد يقول قائل إن المرأة في المؤسسات الثقافية كانت حاضرة سابقاً؛ فهي عضو مشارك في إدارة الأندية الأدبية، وهي شاعرة وروائية وقاصة وكاتبة، ولها حضورها على المنابر الثقافية. أقول هذا كلام صحيح، لكن ذلك الحضور للمرأة كان دائماً مبتوراً بسبب غيابها عن الحضور في بقية ميادين الحياة؛ أما الآن فسوف يكون حضور المرأة حضوراً كاملاً في كل ميادين الحياة ميداناً يعضدُ ميداناً. وإذا ما أضفنا ذلك إلى وقوف المرأة كتفاً إلى كتف مع الرجل في كل تلك الميادين، فإننا على ثقة من صناعة مجتمعٍ حضاري متكامل في كل شؤون الحياة.



كيف تحافظ على قوة دماغك وصحته؟ 6 أمور تجنّبها فوراً

التنقل بين المهام المختلفة قد يعطي شعوراً زائفاً بالإنتاجية (بيكسلز)
التنقل بين المهام المختلفة قد يعطي شعوراً زائفاً بالإنتاجية (بيكسلز)
TT

كيف تحافظ على قوة دماغك وصحته؟ 6 أمور تجنّبها فوراً

التنقل بين المهام المختلفة قد يعطي شعوراً زائفاً بالإنتاجية (بيكسلز)
التنقل بين المهام المختلفة قد يعطي شعوراً زائفاً بالإنتاجية (بيكسلز)

يميل كثيرون إلى الإفراط في التفكير والتشكيك في قراراتهم، والانشغال بأسوأ السيناريوهات المحتملة، وهو ما قد يستهلك طاقتهم ويبطئ أداءهم ويجعل الاستمتاع بالحياة أكثر صعوبة. لكن الحفاظ على صحة الدماغ لا يتطلب بالضرورة تغييرات جذرية أو استغلال كل دقيقة من اليوم، بل يمكن تحقيقه من خلال تعديلات بسيطة في أسلوب التفكير والسلوك اليومي.

يرى أليكس كورب، عالم الأعصاب وأستاذ بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس، أن تحسين أداء الدماغ يبدأ بتجنّب بعض العادات الشائعة التي تستنزف الطاقة الذهنية. وبعد أكثر من 20 عاماً من البحث في علم الأعصاب، يؤكد أن التغييرات الصغيرة قد تُحدث فرقاً كبيراً في تعزيز التركيز والشعور بالهدوء ومقاومة الإرهاق، حسب ما أورده في تقرير نشرته شبكة «سي إن بي سي».

وفيما يلي أبرز 6 أمور ينصح كورب بتجنّبها للحفاظ على قوة الدماغ وصحته:

1. تجاهل القلق

يُنظر إلى القلق غالباً بوصفه أمراً سلبياً، لكن كورب يعتبره بمثابة «نظام إنذار» يصدر إشارات من الجهاز الحوفي- مركز العواطف في الدماغ- لينبّهك إلى ما هو مهم. تجاهل هذا الشعور قد يجعلك غير قادر على التمييز بين المواقف التي تتطلب استجابة فورية وتلك التي لا تستدعي القلق. لذلك، من الأفضل التوقف لحظة عند الشعور بالقلق، ومحاولة فهم مصدره، وطرح سؤال بسيط: ماذا يخبرني هذا الشعور عن أهمية هذا الموقف؟ هذا الوعي يساعد على التعامل معه بفعالية بدلاً من الانفعال أو التجمّد.

2. الاعتماد على النقد الذاتي بوصفه وسيلةً للتحفيز

في حالات الضغط، يفرز الدماغ مواد كيميائية مثل الدوبامين والنورأدرينالين، ما يعزز التركيز مؤقتاً. لكن هذا النوع من التحفيز يأتي على حساب مواد أخرى مرتبطة بالسعادة، مثل السيروتونين والأوكسيتوسين والإندورفين. لذلك، فإن الاعتماد على النقد الذاتي قد يمنح دفعة قصيرة المدى، لكنه يؤدي في النهاية إلى استنزاف الطاقة والشعور بالإرهاق. وعند الشعور بالإحباط، يُنصح بتحويل التركيز من النتائج السلبية إلى الأهداف الإيجابية التي تسعى لتحقيقها.

3. الهوس بتتبع جودة النوم

قد يبدو تتبع النوم باستخدام الأجهزة الذكية مفيداً، لكنه قد يتحول إلى مصدر إضافي للقلق، خصوصاً عندما تنشغل ببيانات لا يمكنك التحكم بها مباشرة. بدلاً من ذلك، يُفضّل التركيز على العادات التي تدعم نوماً جيداً، مثل التعرض لضوء الشمس صباحاً، والحفاظ على مواعيد نوم منتظمة، وممارسة الرياضة، واتباع روتين مسائي هادئ يساعد على خفض مستويات التوتر.

4. تعدد المهام عند الحاجة إلى تركيز عميق

قد يعطي التنقل بين المهام المختلفة شعوراً زائفاً بالإنتاجية، نتيجة دفعات صغيرة من الدوبامين. لكن في الواقع، يؤدي ذلك إلى إرهاق قشرة الفص الجبهي، المسؤولة عن اتخاذ القرارات وحل المشكلات. هذا الإرهاق قد ينعكس في صورة أخطاء متكررة وإجهاد ذهني. لذا، عند الحاجة إلى التركيز، يُفضّل تقسيم العمل إلى فترات زمنية قصيرة، والتركيز على مهمة واحدة في كل مرة.

5. تجاهل المشاعر بحجة التفاؤل الدائم

رغم أهمية التفكير الإيجابي، فإن تجاهل المشاعر السلبية أو إنكارها قد يؤدي إلى نتائج عكسية. فمحاولة فرض التفاؤل قد تعيق القدرة على التعامل مع الواقع. الأفضل هو الاعتراف بالمشاعر وتسميتها بوضوح، إذ يساعد ذلك على تخفيف الضغط عن اللوزة الدماغية، ويمنح الدماغ فرصة لاستعادة توازنه والتعامل مع الموقف بوعي أكبر.

6. ربط القيمة الذاتية بالإنتاجية فقط

يرتكب كثيرون خطأ ربط قيمتهم الذاتية بمدى إنتاجيتهم أو إنجازاتهم، ما يؤدي إلى ارتفاع مستويات التوتر والإرهاق على المدى الطويل. ويشير كورب إلى أن هذا النمط قد يمنح دفعات مؤقتة من التحفيز، لكنه يستنزف الطاقة النفسية مع الوقت. لذلك، من المهم تذكير النفس بأن القيمة الذاتية لا تقتصر على الإنجاز، وأن بذل الجهد بحد ذاته أمر كافٍ.


من «البلد» إلى الباحة… كيف تراهن سينما مستقلة على مدن لم تصل إليها الشاشات بعد؟

سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)
سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)
TT

من «البلد» إلى الباحة… كيف تراهن سينما مستقلة على مدن لم تصل إليها الشاشات بعد؟

سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)
سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)

في لحظةٍ تستعيد فيها «جدة التاريخية» دورَها حاضنةً للحكايات، بدأت «سينما البلد» مشروعها من الأزقة القديمة، لا بوصفها فعالية عابرة، بل بصفتها تصوّراً مختلفاً للسينما في السعودية.

مشروع ينطلق من الذاكرة، ويتجه بخطى مدروسة نحو مدن المملكة، جاعلاً أولى محطاته خارج جدة في منطقة الباحة، حيث لا توجد حتى الآن دور عرض سينمائي.

البداية من «البلد»... حيث السينما ذاكرة مكان

اختارت «سينما البلد» أن تبدأ من المكان الأشد ارتباطاً بالهوية البصرية والثقافية، لتعيد تعريف تجربة المشاهدة خارج القاعات التجارية. هنا، لم تكن الشاشة وحدها هي البطل، بل الأزقة نفسها، التي تحولت فضاءً سردياً يشارك في الحكاية.

«سينما البلد» في نسختها الأولى بجدة التاريخية (سينما البلد)

يوضح لـ«الشرق الأوسط» مؤسس «سينما البلد»، المخرج عبد الله سحرتي، أن المشروع جاء لسد فجوة واضحة في المشهد المحلي، حيث «طغت السينما التجارية داخل المجمعات، وغابت السينما الفنية المستقلة التي تخلق حالة ثقافية وتمنح مساحة للأعمال المختلفة». بهذا الوعي، انطلقت النسخة الأولى، واضعة الأساس لتجربة لا تشاهَد فقط، بل تُعاش.

«سينما البلد» في نسختها الثانية على سطح «متحف طارق عبد الحكيم» (سينما البلد)

من الأزقة إلى السماء... تجربة «الكادر السينمائي»

في النسخة الثانية، تطورت الفكرة بصرياً ومفاهيمياً، وانتقلت العروض إلى سطح «متحف طارق عبد الحكيم»، حيث صُممت التجربة ليصبح المشاهد داخل «كادر سينمائي حي».

هنا، تتداخل العمارة الحجازية مع السماء المفتوحة والصوت المحيط، ليجد الجمهور نفسه جزءاً من المشهد، لا مجرد متلقٍ له... تجربة نقلت العلاقة بالفيلم من الاستهلاك إلى التفاعل، ومن المشاهدة إلى المعايشة.

«سينما البلد» في الباحة تستعد لبدء أعمالها داخل «بلجرشي مول» (سينما البلد)

الباحة... أول اختبار للتوسع خارج المدن الكبرى

بعد تثبيت حضورها في جدة، تتجه «سينما البلد» إلى الباحة، وتحديداً في «بلجرشي مول»، لتكون أول دار سينما في المنطقة. الخطوة تحمل دلالة تتجاوز الجغرافيا؛ فهي تعكس تحولاً في خريطة العرض السينمائي، التي لم تعد حكراً على المدن الكبرى.

فالباحة، بما تمتلكه من خصوصية ثقافية وجمالية، تكشف عن جمهور «متعطش لتجربة سينمائية حقيقية»، خصوصاً أن المشروع يحظى بدعم لافت من الجهات الحكومية؛ مما ساهم في تسهيل انطلاق هذه التجربة النوعية.

أرقام السوق... بين النمو التجاري والحاجة إلى البديل

يأتي هذا التوسع في وقت يشهد فيه قطاع السينما السعودي نمواً متسارعاً. ووفق «تقرير شباك التذاكر السعودي 2025»، فقد بلغ إجمالي الإيرادات نحو 920.8 مليون ريال، مع بيع 18.8 مليون تذكرة، عبر 603 شاشات، في 62 دار عرض، موزعة على 10 مناطق، بمتوسط سعر تذكرة يبلغ نحو 49 ريالاً.

كما سجلت الأفلام السعودية حضوراً متنامياً، بإيرادات بلغت 122.6 مليون ريال من خلال 11 فيلماً، مع بيع 2.8 مليون تذكرة.

وتُظهر بيانات «التقرير» هيمنة الأفلام التجارية ذات طابع الأكشن والكوميديا على الحصة الكبرى من الإيرادات، في حين تستحوذ «التصنيفات العمرية الأعلى (R18)» على النسبة الكبرى من السوق؛ مما يعكس طبيعة التوجه العام للجمهور.

في هذا السياق، تبدو «سينما البلد» خياراً موازياً لا ينافس السوق التجارية بقدر ما يكملها، عبر تقديم مساحة للأفلام المستقلة التي قد لا تجد طريقها إلى هذه الأرقام الكبيرة.

«سينما بوتيك»... حين تصبح التجربة أهم من العدد

تحافظ «سينما البلد» على نموذجها الخاص، من خلال قاعة لا تتجاوز 35 مقعداً، في ما يُعرف بـ«سينما بوتيك»... خيار يضع جودة التجربة في مواجهة اتساع القاعات. في هذه المساحة الصغيرة، يصبح الفيلم تجربة شخصية، ويُفتح المجال للنقاشات والورشات؛ مما يعزز فكرة «المجتمع السينمائي» بدلاً من جمهور عابر.

ومع انتقال المشروع إلى الباحة، يرتفع عدد العروض اليومية إلى 6 عروض، مقارنة بعرضين فقط في جدة، في مؤشر واضح على حجم الطلب المتوقع.

ولا يتوقف المشروع عند العرض، بل يمتد إلى الجانب التعليمي، عبر ورشات عمل وليالٍ مختصة تستهدف صناع الأفلام السعوديين، مع توفير منصة دائمة لعرض الإنتاج المحلي.

يصف سحرتي هذا الأثر بأنه «منح الأمل والفرصة»، حيث أصبح لدى صانع الفيلم المحلي نافذة تعرض عمله بعيداً عن شروط السوق التجارية.

مشروع يتنقل... وسينما تعود إلى معناها الأول

من «البلد» إلى الباحة، تتشكل ملامح مشروع يسعى إلى التنقل بين مدن المملكة، حاملاً معه نموذجاً سينمائياً مختلفاً، يربط الفيلم بالمكان، ويعيد للجمهور دوراً أكبر فاعلية في التجربة.

وفي ظل أرقام سوق تتسع يوماً بعد يوم، يبدو أن الرهان لم يعد فقط على عدد الشاشات، بل على نوعية التجربة نفسها... تلك التي بدأت من الأزقة، وتستعد إلى أن تصل إلى كل مدينة تبحث عمّن تشبهها.


«السباحة» و«الفروسية»... رهان مصري جديد على السياحة الرياضية

بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)
بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)
TT

«السباحة» و«الفروسية»... رهان مصري جديد على السياحة الرياضية

بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)
بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)

نظمت مصر بطولتين رياضيتين للترويج لمقاصدها السياحية عبر السياحة الرياضية، في إطار تعزيز تنافسية المقصد السياحي المصري، والترويج للمنتجات السياحية المتنوعة التي يتمتع بها، وقامت وزارة السياحة والآثار، ممثلة في الهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي، برعاية بطولة كأس العالم للسباحة في المياه المفتوحة 2026، وهي إحدى جولات سلسلة كأس العالم المعتمدة من الاتحاد الدولي للألعاب المائية (World Aquatics)، إلى جانب بطولة كأس مصر للفروسية 2026، وذلك بمنطقة سوما باي بمحافظة البحر الأحمر.

وعدّ وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، رعاية الوزارة لهذه الفعاليات، تأتي في إطار استراتيجية الوزارة لتنويع المنتج السياحي المصري تحت شعار «مصر... تنوع لا يُضاهى»، مؤكداً، في بيان للوزارة، الأربعاء، «أهمية السياحة الرياضية، لما لها من قدرة على جذب أنماط جديدة من السائحين، فضلاً عن إبراز المقاصد السياحية المصرية بوصفها وجهات قادرة على استضافة كبرى الفعاليات الدولية».

تنظيم بطولة للفروسية في البحر الأحمر (وزارة السياحة والآثار)

وأطلقت مصر سابقاً حملة بعنوان «مصر... تنوع لا يضاهى» للترويج للأنماط السياحية المتنوعة في مصر بين السياحة الثقافية والشاطئية والرياضية والترفيهية والعلاجية وسياحة المؤتمرات والسفاري، وغيرها من الأنماط المتنوعة.

وأكد الرئيس التنفيذي للهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي، الدكتور أحمد يوسف، أن رعاية الهيئة لهذه البطولات تأتي في إطار حرصها على دعم الفعاليات الرياضية والسياحية التي تسهم في الترويج للمقصد السياحي المصري، وتعزيز الحركة السياحية الوافدة، خصوصاً في ظل ما تمتلكه مصر من مقومات متنوعة تؤهلها لاستضافة كبرى الفعاليات الدولية والإقليمية.

وأكد أن تنظيم هذه البطولات بإحدى أبرز الوجهات السياحية المصرية، يبعث برسالة واضحة للعالم عن أمن واستقرار المقصد المصري، وقدرته على تنظيم الفعاليات الدولية باحترافية عالية.

وأُقيمت بطولة كأس العالم للسباحة في المياه المفتوحة 2026 بالتعاون مع شركة «أبو سوما للتنمية السياحية»، وشارك بها هذا العام 30 اتحاداً وطنياً من خمس قارات، بإجمالي 124 رياضياً، وأُقيمت مباريات البطولة للعام الرابع على التوالي في مارينا سوما باي المطلة على ساحل البحر الأحمر، حيث تضمن البرنامج الرياضي سباق 10 كيلومترات للرجال والسيدات، إلى جانب سباق التتابع المختلط للفرق.

بطولة الفروسية شهدت مسابقات عدة (وزارة السياحة والآثار)

ويرى الخبير السياحي المصري، محمد كارم، أن «السياحة الرياضية نمط سياحي ينمو بطريقة مطردة على مستوى العالم، وهي مهمة لمصر في هذا التوقيت؛ لأنها ليست بطولات فقط، وإنما هي صناعة سياحية متكاملة تتضمن معدل إنفاق مرتفعاً».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «بطولات مثل السباحة أو الفروسية تجذب عدداً كبيراً من اللاعبين والفرق من دول مختلفة، بالإضافة إلى الأجهزة الفنية والتنظيمية والجمهور والإعلام المرافق لهم لتغطية الأحداث. كل هذا يؤكد أن هناك حركة طيران نشطة ونسبة إشغال عالية في الفنادق أو الوحدات السياحية، ونسب إنفاق مرتفعة على المطاعم والخدمات المختلفة والزيارات الخاصة بالمعالم السياحية، خصوصاً في شرم الشيخ والغردقة والمناطق السياحية بالبحر الأحمر التي تمتلك بنية سياحية قوية، وتتمتع بمناخ معتدل على مدار العام».

وأوضح كارم أن «السائح الرياضي عادة ما تكون نسبة إنفاقه مرتفعة؛ فهو يقيم قبل البطولة وفي أثنائها وبعدها، واختيار السباحة والفروسية في هذا التوقيت يؤكد أن مصر من الدول القوية جداً، وأنها ضمن المنافسة على جذب السياحة الرياضية على مستوى العالم».

وتعد بطولة كأس مصر للفروسية 2026، التي أقيمت بالتعاون مع شركة «أبو سوما للتنمية السياحية»، وبالشراكة مع الاتحاد المصري للفروسية، من أبرز البطولات الوطنية المعتمدة في هذا المجال، حسب بيان الوزارة؛ إذ شارك بها نخبة من أفضل الفرسان والأندية المصرية، وفق معايير تنظيمية ومهنية تتماشى مع اشتراطات الاتحاد المصري للفروسية.

وتعتمد مصر على السياحة بوصفها أحد أهم مصادر الدخل القومي، وحققت خلال الأعوام الأخيرة أرقاماً قياسية في جذب السائحين من الخارج، وصلت في عام 2025 إلى أكثر من 19 مليون سائح، وتطمح مصر إلى اجتذاب 30 مليون سائح لزيارتها سنوياً بحلول عام 2031.